رواية فارس بلا مأوى الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ولاء محمد رفعت


توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بناء ذو طراز يوناني، يقف أمام بوابته الزجاجية حارسان، ركض إحداهما نحو السيارة و قام بفتح الباب الخلفي، نزلت بحذائها الأحمر المخملي و يلامسه طرف ثوبها الأسود و يكسو رأسها وشاح بلون الأحمر القاني، تنظر من حولها ثم انتبهت إلي صوت الحارس يُرحب بزوجها.

- أهلاً و سهلاً يا سليم باشا، المطعم نور.

رد الأخر بعدما أمسك بيدها و وضعها علي ساعده بعدما أثني ذراعه:

- كل حاجة تمام؟

أجاب بـ رسمية:

- كل حاجة تمت زي ما حضرتك أمرت.

أبتسم بزهو و قال:

-تمام.

و بعدما دلفا إلي الداخل، وجدت المطعم خالي من الزبائن نظرت إليه باستفهام و سألته:

- هو المطعم ليه فاضي إكدة؟

-المطعم محجوز لينا مخصوص.

شبه ابتسامة ساخرة أعتلي ثغرها فسألته بتهكم:

-خايف من أعدائك إياك؟

توقف و أصبح أمامها مباشرة، يحدقها بعينين شديدة القتامة قائلاً:

- بيبي، جوزك اللي بيتخاف منه مش العكس، أنا اللي حبيت نكون علي راحتنا خصوصاً محضرلك مفاجأة أتمني تعجبك.

قطبت حاجبيها و سارت برفقته حتي وصلت لدي طاولة يحاوطها زوجان من المقاعد، جذب لها احدهم فجلست، و تابعها بالجلوس علي المجاور لها و لنقل بالأحرى الملاصق لها، و عندما أصبح بالقرب الشديد هذا منها شعر برجفة جسدها، حاوط ظهرها بذراعه و دنا بشفتيه من مسامعها هامساً:

- سقعانة؟

نظرت إليه من طرف عينيها دون النظر مباشرة، فقربه هذا أكثر ما يثير خوفها و يذكرها بكل ما أقترفه بها، ازدردت ريقها ثم أجابت:

-لاء، أجصد ممكن لأچل أول مرة نيچو أهنه.

قهقه خافتة أصدرها فاهه فأخبرها:

-أنا من أفضل الجيست اللي بيجي هنا من ١٥ سنة.

هزت رأسها و لم تنطق كانت تتابع مدير النُدل يتقدم إحدهم الذي يدفع عربة يعلوها زجاجات خمر و أطباق فاكهة، أشار له سليم و قال بأمر:

- سيبهم هنا دلوقت.

أومأ إليه النادل قائلاً:

- أمرك يا باشا.

و ذهب، فقال المدير:

-أي خدمة تانية يا باشا؟

رد باقتضاب و دون أن ينظر إليه:

- لاء.

و بعدما ذهب الأخر أعتدل ليسألها:

-نفسك في أي؟

رمقته في صمت و بداخل رأسها إجابة ودت إخباره بها، و هي أنها تريد الفرار منه و العودة إلي فارسها، و لكن الوضع الآن لا يسمح سوي بالتمني!

ردت بهدوء يشوبه حزن دفين:

-رايدة أشوف أهلي، أتوحشت أمي جوي.

أمسك يدها و قام بوضع أناملها علي شفتيه، قام بتقبيل أطراف أناملها بحنان غير معهود ثم أخبرها:

-أعملي حسابك الأسبوع الجاي هانكون في النجع.

سعادة عارمة شقت ثغرها بعدما أخبرها بما قاله فسألته للتأكد ليس إلا:

-الأسبوع الچاي؟

أجاب و أنفاسه تضرب و جنتها من يراه من بعيد يظن إنه يُقبلها لا يعلم إنه يخبرها:

-اه ،و لا مش عايزة؟

هزت رأسها بالنفي و قالت باللهفة بالغة و سعادة تنضح من ذهبتيها:

- لاء، رايدة طبعاً أني بتوكد بس.

-طيب الخبر الجميل ده مالهوش كلمة شكر!

سألها بترقب و أنامله تمسد ظهرها بحميمية، كادت تبتعد فقام بتقيدها من خصرها، رمقته بضيق و امتعاض، افترقت شفتيها لكي تعترض لكن أوقفها صوتاً آخر:

-زينب.

انتفضت حينما سمعت هذا الصوت و لم تصدق ما تراه أمامها الآن، هنا تحررت من قبضة يده و نهضت لترتمي بين ذراعي صديقتها التي اشتاقت لرؤيتها:

-أتوحشتك جوي جوي يا ريهام.

أغمضت الأخرى عينيها و تعانقها و تربت عليها بحب و شوق، لقاء الأصدقاء بعد مرور كثير من الوقت و فقدان الأمل و الاستسلام لظلام أسود أو فوهة تفتح علي متاهة دون طريق عودة.

نظرت ريهام إلي سليم و أومأت له بامتنان قائلة:

-شكراً يا سليم بيه.

أبتسم الأخر بزهو و قال:

-العفو،أنا علشان خاطر زينب أعمل أي حاجة تبسطها.

صدح رنين هاتفه و عندما نظر إلي الشاشة فأخبرهما مُعتذراً:

-معلش هاضطر أرد علي مكالمة مهمة، خدو راحتكم عقبال ما أرجع.

نهض و أبتعد ليتمكن من التحدث في هاتفه، بينما زينب سألت صديقتها باللهفة:

-ممكن تفهميني أي اللي حوصل؟

أجابت الأخرى بعدما ارتشفت قليل من الماء:

-بصي كنا لسه أنا و أحمد راجعين من السفر، لاقيت رقم غريب بيتصل علي أحمد و قاله أنا سليم العقبي، في البداية أحمد أفتكره واحد بيهزر و لا بيعمل مقلب، و لما لقيناه بيحكي لنا علي اليوم اللي جه خدك من عند ماما أتأكدنا إنه هو، أستأذنه إنه عايز يكلمني ضروري في حوار يخصك، بيني و بينك قلقت عليكي بعد كدة أطمنت و فرحت أوي لما طلب مني نتقابل و يعملهالك مفاجاءة، أنا مكنتش عارفة أوصلك خالص و عرفت من الميديا إنكم أتجوزتو و سافرتو، ألا قولي لي هو عامل معاكِ أي.

انبسطت شفتيها بطيف ابتسامة يغلب عليها الشجن، فماذا عساها أن تبوح إليها أو كيف ستروي إليها ما مرت به من أهوال لو سردتها لم يصدقها أحد!

نظرت نحو الفراغ و أجابت باقتضاب:

-الحمدلله زين.

رمقتها الأخرى بامتعاض و سألتها مرة أخري:

-زينب أنا عارفاكي أكتر من نفسك،أحكي لي يمكن أقدر أساعدك بجد،أنا سعد إبن عمي بقي محامي شاطر جداً ممكن أخليه يساعدك و يطلقك منه.

ودت لو تخبرها بأن ما تفوهت به ليست سوي أحلام أو مجرد درب من دروب المستحيل فهي متزوجة من الموت ذاته، إنما ذهبت يدركها حتي لو اختبأت في برج مُشيد أو چُب بداخل صحراء قاحلة، في كل الأحوال سيصل إليها.

-أي يابنتي سرحتي في أي؟

لوحت إليها بيدها عندما وجدتها شاردة و لم تنطق بحرف،أنتبهت الأخرى:

-ما سرحتش و لا حاچة،و أطمني أني بخير و الدليل أني جدامك أهه،زينب هانم العقبي حرم أكبر بيزنس مان.

قطبت ريهام حاجبيها بتعجب و شعرت لوهلة بأن تلك الجالسة أمامها ليست صديقتها التي تعلم عنها كل شيء، بل أصبحت شخصاً أخر شخص يائس و ضعيف.

تهربت من النظر إلي صديقتها خشية أن تكشف عكس ما تبديه إليها من قوة واهية.

أخذت كلتيهما يتسامران في ذكرياتهما منذ أيام الجامعة حتي قاطع حديثهما سليم الذي أنهي مكالمته و جلس جوار زوجته قائلاً:

-أستاذ أحمد عامل أي؟

- الحمدلله بخير، كان عايز يجي معايا بس هو مشغول في تجديدات النادي اللي شغال فيه.

مد يده إلي يد زوجته المستندة علي الطاولة يمسكها بحنان، لاحظت ريهام ما يفعله و كأنه يطمئنها علي صديقته، أعتدل و أخرج بطاقة ورقية من جيب سترته الداخلي و قدمه إليها:

-أتفضلي ده كارت vip أديه لأستاذ أحمد و خليه يجي الشركة،ليه مكان عندنا مش هو تخصص برمجيات؟

أومأت له و أجابت:

-اه ده تخصصه، بس هو حابب شغله في النادي خصوصاً أنه الحمدلله أترقي و بقي مدير الـ waiters هناك، علي العموم هاديله الكارت و أبلغه، شكراً لحضرتك.

أومأ لها مُبتسماً و قال:

-العفو.

ـــــــــــــــــــــ

- هملني يا صلاح بدل ما أخرچ و أجطع لك چتتة بت المركوب اللي جاعدة برة دي.

صاحت بها سمية الذي يمسك بها صلاح و يقيد حركتها، و هذا بعدما علمت بماهية تلك المرأة الأجنبية و يخشي أن سمية تفتك بها.

رد الأخر و يشد من قبضة ذراعيه حول جسده حتي لا تفلت منه:

-قال يعني لو سيبتك مش هاتروحي تعملي فيها كده، أهدي يا سمية و خلينا نشوف هي جاية ليه.

صاحت بتهكم و تتحرك بصعوبة تريد الانفلات من تقيده لها:

-ما هي واضحة كيف الشمس يا حبيبي، السنيورة چاية لأچل ترچع الماضي و تلهفك مني، ما أنت كنت جدامها السنين اللي فاتت و لا لما لاجتك أتچوزت حليت في عينيها.

كتم ضحكته برغم نبرة صوتها المرتفعة لكن كلماتها تحمل روح الفكاهة التي تتميز بها لاسيما عندما تغضب.

أخبرها لعلها تهدأ:

-و مين قالك كدة، هي بالتأكيد جاية عشان حاجة تانية، و بعدين ماتنسيش إنها أم بنتي.

رفعت إحدى حاجبيها و رمقته بنظرة لم يستشف منها شيئاً:

-أني مانسياش إنها أم بتك، بس ياريت ماتنساش أني مارتك و لو طهجت مني أو مليت إحنا لسه فيها، طلجني و أرچع لها.

حدق إليها بنظرة عتاب، تركها و أطلقها تتحرك بحرية و سألها باللوم:

-أنتي شايفة كدة!

أدركت فداحة ما تفوهت به فأجابت:

-أنت فهمتني غلط، مكنش جصدي حاچة.

أطلق زفرة عميقة ثم هز رأسه و يخبرها:

-لاء أنا فاهم صح، أولاً كلامك فيه إتهام ليه اللي هو إن متجوزك أتسلي بيكي يومين و خلاص و تاني حاجة أخر كلمة كنت أتوقعها تقوليها.

طأطأت رأسها لأسفل بخجل و قالت:

-دي لحظة غضب، و أنت خابرني زين لما بضايج بجول أي حديت و خلاص.

ألتفت في استعداد إلي الخروج من الغرفة:

-أنا هاخرج بره و أسيبك لحد ما تهدي.

-صلاح.

نادت بنبرة يشوبها الندم، أجاب باقتضاب:

-نعم؟

أقتربت منه و أمسكت بيده و بصوت أنثوي قالت:

-حجك عليا ما تزعلش منـ...

باغتها بدفعها نحو الحائط و فاجئها بقُبلة قوية و لم يبتعد سوي عندما شعر بعدم استطاعتها التنفس، هسهس إليها و نظراته تؤكد علي كل حرف يتفوه به:

-أنتِ ملكي يا سمية و عمري ما هاطلقك إلا إذا دي رغبتك أنتِ،لأن بحبك بجنون و عمري ما هابعد عنك لأن أنا كمان بقيت ملكك، روحي و قلبي و عقلي و كل ما فيا بتاعك أنتِ، مفيش حد يقدر يشاركك فيا.

و ما أن أنتهي من كلماته لم يمهلها الرد ألتقم شفتيها بقوة كالذي يتضور جوعاً و وجد أمامه كل ما تشتهي إليه النفس، دفعته قليلاً لكي تتنفس و تسأله:

-يعني لو الصفرا أم صورم اللي جاعدة برة دي لو جالت لك تتچوزها لأچل بتكو هاتوافج؟

أدرك مدي غيرتها الجنونية عليه فأجاب بوضوح و صدق:

-لاء، أنا كل اللي يربطني بيها بنتي مش أكتر.

تعلقت بذراعيها حول عنقه و تدفعه بخطي وئيدة نحو الفراش، و بدفعة واحدة من كفيها في صدره جعلته تمدد علي السرير ثم أرتمت فوقه قائلة بنبرة توقن مدي تأثيرها الطاغي عليه:

-مش أنت بتجول أنت ملكي، همل ليا نفسك و سيبك من السحلية اللي برة و ركز معاي.

رمقها باستفهام:

-ناوية تعملي فيا أي يا سمية؟

رمقته بنظرة وقحة تخبره بما هي مُقبلة عليه و قالت:

-هاوقع صك ملكيتي يا جلب سمية لأچل تخابر سخام البرك صوفيا أنك بتاعي أني و بس.

هيهات و حدث غرار ما توقعه، أطلقت آهه دوي صداها إلي الخارج عندما غرزت أسنانها في وجنته!

ـــــــــــــــــــــ
تجلس أمام مرآة الزينة ترتدي مأزر الحمام و تمشط خصلاتها، شاردة في من أشتاق إليه الفؤاد، جاء من خلفها من جعل خيالها يتلاشى علي الفور، أخذ فرشاة الشعر من يدها و قام بالتمشيط بدلاً منها، تلاقت أعينهما خلال المرآة.

- مبسوطة؟

ما هذا السؤال الأحمق الذي يلقيه عليها، كيف لها أن تفرح في خضم تلك الأهوال التي مرت بها علي يده، يكفي أنها زوجته رغماً عن أنفها.

و لكي تتجنب نظرات الشك التي كادت تظهر في عينيه ذات اللون الأسود القاتم و المخيف أجابت بإيماءة كدلالة علي كلمة نعم قائلة:

-الحمدلله، شكراً علي المفاچاءة الحلوة.

ترك الفرشاة جانباً و أخذ يمسد جانبي عنقها و إزاحة تلابيب مأزرها عن كتفيها، دنا نحو جيدها و بدأ بتقبيل بشرتها الملساء:

-مفيش ما بينا شكر يا بيبي، بس ده ما يمنعش إن أستاهل مكافئة حلوة منك.

ردت بصفاء نية:

-و أي المكافئة اللي أنت رايدها مني.

أمسك بيديها لتنهض و جعلها تقف أمامه، عينيها صوب خاصته و يخبرها:

-فاكرة طلبي لما كنا في الجنينة يوم الحفلة؟

حاولت التذكر و لم تسعفها الذاكرة فسألته بتهكم:

-أنهي طلب فيهم، أصل طلباتك و أوامرك كتير جوي.

ابتسامة ذئب تغزو ثغره يتبعها قوله:

-عايزك تثبيتي لي حبك ليا، في لمسة.

قام بتشابك أنامله بخاصتها و أردف:

-في حضن.

عانقها بحميمية و أغمض عينيه يأمرها:

-أحضنيني و ضميني ليكي بكل قوتك.

قامت بتنفيذ أمره باحترافية و كأنها تعانقه برغبة نابعة من داخلها، و الفضل يعود إلي فلك ذاكرتها و آخر لقاء لها مع فارس قلبها.

كان عناقها له قوياً فجعله كالبركان الذي أنفجر لتوه، بادلها العناق حتي شعرت عظام جسدها تتحطم بين ذراعيه و همهمات صادرة من شفتيه التي أنقضت علي كل إنش في وجهها و عنقها و جيدها بقبلات ضارية يخبرها من بينها:

-بحبك أوي، بتحبيني؟

هزت رأسها، لم تكفيه الإشارة جمع خصلاتها في قبضة يده و جذبها بعنف إلي الخلف مما أظهر إليه طول عنقها:

-عايزة أسمعها من شفايفك.

أسدلت جفونها و تكبت الألم التي اعتادت عليه معه، أجابت:

-اه.

خلع عنها المأزر و أصبح كالوحش الثائر الذي أطلق سراحه من سجن دام لأعوام:

- اه أي قوليها، عايز اسمعها و أحسها.

رددت بصياح و نبرتها تكبت ألم جسدي و نفسي، صرخت و كأنها تنادي علي مالك قلبها:

- بحبك، بحبك، بحبك.

صرختها بتلك الكلمة و تكرارها كإلقاء تعويذة علي هذا الوحش، فقام بدفعها إلي الفراش و افتراسها بل و الفتك بها، لم ينتبه إلي عينيها التي تعتصرها و بداخل عقلها تخبر فارسها:

-سامحني يا فارس. 
ــــــــــــــ

ظلام معتم و رائحة عطنه تملأ هذا المكان المثير للاشمئزاز مثل هذا المُقيد في الكرسي و يردد بتوسل:

-ميه، عايز أشرب، هاموت.

أفزعه صوت جنيدي الذي صاح به:

-ما تنطجتنا بسكاتك يا دوحه و لا أنت أستحليت الضرب، ما جولت لك أعترف بعملتك السودة و أني هاعتجك جدام القسم.

-ماعملتش حاجة، أنا مظلوم.

و جاء الأخر علي تلك الجملة فسأله بصوت أجش ينذر عن غضب كامن:

-لساتك عتكدب إياك.

أشار إليه جنيدي نحو هذا الممدوح و قال:

-ولد المركوب واكل علجة موت لما جطع نفسي و ضيع لي أحلي نفسين علي المسا و مارايدش يعترف باللي سواه.

جذب فارس كرسي خشبي بالي و وضعه أمام الأخر، أخبره بهدوء قاتل:

-الظاهر ممدوح عاچبته الجاعدة حدانا، بحيث إكدة يبجي لازم نرحبو بيه.

نهض من فوق الكرسي و أخرج جهاز صغير بمجرد أن يضغط علي زر به يصدر أزيز، صاح الأخر بنبرة هيسترية:

-كهربا!، كهربا لاء، ابوس إيدك كهربا لاء.

و أخذ يرددها برعب، نظر جنيدي إلي صاحبه بتعجب من ردة فعل ممدوح الذي فقد عقله، ضحك فارس بسخرية و أخبر صاحبه:

-ما تستغربش يا صاحبي، أصل المعلم ممدوح بيخاف من الكهربا من هو صغير.

عقب جنيدي علي حديث صاحبه:

-يبجي الواد هيما حداه حق لما جالي إن عيلة دوحة كلاتهم ماتو محروجين بسبب ماس كهربا و هو الوحيد اللي نچي من أهله.

-و أني لازم أفكره لو ما أعترفش صوت وصورة علي اللي سواه في صور بت الحاچ نعمان.

صرخ ممدوح قبل أن يقترب منه الأخر:

-خلاص، خلاص، هاعترف والله هاعترف، هاعمل اللي أنتو عايزينه.

و بالفعل قام فارس بتصوير ممدوح و هو  يعترف بتزييف الفيديوهات و تركيب صور شهد و تصنيع محتوي فاضح، أخذ جنيدي هذا الاعتراف و قدمه خلال إحدى معارفه إلي الشرطة و تم القبض علي ممدوح و يجري التحقيق معه.

ذهب فارس إلي منزل الحاج نعمان و وضع أمامه قرص التخزين(فلاشه) و قال:

-أتفضل يا حاچ ده يبجي مهري لشهد.

ربت الأخر علي كتفه و قال:

-عفارم عليك يا فارس راجل من ضهر راجل، عقبال إثبات برائتك.

-أتفضلو.

قالتها شهد و وضعت صينية أعلاها كوبين من الشاي و قطع كيك، نهض نعمان و قال:

- تعالي يا شهد أقعدي مع خطيبك عقبال ما أروح أصلي العشا.

ذهب والدها و جلست هي لم تجد سوي الصمت.

- شكراً علي أنك جبت لي حقي من ممدوح الحيوان.

تحمحم ثم قال:

-ده واچب عليا و لو أي واحدة حوصل وياها إكدة بالتأكيد كنت هاجف چارها لحد ما أخد لها حجها.

يا ليته ما تحدث، فحديثه كالسهام التي رشقت في مقتل لديها، كظمت غيظها و أشارت إلي الكعك و الكوب:

- ما بتاكلش كيك ليه؟

رفع يده بشكر:

- تسلم يدك، بس أنا و الله ما جدرش أكل، أصلي جبل ما أچي كنت چعان عديت علي محل الكشري وأكلت الحمدلله.

نهضت و أمسكت بكوب الشاي و مدت يدها إليه قائلة:

-خلاص يبقي تشرب الشاي.

كاد يخبرها إنه لا يريد.، فلم تمهله حيث تركت الكوب الذي لم يلحق بأن يمسك به و وقع علي فخذه، رمقته بتشفي:

-تعيش و تاخد غيرها.

تركته قبل أن يدركها غضبه و ركضت إلي غرفتها! 
ـــــــــــــــــــ
تقدم ساق و تأخر الأخرى بتردد، تخشي الذهاب إلي هذا المنزل الذي تبغضه، فبعدما ذهبت إلي منزل خالها لتأدية واجب العزاء لم تجده و علمت من و الدته إنه منذ وفاة زوجته و لم يأتِ إلي المنزل و يمكث في المنزل الأخر القريب من المعبد القديم!

طرقت الباب فوجدته مفتوحاً قليلاً و رائحة دخان النرجيلة يصل إليها يشوبها رائحة الخمر الكريهة، دفعت الباب و ولجت إلي الداخل، بحث عنه لم تجد سوي الظلام و هناك وهج الفحم المُشتعل في إحدى الزوايا.

-رافع، أنت أهنه؟

أجفلها صوته الأجش:

-چايه ليه؟

استشفت من نبرته الحادة إنها غير مرحب بها، ابتلعت لعابها و قالت:

-چيت لأچل أعزيك، البقاء لله.

انتفضت عندما أنقشع الظلام مع إضاءة المصباح الذي اشعله للتو، أتسعت عينيها من مظهره الرث و حالته المُزرية، يغزو الاحمرار عينيه المحاطة بالهالات السوداء، و شعره أشعث و لحيته الكثيفة مع شاربه الكث أكسبه مظهر مُخيف بل و مرعب، كل هذا كفيل بجعل أوصالها ترتعد لاسيما حديثه الحاد معها:

-چايه تعزي و لا تشمتي، و لا تكوني فرحانة إنها ماتت!

رمقته بامتعاض فسألته بضيق:

-ليه بتجول إكدة؟، أنت خابر زين عمري ما كرهتها بالعكس دي كانت صعبانة عليا من اللي عتسويه وياها.

أطلق ضحكة ساخرة سرعان تحولت إلي مُرعبة، جعلتها تتراجع بخوف و كادت تغادر لكنه باغتها بالقبض علي زراعها بعنف ثم دفعها علي الأريكة و هدر بغضب كالعاصفة:

-اللي كنت بسويه وياها أنتِ السبب فيه، أنتِ اللي خلتيني روحت أتچوزتها لما رفضتي تتچوزيني، أنتِ اللي خلتيني أجهر جلبها كل ما أجرب منها و أنادم عليكي و هي في حضني، ياما باتت ليالي و دمعها علي خدها و برضك بسببك، نوارة ماتت من الجهرة، ماتت لأچل أتچوزت واحد مكنش بيفكر غير فيكي.

نهضت و لم تخشي مواجهته قائلة:

-نوارة ماتت بسبب أنانيتك، ماتت بسبب إچرامك و شغلك المشبوه و الحرام، نوارة كل ذنبها إنها عشجت جلب ما حبش غير حاله، لوثت يدك بدم كل اللي يفكر يطلب يدي لأچل ما بجاش لغيرك و لا أطول سما و لا أرض، بدل ما تروح تلوم حالك چاي ترمي اللوم عليا إياك!

تركها و ذهب ليجلب من فوق المنضدة عدة أوراق و ألقاها في يدها قائلاً:

-حداكِ حق في كل اللي جولتيه، أني مكنتش أنفعك و لا أنفعها، أنا كيف الشيطان ما بيحبش غير حاله، مشيت في الحرام لأچل أتچوزك و أعيشك أحسن عيشة و أخرتها رفضتيني، و يوم ما جولت أندمك و أخليكي تشوفي غيرك في النعيم، يچي ربنا يجولي خد، أحصد زرع شيطانك.

وجد علي وجهها مئات علامات الاستفهام فأشار إليها نحو الأوراق قائلاً:

-اللي في يدك ده تقرير طبي بيجول إني ما بخلفش و لا عمري هخلف.

- طب كيف نوارة كانت حامـ...

لم تكمل سؤالها عندما أدركت فداحة الأمر، فشهقت و وضعت كفها علي فمها، و هنا رأت أسوأ وجه للشيطان الواقف أمامها.

-نوارة خافت لأطلجها لأچل الخلفة مشيت ورا أمها و أخرتها وجعت ضحية لواحد دچال إبن كلـ.... خدرها و سوي اللي سواه فيها، كانت مستعدة تضحي بحالها لأچل تسعدني و أني كيف الغبي كل همي تكوني ليا.

بدأت تتصاعد أنفاسه فأطلق ثورة غضبه الحارقة:

-خابرة أني ندمان أشد الندم أني حبيتك في يوم من الأيام، ضيعت حالي و ضيعت بت خالتي المسكينة و أذيت ناس كتير بسببك، أنتِ لعنة كان المفروض أخلص منيها من زمان، أجولك أنا كل حبي ليكِ أتحول لكره، ما بجتش طايجك، الله يحرج جلبي اللي حبك، غوري من وشي و همليني، أديني بجولهالك أني مابجتش رايدك، أني بكرهك، بكرهك.

دفعها خارج المنزل، تعثرت و وقعت علي الأرض، نهضت و انهمرت دموعها من سوط كلماته و اتهامه الزائف لها، ليست هي المُلامة بل هو الذي يجب أن يُحاسب، و أخيراً قد نالت حُريتها و ابتعدت عن براثن الشيطان الآثم و ربما يكتب لها القدر ما هو الأفضل! 
ــــــــــــــــــــــ
- بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما علي خير إن شاء الله. 
و بمجرد انتهاء الشيخ من جملته و مراسم عقد القران، نهض الحاج نعمان و عانق ابنته و السعادة تملئ وجهه و تفيض كالأنهار المتدفقة كلما خفق قلبه من فرط الفرح،فها هي صغيرته بين يدي أمينة، علي ذمة رجل سيكون لها خير سند و حماية، و لأنه يعلم جيداً بأن ابنته صعبة المراس لكنه أصبح مُطمئن بعد زواجها من فارس،لا يدرك أنه أرتكب خطأ فادح،جعل ابنته تتزوج برجل قلبه ليس ملكاً له بل يحتفظ بقلبه و عقله إلي مليكة أمره التي أختطفها القدر و ألقي به في اليم،تلطمه الأمواج العاتية حتي ألقت به علي شاطئ من الوحل الأسود، كلما نهض منه ينغرز لأسفل حتي يبتلعه دون رحمة، ما أدراك ما هي قلة الحيلة و لم تكن قادراً علي امتلاك زمام أمرك و عليك الوفاء بوعد، فؤادك قد أصبح له ذو ثمن بخس. 

- ألف مبروك يابنتي. 
كلماته صاحبت تربيت و عناق قوي بحنان غادق و فياض، ابتسمت ابنته و ربتت علي ظهره: 
- الله يبارك فيك يا حبيبي، ربنا ما يحرمنا منك أبداً و يبارك لنا في عمرك. 
و أمسكت بيد والدها و قامت بطبع قُبلة شكر و امتنان علي ظهر يده، مسد الأخر علي رأسها ثم رمق فارس الذي يقف كالتمثال،ربما التمثال أفضل حالاً منه الآن،ينظر إلي دفتر الشيخ و إلي آثر الحبر الأزرق علي إبهامه الذي يحرقه بشدة من ألم الخيانة، قد خان قلبه الذي أقسم علي عهد إنه لم يصبح سوي لامرأة واحدة فقط، هي من تمتلكه مهما مر الدهر أو ضرب الشيب رأسه سيظل عاشقاً لها. 

- مبروك يا فارس يابني. 
كلمات مقيتة بالنسبة إليه أفاقته من شروده، و بعد إنتباهه إلي صاحبها قال باقتضاب: 
- الله يبارك فيك يا حاچ. 

أقترب منه الأخر و أمسك يده و قام بالضغط عليها كإيصال رسالة و تأكيد علي كلماته التالية: 
- أنا مش هوصيك علي بنتي و أقولك الكلام اللي بيقوله أي أب في اللحظة دي، كل اللي طلبه منك أتقِ الله فيها و إياك تكسر قلبها أو بخاطرها في يوم من الأيام. 

أكتفي بهز رأسه و أتبعه بالقول: 
-ما تجلجش يا عمي، بتك فوج راسي. 

أبتسم الأخر باطمئنان و أشار بيده إلي موضع ما يذكره: 
-أنا مش عايزها فوق راسك، عايزها في عينيك و أنا واثق بإذن الله هاتكون في قلبك. 

شبه ابتسامة يختبئ خلفها صرخة قلب ينزف و يطلب الرحمة فشعوره الآن مثل حبة قمح أودعت بين حجري رُحا يدور كل منهما عكس اتجاه الآخر، لتصبح الحبة مُجرد ذرات من الحنطة تتطاير هباءً منثوراً. 

تدخل آنذاك رفيق دربه چنيدي صافحه بقوة مُباركاً إليه: 
-ألف مبروك يا صاحبي،ربنا يتمملك علي خير. 

ثم أقترب منه و همس إليه بخفوت: 
-رايدك ترفع راسنا يا عريس،خد الحباية دي و أنت هاتبجي كيف الأسد و أجوي من كينج كونج ذات نفسه. 
ربت بقليل من الحدة كإتمام علي كلماته التي أثارت حنق فارس الذي رمقه بتوعد قائلاً: 
-عجبالك يا صاحبي لما نجولك مبروك. 

-يالا يا فارس خد عروستك و أطلعو فوق و لو عوزتم أي حاجة أتصل عليا. 
قالها الحاج نعمان فعقب جنيدي بمزاح و كأن هذا أخر ما ينقص فارس: 
-يتصل ليه عاد، إبننا فارس زين الرچال و فخر الصعيد كلاته. 

ابتسامة صفراء بدت علي ثغر الأخر، تتجلي فيها أسنانه الناصعة، حك جنيدي ذقنه الحليق و أردف حديثه استعدادا للفرار من نظرات صاحبه المتوعدة: 
-عن أذنكم أني بجي أروح أوصل عم الشيخ المأذون، و ربنا يچعلها أخر الأحزان جصدي يديم عليكم الأفراح. 

قهقه الجميع من حديث هذا الجنيدي الذي لم يكف عن المزاح. 
أشار فارس إلي عروسه التي ألتزمت الصمت منذ إنتهاء عقد القران أن تسير أمامه. 
و بعد أن صعد كليهما إلي الأعلي، فتح الباب و قال لها دون النظر إليها: 
-أتفضلي. 

رفعت وجهها و أخذت تنظر إليه و كأنها تنتظر منه شيئا سألها بعدم فهم تلك النظرة: 
-فيه حاچة و لا أي؟ 

أجابت بعدم مبالاة إلي تعابير وجهه الواضحة للعيان بأنه مُرغماً علي تلك الزيجة: 
-المفروض زي أي عريس داخل شقته مع عروسته يعمل أي؟ 

رمقها باستفهام، وضعت يديها علي خصرها و أردفت: 
-بيشيلها. 

و قبل أن يخبرها بما لا يحمد عقباه، أنقذه رنين هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله و ألقي نظرة علي إسم المتصل ثم أجاب و لا يبالي لإنتفاخ أوداج تلك الثائرة أمامه. 
- ألو يا عم عربي. 

ولج إلي الداخل و كأنها فرصة للابتعاد عنها، أطلقت زفرة متأففة و صفقت الباب، ذهبت إلي غرفة النوم تنتظره ريثما ينتهي من التحدث في هاتفه. 
مرت دقيقة تلو الأخرى بل عدة دقائق قاربت علي النصف ساعة، و ما زالت جالسة في انتظاره حتي نفذ صبرها، نهضت و كادت تخرج اصطدمت به علي باب الغرفة، تراجعت خطوة و عينيها المُزينة بالكحل و الأهداب الصناعية الكثيفة بينهما تتلألأ عدسات لاصقة رمادية، تنضح بالغضب العارم، و لأنه أراد عدم الخوض في مناقشة حادة أخبرها بـ برود يُحسد عليه: 
-عم عربي كان بيعتذر و بيبارك لنا و عم چابر كلمني بعده بيعتذر إنه ما چاش لأچل الخالة هنادي تعبت و جاعد وياها و بيبارك لنا. 

صاحت بنبرة شديدة السخرية: 
-الله يبارك فيهم يا أخويا،و نعم الذوق قاعدين طول اليوم و مستنين دلوقت عشان يتكلمو و يعتذرو و الله فيهم الخير. 

كانت تلوح بيديها ثم عقدت ساعديها أمام صدرها سرعان ما قامت بتركهما و تراجعت بتوجس بضع خطوات إلي الخلف بعد تلك النظرة المُخيفة التي يرمُقها بها للتو، يقترب منها و يتحدث بنبرة تبدو هادئة في ظاهرها بينما تحمل في باطنها تحذيراً بالغاً: 
-أسمعيني زين يابت الناس،أول حاچة و حطيها حلجة في ودانك صوتك ما يعلاش عليا و هاتكون أول و أخر مرة، تاني حاچة الناس اللي عتممسخري عليهم يبجو أهلي و ناسي و إياكِ تكرري اللي سوتيه دلوق مرة تانية، مفهوم؟ 

ظلت متسمرة في مكانها، صاح بحدة أجفلتها: 
-ما سامعش. 

أومأت إليه و رددت: 
-حاضر. 

أبتعد ليأخذ ثيابه المطوية بعناية أعلي السرير و قال دون أن يعيرها نظرة واحدة: 
-خدي راحتك أهنه أني هاغير خلچاتي في الأوضة التانية، لو محتاچة حاچة أبجي نادمي عليا. 

و ما أن تحرك خطوة مدت يدها و أمسكت بساعده تنظر إليه بأعين متوسلة بأن لا يتركها بمفردها قائلة: 
-أنت مش هاتتعشي معايا؟ 

نظر إلي يدها الممسكة به أولاً و تنهد ثم أخبرها: 
-أتعشي أنتِ، أني مش چعان. 

حدقت إليه ببراءة و دلال قطة تلعب علي أوتار مشاعر صاحبها: 
-بس أنا جعانة، و ما بعرفش أكل لوحدي. 

لم يجد مفر سوي مشاركتها فأخبرها: 
-ماشي،لما تغيري خلچاتك حضري الواكل و أني هستناكي في أوضة الضيوف. 

تراقص قلبها طربا أول محاولة ظفرت بها مما جعلها تتجرأ إلي مطلب أخر و ترتسم علي ملامح وجهها إمارات الخجل: 
-هاغير هدومي إزاي، و فستاني زي ما أنت شايف مش عارفة أتحرك منه. 

أنتبه إلي ثوبها الأبيض ليري لديها حق، لم تستطع خلعه و هذا بسبب السحاب الخلفي، صعب أن تقوم بإنزاله و كذلك أيضاً الوشاح و الحجاب المتدلي أعلاه كل منهما متشابك بإبر رفيعة لم تتمكن من خلعها بمفردها، أخذ يساعدها بفك كل تلك الإبر و ألقاها أعلي طاولة الزينة، و بسحب أخر إبرة قامت هي بجذب الوشاح، فكشفت عن خصلاتها الحريرية ذات اللون الأشقر الصناعي، انسدلت خصلاتها مما زاد مظهرها الجذاب جمالا لم يستطع أي رجل أن يراها بتلك الهيئة و الزينة و ألا يكف النظر إليها بل و تأسر قلبه، لكن صاحب العينين الرماديتين كان له رأي آخر، نظرته إليها يغلفها جبال من جليد نهضت و ولت ظهرها إليه و قالت بدلال: 
-ممكن تفتح لي السوستة عشان مش هاعرف. 

تحركت تفاحة آدم في عنقه و يبتلع لعابه، يخشي من ضعف نفسه و لو للحظة، يعلم نهاية كل هذا، مهما حاول التجاهل أو إظهار عدم الاهتمام فالأمر قد حُسم علي كل الأحوال. 
جمع خصلاتها و ألقاها علي إحدي كتفيها، أمسك بطرف السحاب و أنزله بتأني حتي علق في المنتصف و يبدو إنه أحتك ببشرتها مما سبب لها ألماً، تأوهت فأنتفض: 
-آسف، مكنتش أجصد، السوستة باينها علجت و مارضياش تتفتح. 

- خلاص سيبها أنا هاعرف أقلع الفستان كدة. 
و كأن كلماتها أعطته الحرية للتنفس، خرج علي الفور بعدما أخذ ثيابه، ألتقط أنفاسه بالخارج، و ذهب إلي الغرفة الأخرى.

بعد قليل، كان جالساً أمام التلفاز شارداً في ملكوت أخر حتي أتت تلك التي تملك فن الإغواء، تريد جذبه إليها و هدفها الأكبر قلبه. 

دلفت تحمل صينية الطعام و يا للكارثة! 
ترتدي مأزراً حريرياً قصيراً، تركته مفتوحاً ليكشف أسفله عن ثوب أبيض من الدانتيل يكاد يصل إلي ركبتيها و من الأعلى يكشف الكثير و الكثير، يُزين جانب عنقها رسم حناء بشكل فني جذاب و حول جيدها سلسلة ذهبية يتوسطها اسم فارس بالعربية، تفوح منها رائحة عطر اخترقت أنفه بقوة، فهي كالمحارب القوي الذي يهاجم بكل أسلحته علي حصون عدوه و يريد تدمير قراميدها إلي فتات. 
تظاهر بالصلابة و الجمود الذي جعل دمائها تفور كالمياه بداخل مرجل قد أضرمت نيرانه منذ عهود. 
وضعت الصينية علي المنضدة أمامه بقليل من الحدة، رفعت وجهها لتنظر إليه فوجدته مُنشغلاً أو الأحرى مُتظاهراً بمشاهدة التلفاز. 
أتظن أنني سأستسلم، يبدو أنك لا تعلم من هي شهد أيها الفارس. 

ذهبت للجلوس بجواره و كأن مسه تيار كهربي أبتعد قليلا رفعت إحدى حاجبيها و ترمقه بماذا بعد، سألها بتوتر: 
-في حاچة؟ 

أطلقت تنهيدة ثم قالت بنفاذ صبر: 
-لاء مفيش، بس الأكل أتحط و الأكل له إحترامه و لا أي! 

مد يده ليتناول ملعقة و يتحاشى النظر إليها، فهناك قنبلة أنوثة جالسة جواره، تفاجئ بقطعة من الدجاج قد وضعت بفمه، رمقها مُنزعجاً فأخبرته بتهكم: 
-ما بتحبش الفراخ و لا أي، ما تقلقش دي فراخ بلدي عشان تتقوي بدل ما شكلك هفتان من أكل الشوارع و الكشري اللي هري معدتك. 

و عندما رفعت يدها إلي فمه مرة أخري أمسك يدها و قال: 
- كفاية إكدة، أني أصلاً مش چعان و جعدت وياكي عشانك. 

-خلاص أكلني أنت. 
تفوهت بدلال و رمقته بنظرة جرو  صغير و التي تجعل أي من يراها يلبي لها أي مطلب دون تراجع. 

تمتم بكلمات لم يمكنها سماعها، فسألته: 
-بتقول حاجة؟ 

أجاب باقتضاب: 
-لاء. 

قام بمد قطعة لحم بالشوكة وجدها تغلق فمها و تهز رأسها بالرفض ثم أخبرته: 
-أكلني بإيدك. 

أطلق زفرة من فرط ما يشعر به من الضيق، قام بإطعامها في فمها و لاحظ تعمدها ملامسة شفتيها أطراف أنامله، و في المرة الثالثة أمسكت بيده و ظلت ترمقه بنظرات هيام عاشقة فأخبرته رغماً عنها تحت وطأة لحظة ضعف قلب متيم بمعشوقه: 
-أنا كل اللي عايزاه ده يحس بيه. 

أشارت إلي موضع قلبه ثم أردفت: 
-أنا فاكرة كل كلمة قولتهالي لما كنا في النادي، أي واحدة مكاني كانت بعدت بس أنا ما قدرتش، لأن معرفتش و لا قادرة أبعد، عارفة قلبك مش ملكك بس بلاش تحاوطه بألف سور، أديني حتة منه، مش طالبة غير حتة بس من قلبك تكون ليه. 

سرعان تحولت ملامحها من الهدوء إلي الحزن و تجمعت الدموع التي بدأت بالتساقط: 
-طول عمري كنت قافلة علي قلبي لحد ما شوفتك، خطفته من أول نظرة، شوفتك الراجل الوحيد اللي تستاهله، الراجل اللي نفسي يخدني في حضنه و يطبطب عليا بحنية، الراجل اللي لو الدنيا كلها بقت ضدي عمره ما يقسي عليا مهما حصل، أنا مش وحشة يا فارس، أنا عكس خالص البنت القوية اللي شوفتها طول الأيام اللي فاتت، أنا أضعف مما تخيل، نقطة ضعفي الوحيدة هي أنت، لأن بحبك أوي. 

و بمجرد انتهاءها من تصريحها أطلقت دموعها للانهمار، دموع عاشقة تتوسل حب من عشقه قلبها و تهواه بكل جوارحها بينما هو أهتز بل ضربه زلزال مُدمر عند رؤيتها في تلك الحالة، لعن هذا الحب الذي لا يجلب سوي التعب و المشقة و العذاب لأصحابه، ما كان بيده سوي أن يحتضنها و يعانقها، يمسد علي ظهرها علها تهدأ: 
-بزيداكي بُكي عاد، طب لأچل خاطري لو بتحبيني كيف ما بتجولي. 

رفعت وجهها من صدره تنظر إليه و عينيها الباكية جعلته يفعل ما كان لا يريده و حاول بكل السُبل أن لا يحدث. 
أغلق عينيه و دنا بشفتيه ليلثم خاصتها، أخذ يُقبلها حتي كفت عن البكاء، كاد يبتعد فوجدها تتشبث به كالغارق في بحر مُظلم و هو منقذها الوحيد، بادلها العناق لكن شتان ما بين عناق كل منهما للأخر، هي تعانقه بعشق و حميمية بينما هو و كأنه مُرغماً، عناقه يخلو من المشاعر. 
دعته بنظراتها بأن يُقبلها مرة أخري و كأنها قبلة المُحياة،نهض و حملها إلي غرفة النوم، أنزلها علي الفراش و أراد الابتعاد، فوجدها متعلقة بذراعيها حول عنقه ثم و ضعت رأسها علي صدره و أخبرته: 
-ممكن ماتسيبنيش لوحدي؟ 

رفع وجهها بين يديه و ظل يرمقها في صمت، و إذا به يراها مليكة قلبه، تبتسم و تضحك كما كان يراها دائماً، و صوتها يصدح في مسامعه قائلة: 
-بحبك جوي جوي يا فارس. 

- و أني بعشجك يا جلب فارس. 
ردد تلك الكلمات بخفوت و أستسلم إلي خياله الذي جعله يغرق في بحر الذكريات غير واع إلي ما يفعله، لمسات و همسات و همهمات غير واضحة للأخري، ما بيدها سوي الاستسلام إليه رغماً من علمها إنه يشاركها جسده فقط! 

قامت بكتم صرختها بدفن وجهها في صدره، تلك الصرخة التي أيقظته من غفلته، نهض و أبتعد عنها و ملامح وجهه غاضبة من نفسه، قلبه ينعته بالخائن و باغته الشعور بالندم و كأنه أرتكب جُرم بشع في حق معشوقته، أغمض عينيه ليتمكن من رؤية وجهها الحزين و الغاضب منه، فقال لها بهمس نابع من قلبه: 
-سامحيني يا زينب!

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات