رواية الداهية وسلالة الأوغاد الفصل الثالث 3 - بقلم أمل نصر
"أنا أمجد حفيدك يا جدي، ودي أريج أختي التوأم."
سمع أدهم ليحدق بتمعن وهو يطالع الاثنين بعدم استيعاب وملامح منزعجة، أما أريج والتي وعت لعبارة شقيقها، فالتفت برأسها إليه بحدة تهتف به معارضة هذيانه:
"إيه اللي انت بتقوله ده؟ وإزاي ده يبقى جدك؟ وسعيد.. سعيد ابن خالي راح فين؟ وإيه اللي حصل ده بالظبط؟"
التفت برأسه إليها أمجد يجيبها بنزق ضاغطا على اسنانه:
"أيوه هو جدك يا أريج، بعد التعويذة اللي قريتها روحه رجعت تاني ولبست جسم الأهبل ده اللي مش عارف انا جه هنا إمتى؟ وإزاي اتسحب لغاية ما جدي اختاره ودخل جسمه بدالك."
"أكيد كان بيراقبني ودخل ورايا..."
قالتها غافلة في البداية قبل أن تعي لبقية الجملة، مستدركة ما كان يدبره لها شقيقها الملعون من أجل مصلحته :
"يعني أنت جايبني مخصوص عشان تقرأ التعويذة عليا وترجع روح الراجل الكركوبة ده في جسمي أنا؟ يلعنك يا واطي.. عايز تضحي بأختك عشان خاطر الجوهرة؟ أنا عارفة إنك ندل، بس متخيلتش إنك توصل للدرجة دي من الخسة!"
صرخت بالأخير وهي تجذبه من تلابيب قميصه بصوت عالٍ، فجعلته هو يصرخ بدوره وهو يحاول فك كفيها عنه:
"ملعون ابو غباءك! يا غبية افهمي.. زي ما جبته كنت هصرفه تاني بعد ما يقولي مكان الجوهرة. شغلي عقلك التافه ده ولو مرة وفكري قبل ما تحكمي!"
أكملت بصراخها دون أن تتركه:
"أفكر في إيه! وأنا معايا أخ خاين زيك كان هيضحي بيا؟ يا ندل!"
"إنتي غبيييية."
"وأنت جباااان."
أدهم والذي كان يتابع شجارهم بضجر، على إثر صرخاتهم الأخيرة لم يتحمل الانتظار فصاح بنفاذ صبر يجفلهم بصوته الجهوري الأجش:
"كفاية!"
انتفض الإثنان لينتبها إليه، وقد تخلت أريج عن الإمساك بأخيها خوفًا من هذه الهيئة المرعبة، لمن تراه أمامها بوجه سعيد ابن خالها المسالم والمتسامح معها لدرجة البلاهة، وقد تحولت ملامحه الآن لهذا الشكل الغريب والمخيف مع نبرة الصوت التي تذكرها برجال كانت تشاهدهم بأفلام الأبيض والأسود.
تحركت شفتي الرجل بتأنٍ ليهم ببدء الحديث بينهم باتزان شديد، عكس ابن خالها الذي كان يزلف بالكلمات وبعدها يفكر ماذا قال:
"يعني أنتم اللي عملتوا الحركة الملعونة دي عشان تعرفوا مكان الجوهرة اللي طيرت عقل العيلة كلها وأنا حي.. ودلوقتي اكتشفت إن الحال هو هو وأنا ميت كمان!"
رد أمجد بإعجاب:
"أيوه يا جدي فعلاً، ده من وقت ما مِتّ وأجيال ورا أجيال من العيلة مابطلتش تدوير وبحث، ده احنا كنا هنوّقع الحيطان عشان نشوف لو كنت مخبيها تحتها، عملتها إزاي يا راجل أنت؟ أنا حبيتك من قبل ما أشوفك بسبب الحركة الصايعة ديه".
تطلعت أريج لشقيقها بازدراء، أما أدهم فقد تبسم بتكلف قبل أن يجيبه بزهو:
"أنا غلبت الكل بذكائي، ولولا لِعب البورصة اللي فلّس شركاتي في غمضة عين، كنت زماني ملكت نص المدينة بفلوسي، بس مش مهم".
"أدهم الفيومي محدش يعرف ياخد منه حاجة غصب عنه، أنا قدرت أبيع كل الأراضي والعقارات اللي حيلتي وحطيت كل الفلوس في الجوهرة النادرة دي، عشان لما أعلن إفلاسي الديانين مايلاقوش حاجة باسمي، حتى القصر اللي كنت ساكن فيه بعته باسم مراتي".
"هاها".
تفوهت بها أريج ساخرة قبل أن تواجهه برأيها دون مواربة:
"وهو ده اللي أنت فرحان بيه دلوقتي يا راجل؟ أنت باللي عملته ده خلقت أزمة كبيرة بين ورثة العيلتين، وخليت القصر حاله واقف ومحدش عارف يتصرف فيه ولا يبيعه".
"لا أنت نَفعتنا بميراثك ولا حتى كفيتنا شر المشاكل، الكل بقى ناقم عليك بسبب عملتك دي من عشرات السنين".
اضطرب أمجد من كلمات شقيقته وقد رأى نتيجتها على ملامح أدهم التي انقلبت لعبوس شديد، قبل ان يهدر بها سائلاً:
"أنتي مين يا بت أنتي؟ وجبتي منين طول اللسان وقلة الحيا دي وأنتي بتردي على جدك؟".
تدارك أمجد ليُنقذ الموقف سريعًا بقوله لأدهم:
"معلش يا جدي ماتؤاخذهاش، هي بس متضايقة دلوقتي ومش عارفة بتقول إيه، سيبك منها وخليك معايا أنا".
"أنا حفيدك اللي مبهور بيك طول عمره، قولي يا جدي مكان الجوهرة فين، وأنا هبني لك مقبرة رخام بدل القديمة اللي بتقع دي في حوش العيلة، ولو عاوزني أبني لك مقام أو متحف هعمل كدة".
قلبت أريج عينيها بسأم من تملق شقيقها المبالغ فيه لادهم ، تغمغم بصوت واضح:
"بتاع مصلحته ومنافق، يبيع أهله عشان القرش".
جز على أسنانه أمجد غيظًا منها، قبل أن يتجه ليرى رد فعل أدهم الذي ناظره من تحت أجفانه بغموض ورأسه المائلة للخلف، ثم رد يفاجأ الشقيقين:
"ومين قالك إني عاوز أرجع للموت تاني؟".
شهقة استنكار خرجت من حلق اريج ولكن شقيقها منعها عن الكلام بنظرة محذرة جعلتها تبتلع اعتراضها رغم عدم تقبلها للفكرة أو تقبل احتلال هذا الرجل لجسد سعيد ابن خالها الذي كان يساعدها دائمًا في الدراسة، فتحدث يهادنه على تردد وتخوف:
"مش معقول يحصل غير كدة يا جدي، لازم ترجع لمكانك الطبيعي عشان كمان ابن خالي الغلبان يرجع لحياته، اعمل خير بقى وقولنا مكان الجوهرة فين؟
اهتزت رأس أدهم بغموض، ثم تحرك يطوف بعينيه في قلب المكان، لتستغل أريج الفرصة في الهمس لشقيقها بلهجة حازمة:
"اعمل أي حاجة ورجع الأمور لوضعها الصح، الراجل ده لازم يرجع للموت تاني، ما ينفعش يفضل مكمل معانا ومسيطر على جسم سعيد.."
ردد من خلفها هامسًا بغيظ:
"فهمت فهمت، اقفلي بقك دلوقتي ولو لدقائق، خلينا نسايسه في الأول."
حدجها بنظرة صارمة قبل ان يتتبه الى قول أدهم:
"ليه حاسس إني عارف المكان ده مع إني ماعرفوش؟"
تطلعت إليه أريج بلهفة وافتر فاهاها بذهول وشغف تهم بأن تتحفه بالأخبار الشيقة، ولكن شقيقها قد سبقها في مهمة الرد:
"المكان مألوف عشان هو فعلاً بتاعك يا جدي، ده قصرك."
التف إليه أدهم بصدمة لم تؤثر في أمجد الذي تابع بالشرح:
"دا قصرك يا جدي ودي الصالة الكبيرة، ودي دفايتك اللي لقوك مرمي على الأرض جنبها وقت ما اتقتلت."
"أنت بتخرف بتقول إيه يا غبي؟"
صرخ به أدهم متهجد الأنفاس وابصاره تجول في الأركان المألوفة اليه، ليشير بذراعيه على الأرجاء حوله بعدم استيعاب وهو يقترب بخطواته منهما:
"صالة قصري أنا اللي كانت مليانة تحف وأنتيكات من معارض أروبا والعالم؟"الستاير الحرير، السجادة الإيراني الكبيرة، الصالون المذهب.. راح فين كل ده عشان تبقى فاضية كدة؟ عملتوا إيه عشان تسيبوا كل الخراب ده؟ دفايتي يا أوغاد، إزاي أهملتوها كدة؟"
خرجت صرخاته الأخيرة بانهيار حتى أن قدميه لم تعد تتحملانه فسقط جاثيًا على ركبتيه، وتدلى رأسه للأمام، ينتحب بكلمات غير مفهومة؛ عقبت أريج على فعله ساخرة:
"إيه الدراما الأوفر دي يا جدي؟ أنت مش على مسرح عشان تمثل بالإخلاص ده! حضرتك ميت بقالك سنين وماسبتش وراك ولا مليم، مستني إيه من الورثة؟ وإحنا أصلاً مش عارفين نبيعه."
رفع أدهم رأسه إليها بحدة يخاطبها:
"طريقتك مش عجباني يا بنت انتي، ولا عاجبني تريقتك وقلة أدبك، بس أنا مضطر أسألك، عملتوا إيه في حاجتي؟"
اجابه أمجد ببساطة غير مكترث بانفعال الرجل المبالغ فيه:
"اتباعت يا جدي، كل فتفوتة سبتها وراك، الورثة باعوها حتى خشب الأرض.
وقطع الأثاث القديمة التي كانت مرمية في البدروم بإهمال، ما سابوش حاجة، حتى هدومك اتباعت لبياع الروبابيكا، واللي مينفعتش ينباع زي الفلنات البيضا والحاجات التانية، أخذتها الأمهات، وعملوا منها مخدات وفوط للمطبخ وخرقة لمسح الأرضية.
اصفر وجه الرجل وتجمد فاغرًا فاه، يمسك بكفه على موضع قلبه، وكأنه على وشك التوقف، لتهتف به أريج مستهجنة:
"إيه اللي بتعمله ده يا جدي؟ دا على اساس انك هتتصاب بأزمة قلبية مثلا؟ ولا فاكرنا هنخاف على صحتك؟ إنت ميت أصلًا يا حبيبي!"
هنا قد فاض به الرجل ونهض يصرخ بهما:
"يا أندال يا واطيين، مش هسكت على حقي ولا على حاجتي اللي ضيعتوها، أنا هقوم أحصرهم دلوقتي واحدة واحدة عشان أعرف إيه اللي نقص، ومش هسامح في أي حاجة ضاعت.. مش هسامح!"
قال كلمته الأخيرة واندفع بأقدامه نحو الغرف ليرى ويكتشف بنفسه حجم المفقودات والخراب المهيمن على القصر.
تطلع التؤمان في أثره صامتين حتى اختفى من أمامهما، فخطا أمجد حتى توقف ليستند بجسده على أحد الجدران من خلفه، وأخرج علبة سجائره، ليتناول واحدة ويشعلها بقداحته ثم ينفث دخانها في الفراغ أمامه، فاقتربت منه شقيقته لتسأله:
"هنفضل مستنيين مع المعتوه ده لحد إمتى يا أمجد من غير فايدة؟ الوقت سرقنا أوي."
نفث سحابة من الدخان بوجهها ثم أجابها بهدوء:
"ما تشغليش بالك، إحنا هنألف أي حجة ونقنع بيها أبويا وأمي على التأخير ده، أما المعتوه ده، فمش هسيبه غير لما أعرف منه مكان الجوهرة فين."
سألته بارتياب مع سماعها لهذه الأصوات الغريبة التي تصلها كالسباب والشتائم القبيحة من الداخل:
"وهتعرفها إزاي والمجنون ده عمال يندب وينوح على الأطلال زي النسوان في حاجات ضاعت منه من سنين؟"
هرش بطرف إبهامه على جانب من فكه، ثم رد بالتزام ضبط النفس:
"سيبيه ياخد وقته ويطلع غله ويستوعب اللي بيحصل، اهدي إنتي بس، وهو اللي هيجي لغاية عندنا ويترجانا عشان نرجعه مكانه الأمان، ونرحمه من العالم القاسي ده."
أومأت برأسها بتفهم، ثم التفت لتستند بجواره، وتناولت منه السيجارة لتنفث منها الدخان بحرفية جعلته يسألها مستغربًا:
"إنتي بتشربي سجاير من إمتى يا بت؟ باين عليكي مش أول مرة."
ردت أريج بكل هدوء:
"مش فاكرة من إمتى بالظبط بس بدخن من زمان، في الأول كنت بسرقها من جيب بابا، وبعدها بقيت بسرقها من جيب نيازي، أما إنت بقى طول عمرك أستاذ في إنك تخبيها.. ملعون بجد!"
مصمص بشفتيه ليرد وهو يحرك رأسه بعدم رضا:
"والله جدي عنده حق لما قال عليكي قليلة أدب وما عندكيش دم."
تبسمت بمرح مستجيبة لتفكه شقيقها، ثم أجفلت فجأة معه على صوت جدها الآتي من الداخل بصراخه:
"الله يلعنكم يا شوية أوغاد، ما سبتوليش حاجة! الله يلعنكم، سلالة وباء وقذارة، فالحين بس في البوظان."
التفتت أريج إلى شقيقها تخاطبه:
"جدك بيشتم بألفاز فظيعة."
رد أمجد يمط بشفتيه:
"أيوه فعلاً، والظاهر كدة إننا هنستنى كتير النهاردة."
.... يتبع
الفصل الرابع
نيازي.. أنت يا ولد يا نيازي!
يصل إليه الصوت داخل غرفته، فتأفف يمصمص بشفتيه، تكرار النداء المستمر من والدته المستمر، يضيع عنه تركيزه المنصب الآن على قصيدته الشعرية الجديدة، وهو يكتب ويردد بفمه ليستشعر لحن الكلمات.
وفي عيونها تختفي النساء، وفي عيونها ينصهر الجليد، وفي عيونها تستقر ... "لا لا.. الكلمة دي اتكررت كتير، لازم أشوف لها بديل."
يردد بالحديث الى نفسه كي يصب تركيزه على الورقة التي يدون بها ابياته، يحاول إيجاد كلمة أخرى للبيت الشعري، قبل أن ينتفض فجأة ويرفع رأسه نحو والدته التي هجمت مقتحمة عليه غرفته بدفع الباب بقوة::
"صوتي اتنبح يا غبي! مابتردش عليا ليه؟"
ضرب بكفه على ورق القصيدة ليجيبها بنزق:
"نعم يا أمي! هو في إيه لكل ده أصلاً؟ مش من حقي أقعد مع نفسي شوية؟ إنتي ضيعتي مني الإلهام باللي عملتيه ده!"
صرخت أحلام بوجهه بعدم احتمال:
"كفاية بقى يا غبي، واديني فرصة أتكلم معاك! شاغل نفسك بالإلهام والبتاع الغبي اللي بتكتبه ده، ومش بتسأل حتى إخواتك فين لحد دلوقتي؟ الساعة داخلة على تسعة وتوأم الهم لسه مابانووووش!"
ضاقت عيني نيازي، يسألها بتهكم:
"وأنا مالي بيهم؟ يروحوا في داهية! أنا مايهمنيش حد فيهم عشان أسأل ولا أتعب نفسي وأفكر راحوا فين.. مش هضيع وقتي الغالي وأشغل بالي بحاجة تانية غير الشعر."
فاض بها من استخفافه لتضرب بكفها على سطح ورق القصيدة فوق المكتب تقول بعنف:
"وأنا كمان مايهمنيش شعرك! أنا عايزة إخواتك.. عايزة أطمن عليهم. هو أنا مكتوب عليا التعب من كل اللي في البيت ده؟ سواء أبوكم اللي قاعد يدعي عليهم في أوضته من كتر خنقته منهم وفقدانه الأمل فيهم.."
ثم أكملت بحدة:
"أو برودك إنت دلوقتي وإنك مش عايز حتى تدور ولا تسأل عليهم.. ده غير التانيين اللي معندهمش دم وغايبين لحد دلوقتي ومحدش فيهم فكر يطمني حتى برسالة.. قطيعة تاخدكم كلكم، أنا شكلي هموت على إيديكم!"
قالت الأخيرة بصوت مجهد متعب، وهي تجلس على الكرسي المقابل له، فطالعها هو ببعض الندم، ليهون عليها محاولا توضيح وجهة نظره:
"سلامتك يا أمي، بس أرجوكي ماتلوميش عليا، وما تزعليش من كلامي.. بصراحة يعني الزفت أمجد ده والست أريج، مايتحافش عليهم أبداً."
واستطرد موضحاً:
"وده لسببين؛ أولهم إن أمجد ده عقله شيطان، وأخته تابعة ليه دايماً وأبداً.. ومظنش إنها ممكن تسيبه أو تتخلى عنه في أي مصيبة بيعملها، وقلبي بيقولي إن ده اللي بيحصل بالظبط دلوقتي."
احتدت أحلام فلم تعجبها طريقته رغم اقتناعها التام بحديثه:
"حتى لو اللي بتقوله ده حقيقي، ده مش مبرر إنك تبلط مكانك كده وتقول مش هدور ولا أسأل."
أرجوك يا بني، قوم يا حبيبي دور حتى على اختك اللي طلعت من الصبح، لتكون المرة دي خرجت لوحدها من غير وش المصايب التاني، ولا يمكن جرالها حاجة؟ يا مصيبتك يا احلام؟ سلم يارب سلم يارب.
صرخ نيازي يوقف وصلة النحيب التي بدأت:
"يا دي النيلة يا أمي! أنتي بتألفي القصة وتصدقيها عشان تصوتي؟ طيرتي الإلهام من راسي لدرجة إني نسيت بيت الشعر اللي كنت بكتبه.. بتزعقي فيا أنا عشان أنزل أدور عليهم، وسي بابا قاعد جوه بيتحجج إنه غضبان عشان ميهزش طوله ويخرج من أوضته.. بجد دي عيلة تقرف وما يجيش من وراها غير الهم!"
تفوه بالأخيرة وهو ينهض ضاربًا بكف يده على سطح المكتب بغضب، تبعته بأنظارها أحلام وهو يذهب نحو خزانة ملابسه، لتردد بالكلمات الممتنة:
"يريح قلبك يا ابني، ويبعد عنك كل سوء، ويرضيك في دنيتك زي ما جبرت بخاطري دلوقتي."
"خلاص يا أمي، مش عايز دعواتك اللي مبتخلصش دي.. سيبيني في حالي أغير لبسي، ولا تحبي أغير رأي وما أنزلش خالص؟"
"لا لا، أنا خارجة أهو يا حبيبي، غير أنت براحتك."
تمتمت بها أحلام وهي تنهض راكضة للخروج من الغرفة، لتتركه يزفر غاضبًا، يلعن حظه السيئ بانتمائه لهذه الأسرة.
※-※-※
وإلى داخل القصر المهجور وقد خرج إليهم أدهم، بعد أن ألقى نظرة على جميع الغرف في منزله، وأفرغ شحنة النحيب والصراخ على المفقودات والخراب الذي حل به
بوجه مكفهر حانق، وقعت عينيه عليهما، فوجدهما قد افترشوا الأرضية، يتناولون شطائر لا يعلم بمحتواها، فصرخ مصعوقًا بما يراه:
"الله يحرقكم يا مقرفين! إزاي بتاكلوا على الأرض كده زي الفلاحين وعمال النظافة؟ جاتكم القرف!"
ضحكت أريج تجيبه وهي تقطم قطعة وتمضغها بفمها:
"إحنا مش على الأرض بالظبط يا جدو، أنا حطيت كشكول المحاضرات بتاعي على الارض وقعدت عليه."
تغضنت ملامح أدهم بامتعاض شديد ليضاعف عليه الآخر بقوله:
"أما أنا يا جدي فقاعد مربع رجلي ومرتاح جداً، وإيه لزمته بوظان الكشاكيل؟ وهدومي أول ما هقوم ههزها من التراب وخلاص، ولو اتوسخت فـ ست الكل ربنا يخليها مش مقصرة أبداً في الغسيل والمكوة."
جأر أدهم المصدوم من تدنيهم لهذه الدرجة في نظره:
"يحفظها هي، ويا رب ما يحفظك أنت أبدًا يا عديم الإحساس! مابتفكرش قبل ما تبوظ لبسك وتتعب أمك في تنضيفه؟ والغبية أختك، قاعدة فوق كشكول العلم اللي المفروض يتشال فوق الراس!"
لما تتأثر شهية الاثنان قيد أنملة، وقد ظلا صامتين يناظرنه ببرود وهم يكملون تناول طعامهم، فيبادلهم هو التحديق يحدق بهم بازدراء حتى سأل هادرًا بهم:
"لعنة الله عليكم، طب أنا هعمل فيكم إيه دلوقتي يا جوز البلداء؟"
رد أمجد بكل برود:
"يا جدي ما أنا قولتلك، دلني على مكان الجوهرة فين عشان أريحك من قرفنا وأرجعك للنعيم اللي كنت فيه."
ضيق عينيه أدهم بارتياب يسأله بتحدي:
"ولو ما عملتش كدة، إيه اللي هيحصل؟"
توقفا الإثنان يناظرنه ببلاهة ليصدمهم بقوله:
"لو مارجعتش -وده اللي ناوي عليه فعلاً- يبقى هخرج من هنا من غير ما أدلكم على مكان جوهرتي.... عشان لا يعنيني شيء منكم بعد ما ربنا وهبني حياة تانية في الجسد ده، أعيش بقى وأرجع أمجادي من تاني، وتغوروا أنتم في داهية!"
قالها وتحرك بأقدامه، فنهض على الفور أمجد ليمسك به قائلًا:
"استنى بس يا جدي، بلاش تهور.. أنت مش عارف إيه اللي مستنيك بره."
سأله أدهم باستخفاف:
"أها.. وإيه بقى اللي مستنيني يا حبيب جدك؟"
صفن أمجد يفكر في حيلة، فسبقته شقيقته بالرد:
"مستنيك عالم متوحش، مش هتعرف تعيش فيه.. الناس كلها دلوقتي بقوا زي بعض، مفيش "باشا" ولا "بيه" ولا الكلام ده خالص.. يعني مش هتلاقي الاحترام اللي أنت عاوزه. والأهم من كل ده، إن الجسم اللي أنت لابسه دلوقتي بأنانيتك ده يبقى جسم "سعيد" ابن خالي، وهو فلاح ومن أصل فلاح كمان!"
شهق أدهم صارخًا بهلع يتأمل جسده وملابسه:
"يا حيوانات! هو العالم ضاق بيكم لدرجة إنكم ملقتوش باشا ولا حد له قيمة تعملوا عليه تجربة البعث دي؟ أنا الباشا أدهم الفيومي، روحي ترجع في جسم فلاح؟ يا دي الفضيحة يا أوغااااد!"
صرخ به أمجد بسأم:
"جرى إيه يا جدي؟ بطل تذمر بقى! إحنا ملقيناش وقت نختار أصلاً.. ده أنا كنت عامل التجربة دي مع أختي عشان روحك ترجع في جسمها هي!"
زادت شهقته الصارخة هذه المرة بهلع يومئ بسبابته نحوه مصدومًا:
"كنت عاوز ترجع روحي في جسم بنت؟ أدهم الفيومي يلبس جسم بنت يا سافل؟"
ردت أريج تدعي البراءة:
"ومن غير علمي كمان يا جدي! كان هيعملها بعد ما ضحك عليا ومفهمنيش حاجة عن التجربة دي!"
... بدقة.
ولكن ربنا نجاني ، بأن روح حضرتك اختارت تلبس جسم ابن خالي سعيد، اللي كان بيراقبني ودخل القصر من ورايا.
صاح بها أمجد مدافعا عن نفسه:
"يعني لو كنت قولتلك كنتِ وافقتي؟ أنتِ أصلاً غبية وعقلك ده مبيفهمش في حاجة غير الموضة وسيرة صاحباتك اللئيمات ونجوم الفن والكورة."
صاحت ترد عليه بدورها:
"أنا مش غبية.. أنت اللي خبيث ومخادع!"
ردد كي يكيدها:
"لأ غبية ومبتفهميش في أي حاجة، وزودي على كده بقى صفتك الأساسية.. رغاية، يا رغاية!"
"ما تستفزش جنوني يا أمجد عشان مجرحكش بكلامي!"
صرخت بها ليقابلها أمجد يهز برأسه ليغيظها، ليرتد هذا المشهد على وجه أدهم بالامتقاع الشديد هادرا بهما بعدم تحمل:
"كفاية بقى! يا ريتكم تحسوا على دمكم شوية، إيه الحماقة وقلة الذوق دي؟ هو أهاليكم معرفوش يربوكم ولا مكنش عندهم وقت؟!"
صمتا الاثنان لتزفر أريج بغيظ ثم تلتف عنه بوجهها للجهة الأخرى، أما أمجد فقد ادعى الاحترام بهزة خفيفة من رأسه، ثم قال:
"وبعدين يا جدي؟ أكيد أنت محتاج ترتاح، عشان كده نصيحتي ليك تقولنا مكان الجوهرة فين.. وأنا أوعدك إني هدعيلك ربنا يسكنك فسيح جناته، عشان أخفف عنك شوية من دعوات الغضب والكره اللي كانت العيلة بتمطرك بيها طول السنين اللي فاتت بعد موتك."
حدجه ادهم بنظرات كاشفة. وبصورة أثارت القلق بقلبا الشقيقان، فقالت أريج بمحايلة:
"اسمع منه يا جدي، كل حاجة اتغيرت بعد موتّك والسنين عدت، وأنت مش هتقدر تساير اللي بيحصل حواليك دلوقتي. ارجع يا حبيبي لمكانك الآمن وقولنا بس الجوهرة فين.. أنا عارفة إن أخويا واطي وميستهلش، بس للأمانة مفيش قدامك حل تاني، هو الوحيد اللي عارف الطريقة اللي هترجعك.. قولنا بقى عشان نخلص من زنه!"
تحمحم يجلي حلقه ثم تحرك بخطوتين ليبتعد عنها، يقطع المسافة القصيرة أمامهم ذهابا وعودة عاقد الكفين من خلف ظهره، وكأنه يدعي التفكير، أمام نظرات الشقيقان المترقبة، ثم ما لبث أن يرفع رأسه ويقول:
"أنا مقدر رغبتكم القوية إنكم تاخدوا الجوهرة، وللحق يعني، اللي عملتوه ده خلاني أعجب بذكائكم جداً..."
ابتسامة بلهاء ارتسمت على وجها الشقيقان ثم ما لبثت أن خبئت سريعاً عقب متابعة أدهم:
"بس يا حبايب قلبي، انا مينفعش أفرق بين أحفادي.. لو اديتكم الجوهرة النادرة.. ده معناه إني بوزع ورثي كله عليكم، وده طبعاً ما يصحش."
عارضه امجد بانفعال:
"وهو مين من أحفادك يعرفك أصلاً عشان تعمل حسابه؟ إنت حارمنا من الميراث ومابقتش تفرق عليك حاجة اصلا من عشرات السنين، وجاي دلوقتي تسأل عن العدل؟ الكلمة دي مش في قاموسك خالص يا أدهم يا فيومي!"
هزَّ أدهم رأسه متصنعاً الحزن، فلم تجد أريج حرجاً في التدخل هي الأخرى قائلةً:
"أيوه يا جدي، إحنا اللي تعبنا ودورنا عليك عشان تدلنا، يبقى لازم تكافئنا.. إحنا نستحق ده."
وما إن نطقت بكلمة "نستحق"، حتى لمعت عيناه، وردد خلفها بنبرة ذات مغزى:
"إحنا نستحق.. جملتك دي يا أريج أثرت فيا بجد، وفكرتني باللي أنا عاوزه.. الجوهرة لازم تروح للي يستاهلها، فـ هل أنتوا فعلاً تستاهلوا؟"
"أيوه طبعاً!!"
صاح أمجد بهذه الكلمة متهكماً، ثم أكمل بغل:
"ومين يعني إن شاء الله اللي يستاهلها غيرنا يا جدي العزيز؟ إحنا اللي خرجناك يا باشا! إنت شايف حد غيرنا هنا مثلاً؟ بلاش تتعبنا معاك يا أدهم يا فيومي، أنا خلاص صبري نفد وزهقت منك.. هات الجوهرة أحسن لك بدل ما أقرأ تعويذة تحرقك قدامي دلوقتي!"
ردَّ عليه أدهم بكل تحدٍّ وثبات:
"وريني هتعمل إيه.. أهو على الأقل أرتاح من غباءكم وأرجع لمكاني الهادي، وترجعوا أنتوا لفقركم وحياتكم الضيقة.. ها؟ مستني إيه؟ وريني شطارتك!"
أججت كلماته نيران الغيظ في صدر الشاب والفتاة، حتى صرخ أمجد:
"تباً ليك ولألاعيبك يا أدهم! إنت عاوز مننا إيه بالظبط يا راجل إنت؟"
وعقبت أريج بحدة:
"كان لازم نتعظ من تاريخك وما نغلطش الغلطة دي ونرجعك.. إنت فعلاً راجل خبيث وبتاع حوارات وبتحب تذلنا، بس إحنا مش هنديك الفرصة دي.. يلا يا أمجد اقرأ التعويذة وخلصنا منه!"
وقف أدهم يرمق أمجد بنظرات ملؤها التكبر والترقب. تردد أمجد للحظات وهو يمسك الكتاب القديم، ثم أغلقه فجأة وصرخ في أدهم:
"وحياة أبوك يا أدهم يا فيومي.. قولنا عاوز إيه عشان تدلنا على مكان الجوهرة؟"
ارتسمت على وجه أدهم ابتسامة نصر، كمن ربح رهاناً كان يعقده مع نفسه. سكت هُنيهة وهو يخطو بينهم بخيلاء يثير غضبهم، ثم قال:
"بيعجبني ذكاءك يا أمجد.. تفرق كتير عن أختك الهبلة دي!"
صرخت به أريج معترضة:
"متقولش عليا هبلة، أنا مسمحلكش!"
صرخ بدوره عليها أمجد:
"اركني كرامتك على جنب شوية يا أريج، وسيبيه يخلص كلامه."
زفرت تشيح بوجهها عنهم، ليتابع أدهم:
"ماشى يا حبايبي، إنتوا لسه قايلين بلسانكم إن باقي العيلة المتفككة دي متستاهلش الجوهرة عشان مدوروش عليا، وعشان أرضيكم.. قررت أديكوا الفرصة إنكم تثبتوا لي إنكم تستحقوها، عشان ضميري ميوجعنيش لما أموت."
عقدت أريج حاجبيها باستفهام، وردد أمجد بنفاد صبر:
"تاني؟ إنت عاوز إيه بالظبط؟ إحنا مش فاهمين منك حاجة يا راجل إنت."
مط بشفتيه أدهم يقول بثقة:
"عاوز أعيش معاكم شوية وقت، لحد ما تثبتوا لي إنكم تستحقوا تفوزوا بالجوهرة."
صرخت أريج بوجهه معترضة:
"تـعيش معانا إزاي؟ إنت اتجننت يا راجل إنت؟ هنقول لأبونا وأمنا إيه عن وجودك معانا في البيت؟ وإنت مش واخد بالك إنك لابس جسم (سعيد) ابن خالي؟ والولد ده أبويا مبيطيقوش أصلاً، فإزاي هيقبله يعيش معانا؟"
رد بكل برود:
"ميخصنيش يا حفيدتي العزيزة، ومش هاممني هتلاقوا حجة إزاي.. ده شرطي الأساسي، إني أعيش وسطكم فترة عشان أختار.."
هتف بها أمجد مقاطعًا بحزم:
"خلاص يا سيدي محلولة وسيبها عليا."
ثم أكمل:
"أنا هعرف أتصرف في الحجة بس عاوز ضمان منك، إنت ملكش خيار غيري."
"أو أنا!"
هتفت بها أريج من خلفه ليقضم أمجد بأسنانه على شفته وهو يناظرها بغيظ،
قبل أن يعود لمخاطبة أدهم:
"أو هي.. يعني كدة اختياراتك محصورة مابينا إحنا الاتنين."
قارعهم أدهم بقوله:
"متحاولش تجادلني يا أمجد، أنا سهلتلك الموضوع وحصرت الاختيار في الأسرة الصغيرة، يعني تقدر تاخدها يا حبيبي، أنا مش هستثنيك من وسط إخواتك."
قالها وتوقف رافعًا الحاجبين بنظرة ماكرة بعد أن حشرهم في الزاوية الضيقة بدهائه، تنفس أمجد من أنفه دخان الغضب، ليرفع قبضته إلى فمه ويعض عليها، قبل أن يلتف برأسه نحو شقيقته بتساؤل وكأنه يبتغي المشورة، فقالت تجيبه بقلة حيلة وهي تومئ بذقنها نحو الآخر:
"الراجل ده لئيم بجد."
⁂-⁂
عادت أريج للمنزل وقد قاربت الساعة على الحادية عشر، خلعت حذائها لتتسحب.
على أطراف أقدامها حتى لا يشعر بها أحد، لتفاجأ بإضاءة المنزل التي اشتعلت ووقوف والدتها على باب الغرفة متكتفة الذراعين، بوجه مكفهر، ينبئ عن حجم غضبها، ابتلعت أريج ريقها لتبادرها بقولها:
"مساء الخير يا ماما."
لم تجبها أحلام بل زادت عينيها اشتعالاً، فازداد ارتباك الأخرى لتردد بابتسامة مضطربة:
"أنا قولتلك مساء الخير وأنتي ماردتيش عليا يا أمي.. مالك يا ست الكل؟! يا رب بس ما تكونيش زعلانة مني عشان اتأخرت، والله لو تعرفي اللي حصل..."
"ما تحلفيش كدب يا مقصوفة الرقبة، لأني مش هصدقك!"
صاحت بها أحلام بوجهها، لتكمل بالتحقيق حتى تزيد من صعوبة الوضع على ابنتها:
"إنتي خارجة لجامعتك من الساعة سبعة الصبح، وما رجعتيش إلا دلوقتي والساعة داخلة على حداشر بالليل! يعني خلاص بقينا نص الليل.. كنتي فين يا بنت عزام لحد دلوقتي؟"
أجفلت أريج من الصرخة الأخيرة لوالدتها، فردت بتلعثم:
"يا ماما الغايب حجته معاه زي ما بيقولوا، وأنا حجتي هي تعب صاحبتي المفاجئ.. أيوه يا أمي، ليا صاحبة في الجامعة كانت ماشية معايا وهي راجعة البيت بعد ما خلصنا محاضرة الساعة واحدة الظهر."
"البنت ما استحملتش حرارة الشمس ووقعت مني في نص الشارع، واضطريت أسندها أنا وشوية زمايلنا وروحنا بيها المستشفى، والإجراءات هناك خدت وقت طويل، وفضلنا مستنيين لما تفوق ونكلم أهلها، والوقت سرقنا وما حسناش بيه خالص.. ومن لخمتی والله نسيت أتصل بيكي أطمنك يا ماما."
سمعت أحلام لتقارعها مضحضة حاجتها:
"كدابة.. كدابة بكل ما تحمله الكلمة! أنا أكتر واحدة عارفاكي يا أريج، إنتي أصلاً ما بتطيقيش المستشفيات ولا بتقدري تقعدي مع مريض عشان بتخافي من العدوى.. اخترعي حجة تانية تكون محبوكة شوية يا حبيبتي، عشان حتى تدخل عقل طفل صغير، مش عقل أبوكي وأمك!"
"بابا؟"
رددت الجملة باستفهام لتذهب عينيها نحو الجهة الأخرى فوجدت بالفعل أباها ينظر إليها وهو واقفًا على مدخل غرفة نومه، يرمقها بصمت رهيب، ادخل الرعب بقلبها، وقبل ان تهم بالدفاع مرة أخرى، تفاجأت بفتح باب المنزل بقوة، ليلج منه شقيقها الأكبر نيازي وهو يغمغم بالكلمات الحانقة:
"لعنة الله على دي عيلة بائسة! الواحد مش بياخد منها غير التعب والشقا.. يا ريتني ألاقي تأشيرة هجرة وأسافر في أي حتة وما حدش يعرف طريقي!"
توقف فور أن وقعت أنظاره نحو أريج الواقفة بوسط الشقة، ليصرخ بها:
"أهلاً يا ست هانم.. يا برنسيسة يا اللي بتغيبي بالساعات بره البيت، وسايبانا نلف ونتخبط في الشوارع والسكك بندور عليكي!"
ـ اسفة يا نيازي.
ردت ببساطة أزعجت والدتها وأثارت غيظ نيازي، فَهَمَّ أن يمطرها بالسباب، ولكن عزام كان لديه السبق:
"ومين قالك أصلاً تدور عليها؟"
استشاط عزام غضباً وتابع:
"وكنتي مستنية إيه بعد غيابك الساعات دي كلها؟ فاكرة إننا عيلة منحلة ومعندناش شرف عشان تأخيرك ده ميهمناش؟"
سمعت منه، وبرقت عينيها بالخوف، ليدب بقلبها الهلع مع هذه اللهجة المريبة من والدها، تشعر بهدوء ما قبل العاصفة، لذلك حاولت الرد بمسكنة علّها تأتي معه بفائدة:
"سامحني يا بابا لو كنت قلقتكم عليا، بس زي ما قلت لماما.. أنا مكنتش..."
"مكنتش أقصد.. تعب صاحبتي والخوف عليها طيّر عقلي وخلاني مش عارفة أتصرف صح."
سألها عزام ليزيد بتشكك:
"اسمها إيه صاحبتك دي؟ وحالها إيه دلوقتي؟"
طالعته بعدم فهم، ليردد لها بعنف:
"ردي عليا بقولك! اسمها إيه صاحبتك؟ وحالها إيه دلوقتي؟"
تلبكت تجيبه باسم من وحي خيالها:
"اسمها.. اسمها نيرمين، وبقت أحسن بعد ما خدت العلاج والرعاية اللازمة."
سألها مرة أخرى ليثير بقلبها الشك، فتساءلت بدورها:
"يعني هي لسه في المستشفى؟ ولا روّحت بيتها؟"
"وهي الأسئلة دي لازمتها إيه بس يا بابا؟"
صاح بغضب فجأة وهو يقترب منها بخطواته:
"عشان هروح أطمن عليها بنفسي.. متمشيش ناحية أوضتك، إنتي هتيجي معايا في "الزيارة دي دلوقتي حالاُ!"
قالها واستدار ليتحرك ذاهباً نحو غرفته، فهتفت مرتاعة لتوقفه وهي تجذبه من ذراعه:
"استنى بس يا بابا.. ميصحش نروح دلوقتي والوقت ليل كدة، الناس وأهل البنت هيقولوا علينا إيه؟"
هدر عليها بأعين حمراء:
"هو إنتي مخدتيش بالك إننا بقينا بليل غير دلوقتي؟ ولا هي اللي ليها أهل يخافوا عليها وإنتي لقيطة ملكيش حد يسأل فيكي؟ سيبي إيدي خليني أدخل ألبس عشان نمشي!"
صرخت على والدتها تستنجد بها:
"قولي حاجة يا ماما.. مامت صاحبتي مش هيعجبها التصرف ده خالص!"
مالت برأسها إليها أحلام بنظرة كاشفة وقد وصلها مغزى الملاحظة الخبيثة لابنتها، فجاء الرد من الناحية الأخرى:
"وإيه لزمة الرعب اللي إنتي فيه ده يا أريج؟ روحي مع أبوكي، ولو في إحراج هيبقى عليه هو، مش...تشغلي نفسك أنتِ.
ناظرة شقيقتها بشراسة تثور عليه:
- "ما تتدخلش أنت يا نيازي.. أنا فيّا اللي مكفيني!"
قارعها بقوله:
- "وليه ما اتدخلش يا ناكرة المعروف؟ ده أنا رجلي دابت من كتر اللف والتدوير عليكي في الشوارع!"
همت لترد ولكن أباها منعها بأن جذب ذراعها، مع قوله الحازم:
- "ابعدي عنه يا بت.. أنا خلاص قررت والموضوع انتهى."
قالها عزام ثم تفاجأ بصوت فتح باب المنزل، ليلج منه أمجد، فتابع عزام حديثه بتهكم واضح:
- "وأدي خلفة الندامة وصل.. الشق التاني لتوأم الهم!"
- "في إيه بس يا بابا؟ حصل إيه؟"
قالها أمجد ببراءة لا تليق به على الإطلاق، فجاء الرد من نيازي:
- "ولك عين تسأل كمان يا بارد؟ يا اللي معندكش دم ولا إحساس؟ راجعلي البيت نص الليل ورا الملعونة اللي بتدعي إنها كانت مشغولة بمرض صاحبتها! وأنت بقى يا سيدي الأستاذ.. إيه حجتك المرة دي؟"
أشار له رافعاً كفه في الهواء للتوقف، ليقول بهدوء:
- "أنا آسف يا جماعة.. اهدوا بس شوية وأجلوا النقاش ده دلوقتي، لحد ما الضيف الكريم اللي معايا يدخل.. اتفضل يا أخويا."
قالها ورأسه تلتف للخارج، مع سماع الهمهمات المتسائلة من خلفه، عن هوية الضيف، لتعلو الشهقات فور أن ولج إليهم الرجل لداخل المنزل:
- "سعيد ابن أخويا! إيه اللي جابك يا ابني في وقت متأخر زي ده؟"
قالتها أحلام وهي تقترب بخطواتها نحوهما، مخاطبة أدهم، والذي توقف يجول بعينيه في أنحاء المنزل وهذه الوجوه الغريبة عنه، ككل شيء، متجاهلاً الرد عليه، وقال عزام:
- "وهو ابن خالك كان غريب من امتى أن شاء الله؟ الغريب بجد هو جِيّته في وقت زي ده بنص الليل!"
رد أمجد بدرامية:
- "فعلاً يا بابا.. عندك حق تعترض، بس أنت ما تعرفش إيه اللي حصل لسعيد ابن خالي النهاردة بعد ما خبطته العربية!"
صرخت احلام عقب تصريحه بفزع:
- "يا مصيبتي! جرى له إيه يا سعيد؟ وإيه حكاية العربية دي؟ طمنا يا ولد.. ابن خالك حصله إيه؟"
•تابع الفصل التالي "رواية الداهية وسلالة الأوغاد" اضغط على اسم الرواية