رواية فارس بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ولاء محمد رفعت

و كان مرور تلك الأيام لها أثر علي تلك التي تقهقر فؤادها، و هذا لأن منذ تركها منزل عائلة زوجها و أتت تمكث لدي منزل خالها فما كان ردة فعل الأخر سوي التجاهل و كأنها لا شيء بالنسبة إليه، تعلم أخباره من الصغير عمر الذي كان ينقل كل أخباره إليها ليطمئن قلبها لكن زاد هذا من ألمها أكثر، يمارس حياته الطبيعية و لم يعط لها أدني اهتمام يا له من شعور مُوجع بل و مؤلم أيضاً. 

فوق المنزل تقوم بوضع الثياب علي الحبل ثم تحكمها بالمشبك الخشبي و عندما انتهت من نشر الدثار الكبير و ألتفتت لتأخذ مشبك من الوعاء البلاستيكي انتفضت و شهقت بـ ذُعر عندما وجدته يقف أمامها.

-بسم الله الرحمن الرحيم. 

قالتها و تلتقط أنفاسها، رد قائلاً:

-شوفتي عفريت إياك! 

رمقته بضيق و ولت إليه ظهرها:

-أي اللي فاكرك بيا و چابك أهنه؟ 

وقف أمامها و أخبرها بنبرة يغلب عليها التملك:

-چيت أخد مارتي و نرچعو علي دارنا. 

رفعت حاجبيها و سألته بتهكم:

-مارتك!، تو ما أفتكرت إياك!،أني خلاص ماليش مطرح غير أهنه في دار خالي الله يرحمه. 

حاول إخماد نيران بركان غضبه، فهو يعلم سبب حديثها الساخر و غضبها البادي إليه، أطلق زفرة و قال:

-مطرحك هو مطرح چوزك يا قمر، و أنتِ أهنه مُچرد ضيفة كفاية عليكِ إكدة، يلا تعالي معاي. 

أمسكها من يدها فجذبتها من يده صارخة بغضب:

-جولت ماريحاش معاك، هو أي بالعافية! 

جز علي أسنانه و قال بنبرة لا تتحمل أكثر من ذلك:

-أجصري الشر يا قمر، لينا دار نتحدتو فيها ما تسامعيش مرات خالك و ولادها بينا. 

أطلقت ضحكة ساخرة ثم أخبرته بتهكم:

-واه تصدج مكنتش واخده بالي!،خابر يا بكر أني أكتشفت إن اللي حصلي جبل ما أعرفك أهون بكتير من ما كنت وياك. 

كرر أخر كلماتها في ذهنه و ردد:

-كنتِ!، جصدك أي بالحديت ده! 

عقدت ساعديها أمام صدرها و قررت أن تثأر لكرامتها بإلقاء عليه هذا الطلب الذي بمثابة قنبلة تُدمر الأخضر و اليابس:

-طلجني يا بكر. 

لم يدري بحاله و هو يدفعها إلي الحائط قائلاً بأمر عاشق مُتيم:

-مفيش طلاج، و هاتيچي معاي و بكرة هايبجي الفرح سواء راضية ولا لاء، و لو رايدة تعرفي ليه بعدت عنك طول الأيام اللي فاتت، ده لأني هملتك لحد ما تهدي و أني كمان أحاول أهدي و أنسي كل اللي حوصل، لأن كان چوايا نار و كنت خايف عليكِ منها و من نفسي يعني مكنتش نسيكِ كيف ما فهمتي. 

أخبرها قلبها بصدق حديثه، فذلك البريق الذي ينضح من عينيه يخبرها بأنه يعشقها إلي حد الثمالة و ما حدث كان من فرط غيرته عليها، ربما هذا أسعد قلبها قليلاً لكن كبرياءها ما زال يرفض انصياعها لأمره و عليها بالثأر. 

-لو أفترضنا اللي عتجوله ده صحيح، أني خلاص مارچعاش في قراري، أي اللي يغصبني أكمل مع واحد شك فيا و هو خابر مين هي قمر. 

ردد بداخله دعاء حتي يلهمه ربه بالصبر ثم أخبرها:

-أني لو كنت شاكك فيكي لو لحظة مكنتيش بجيتي علي ذمتي لحد دلوق، الموضوع كان صعب عليا جوي، حطي حالك مطرحي لما تكتشفي أجرب الناس ليكِ و اللي هو المفروض الدعم و السند يطعنك في ضهرك، أنتِ ما خابراش أني بحبك قد أي و بغير عليكِ من الهوا و..... 

صمت فجاءة عندما لاحظ عدم ارتدائها لغطاء وجهها سألها بنبرة جعلتها تنتفض و تريد الابتعاد من أمامه لكن قبضته جعلتها غير قادرة أن تتزحزح إنشاً واحداً:

-ما لبساش نقابك ليه؟ 

أجابت بتوتر:

-مفيش حد شايفني و جولت هانشر الغسيل و أنزل تحت علي طول. 

جز علي أسنانه و عروقه عنقه النافرة تكاد تطق من الغيظ، أومأ لها بشبه ابتسامة و إذا به يفاجئها بقُبلة لم تسمح لها بالتحرك بتاتاً أو حتي دفعه، يسيطر علي يديها بجوارها، و بعد أن أنتهي من تقبيلها رمقها بانتصار و ابتسامة ماكرة قائلاً:

-أبجي أنسي تلبسيه أو تجلعيه بره الدار و أني إكده هافهم أنك رايده أسوي فيكي كيف ما أسويت دلوق، و يلا جدامي و أبجي جولي لاء لأچل أنفذ تهديدي و يا عالم ممكن الموضوع يتحول لحاچة تانية هاموت و أسويها بس لما يتجفل علينا باب واحد، يا قمري. 

جحظت عينيها من تهديده و إيحاءاته الجريئة و المنحرفة، عضت علي شفتها السفلي من الخجل الشديد فانتفضت خلايا جسدها حينما أردف بصياح:

-لساتك واجفة، طيب يبجي أنتِ اللي أخترتي. 

و كان علي وشك الاقتراب منها، دفعته و ركضت إلي الأسفل و لم تسمع ضحكته التي بلغت عنان السماء. 

ــــــــــــــــــــــ

تقف في المطبخ شاردة في مُعذب قلبها و الذي لا يلين إليها قط،يا له من قاسي لكي لا يظلمها يؤدي واجبه الزوجي نحوها لكن بدون مشاعر، لم تنس ليلة أمس و التي تشبه سابقتها

(حدث سابقاً)

نهض من فوقها و قطرات العرق تنزلق علي جبهته و كأنه يعدو صحراء شديدة القيظ، و ذلك بعدما آتاها لمدة دقائق تكاد تحصي علي أنامل الكف الواحدة و بمجرد بلوغه إلي لحظاته أبتعد عنها و كأنه يؤدي مُهمة مُرغماً عليها، تركها و ذهب ليغتسل، لنقل الأحري يريد إزالة لمسات الخيانة من علي جسده الذي لا يريد أن يقترب سوي من معشوقة قلبه فقط.

ظلت جالسة علي الفراش تبكي بحسرة علي تلك الإهانة، أجل فما يفعله إهانة لها، يكتفي بالاقتراب منها دون احتواء أو عناق أو قُبلات و يتركها دون أن يكترث إليها و هل وصلت إلي ما وصل إليه أم لا.

لا تلوم سوي نفسها هي من قررت و عليها تحمل قرارها الخاطئ و الذي ستدفع ثمنه لاحقاً!

(عودة إلي الزمن الحالي) 

انتبهت إلي رائحة احتراق طعام تنبعث من الفرن، شهقت:

-يا لهوي المكرونة. 

فتحت باب الفرن و جذبت الشبكة بيدها التي ترتدي بها قُفاز عازل للحرارة، رأت صينية المكرونة قد تفحمت حيث تركتها أسفل نيران الشواية لتعطيها اللون الذهبي لكن حالة الشرود التي كانت بها جعلتها نسيت أمرها، و في تلك اللحظة عاد من الخارج يحمل أكياس و ألقي بهم في الأرض حينما أستنشق رائحة الحريق، ركض إلي المطبخ ليراها تجلس علي عقبيها أمام الفرن المفتوح قائلة من بين بكائها:

-حتي الأكل اللي عملت له عشان بيحبه حرقته، ليه حق ما يحبنيش. 

تنفس الصعداء عندما علم بمصدر الرائحة،أقترب منها و مد يده إليها قائلاً:

-ما تبكيش في داهية الصينية، المهم أنتِ بخير. 

رفعت وجهها لترمقه بعينيها المليئة بالدموع:

-أنت فعلا خوفت عليا و لا كنت تتمني أموت و ترتاح مني. 

عقد حاجبيه بضيق و سألها:

-ليه عتجولي إكده!، بعد الشر عليكِ. 

نهضت و فاضت ما بداخلها:

-و اللي بتعمله معايا ده مش شر!،معاملتك الجافة و طول الوقت بتحسسني إنك جاي علي نفسك و مستحملني بالعافية!

لا تريد الإفصاح إليه أكثر من ذلك حتي لا يخطئ فهمها، ربما خجلها يمنعها من التحدث إليه عن سبب بكائها طول الليل، ماذا كانت تنتظر من رجل قلبه ليس ملكاً له! 

زفر بنفاذ صبر و ظل يردد:

-أستغفر الله العظيم، اللي عنبات فيه نصبحو فيه، يا بنت الحلال مش أني أتحدت وياكي جبل الچواز و فهمتك كل حاچة؟ 

سؤاله كان بمثابة خنجر مشتعل ينغرز في جرح لم يندمل بعد، مما جعلها تفقد أعصابها و صاحت في وجهه غير مُبالية لتحذيراته السابقة في آداب الحوار:

-أنا فهمت بس أعمل أي لقلبي اللي ماقدرش يبعد عنك، قولت يمكن أخليك تحبني زي ما بحبك، نفسي أعرف فيها أي زيادة عني عشان مش قادر تنساها و طول الليل و أنت نايم تقعد تنادي عليها!،هقولك أنا ليه عشان أنت جبان و بتخاف من المواجهة و لا عارف تجيب حقك من إبن عمك اللي للبسك مصيبة و مليون في الميه أخته اللي عايش علي أمل حبها زمانها أتجوزت و متهنية في حضن واحد أحسن و أرجل منـ.... 

قاطع كلماتها لطمة قوية بكفه هبطت علي خدها، ماذا كانت تتوقع منه بعد تلك الكلمات التي تتطعن في رجولته، فعلت أكثر ما يؤلمه.

ذهب بعيداً إلي الخارج و يزفر بغضب، فهو غاضب منها و من نفسه، لم يكن يريد أن تصل الأمور بينهما هكذا.

و بعد أن أصبح في سكينة و هدوء ذهب يبحث عنها في الأرجاء، وجدها في غرفة النوم تضع ثيابها في الحقيبة،ركض إليها ليمنعها:

-عتسوي أي يا مچنونة. 

رفعت وجهها و صاحت:

-أبعد عني و ملكش دعوة بيا، أنا أتحملت كتير بس توصل لمد الأيد و ربنا ما هعديهالك و ليا كبير يتصرف معاك.

قبل أن يرد لاحظ أثر كفه ما زال علي خدها و أثر لخط دماء رفيع بجوار شفتيها، يا لك من أحمق ما الذي فعلته!

أقترب منها و أمسك بيدها قام تقبيل ظهر كفها قائلاً:

-آسف. 

رمقته بنظرة حزن دفين و سألته سؤال متعدد الإجابات:

-آسف علي أي بالظبط؟ 

أمسك بيديها و أجاب:

-علي أي حاچة زعلتك مني و علي اللي سويته فيكي من شوية، بس أنتِ اللي خرچتني عن حالي و أستفزتيني. 

-عشان أنت اللي وصلتني أقولك كده،و لا أقولك أنا فعلاً أستاهل ما أنا واحدة داست علي كرامتها بالبشبشب كنت هاستني تعمل فيا أي أكتر من كدة! 

زفر بقوة و جعلها تجلس علي طرف الفراش و جلس بجوارها:

-طب لو جولت لك سبيني أخد فرصة وياكي من غير ماتضغطي عليا و آچي عليكِ. 

ابتسمت إليه كالبلهاء و ألف رحمة و نور علي كرامتها التي وأُدت!

- بتتكلم بجد و لا بتضحك عليا و لا خايف من بابا. 

أومأ لها بامتعاض و قال:

-عتحدت چد،و بعدين أني ما بخافش من حد إسمها إحترام و تقدير، ياريت تعقلي حديتك جبل ما تنطجيه. 

هزت رأسها بالإيجاب:

-حاضر. 

نظر في ساعة الهاتف ثم أخبرها:

-حضري حالك، هاخدك و نروحو نتغدو برة، هستناكي برة عجبال ما تچهزي. 

-فارس.

نادته بصوتها الحسن، ألتفت إليها قبل أن يغادر الغرفة، وجدها ترتمي علي صدره و تعانقه بقوة و تخبره:

-ربنا يخليك ليا و تحبني زي ما بحبك. 

ربت علي رأسها قائلاً:

-إن شاء الله. 

ـــــــــــــــــــــ

-أخيراً أخدتي إفراج من جوزك، أنا كنت قربت أفقد الأمل إن أشوفك تاني.

تفوهت بها ريهام إلي زينب حيث كلتيهما تجلس في المطعم الخاص بالنادي الذي يعمل به زوجها.

أجابت الأخرى بضيق بعدما رفعت زاوية شفتيها جانباً بتهكم :

-خليني ساكتة أحسن، المفروض بعد ساعة چاي علي أهنه، لاء و كمان مهمل معاي چوز الغربان اللي واجفين أهناك و كأنهم عيحرسو حرم الوزير. 

أطلقت صديقتها ضحكة و من بينها قالت:

-يخربيت تشبيهاتك لسه زي ما أنتِ في عز ما بتكوني متضايقة بتقولي كلام يموت من الضحك. 

- ما هو من جهرتي و غُلبي، يلا حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب.

انتبهت الأخرى إلي ما وراء كلماتها فسألتها:

-زينب ممكن أعرف الحقيقة عشان كل اللي قولتيه في المطعم و تهربك مني في كل مكالمة لما بسألك عن حالك و جوزك، كل ده ملهوش غير تفسير واحد، فيه مصايب أنتي مخبياها و خصوصاً موضوع الفلاشة، مارضتش أشوف اللي عليها غير لما أستأذنك. 

ألتفتت زينب لتتأكد من بُعد هذان الحارسان بمسافة لا تسمح لهما بسماع ما ستخبر به صديقتها، اقتربت إلي الأمام قليلاً و قالت:

-الفلاشة دي عليها اللي يودي سليم و كل اللي وراه في داهية أولهم أخوي و فارس ياخد براءة بدل ما هو هربان، أنا بعتهالك لما نزلت ترانزيت شحنتها من أهناك علي بيت والدتك، خابرة لو كنت نزلت بيها مصر كان زمانك عتجري الفاتحة عليا دلوق. 

غرت صديقتها فاها من ما تسمعه فسألتها:

-ترانزيت هو أنتِ كنتِ فين؟ 

كان السؤال كافياً ليذكرها بأحداث لن تريد تذكرها مرة أخري، يكفيها ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي ترك فيه نفسها ندوب لم تندمل بعد، تأتي إليها خلال كوابيس مُرعبة.

-سافرنا أمريكا بعد ما أتچوزنا و هناك عرفت أهرب منيه و معاي اللاب توب بتاعه اللي عليه بلاوي تخلصني و تخلص الناس من شره لما توصل للشرطة، و كيف ما جولت لك لما وجفت الطيارة ترانزيت هناك أشتريت فلاشة من مكان جريب من المطار و نجلت عليها كل حاچة و بعتهالك من هناك، لأن كنت متوقعه إن سليم هلاجيه مستنيني في مطار القاهرة و فعلاً اللي حسبته لاجيته. 

شهقت الأخرى و سألتها:

-يا خبر!، و عمل معاكي أي؟ 

-جولي ماسواش فيكي أي، ده واحد مريض و مچنون، خابرة من چبروته بيسوي أي في أعدائه.

صمتت و تتذكر ما فعله في ضحيته في لاس فيجاس، لاحظت ريهام رجفة يدها و هي تتناول كوب الماء و ترتشف منه القليل لتردف:

-الظالم بيسلخ الراچل و هو حي كيف الدبيحة. 

وضعت الأخرى يدها علي فمها غير مصدقة ما تسمعه من أهوال:

-أنتِ بتتكلمي بجد يا زينب، أنا حاسه إنك بتتكلمي عن المهوسين بتعذيب الناس لحد الموت و السادية الدموية و اللي موجودين في الـ Dark Web (الأنترنت المُظلم). 

هزت رأسها بالإيجاب و أجابت:

-هو فعلاً سادي في كل حاچة، أنا دوجت الذل و المرار علي يده و لأچل أتجي شره فضلت أمثل عليه دور الخضوع و الچارية المُطيعة. 

رغماً عنها انهمرت دموعها، فالذي مرت به ليس بهين علي الإطلاق، أعطتها الأخرى محرمة ورقية و ربتت علي يدها:

-أهدي يا حبيبتي و بلاش عياط عشان محدش ياخد باله و لا جوز الغربان يفتنو لجوزك. 

ابتسمت و بسخرية عقبت:

-هو أتعود علي دموعي عاد. 

نهضت الأخرى و مدت لها يدها و قالت:

-قومي تعالي أغسلي وشك و نروح نشوف أحمد غطسان فين من وقت ما جينا و هو مختفي.

ـــــــــــــــــــــــ

علي طاولة مُطلة علي ضفاف النيل منذ أن جاء كليهما و هي لا تري سوي هو، تراقبه و هو يأكل بالشوكة و السكين فسألته:

-اللي يشوفك و أنت بتاكل بالشوكة و السكين يقول عليك باشا. 

هز رأسه بسأم:

-مفيش فايدة لساتك عترمي حديت كيف الدبش، عموماً العادة دي اتعلمتها من أيام ما كنت في أمريكا، كملت دراستي هناك و أشتغلت في فرع من فروع شركات ميكروسوفت و الحمدلله كنت هاترقي و أبجي مدير الفرع لكن كان لازم أنزل أچازة. 

لاحظت إنه قد بدأ يحدثها عن نفسه مما جعل قلبها يتراقص من السعادة، سألته باهتمام:

-و ليه ما أستنتش الترقية و نزلت، ده كان زمانك عديت هناك. 

أبتلع ما بفمه و أجاب علي سؤالها:

-لسببين أولاً أتوحشت أبوي جوي و الحمدلله لحجت أشوفه جبل ما يتوفي الله يرحمه. 

-الله يرحمه، طب و أي السبب التاني؟

نظر إليها و صمت قليلاً، فهمت سبب صمته فقالت:

-عشان تتجوز بنت عمك زينب؟ 

ترك ما بيده و أرتشف الماء دون إجابة علي سؤالها ثم قال:

-الحمدلله.

 نهض و أردف:

- هاروح أغسل يدي و راچع، كملي واكلك. 

أدركت إنه لا يريد أن يخبرها هذا الجانب و عليها أن لا تذكره به، فهي تريد أن تجعله يمحو هذه الزينب من ذاكرته و تخرج من قلبه و تمكث و تتربع بدلاً منها.

انتبهت إلي اقتراب امرأتان منها إحداهما تألف ملامحها جيداً.

- أنتِ شهد بنت الحاج نعمان؟ 

صاحت شهد بسعادة:

-ريهام، عاملة أي؟ 

تبادل كلتيهما الأحضان و القبلات علي الوجنتين، قالت ريهام:

-أنا الحمدلله بخير أتخرجت و أتجوزنا أنا و أحمد و أنتِ أخبارك أي جه اللي قدر يخطف قلبك و لا لسه. 

ضحكت و قالت بفخر و سعادة، و كعادة النساء في الإجابة عن تلك الأسئلة إما بالمكر و عدم الإفصاح أم بالتفاخر و المبالغة، بينما شهد استخدمت الاختيار الثاني:

-الحمدلله ربنا رزقني بالراجل اللي خطف قلبي من أول نظرة و فاكرة لما قولتلكم نفسي أتجوز صعيدي و مُز في نفس الوقت؟ 

-أنتِ هاتقولي لي عليكِ، ده أنتِ كنتِ مصدعانا، يوه نسيت أعرفك بصديقتي زينب.

مدت شهد إليها يدها للمصافحة و قلبها يخفق بتوجس لا تعلم ما سببه:

-أهلاً يا زينب. 

ابتسمت إليها الأخرى و شعرت بما حدث لشهد في آن واحد، فقالت ريهام:

-أعرفك يا زوزو دي شهد نعمان تبقي صديقة و جارة بنت خالتي و متربين مع بعض، كنت بروح أقعد معاهم بالساعات و كنا نخرج. 

ابتسمت شهد و علقت:

-كانت أحلي أيام. 

قالت ريهام:

-علي فكرة يا شوشو زوزو من الصعيد الجواني من قنا. 

كاد لسانها ينفلت و تخبرها أن زوجها أيضاً من قنا، لكن تلك الصدف الغريبة والمُريبة الجمت لسانها حتي وقع الحدث العظيم،  كان المشهد كالتالي تقف شهد أمامها و خلفهما يسير نحوهما هذا القادم يُنادي:

- شهد. 

أشارت إليه و قالت:

-تعالي يا فارس أعرفك بريهام صاحبتي. 

ألتفت كلا من ريهام و زينب علي ذكر الاسم و الصوت، فهي لا تحتاج إلي رؤيته لتتأكد، يكفيها سماع صوته و رائحة عطره المفضلة لديه، و هنا كان اللقاء الذي بكت إليه القلوب و دمعت له العيون.

عيون تلاقت بعد شوق جارف و شجن يملأ قلوب نزفت علي جانبي دروب الحب، نظرات كفيلة بالتحدث دون اللجوء لتفوه الألسن. 

-أحب أعرفكم علي فارس جوزي و حبيبي.

أمسكت يده بتملك أمامهما، و أمام عينيها التي امتلأت بالدموع رغماً عنها.

يسمع حديث عينيها في أذنه بصوتها رغم صمتها و شفتيها المُطبقة حتي لا تبوح بصرخات مذبحة قلبها:

" معجول يا فارس،بعد كل اللي أتحملته عشانك و شوفت الموت و چيت علي نفسي كتير جوي في الآخر أتچوزت، خنت العهد اللي بينتنا!، هان عليك كسرة جلبي اللي عايش علي أمل رچوعنا!،طب أنا أتچوزت غصب عني أنت أي اللي غصبك! إلا لو خلاص نسيتني "

تندلع رماديتيه بالحنين و العشق و الدفاع عن نفسه من إتهام عينيها الجلي، يسمع صوت عقلها بقلبه و ليست بأذنيه:

" لاء مانستش يا جلب فارس و لا أجدر أنساكِ، ظروفي هي اللي غصبتني أكون لغيرك، بس أقسم لك جلبي و روحي وياكِ أنا مچرد چسد بلا روح معاها،عمري ما خنت عهدنا و لا هاخون، كان نفسي يجمعنا القدر في نهاية المطاف و أكون في النور، كل يوم بنام و جلبي عينادم عليكي و يبكي و يصرخ، اللي كان مصبره ذكرياتنا اللي لو سجلوها علي ورج هاتبجي حكاية لكل العشاق"

همست شفتيها دون أن تتحرك:

"أنت حكمت عليا بالموت و أني حيه" 

بادلها الحديث الصامت:

"و أني ميت من غيرك يا جلبي" 

أمسكت ريهام بيد صديقتها و تدعو الله أن يُمر هذا الموقف العصيب علي خير، تشعر بحالها لذا كانت نظراتها إلي فارس مليئة باللوم و العتاب، فقالت:

- عن أذنك يا شهد معلش إحنا رايحين لأحمد جوزي أصله بيشتغل هنا. 

- أتأخرت عليكِ يا بيبي؟

صوت أجش يتبعه لمسة ذراعه الذي وضعه علي ظهرها و يمسك خصرها بيده، فهذا آخر ما ينقص الجميع و اختتام اليوم بلقاء فارس بغريمه، نظرت ريهام إلي فارس بتشفي قائلة:

-سليم بيه العقبي جوز زينب. 

كلمة في مقتل قلب فارس الذي يحترق حياً و هو يقف و ينظر إلي ذراع سليم حول جذع زينب و كأنها ملكاً له، غيض من فيض من الآلام التي يشعر بها للتو.

- أهلاً يا فارس، مش فارس برضو!

رمقت زينب سليم الذي فاجئ الجميع و الوحيدة التي تجهل كل ما يحدث شهد و ربما تكون لديها الشك.

أمسك فارس بيد زوجته و قال:

-فرصة سعيدة يا سليم بيه، عن أذنكم. 

تقف زينب مُتسمرة تشاهد رحيل فارس و زوجته أمام عينيها حتي شعرت بسليم  يمسك بيدها و يضغط عليها بقبضته قائلاً:

- مش يلا إحنا كمان يا بيبي، أنا خلاص أخدت أجازة عشان نسافر،  بس الأول هانوصل مدام ريهام. 

اخبرته ريهام بامتنان و القلق يساورها تشعر بالخوف علي صديقتها من هذا السليم الذي يبدو يعلم بكل ما يحدث، يبدو نفوذه و سلطته أكثر بكثير عن توقعها:

-شكراً لحضرتك، أنا هافضل قاعده هنا مستنيه أحمد يجي و نروح مع بعض. 

اقتربت من زينب و قالت:

-سلام يا حبيبتي أشوفك قريب. 

ثم أردفت بهمس:

-خدي بالك من نفسك و أجمدي لجوزك يشك في حاجة. 

و بعد أن ذهب الجميع، لا تعلم زينب كيف وصلت إلي السيارة، لا تشعر بساقيها و كأنها كالهلام، انتبهت إلي سليم و يشعل سيجارته و يسألها بنبرة جليدية:

-كان أي شعورك لما شوفتيه مع مراته؟ 

هنا لم تسمع سوي طنين في أذنها يرتفع تدريجياً و بثقل جفونها تنسدل رويداً رويداً، تمنت لو كانت فقدت روحها بدلاً من وعيها!

🌷يتبع🌷

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات