رواية فارس بلا مأوى الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ولاء محمد رفعت
علي شاطئ إحدى القري السياحية الشهيرة في الساحل الشمالي حيث يمكث كليهما منذ أيام، كان يمر الوقت بوئيد شديد رغماً من خروجهما إلي الحفلات المسائية بالأندية و المخيمات القريبة ليلاً، و بالنهار تظل بجواره علي الشاطئ في حالة صمت مُطبق.
و ذات ليلة كانا بإحدى الحفلات، يجلس كالعادة في حالة سكون، شارد و ضائع تغزو ملامحه إمارات الوهن و الإرهاق، و إذا به ينهض و يخبرها مجرد المعرفة قائلاً:
-أنا رايح التويليت و راجع.
نظرت إليه قليلاً و حدسها يخبرها سبب ذهابه إلي المرحاض ليس لقضاء حاجته بل لشيء آخر عليها أن لا تمُر الأمر هكذا!
-أتفضل و أنا مستنياك بس ياريت ما تتأخرش عشان عايزة نمشي.
لم يُعلق و ذهب، بينما هي جلست في انتظاره حتي آتتها إحداهن بصياح مفاجئ:
- مورو.
رفعت وجهها لتري من تلك، ابتسمت إليها فأردفت الأخرى:
-أي ده أنتي و مستر علي هنا بتقضو الهني مون؟
أجابت الأخرى باقتضاب و بشبه ابتسامة، تعلم خصال تلك الفتاة الثرثارة:
-اه، و أنتِ؟
جذبت الفتاة الكرسي و جلست دون أن تسمح لها الأخري و أخبرتها:
-أنا جاية هنا في رحلة مع أصحابي يومين و كدة و بعدها هانرجع الشركة و وجع القلب، ألا قولي لي عرفتي توقعي مستر علي إزاي يا سوسه ده الراجل ملحقش يشم نفسه قومتي شقطيه علي طول كده خبط لزق و جواز كمان!
أطبقت شفتيها بابتسامة صفراء و أجابت عليها بحنق لم تبديه بالكامل:
-ما إسمهاش شقطه يا حبيبتي، و بعدين هو كان عارفني من أيام الجامعة و كنا بنحب بعض و الظروف بعدتنا و سبحان الله الشغل جمعنا ببعض و هو طلع عايش علي ذكري حبنا و أنا كمان بحبه.
عادت بظهرها إلي الوراء بعدما انتهت من كيد الأخرى، لا تعلم ما تخبأه لها أو تلقيه عليها كالآتي، اقتربت منها و كأنها ستخبرها سراً عظيماً:
-غريبة يعني طلعتو تعرفو بعض، أصل البت السكرتيرة بتاعته كانت قايلة قبل كدة إنها شافت مستر علي و ندي ربنا يستر علي ولايانا في وضع مش مظبوط و عمال يقولها كلام اللي فهمته إنه كانو علي علاقة مع بعض قبل ما تتجوز.
كفي هُراءاً لقد تعدت كل الحدود و يجب وضع حداً ساحقاً لها، هبت واقفة و بلهجة شديدة التحذير صاحت بها:
-عارفة لولا إن إحنا في مكان عام كان هايبقي ليا تصرف تاني معاكِ، أولاً اللي بتتكلمي عنهم الأول يبقي جوزي و التانية تبقي صاحبتي و مفيش أي تخلف من اللي بتقوليه ده،و عارفة أن فضولك هايموتك لكن اللي زيك مالهمش أي لازمة أو أهمية أن أرد علي كلامهم، فياريت تخلي عندك كرامة و تغوري من هنا و أرجع للشركة ما شفش خلقتك خالص بدل ما أمشيكي منها بفضيحة عشان و لا تعرفي ترجعي و لا تلاقي شغل في حته تانية.
ابتلعت الأفعى سُمها و لم تجد رداً أو ربما خشيت من تهديد الأخرى لها، هزت رأسها و قالت:
-متشكرة أوي أوي علي أسلوبك و كلامك، بس عايزة أقولك ده كلام الكل في الشركة و كان غرضي أوعيكي باللي بيتقال من ضهرك و عايزة مصلحتك، عن إذنك.
يا لها من داهية تمتص غضبها خوفاً علي طردها من العمل و ذات الوقت تُضرم النيران بها لتجعلها تحترق، فما أكثر الأفاعي في حياة كل منا يتظاهرن بوجه الملاك و هم بالحقيقة كالوسواس الخناس يُخبئ لك شراً مُستطيراً.
ابتلعت غُصتها اللاذعة و ذهبت نحو المرحاض لتنتظر زوجها في الخارج، و في طريقها لاحظت وجوده في ركن بعيد و ينحني للأمام، اقتربت منه لتري ماذا يفعل و هنا صدق حدسها وجدته يستنشق هذا المسحوق الأبيض اللعين.
رفع رأسه عندما شعر بوقوف أحدهم أمامه، رمقها ببرود و لم يبرر لها موقفه، نظرت إليه و ألسنة النيران تندلع من عينيها، تريد الفتك به علي كل ما حدث، عودته إلي تعاطي المُخدرات بعدما أعطي لها وعداً وهمياً بأن يبتعد عنها، لكن كيف له أن ينسي أكبر همومه دون أي وسيلة كما أعتاد منذ سنوات!
- تصدق بالله أنت حلال فيك وجع قلبك اللي عمره ما هينتهي و هاتفضل عايش زي المذلول، و أنا من غبائي أو ربنا إبتلاني بُحبك و أديني بدفع معاك التمن،بحاول معاك علي قد ما بقدر و أنت بترجعنا لنقطة الصفر،أنا جبت أخري منك و كل اللي أقدر أقوله لك كتك القرف.
ألقت كلماتها و ركضت باكية،نهض و أسرع خطاه خلفها مُنادياً:
-مروة أستني، مروة أسمعيني بس، مروة.
لم تقف و مضت في طريقها تبحث عن سيارة أجرة، كادت تعبر الطريق لكنه ألحق بها و أمسكها من يدها:
- حرام عليكِ، أسمعيني بقي.
صرخت في وجهه و قد فاض بها الأمر من كل الجهات، كلمات الفتاة إليها منذ قليل و ما فعله هو أيضاً:
-حرام عليك أنت نفسك و اللي بتعمله فيا، أنا كل اللي طلبته منك تحافظ علي نفسك من القرف اللي بتشمه، لو مش خايف علي نفسك أنا خايفه عليك عشان بحبك، لكن أنت مش عايش حتي لنفسك، أنت عايش بس عشان الست ندي اللي هاتجيب أجلك و هاتموتني بقهرتي عليك.
رمقها بتوسل و يمسك بيديها معاً:
-أنا و الله بحاول أنساها و يمكن الكوك بيساعدني علي كده أحسن ما أتجنن من كتر التفكير.
لم تتحمل و صاحت بغضب:
- و أنا هاموت من وجع قلبي.
- بعد الشر عليكِ، أنا دلوقتي مليش غيرك أنتِ و إبني اللي في بطنـ....
بتر جملته بصياح و ذعر:
-مروة!
و ذلك عندما تحركت قليلاً و لم تنتبه إلي تلك السيارة التي اصطدمت بها للتو!
أسرع بحملها و أدخلها إلي سيارته و توجه نحو أقرب مشفي، و هناك قام الطبيب بالإجراءات و الإسعافات الأولية، الخوف يمتلك منه بقوة، يشعر بالذنب الشديد تجاهها، و بمجرد خروج الطبيب من الغرفة ركض نحوه ليسأله عن حالتها يُريد الاطمئنان عليها:
-هي عاملة أي يا دكتور؟
أجاب الأخر و يكتب في دفتر ورقي:
-هي الحمدلله بخير، الخبطة كانت خفيفة بس واضح إن من الخضة نفسها أغمي عليها، و دلوقتي فاقت، هانعلق لها محلول و بإذن الله هاتبقي أحسن.
تذكر أمر حملها و لا يعلم ما دفعه إلي سؤاله:
-طب و الجنين؟
عقد الأخر ما بين حاجبيه باستفهام:
-جنين أي؟
-أصلها حامل و داخله علي شهرين و أكتر.
أخبر الطبيب بهذا ما جعل الحيرة ترتسم علي وجهه و عقب علي ما قاله:
- أنا عملت لها فحص كامل، مفيش حمل!
ــــــــــــــــــــــــ
يمسك هاتفه و يتمعن النظر فيه، و في الشاشة تظهر هي و تؤدي مهام يومها من طهي و تنظيف المنزل،فهو يضع لها نظام مراقبة متصل عبر برنامج علي هاتفه، و هذا يعود إلي عدم ثقته بها أو ربما يريد قلبه أن يثبت إليه تغيرها و يجب أن يعطيها فرصة أخري، ترك الهاتف أمامه علي المكتب و أغمض عينيه بسأم و يزفر بين كفيه، يشعر و كأن هموم الكون تجمعت و ألقت فوق ظهره، لما عليه تحمل كل هذا العناء فهل هو الحب! أم عقله الذي لا يستوعب إلي تلك اللحظة ما أقترفته زوجته في حقه من خيانة قبل و بعد الزواج!
أنتفض عندما أنفتح الباب و دلف هذا المزعج يصيح بسعادة:
-سلام عليكم يا أكرم باشا.
رمقه بغضب قائلاً:
-أنت يا بني آدم مش فيه باب بتخبط عليه الأول و لا هي وكالة من غير بواب!
حك الأخر ذقنه بتعجب و أخبره:
-و الله يا باشا قعدت أخبط و أنت الظاهر مكنتش واخد بالي قولت أدخل أستناك بس لاقيتك ماشاء الله قاعد و منور المكتب.
أطلق زفرة ثم نظر إليه بإمتعاض، أشار إليه ليجلس أمام المكتب:
-أقعد و أتفضل قولي أخر الأخبار، و يارب المرة دي تطلع أخبار عدلة مش زي وشك.
أبتسم الأخر و قال:
-مقبولة منك ياباشا.
أخرج من حقيبته الصغيرة عدة صور و وضعها أمامه مُردفاً:
-العبدلله قدر يمسك لك طرف الخيط اللي تقدر توقع بيه سليم العقبي، الصور اللي معاك دي لسليم و مراته و اللي كانت معاهم في المطعم بعد تحرياتي و مصادري السرية الخاصة عرفت إنها إسمها ريهام علي تبقي صاحبتها من أيام الجامعة بس عايشة هنا في القاهرة متجوزة من واحد إسمه أحمد بيشتغل سوبر فايزر أو تقدر تقول مدير العمال في نادي الجزيرة.
ظل ينظر إلي الصور و يفكر في أمر ما:
-تراقب لي اللي إسمها ريهام و تجيب لي عنوان بيتها و التقرير يكون علي مكتبي بكرة زي دلوقت.
إبتسم الأخر بـ زهو و فخر و قال:
-عيب عليك يا باشا، كله تم من قبل ما تؤمر.
و أخرج ورقة مطوية و أعطاها له:
-ده العنوان بالتفصيل.
أمسك بالورقة و عينيه تلمع ببريق الإنتصار قائلاً:
-حلو أوي،خلاص يا سليم نهايتك قربت أوي!
ـــــــــــــــــــــــــ
بعد عودته من المشفي برفقتها ظل صامتاً لكن بدواخله لهيب يحرقه، جلس علي كرسي أمام السرير ريثما تستيقظ من النوم، و ها هي تتقلب و تتأوه من الألم التي تشعر به أثر صدمة السيارة بها.
فتحت عينيها و حاولت أن تنهض فوجدته جالساً يرمقها بنظرة غريبة لم تدرك منها شيئاً، سألته و الوهن بادي في نبرة صوتها:
-أنا نمت كتير؟
أجاب بإقتضاب:
-لاء.
ألتفتت إلي يمينها لتمسك بإبريق المياه و تسكب القليل بالكوب لتروي ظمآها، و قبل أن تنتهي من الشرب ألقي عليها سؤاله:
-أنتِ كنتِ بتضحكي عليا و تقولي لي أنك حامل؟
أصابتها حشرجة في حلقها و كادت تختنق، أنتابها السعال حتي هدأت، رمقته بتوتر و قالت:
-أصل كنت، أصـ...
قاطعها و هو ينهض و في لحظة واحدة أصبح أمامها مباشرة:
-أصل أي، أي مش عارفة تداري كذبتك بكذبة تانية!
رمقته بتوسل و أخبرته بتوجس تخشي ذلك الغضب الذي يندلع من عينيه:
- أنا أضطريت اكذب عليك عشان بحبك و ماتبعدش عني، و قولت أول ما تيجي فرصة هقولك الحقيقة.
ضحك بسخرية ثم قال بتهكم:
-عندك حق طبعاً، ما هو أنا المغفل اللي بينضحك عليه.
أمسكت بيده و بقلب حزين أخبرته:
-أنا عملت كدة عشان بحبك.
لم يري في تلك اللحظة سوي ندي و كيف قامت بخداعه و ها هي الأخري تجعله أحمق مرة أخري، نيران غضبه قد وصلت إلي ذروتها فضغط علي قبضتيه كي لا يتهور و صاح بها:
-تفرقي أي عنها، أنتو الأتنين كدابين هي كدبت عليا و عيشتني في وهم حبها و أنتِ عملتي زيها بالظبط.
نهضت و وقفت أمامه تخبره بدفاع عن نفسها:
-أنا مش زيها يا علي، هي عمرها ما حبتك، أنا اللي بحبك و أستحملت و لسه بستحمل أي حاجة عشان أبقي معاك، أنا اللي لو طلبت مني روحي تبقي فداك عمري ما هتأخر عليك، هي ما فضلتش مستنياك سنين عشان مش قادرة تنساك و مش عارفة تحب غيرك.
لم تتحمل الوقوف فهبطت علي عقبيها أمامه و تمسك يده بتوسل و أطلقت لعبراتها العنان ثم أستطردت:
-أنا بحبك من أول مرة شوفتك من أيام الكلية، كنت بروح أفضفض لها عن مشاعري ناحيتك، كنت بروح أحضر ندوات و مؤتمرات الطلبة اللي كنت بتنظمها عشان أشوفك و اليوم اللي قررت فيه إن أكلمك أو أشوف أي حجة عشان أعرفك بيه لاقيتك بتعترف لها بحُبك،هي خانتني و خانتك،أنا اللي حبيتك بجد و فضلت عايشة علي أمل أن أشوفك تاني،أنا كل ذنبي مجرد كذبة عشان تكون ليا، أنا راضية بأي حاجة هاتعملها إلا أنك تبعد عني، أرجوك ماتسبنيش.
أنحنت علي يده بجبهتها فتساقطت عبراتها الدافئة علي قدمه، شعر بوخزة في قلبه و نعت نفسه بالأحمق الوغد، كيف لا يراها أو يشعر بها، لما ترك نفسه أن يعيش في وهمٍ و يركض خلف أخري لا تحب سوي نفسها بل و خائنة.
وضع يده يربت عليها بحنان، و دنا منها ليجعلها تنهض و تقف أمامه، نظر في عينيها الباكية ثم هبط ببصره إلي شفتيها التي ترتعش من البكاء، لم يجد من الكلمات ليهدأها سوي أن يأخذها بين ذراعيه و يعانقها قائلاً:
-كفاية دموع، أنا ماستهلهاش و لا أستاهل حبك ليا.
رفعت وجهها من صدره و رمقته بنظرة مليئة بالعشق و الهيام لتخبره:
-أنت تستاهل حبي و عمري و روحي،أنا ملكك يا علي.
أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه و ينظر تارة إلي عينيها و تارة أخري إلي شفتيها،سألها بنبرة رجولية عزفت علي أوتار قلبها طرباً:
-طب أي اللي يثبت لي أنك ملكي؟
عادت البسمة إلي وجهها بعد بكاء مرير،أجابت بفرحة عارمة:
-أنا بين إيديك و تحت أمرك.
رمقها بنظرة وقحة و يسألها بإبتسامة ماكرة:
-يعني لو طلبت منك أي حاجة هتنفذيها؟
أبتسمت بخجل و خفضت بصرها لأسفل، أجابت بخفوت:
-اه.
أمسك طرف ذقنها و رفع وجهها و قال:
-عايزك تنسي أي حاجة حصلت، نرمي الماضي ورا ضهرنا، ننسي اللي فات كله و كل واحد فينا يتولد علي أيد التاني،أنا أعيش ليكِ و أنتِ تعيشي ليا و بس،أكون ملكك و تكوني ملكي، عايزك تسيبي لي نفسك.
بريق لامع تتلألأ به عينيها من فرط السعادة، لم تصدق ما تسمعه،هزت رأسها و أجابت:
-سيبهالك لحد آخر نفس ليا.
ظل ينظر لها و حدقتيه تتحرك علي كل إنشاً في وجهها، و إذا به ينقض علي شفتيها يلتهمها بنهم،ينسي معها كل أحزان الماضي الأليم، أطلق نفسه بين يديها لتندمج أواصرهما معاً و يهيم معها في سماء الحب بعدما تبددت الغيوم و أنهمر العشق بالغيث ، يروي قلوب قد جفت من الشوق منذ سنوات عجاف.
ــــــــــــــــــــــــــــ
عاد من عمله و دلف إلي داخل منزله، وصلت إلي أنفه رائحة الطعام الشهية، وقف يستنشق باستمتاع تلاشي بمجرد خروجها من المطبخ و رآها تقف أمامه و انطلقت صغيرته من الغرفة الأخرى، تردد بصياح و تهليل:
-بابي.
فتح ذراعيه لأبنته و عانقها بشوق و حنان:
-وحشاني أوي يا قلب بابي.
زمتت شفتيها بحزن ثم قالت:
-أنا زعلانة منك عشان مكنتش بتيجي تشوفني عند نناه و لا بتتصل بيا.
ابتسم و ربت عليها قائلاً:
-آسف يا حبيبتي، معلش كان عندي شغل كتير و أول ما هاخد أجازة هاخدك و نتفسح في المكان اللي أنتِ تقولي عليه، أتفقنا؟
تهللت أساريرها و قالت بمرح:
-ميرسي يا أحلي بابي في الدنيا.
أشار لها نحو وجنته:
-طب فين بوسة بابي بقي.
عانقته بقوة و قامت بتقبيل خده، عانقها بفرح و سعادة تبددت مجرد سماعه إلي صوت الأخرى و هي تقول بصوت خافت:
-حمدالله علي السلامة.
نهض و ربت علي رأس صغيرته قائلاً لها:
-أدخلي يا حبيبتي ألعبي في أوضتك عقبال ما أغير هدومي و جاي لك نقعد مع بعض.
-حاضر يا بابي بس ما تتأخرش عليا و لا تنام.
أومأ لها و أبتسم علي فطنة ابنته فأخبرها:
-حاضر مش هتأخر.
ركضت الصغيرة إلي داخل غرفتها، بينما هو تجاهل تلك الواقفة تنتظر أن يعيرها أي اهتمام لكنه سار نحو غرفته فذهبت خلفه و سألته:
-أنا خلصت الأكل، أحط الغدا؟
ولي ظهره إليها و أجاب بنبرة بها بعض الحدة:
-أنا مش جعان أتغدوا أنتو.
فك أزرار قميصه و قبل أن يقوم بخلعه توقف و نظر إليها عبر المرآة:
-واقفة عندك ليه عايز أغير هدومي عن إذنك.
خفق قلبها من الحزن إلي هذا الحد لم يعد يتقبلها، ابتلعت ريقها و كادت تذهب قبل أن تضعف أمامه و تبكي، أوقفها قائلاً:
-أستني عندك.
أقترب منها ببضع خطوات جعلت الدماء تدفق بشدة في عروقها من التوتر و الخوف من كلماته القاسية التي تتوقعها قبل أن ينطق بها، و كما توقعت من امتعاض ملامحه قال لها:
-أنتِ اللي بأيدك كل حاجة، و أنتِ اللي بتعملي في نفسك كده برضو،مفيش حد فينا عليه اللوم غيرك،حاولي لمي الشروخ اللي بينا يمكن يجي يوم و أسامحك.
لم تكن قادرة أن تقول شيئاً، أنتهي وقت الحديث و عليها بالفعل و إثبات حبها كما زعمت له من قبل، عليها تحمل قسوته و تجعله يلين إليها و يعود أكرم الذي يعشقها لكن كيف و متي!
ــــــــــــــــــــــــــ
طرق علي الباب و رنين جرس متواصل جعلها استيقظت من النوم، انتبهت إليه يهندم من هيئته و ثيابه و يخبرها:
-جومي حضري حالك لأن اللي عيخبط يبجي والدك.
نهضت لتفعل كما أمرها علي مضض، و بمجرد ولوجها إلي داخل المرحاض وقفت أمام الحوض و نظرت إلي صورتها المنعكسة في المرآة تتذكر ليلة أمس و كيف كان يتعامل معها بشفقة و عطف، إلي هذا الحد أصبحت في وضع يُرثي إليه!
و بعد قليل انتهت من ارتداء ثيابها و حجابها، ذهبت لإعداد مشروب و وضعت معه بعض الحلوى، تحمل الصينية و اتجهت إلي غرفة الضيافة، ألقت التحية علي والدها و ذهبت لتصافحه و تُقبل يده فقال لها:
-أي أخبارك يابنتي؟
كانت عينيه تراقب ملامح وجهها ثم نظر إلي فارس الذي يجلس في هدوء و وجهه الساكن يحمل خلفه الكثير، أجابت ابنته بسعادة زائفة:
-الحمدلله يا بابا أنا بخير.
نظر إلي فارس و سأله:
-و أنت يا فارس.
أجاب و طيف ابتسامة تملئ ثغره:
-الحمدلله زين.
تنهد نعمان ثم قال:
-يارب يديم بينكم المحبة و الود و يبعد عنكم الشيطان.
أومأ له فارس و ردد:
-إن شاء الله.
شعر والدها بتوتر الأجواء و أن هناك خطب ما، فقال لابنته:
-قومي يا شهد أعملي لي فنجان قهوة و خليكي واقفة عليها عشان ماتفورش و تضيعي لي الوش بتاعها زي كل مرة.
رمقته بنظرة ذات مغذي و قالت بمزاح:
-ما تقول أنك عايز توزعني يا حاج، عموماً عيوني أحلي فنجان قهوة.
و قبل أن تذهب رمقت فارس بطرف عينيها و قد كان ينظر إليها أيضاً ثم ذهبت.
أشار إليه والدها قائلاً:
-تعالي يابني أقعد جمبي.
نهض الأخر و جلس بجواره فسأله:
-خير يا حاچ؟
سأله بخفوت و نبرة يشوبها التوتر و القلق:
-قولي أي الأخبار، بنتي عامله معاك أي؟
أجاب و قد علم ما خلف سؤاله:
-زينة يا عمي الحمدلله.
تلفت نعمان من حوله حتي يتأكد من عدم سماع ابنته إلي حديثه:
-أنا عارف شهد بنتي صعبة و دماغها ناشفة، معلش خدها علي قد عقلها و هي هتبقي تحت طوعك، هي عمرها ما حبت زي أي بنت، أنت أول راجل في حياتها.
ربت الأخر علي كتفه ليطمئنه:
-أطمن يا حاچ الحمدلله كل حاچة تمام ما تجلجش.
و رمقه بنظرة جعلت والدها تحمحم من الإحراج و سرعان الابتسامة غزت وجهه عندما أطمئن علي إتمام زواج ابنته!
و إذا به ينهض فجأة و كأنه قد تذكر شيئاً،تعجب فارس و نهض يسأله بقلق:
-فيه حاچة يا عمي؟
-أنا جيت أطمن عليكم و الحمدلله طمنت قلبي،و كمان عشان..
أخرج من جيبه ظرف أبيض ليعطيه إليه مُردفاً:
- و دي نقطتكم.
تراجع فارس عن أخذها مُعللاً:
-لاء يا عمي، أني معاي الحمدلله، خير ربنا كتير.
وضع الأخر الظرف في جيب قميص فارس قائلاً:
-دول نقوط جماعة حبايبنا بمناسبة جوازكم.
-أي ده يا بابا أنت واقف ليه؟
كان صوت شهد التي دلفت و بيدها فنجان القهوة، أجاب والدها:
- أنا يا دوب هاروح المحل عشان فيه بضاعة جاية و لازم أبقي موجود، أنا جيت أطمن عليكم و الحمدلله أطمنت، و أنتِ أبقي خدي بالك من جوزك و أسمعي كلامه.
رفعت زاوية فمها جانباً بتهكم، و بداخل عقلها تقول:
-مش لما ياخد باله مني الأول.
غادر نعمان و هو يظن إن أصبح كل شيء علي ما يرام لا يعلم الحرب التي علي وشك الحدوث.
ظل جالساً في الغرفة و يشاهد التلفاز أو هكذا تظاهر، بينما هي قبل أن تذهب إلي غرفتها سألته:
-أحضرلك الفطار؟
رد ببرود يشعل نيران غضبها:
-أني صحيت من بدري و فطرت.
جزت علي أسنانها إلي هذا الحد لا تفرق إليه في أبسط الأشياء، لذا رمقته بنظرة توعد و عزمت علي إثارة ضيقه و حنقه!
بعد قليل خرجت من الغرفة ترتدي ما يخطف الأنفاس و يسحر الألباب، فهي الآن بكامل زينتها و ثوب عاري يجعل من جسدها البض ذو المُنحنيات أكثر إثارة و إغراء، تسبقها رائحة عطرها الفواح، و قبل أن تدلف إليه ذهبت و جلبت من المطبخ طبق ممتلئ بالتسالي، و قفت أمامه و وضعت أمامه الطبق:
-أتفضل.
رفع وجهه و نظر صوب عينيها، أطلق زفرة و كأنه يستعين بالصبر في تلك اللحظات العصيبة، جلست بجواره و حافظت علي مسافة قليلة بينهما، أمسكت بجهاز تحكم التلفاز و قامت بتغير القناة، فقال لها:
-ممكن تچيبي القناة اللي فاتت چايبة فيلم رايد أتفرچ عليه.
لم تهتم لمطلبه و أخذت تتناول التسالي قائلة:
-ده فيلم عربي قديم، أنا بحب أتفرج علي الأجنبي.
زفر بضيق يعلم إنها تحاول استفزازه لكنه سيظل يرتدي قناع الجمود الذي يظن سيجعلها تنفر منه و تبدل حُبها له إلي كراهية.
صدح رنين هاتفه و كأنه مُنقذ له، أجاب علي الفور:
-ألو يا چنيدي.
.....
-صباح النور.
.....
- أه صاحي أطلع كان لسه الحاچ عندنا أهنه.
.....
-لاء أني جاعد ما بسويش حاچة أطلع أني مستنيك، سلام.
و بعد أن أنهي المكالمة أخبرها:
-جومي خشي چوه، چنيدي طالع.
توقفت عن التقام اللب قائلة:
-ما يطلع و أعمله أي!
بصقت ما بفمها من قشر، رفع إحدى حاجبيه و قال بحدة:
-بجولك طالع و أنتي جاعدة كيف إكدة!
أطلقت ضحكة ساخرة و قالت:
-اللي يسمعك يقول إنك بتغير عليا ما يعرفش اللي فيها.
-أستغفر الله العظيم، بزياداكي حديت ملهوش عزا و أسمعي اللي بجولك عليه.
تركت الطبق علي المنضدة بحدة مما أصدر صوتاً و ألتفتت إليه قائلة:
- ولا ما سمعتش هاتعمل أي!
جز علي أسنانه و يكظم غضبه حتي لا يصدر منه فعل يندم عليه لاحقاً:
-أجصري الشر يا شهد و سوي اللي جولت لك عليه.
اغتاظت من لهجته الحادة و أمره الصارم، نهضت و تناولت كوب عصير و بدون أن ينتبه قامت بإلقائه في وجهه قائلة:
-عشان تبطل برود أعصابك.
ركضت سريعاً إلي الغرفة و تقسم بأن رأت في عينيه الجحيم، ألتفتت لتبحث عن عباءتها، شهقت عندما وجدته أمامها و يرمقها بنظرة نارية،أمسك ذراعها بعنف و هدر بصوت غاضب:
- أي اللي سوتيه ده!
و كأن القطة قد أكلت لسانها، ازدردت لعابها و قالت بدون أن تنظر إلي عينيه مباشرة:
-أنت اللي أستفزتني.
كور قبضته و قام بضرب الحائط بجوارها مما أجفلها و جعلها تبتعد من أمامه،أخذ صدره يعلو و يهبط من فرط ما يشعر به من غضب عارم.
خلع قميصه القطني المُبتل بالعصير و ألقاه علي الأرض بحنق، فأصبح أمامها عاري الجذع، خفضت بصرها لكن اختطفت بعض النظرات خلسه علي تفاصيل جسده المنحوت و كأنه رجل داوم علي ممارسة الرياضة لمدة أعوام، فالعضلات بارزة لاسيما لدي عضديه و عضلات بطنه السُداسية.
ذهبت سريعاً لتجلب إليه قميصاً آخر من الخزانة، ألتفتت لتعطيه إياه وجدته خلفها مباشرة كادت تصطدم به، و هنا احتبست أنفاسها حيث شعرت بوهج شديد الحرارة يلفح بشرتها التي سرعان ما غزاها اللون الوردي.
- هاتفضلي و اجفة تبحلجي فيا كتير إكدة!
قال لها هذا عندما وجدها مُتسمرة أمامه و تتشبث بقميصه، ابتلعت ريقها و قالت له علي استحياء:
-أنا آسفة.
اختطف منها القميص و لم يجب عليها أو يتقبل اعتذارها بل و تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى، يخشي أن يُصدر منه ردة فعل يندم عليها لاحقاً فتلك الشهد تسبر أغواره و توقظ بداخله شيطان غضبه الثائر.
ــــــــــــــــــــــ
مرت عدة أيام و كانت قد حسمت قرارها و ها هي تقف أمام المشفى الشهير في مدينة قريبة من النجع، تمسك بيد حقيبتها و تضغط عليها بقوة،فـ عقلها كاد يُجن من الأحداث المُنصرمة كلما تتذكر ما ألقاه عليها ابن عمتها من كلمات مُفجعة تشعر بالاختناق و الموت البطيء فعليها أن تحيا بعدما حكم عليها بالنبذ و النفي من حياته.
دلفت إلي داخل المشفى و سألت عن مكتب الطبيب يحيي، أرشدها إحدى العاملين إلي عيادته،أنتظرت أمامها ريثما ينتهي من الفحص الذي لديه مع رجل كبير السن.
خرجت الحالة فنهضت و طرقت الباب حتي أتاها صوته:
-أتفضل.
ولجت بخطي وئيدة حتي وقفت أمام مكتبه، بينما هو كان مُنكب علي دفتر ورقي يسجل به بعض الأشياء و دون أن ينتبه إليها، يحسب إنها إحدى مرضاه فأشار إليها:
-أتفضلي حضرتك.
أغمضت عينيها للحظات ثم قامت بفتحهما و بدأت تتحدث:
-أني چيت أجولك مابجاش في حاچة تجدر تمنعك عني.
ــــــــــــــــــ
صدح رنين جرس منبه الهاتف فأيقظه من غفوته بينما هي ما زالت نائمة، أخذ يتأمل وجهها الملائكي و يداعب خدها بأطراف أنامله حتي فتحت عينيها و رمقته بأعين يغلبها النوم ثم أوصدتهما مرة أخري، همس بصوته الرخيم و يداعب خصلاتها و يمسد فروة رأسها بحنان غرار خصاله البرية:
-زوزو أصحي، من إمبارح و أنتِ نايمة من المغرب و ما رضتش أصحيكِ لما جيت قولت أسيبك براحتك، قومي بقي كفاية نوم.
أجابت بصوت يُسيطر عليه النوم:
-هملني بالله عليك يا سليم، أني ماجدراش أحرك چتتي.
و تقلبت علي جانبها الأخر فأصبح ظهرها مقابلاً إليه،رفع إحدى حاجبيه و قال:
-بتهربي مني بالنوم، أوك يا بيبي أنا هاعرف أصحيكي بطريقتي.
نهض من بجوارها و ظنت إنه أبتعد، هيهات و انتفضت بفزع عندما وجدت الدُثار يُلقي من فوقها ليصبح هو بدلاً منه، أخذ يدغدغها لدي جانبي أضلاعها و هي تضحك رغماً عنها و تصرخ في آن واحد:
-بعد عني يا سليم، جوم ماجدراش أخد نفسي.
قهقه و قال:
-عشان تحرمي ما تسمعيش الكلام، عمال أصحي فيكي عشان وحشاني، بقالي كام يوم كل ما أرجع ألاقيكي نايمة و بتصعبي عليا أصحيكي.
-بصعب عليك!، حنين إياك!
توقف عن دغدغتها و نهض من فوقها ينظر إليها بضيق عندما أستشعر بالتهكم في حديثها و عاد من جديد إلي جانبه المظلم و الذي كان يتجنبه منذ فترة:
-الظاهر كنت غلطان لما أتعاملت معاكِ بحُب و إحترام، و شكلك من النوع اللي لازم ياخد علي دماغه عشان يتعدل.
نهضت و وقفت أمامه و ها قد عادت إلي طبيعتها و نظرة التمرد التي أخفتها منذ شهور ظهرت مُجدداً في ذهبتيها و اكتملت بنبرة صوتها القوية:
-أنا اللي غلطانة لما طول الوجت بجولك حاضر و نعم، خلتني واحدة تانية ما بجتش خابرة هي مين، مُچرد عبدة تلبي رغباتك المچنونة و لو علي حساب كرامتها، أنا تعبت كفاية بجي.
و في لحظة واحدة كانت خصلاتها مُجمعة في قبضته،كشر عن أنيابه و يخبرها بنبرة آتية من قعر الجحيم:
-قولي بقي إنك كل الفترة اللي فاتت عايشة تمثيلية و فكراني المغفل اللي ممكن يصدقك، أنا كنت متوقع هايجي عليكِ وقت و مش هاتقدري تكمليها، عارفة ليه.
دفعها من مؤخرة رأسها و أصبح وجهها مقابل وجهه و عينيها صوب عينيه ذات النظرة المُخيفة و التي أجفلت قلبها و جعلت أوصالها ترتعد خوفاً لاسيما عندما أردف:
-أيوة أنتِ هنا عبدة و أوامري كلها سيف علي رقبتك و يوم ما تفكري تعملي عكس كدة أو شوفت النظرة اللي شوفتها في عينيكِ دي تاني مش هقولك أنا ممكن أعمل أي فيكِ ساعتها، هاسيبك تتفاجئي بس أعرفي وقتها لو فضلتي تعيطي و تترجيني و تبوسي رجلي عمري ما هارحمك، سامعة؟
عجز عقلها عن التفكير من الخوف و هي تري كل ما قامت ببنائه طوال الوقت ها هي في لحظة حماقة تقوم بهدمه،فالذي يقف أمامها ليس سليم الذي أصبح حنوناً بل شيطانه الذي كان في غفوه و أستيقظ لتوه ليعود لأمجاد شره العاتي،عليها أن تستخدم إحدى الحيل و تستعيد هذ الحنون مرة أخري قبل فوات الآوان.
و بالفعل و بدون أي تمثيل أجهشت في حالة بكاء هيستري، جعلته يترك خصلاتها من يده و يراقبها بوجه متجهم،و تلك الوخزة في قلبه الذي يشعر بها للتو أخبرته عليه باحتوائها فهي ليست في حالتها الطبيعية أو ربما هناك اضطراب في الهرمونات خاصتها مما أدي إلي تغير حالتها المزاجية من سيء لأسوء!
عانقها و أخذ يربت عليها دون أن يتكلم، تركها تبكي حتي هدأت و أصبحت في حالة سكون و عندما رفعها من صدرها ليري سبب صمتها المُطبق، وجدها استسلمت إلي النوم، حملها ثم وضعها علي السرير و دثرها جيداً، أخذ يلوم نفسه علي كلماته القاسية التي ألقاها عليها لكن الوحش الذي بداخله أخبره هذا ما كانت تستحقه و أن لم يفعل ذلك، فكان سيصبح هو عبداً لها!
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية