رواية فارس بلا مأوى الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ولاء محمد رفعت
تمكث في الغرفة بمفردها منذ أن عادا من الخارج، لم يستغرق وجودهما في حفل الزفاف سوي مجرد دقائق مرت كمرور الدهر علي قلب احدهم و بمثابة خنجر متوهج يخترق قلوب آخرين بلا رحمة.
نهضت من فوق السرير بعد تفكير دام لأكثر من ساعة، ذهبت لتبحث عنه في الردهة، وصل إلي أنفها رائحة سيجارته المشتعلة من الشرفة، سارت إليه و وقفت خلفه بتوجس حيث إنها تدرك جيداً حالته النفسية الآن، فهو لا يلجأ لتدخين السجائر إلا عندما يكون في قمة غضبه لاسيما تري من جانب وجهه إحتدام عظام فكه البارزة و انتفاخ أوداجه النافرة.
ترددت في التحدث إليه، لكن في النهاية وجدت لا مجال للهروب عليها المواجهة، ساعة من المواجهة وتلقي الصدمات أكثر هواناً من العيش لساعات و ربما لأيام في خوف و آسر ذهنك في براثن الأفكار المُظلمة.
- أكرم.
تظاهر و كأنه لا يسمع ندائها علي غرار ما بداخله من وقع صوتها علي فؤاده الذي يتوسل إليه بأن يغفر لها، لكن الآن العقل هو المسيطر، طالما عقله يرشده إلي الثواب والمسار إلي الدرب الصحيح.
أطلق زفرة نفث بها دخاناً كثيفاً من أنفه و فاهه، و صمته كان الرد الجلي إليها، اقتربت منه وضعت أناملها المُرتجفة علي عضده و كأن قد سري في جسده تيار كهربائي، ألتفت إليها بنظرة لو كانت نيراناً لجعلتها رماداً لتوها.
أجفلها بصوت أرجف قلبها:
- عايزة أي؟
ابتلعت غصتها بتردد و أجابت:
- ممكن نتكلم شوية؟
سحب نفساً عميقاً من سيجارته ثم أطلقه في زفرة عبئت الأجواء من حولهما بالدخان الكثيف، تخلص من ما تبقي بين أصبعيه بإلقائها من الشرفة ليخبرها:
- الكلام ما بينا أنتهي.
لم تتحمل كلماته القاسية و نظراته الأشد قساوة، انفجرت في نوبة بكاء و كأن الجميع تكالب عليها اليوم:
- حرام عليك بقي كفاية، أنا ما بقتش أستحمل، بقي أبسط حاجة عندك تذل وتبيع فيا كأني مش مراتك و أم بنتك.
ها هي قلبت الأدوار علي رأسه، فأصبح هو الجاني و هي الضحية المجني عليها، ما كان منه أن يشعر سوي بالغضب العارم، قبض علي رسغها دافعاً إياها إلي الداخل ومن بين أسنانه يلقي عليها وابل من رصاصات الكلمات القاتلة:
- و أنا مكنتش خطيبك وحبيبك وقت لما روحتي أترميتي في حضنه!، أنا خدتك للفرح عشان أشوف النظرة اللي شوفتها في عينيكي، إحساسي عمره ما خاني و الليلة دي أتأكدت بنفسي من كل شكوكي، و كفاية كذب و خداع، أنا مش عارف إزاي أنتي كدة!، خلتيني أحس بأوسخ إحساس أي راجل عنده كرامة و نخوة إستحالة يقبله علي نفسه.
تريث قليلاً ثم أردف و نظراته مليئة بالقسوة و الكراهية:
- تعرفي اللي زيك تتوصف بأيه!
قربها منه و نظر صوب عينيها و كأن كل ما به يتحدث و ليس فمه فقط:
- خاينة.
هبطت أسفل قدميه تبكي بتوسل و نفي اتهامه لها:
- أنا مش خاينة، و الله بحبك أنت،بعترف أن غلطت و ندمانة و دفعت تمن غلطي، قسوتك و كلامك اللي زي السكينة دبحني، برغم كل ده أستحملت و هاستحمل، كل ده عشان بحبك.
هبط لمستواها و أمسكها من عضديها يُعنفها:
- بطلي كذب بقي يا شيخة، أنتي ما بتحبيش غير نفسك و بس.
كانت ترتجف بين يديه و تهز رأسها يميناً و يساراً، لم تصدق عينيها ما وصل إليه، أصبح أمامها كالوحش الضاري، مهما بررت أو توسلت لم يرحمها، فأسرع و أسهل حل لديها الآن هو الهروب من أمامه و الاستسلام لفقدان الوعي الذي بدأ يداهمها بالفعل.
زاغت عينيها ثم أسبلت جفونها في صمت، لم يتبق سوي صوت أنفاسه المتهدجة و هو يراها ساكنة بين يديه.
❀ـــــــــــــــــــــــــــ❀
تسير في الطريق المُظلم بعدما انتهت من زيارة إحدى صديقاتها، فكان الشرود رفيق دربها و الذي أنتشلها منه احدهم، جذبتها يد غليظة و كانت علي وشك الوصول إلي منزلها، شهقت بفزع عندما أفجعها بنظراته القاتلة و صوته الأجش الذي دب الرعب في فؤادها، يسألها:
- معاودة منين؟
رمقته في صمت لثواني حتي عادت الدماء إلي أوردتها مُجدداً، و لبست قناع الجمود و أجابت ببرود:
- ملكش صالح بيا عاد.
دفعها إلي أقرب جدار، فأرتطم ظهرها به، قلبها يخفق وجلاً غرار ما تظهر له قوة واهية علي ملامح وجهها، أمسك برسغيها بقبضة من حديد:
-من هنا و رايح رچلك ما تخطيش عتبة الدار.
رفعت إحدى حاجبيها بتمرد أنثي لا تنحني يوماً سوي إلا لخالقها قائلة:
-و ده من ميتي إن شاء الله يا سبع الرچال، إيش تكون أنت لأچل تحكم و تشخط فيا عاد!
أقترب أكثر منها، و من يراهما من بعيد يحسب إنهما متلاصقان، هدر من بين أسنانه:
-أنا أبجي راچلك،و چوزك بعد ما نكتبو الكتاب بكرة، و بعدها بأسبوع هاتكون دُخلتي عليكي يا بطتي.
ازدردت لعابها لتُبدد توترها المُنبلج من نظرات عينيها، تخبره بتهكم:
- بعينك يا واد خالي.
شبح ابتسامة غزي أسفل شاربه قائلاً:
- لاء يا جلب واد خالك، هاتبجي بصدري الي هاتدفي فيه و أنتي في حضني، و بجلبي الي هاتسمعيه و أنتي راسك علي صدري و شعرك الچميل مفرود عليه، أجولك أي كمان.
أقترب بموطن كلماته بالقرب من شفتيها المذمومتين و أكمل:
- و بشفايفي اللي نفسها تدوج كل حتة فيكي يا بطتي، خصوصاً الحتة دي.
برهة واحدة و كاد يُقبلها.
- بت يا فاطمة.
صوت والدها أجفل الأخر و جعله أبتعد عنها و هّم بالذهاب فأوقفه الشيخ واصف ليسأله:
-واجف ويا بتي و عتسوي أي يا رافع!
لم يستطع رفع عينيه من فرط ما يشعر به من حرج، تحمحم ثم أجاب:
- كنت بسألها كيفها عمتي.
أمسك والدها بيدها، يدفعها برفق خلفه و حدج الأخر بنظرة تحذيرية قائلاً:
- عمتك زينة، و لو رايد تطمن عليها تدخل الدار من بابها لأچل تطمن عليها و بس، غير إكده ملكش صالح ببتي واصل.
لم يمهله والدها حتي الرد و أخذ أبنته و عاد إلي منزله، تاركاً الأخر في نفور أوداجه التي كادت تطق من الغيظ.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
وصل أمام منزل عائلته الذي يغلفه سكون الليل يتخلله صوت مزعج يصدر من فم و أنف هذا الدبيكي ذو المظهر المُخيف و شاربه الكث يحتل نصف وجهه.
لكزه بقوة في صدره قائلاً:
- جاعد أهنه و نايم و عتشخر كمان!
أنتفض الأخر بفزع يتلفت من حوله كالمجنون، حتي عاد إلي صوابه:
- حجك عليا يا كبير،أصلي مانعستش من إمبارح، و الحاچة و الحاچ خرچو من بدري راحو يعزو چماعة وهدان، فأتكوعت علي الكنبة أهنه و الهوا طس في وشي و نعست غصب عني.
زجره مُتمتماً:
- طسك جطر يا بعيد.
تركه و فتح الباب بالمفتاح يُدندن:
- يا ولاد بلدنا يوم الخميس، هاكتب كتابي و هابجي عريس.
ظل يُرددها، و قبل أن يدخل الغرفة، رأي الضوء من خلال أسفل الباب، تحمحم حتي لا يجفل زوجته و كأنه يهتم لأمرها:
- بت يا نوارة، أنتـ...
فتح الباب و بتر كلماته المشهد الذي يراه أمامه، حيث رآها ممددة علي الأرض و طرف ثوبها يرتفع إلي أسفل ركبتيها، فساقيها مُلطخة بالدماء المُتدفقة من أسفلها، ترتجف جفونها و تلتقط أنفاسها ببطيء، صاح بفزع:
- نوارة.
أنحني علي عقبيه و أخذ يربت علي خدها، و عينيه تكاد تخرج من محجريهما:
-أي اللي سوي فيكي إكدة!
تتحرك مُقلتيها نحوه تارة و تارة أخري تختفي أسفل جفونها المُرتجفة، تردد اسمه بخفوت:
- رافع، رافع.
ألتقط غطاء من فوق السرير، دثرها جيداً و حملها علي زراعيه كالأهوج، قلبه يخفق بخوف ثم نادي علي المنتظر خارج المنزل:
- دبيكي، أنت يا زفت.
هرول إليه غضون لحظات:
- أمرك يا كبير.
أشار له بعينيه نحو الكمود و بصوت هادر صاح به:
- خد المفاتيح دي و بسرعة أفتح لي العربية.
توقف الأخر محدقاً بصدمة، فسأله:
-حوصل أي لست نوارة؟
صاح به رافع بصوت ترتعد له الجبال:
- و ده وجته يا وحل البرك، روح سوي اللي جولتلك عليه.
فعل كما أمره رب عمله مُسرعاً، و حينما فتح إليه باب السيارة:
- سوج علي أجرب مشتشفي بسرعة.
و في غضون دقائق كان في المشفى، ينتظر خارج الغرفة في قلق و خوف، لأول مرة يشعر نحوها بتلك المشاعر، فـ منذ أن رآها في تلك الحالة التي يرثي لها، شعر بانقباض فؤاده و غصة في حلقه، إلي هذا الحد كان ظالماً!
آلاف السناريوهات تنهش عقله و تضغط عليه، و كأنه مثل حبوب القمح بين حجري الرُحي، لا يعلم إنه هو من جعل زوجته هكذا، أوقعها بين حجريه، الأول عشقها له من طرفها فقط، و الحجر الأخر هو ظلمه لها و كيف كان قاسياً جافياً عليها.
خرجت الطبيب ليخبره:
- واضح جداً إنها محاولة إجهاض من النزيف الشديد اللي عندها و....
دفعه الأخر من أمامه و أسرع إليها، يخالجه كلا من الخوف و الغضب و كل من المشاعر المتضاربة، و إن دلف توجه بصرها إليه و كأنها تناديه، جلس جوارها و أمسك يدها، سألها بلهفة لأول مرة تراه في سوداويتيه رغماً من غضبه:
- أي اللي چرالك،ليه سويتي في حالك إكدة؟
ردت و الكلمات تكاد تخرج من شفتيها بصعوبة بالغة:
-أني خلاص هريحك مني و من همي.
عقد حاجبيه ثم رمقها بنظرة قاتلة يسألها:
- رايدة تجتلي حالك أنتي و ولدي!
ازدردت ريقها الذي كان كالغصة العالقة في حلقها و أجابت:
- اللي في بطني ما يبجاش ولدك.
قبض علي يدها و من بين أسنانه سألها:
-عتجولي أي يا خرفانة، تجومي بالسلامة الأول و بعدين راح أحاسبك علي سويتيه في حالك و في إبني.
أغمضت عينيها لثواني و قامت بفتحهما لتخبره بالفاجعة:
- أسمعني زين، أني و أمي روحنا عند واحد بيجولو عليه شيخ بيعالچ اللي متأخر في الحمل، روحت و ياريتني ما روحت.
توقفت لحظات لتلتقط أنفاسها مرة أخري و أردفت:
- لما جعدت وياه عطاني جماشة جعدت أدعي باللي نفسي فيه و بعد إكدة ما دارتش بحالي.
تقسم إنها تري الآن ألسنة لهب تندلع من عينيه لو أطلقها عليها لأحرقتها حية في التو.
أعتصر يدها بلا رحمة و هسهس إليها:
- خابرة لو حديتك ده صوح، هاسوي فيكي أي؟
أومأت له و ابتسامة ساخرة تعلو شفتيها:
- مش محتاچ تسوي يا رافع، أني خلاص هارتاح و هاريحك مني، رايدة بس تعرف حاچة واحدة، مفيش حد حبك و عشجك قدي، كنت مستعدة أسوي أي حاچة لأچل تحبني ربع حبك لفاطمة، عمري ما أنسي لما كنت بين إيديك و تنادم عليا بإسمها،كل يوم جلبي ينجهر و ألوم حالي و أجول أي اللي سويته في نفسي دي، چريت ورا سراب و وهم و أديني بدفع التمن دلوق، و برغم كل ده هافضل أحبك.
داهمتها شهقة تبعها توقف صدرها عن العلو و الهبوط، عّم السكون جسدها الذي أضحي شاحب اللون.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
خرج كلاهما من بوابة إحدى المتاجر، يحمل هو و المدعو حمودة العديد من الحقائب، أوقفته قائلة:
- كدة مافاضلش غير الـ Makeup Artist عشان أكد عليها الميعاد، و نروح نشتري البدلة بتاعتك.
أومأ لها قائلاً ببرود علي عكس ابتسامتها و السعادة التي تنضح من عينيها:
- طب يلا لأچل أوصلك علي البيت، و أروح علي المحل، چنيدي هناك لحاله و أنا أتاخرنا عليه.
أدركت تهربه الواضح، اقتربت منه و اختطفت منه الحقائب لتعطيها إلي حمودة لتحطم حُجته الواهية:
- خد الشنط دي يا حمودة و أطلع بيها علي البيت.
رد الأخر بطاعة و أستعد للذهاب:
- حاضر يا ست شهد.
أمسكت يد هذا المتسمر في مكانه و التجهم يغزو ملامح وجهه، تخبره:
-علي فكرة بابا قالي أنك أجازة من إمبارح عشان تحضيرات جوازنا، يعني بطل تتهرب مني، و يلا عشان هاروح أنقي معاك البدلة.
و في برهة تبدلت ابتسامتها إلي النقيض بعدما قال لها:
-أسمعيني زين، كلمة و مش هكررها أول و أخر مرة تتصرفي من دماغك، أنا اللي أجول نروحو فين و ميتي، و ياريت ما يتكررش التصرف اللي سويتيه دلوق، و كأن ساحبة وياكي عيل صغير.
تركت يده و تبتلع لعابها، أشاحت وجهها بحرج:
- أنا مكنتش أقصد اللي فهمته خالص،كنت عايزة أروح أختار معاك البدلة، و كان نفسي زي أي أتنين عرسان نروح نحجز القاعة اللي مفروض نعمل فيها فرحنا، طبعاً ما ينفعش عشان ظروفك.
وقف أمامها مباشرة ليخبرها بنبرة أقسي من الصقيع:
- و أني ما ضربتكيش علي يدك لأچل تجبلي ظروفي أو توافجي عليا.
رفعت وجهها لتواجه عينيها اللوزية رماديتيه التي تأسرها في حضوره:
- و أنا موافقة و قابلة ظروفك، بس ياريت أنت اللي تقدر و تبطل تحسسني أنك مغصوب علي جوازك مني.
أطلق زفرة عله يهدأ من غضبه الدفين أو يزحزح قليلاً هذا الحمل الثقيل من فوق كاهليه، يتخذ الصمت حصناً منيعاً بدلاً من التحدث بحماقة يندم عليها لاحقاً.
أشار لها أمامه:
- أتفضلي نروح نشترو البدلة.
ذهب كليهما و كان أمر ثقيل علي قلبه لا سيما عندما تذكر أمر بدلته التي أشتراها من أمريكا لحفل زفافه علي زينب، كم تمني ارتدائها في ليلة تجمعه مع من يهواها فؤاده و لم يعشق
سواها.
أشارت له نحو بدلة سوداء من الطراز الكلاسيكي قائلة:
- حلوة أوي البدلة دي، هاتبقي حلوة عليك.
أومأ لها و عقب:
- تمام.
سألته باهتمام:
- عجبتك ولا بتقول تمام و خلاص؟
كان عقله شارداً في طيف حبيبته التي أعادته عليه ذاكرته أفاق علي يد الأخرى التي تلوح بها أمام عينيه:
-فارس، أنت سرحان و لا أي؟
سألها بعدما عاد مُنتبهاً:
- عتجولي حاچة؟
ردت بنظرة مُبهمة:
- بقولك عجبتك البدلة؟
حدجها بذات النظرة التي أدركها من بين فواصل كلماتها و قال:
- مش هاتفرق.
كانت هنا لحظات من الصمت يتخللها حديث العيون، قاطعها البائع:
- لو هتاخد البدلة دي يافندم عليها عرض حلو و هو كراڤت و بيبون هدية.
و بعد انتهائهما من الشراء، غادرا المتجر و ذهبا إلي آخر قريب، توقف أمام محل مصوغات ذهبية، أشتري خاتم بسيطاً من الذهب.
تراقص قلبها من الفرح، و كانت علي انتظار أن يضعه في بنصرها، لكنه أعطاها العلبة بالخاتم الذي داخلها قائلاً:
-معلش كنت المفروض أچيبه لك المرة اللي فاتت.
أخذته و داهمتها غصة في قلبها، ظلت طوال الطريق تمسك بالعلبة تجترع مرارة غُصتها، و حينما ترجلت من السيارة أمام البناء، وقفت تنتظر فارس الذي كان يدفع الأجرة للسائق، و قبل أن تدلف إلي الفناء برفقته أمسكت يده و وضعت العلبة في راحة يده بحدة بلا تعليق أو كلمة واحدة ثم تركته و اختفت من أمامه إلي الداخل،صعد خلفها حتي وصل إلي الشقة، فـ رأي والدها في انتظاره يحدقه باستفهام و وجوم، ألقي عليه التحية، ردد الأخر و يبدو من نبرته اللوم و العتاب:
- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
أخبره بـ تردد:
- معلش أتأخرنا شوية عجبال ما أشترينا البدلة و فوتنا علي الچواهرجي، أشتريت لها دبلة و مارضتش تاخدها.
رمقه نعمان بابتسامة غامضة و سأله:
- عندي سؤالين ليك الأول أنت أشتريت لنفسك دبلة زيها؟، و التاني أنت لبستها الدبلة في صبعها و لا أديتلها العلبة كدة و خلاص؟
تفهم ما يرمي إليه، فأجاب:
- أني ما بحبش ألبس حاچة في يدي، و بالنسبة لإچابة السؤال التاني أني عطيت لها العلبة و مش في دماغي أي حاچة.
أشار الأخر إليه ليتبعه:
- تعالي يا فارس، عايزك في كلمتين.
جلسا سوياً، بدأ فارس الحديث:
-خير يا حاچ؟
- بص يا بني، أنا عارف الحب الأول عمره ما يتنسى، و علي رأي اللي قبلينا ما قاله و ما الحب إلا الحبيب الأولِ، و مش هقدر أقولك حب بنتي لأن قلوبنا مش بإيدينا، بس كل اللي بطلبه منك تحتها في عينيك و ما تكسرش بخاطرها، هي ممكن تبان أنها قوية و مندفعة لكن هي عكس كدة خالص، شهد زي الطفلة الصغيرة محتاجة الإهتمام، أتربت من غير أم و برغم أحتوائي ليها و حنيتي عليها، دايماً بلاقي في عينيها نظرة حزن، النظرة دي أختفت من يوم ما أنت ظهرت،فياريت و أعتبره رجاء من أب لأبنه ما تخليش نظرة الحزن دي ترجع في عينيها تاني.
يبدو من الخارج في تماسك شديد و ثبات يُحسد عليه، غرار داخله الذي يصرخ و يريد أن يخبره كيف سيغدق عليها من حنان و اهتمام و هو في احتياج إليهما، لاسيما بعدما فقد كل شئ والدته و هو صغير و والده عند عودته من السفر ثم الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما فقده!
أومأ له قائلاً:
- ما تجلجش يا حاچ،أني هعاملها بما يرضي الله.
ربت الأخر علي كتفه و قال:
- و أنا واثق من كدة إن شاء الله.
اعتدل في جلسته و أكمل حديثه:
- شوفت نسيت حاجة مهمة.
أخرج من جيب عباءته محفظة جلدية، فتحها و اخرج منها بطاقة هوية و مدها إليه:
- أتفضل البطاقة، اسمك دلوقت بقي قاسم رشدي سعدالدين.
امعن النظر في الهوية، فوجدها لا تفرق شيئاً عن الأصلية، ردد قائلاً:
- إكدة هاجدر أسوي حاچة كنت مأجلها لحد ما موضوع البطاجة يخلص.
رمقه باستفهام و سأله:
- حاجة أي اللي أنت ناوي تعملها؟
نهض و أخرج محفظته ثم وضع البطاقة داخلها، فأجاب بـ عزم و ثقة:
-تجدر تجول مهري لشهد، أنا ما ملكش المال لكن ربنا عطاني عقل و قوة أرد بيها حقها زي ما وعدتك و وعدتها.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
استيقظت للتو أو ربما نقول يجافيها النوم منذ ليالي مُنصرمة، تشعر بالشتات و الاغتراب عن مكنون ذاتها الحقيقي، تخشي أن تنجرف دون وعي منها و تصبح بالفعل جارية مُطيعة له و المصطلح الصحيح خاضعة، كلما تذكرت كلمات صديقتها في الحفل تشعر بألم ينهش داخلها برغم أنها تعلم جيداً إنه مُجرد تمثيل زائف، لكن متي سينتهي!، و متي تتبدد تلك الغيمة السوداء!
نهضت بوئيد من جواره، ألقت نظرة عليه فوجدته ما زال نائماً، نصفه العلوي عارياً، من يراه في ذلك السكون لا يصدق أفعاله الإجرامية، سارت نحو مرآة الزينة وقفت أمامها تتأمل هيئتها، ترتدي ثوباً حريرياً ينسدل علي منحنيات جسدها، يُجسد معالمه التي تمقتها كلما تذكرت لمساته عليها، عقدت ساعديها و كأنها تعانق نفسها بمواساة، أغمضت عينيها، داهمتها ذاكرتها بأخر لقاء بينها و بين فارس قلبها، لم تنس صوته و عناقه أو لمسة شفتيه لخاصتها.
انسدلت عبرة من عينيها لم تكمل هبوطها علي خدها بسبب الأنامل التي جففتها الآن، شهقت بفزع عندما فتحت عينيها و وجدته خلفها، عانقها و مال برأسه ما بين عنقها و كتفها العاري يسألها:
-أي اللي مصحيكي دلوقتي؟
نظرت إليه عبر المرآه، فوجدته يحدق بها عن كثب، تلك النظرة التي تربكها دائماً، حاولت أن تبدو هادئة و هي تجيب:
- مكنش چايلي نوم.
جعلها تستدير حتي تصبح في مواجهته، أمسك يديها بتشابك أنامله بأناملها و ينثر بعض القُبلات علي جيدها، يسألها من بين قُبلاته:
- و أي اللي مطير النوم من عينك؟
تململت من لمساته و حاولت تملص أناملها من بين أنامله، فوجدته يضغط بقوة مما سبب لها بعض الألم، رفع وجهه ليرمقها بتحذير عن الابتعاد، ابتلعت ريقها و قالت:
-مفيش، حاولت أنام ما جدرتش.
-أنا ملاحظ الأرق اللي عندك من ليلة الحفلة، للدرجدي كلام سمية مأثر عليكي!
يا له من وغد ماكر، يعلم كل ما يجول برأسها من مجرد نظرة فقط!
تهربت من النظر إليه بخفض بصرها لأسفل:
- و هي سمية جالت أي يعني، ما نجدرش نللوم عليها أو نحاسبها، دي كانت سكرانة.
شبه ابتسامة بدت علي ثغره، باغتها بسؤال صادم:
-أحياناً الحقيقة اللي جوانا بتطلع في لحظة لما بيكون عقلنا مُغيب،بالبلدي كدة زي ما بيقولو كل واحد بيطلع اللي جواه من غير كذب و تزييف، و أنا بقالي فترة عايز أسألك، لسه عايزة تبعدي عني و لا مكملة في تمثيلك لدور الخاضعة؟
رفعت وجهها لتجيب بثبات و دون أن يرف لها هدب واحد:
- و أني أي اللي هايچبرني أمثل كيف ما بتجول، ليه ما تجولش رضيت بنصيبي!
عانقها و ألصق جبهته بخاصتها، فأخبرها:
- الخوف يا زوزو، خوفك مني يخليكي تعملي أي حاجة عشان تتقي شري.
قشعريرة قوية دبت في جميع خلايا جسدها الساكن من الخارج، لكن بداخلها ترتعد فرائصها من الخوف، فما كان عليها سوي أن تتلاعب به هي أيضاً و تستخدم دهاء الأنثى في تلك اللحظات العصيبة :
- و ليه ما تجولش بدأت أحبك.
أبتعد خطوة ليتمكن من إطلاق قهقه تراها لأول مرة، لكنها تدرك أنها ضحكة ساخرة.
توقف عن الضحك و سار نحو الخزانة قائلاً:
- عارفة يا بيبي، أنتي الوحيدة اللي بتقدر تعصبني و في نفس الوقت بتخليني أضحك.
رفعت شفتيها جانباً بابتسامة ساخرة سرعان ما تبدلت إلي الخوف بل الرعب عندما رأت في يده سلاحاً نارياً.
- مالك خوفتي ليه، ده حتي أخوكي ماشاء الله وسع نشاطه و بقي يتاجر فيهم.
أشاحت وجهها جانباً قائلة:
- و أنا مالي بيه، كل واحد مسئول عن حاله.
أقترب منها و جذبها من يدها و دفعها نحو صدره لتلتصق به و أخبرها بـ كبر و تملك:
- لكن أنتي مسئولة مني أنا، أنتي ملك سليم العقبي، صح يا بيبي؟
هزت رأسها بالإيجاب و بداخلها بركان من الدموع يُريد الانفجار، ربما ما يمارسه الآن عليها من ضغط نفسي يجعلها تنهار من جديد و تستسلم للبكاء.
انتبهت بجذبه لاحدي يديها و وضع بها سلاحه الثقيل تحت نظرات التوجس و الخوف التي تنضح من عينيها.
- أنا ممكن أريحك مني و من التمثيلية دي خالص، بضغطة واحدة بصباعك علي الزناد.
غرت فاهها كالبلهاء تحاول إدراك ما تفوه به، همت بالابتعاد عنه تصطنع عدم الاكتراث لما قاله فهي ليست بحمل ضغوط أخري لم يعد لديها طاقة أن تتحمل جنونه.
-أني هاريح لي ساعتين.
و قبل أن تتحرك خطوة كان يقيد جسدها بجسده كالعنكبوت الذي يحاوط ضحيته بجميع أطرافه، و ها عاد صوته الأجش مرة أخري بأمر أحمق:
-لما أكلمك تقفي تردي و بعدين أنا ما بهزرش.
أمسك بذقنها و حدق في ذهبتيها المتلألئة بالدموع الحبيسة و أردف:
-أنا عارف أنك مستنية اليوم اللي تتخلصي فيه مني بفارغ الصبر، و أنا بقدملك الفرصة علي طبق من دهب،رصاصة واحدة و تتخلصي من كابوسك الأسود للأبد.
حدجته بصدمة بعدما رأت إصراره و جديته من خلال عينيه ذات اللون الأسود القاتم و النظرة الحادة المُرعبة.
دس السلاح بين يديها عنوة صارخاً بها:
- مستنية أي، بقولك يلا أقتليني و أخلصي مني، و يكون في علمك دي الفرصة الوحيدة و عمرها ما هاتتكرر تاني أبداً.
أشار له بعينه إلي مقدمة السلاح ليخبرها:
- و ما تقلقيش المسدس مزود بكاتم صوت، و هاتعرفي تهربي بأي طريقة بعدها، ها مستنية أي!
أرتجف جسدها و يديها في قبضته حتي و قع السلاح منها، هبط و التقطته ليعطيها إياه مرة أخري و بصوت كاد يصيبها بالصمم أمرها:
-أخلصي.
تعالت شهقاتها و رفعت السلاح لأعلي بتردد، صوت أنفاسها يخترق أذنه، و بكل قوة لديها رمت السلاح ليصطدم بالمرآة التي تصدعت و انكسرت لعدة قطع و فتات.
-كفاية بجي.
انخرطت في نوبة بكاء عكس تعابير وجهه الذي داهمها شبح ابتسامة يشوبها الغموض، جذبها في عناق قوي، يحتويها بين زراعيه و كأنه أمانها الوحيد، كيف يكون لها مصدر الأمان و هو منبع خوفها و إرهابها طوال الوقت!
-خلاص أهدي، مفيش حاجه حصلت تستاهل العياط ده كله.
أبعدت وجهها عن صدره الذي أبتل بعبراتها التي ملأته و قالت:
- ما حصلش!، كيف مستهون باللي عتسويه فيا عاد!
أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه قائلاً بهدوء و كأن لم يحدث شيء:
- و ليه ما تقوليش ده كان إختبار صغير مني!
كفت عن البكاء و رمقته بصدمة مرة أخري:
-و أنت فاكر إن يوم ما أحب أتخلص منك أجتلك!
عانقها و أخذ يهمس بجوار أذنها و أنفاسه تضرب عنقها:
- لأن مفيش مفر للخلاص مني غير أنك تقتليني يا بيبي، أنا قدرك و نصيبك لحد ما أي حد فينا يموت، الموت الوحيد اللي يقدر ياخدك مني، غير كده مفيش.
ظل ينثر قبلاته التي بدأت ناعمة و تدرجت إلي الحدة ثم أخذت مسار العنف غير مبالي إلي حالتها النفسية السيئة الذي كان هو السبب الرئيسي لها.
- بعد عني يا سليم لو سمحت.
خرجت من بين شفتيها بصعوبة حتي لا تعود إلي نوبة البكاء، قبض علي خصرها بقوة و قال بتملك:
- مش أنتي اللي تقولي أبعد، أنا بس اللي أقول.
حاولت أن تخلص خصرها من قبضتيه لكنها محاولة فاشلة:
- و أني تعبانة و ما جدراش، بزيداك تضغط عليا، أبوس يدك كفاية بجي.
و بعد أخر كلمة لم تتحمل و أجهشت بالبكاء مما جعله توقف عن ما كان يفعله، أبتعد عنها فجاءة لا سيما عندما تعالي صوت بكائها، تركها و غادر الغرفة قبل أن يخرج وحشه الكاسر عليها صافقاً الباب خلفه.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
صوت رنين هاتفها يصدح في أرجاء الغرفة، لم تسمعه سوي عندما فتحت عينيها، ضربت ذاكرتها أحداث ليلة أمس التي لن تُمح من ذكرياتها بتاً.
أمسكت بالهاتف و وجدت المتصل والدتها، أسرعت بتبديل وضع الهاتف إلي الصامت، فهي ليست في حالة مزاجية بأن تجيب أو تسرد لوالدتها ماذا حدث أو الذي لم يحدث.
نهضت من فوق الفراش بجهد حيث ما زالت ترتدي ثوب الزفاف، تلفتت من حولها علها تجد أثراً لوجوده و هي تتذكر ليلة أمس...
" بعدما تبادلا أكرم و ندي السلام معها و مع علي الذي وقف مُتسمراً للحظات ينظر إلي ندي و أكرم يحاوطها بزراعه بشدة و تملك، خشيت أن يحدث شيئاً و تفسد ليلتها إذا لم تفسد من الأساس، اقتربت منه و أمسكت بيده، سألت الأخرى و كأن الود بينهما موصولاً:
- أومال فين لارا، ماجبتوهاش معاكم ليه.
ضغط أكرم علي عضد ندي كإشارة لها أنه سوف يجيب بدلاً منها، فقال:
- لارا عند عمي و حماتي، أصلي أنا و ندي قررنا نعيد الهني مون من أول و جديد، صح يا حبيبتي؟
أومأت الأخرى بشبه ابتسامة و رمقته ثم اشاحت وجهها، فتلاقت عينيها بأعين علي الذي لم يستطع إخفاء نيران الغيرة المُندلعة في عينيه.
عقبت مروة و هي تتشبث بيد علي و تظهر تشابك إياديهما أمام أكرم و ندي و بالأخص تقصد الأخرى:
-إحنا كمان بعد الفرح أنا و علي مسافرين، بس برة مصر.
نظر أكرم في ساعة يده و قال:
- معلش بقي مضطر أستأذن، عن أذنكم.
و رمق علي بنظرة يشوبها وعيد مُردفاً:
- ألف مبروك يا عريس.
رحل و يمسك بزوجته و كأنها ستفر منه لو تركها برهة واحدة، أنتبه علي إلي مروة التي تهز يده قائلة:
- علي فكرة مشيو من بدري هاتفضل واقف متنح لأمتي؟
قطب حاجبيه و ألقي نظرة من حوله و بدأ يشعر بالاختناق، رغم الهواء الطلق المحيط بالجميع، أخبرها بأمر و حزم:
- يلا عشان هانروح.
أتسعت عينيها تحاول أن تستوعب كلماته، فسألته:
- هانمشي ليه؟، لسه بدري الفرح لسه مخلصش و بعدين مش المفروض نطلع علي المطار عشان مسافرين لروما!
أطلق زفرة بضيق و أجاب:
- كلمة و مش هاكررها، قولت هانروح علي البيت، لو مش عاجبك خليكي قاعدة مع أهلك و قرايبك و أنا ماشي.
و لم ينتظر حتي أن يستمع إلي إجابتها و سار، ذهبت خلفه و الحضور ينظر إليهما بتعجب و دهشة، همسات من القيل و القال، بينما هي كانت تلحق به تاركة والدتها و شقيقها اللذان يناديان عليها.
و بالخارج دلف إلي داخل سيارته، صعدت من الباب الأخر إلي الداخل أيضاً، فأنطلق بالسيارة، و في الطريق ظلت تلقي عليه العديد من الأسئلة التي قوبلت منه بالصمت المطبق وولم يكلف عناء نفسه أن ينظر إليها و يري حالتها السيئة و هي تتوسل إليه.
و لدي اقترابه من المنزل سألته بصياح:
- أنت ليه بتعمل معايا كدة، للدرجدي لسه الهانم مسيطرة علي دماغك و كل ما تشوفها حالة تسوء بالمنظر ده!، قولي هي أحسن مني في أي!، أي عندها و مش عندي!، رد عليا.
صرخت بأخر كلمة فبادلها بصرخة أقوي:
- بس بقي، و كلمة كمان و أقسم بالله هرجعك لبيت أهلك حالاً و بعد ما هرمي عليكي اليمين.
ابتلعت غصتها و صمتت بوجه محتقن، أكمل قيادته حتي توقف أمام البوابة:
-أنزلي.
نظرت إليه و أدركت إنه لم ينزل برفقتها، و في لحظة كانت بخارج السيارة، و قبل أن تعبر البوابة إلي الداخل تحت نظرات حارسان الأمن، أنطلق الأخرى ليتركها بمفردها في هذا المنزل بمفردها.
و بالأعلى ظلت تنتظره و تجول أرض الغرفة ذهاباً و إياباً حتي ساعات مُتأخرة من الليل، و غفت رغماً عنها".
عودة إلي الوقت الحالي...
غادرت الغرفة باحثة عنه لم تجده في الطابق، نزلت الدرج حافية القدمين، تتلفت يميناً و يساراً حتي قابلت في نهاية الدرج خادمة ذات ملامح آسيوية سألتها:
- أي خدمة سيدتي؟
سألتها الأخرى:
- علي فين؟
أجابت الخادمة:
- مستر علي فيه الليڤنج مدام.
ذهبت حيثما أخبرتها، توقفت لتتأمل هذا المشهد بصدمة و ألم مرير، وجدته يجلس نائماً علي كرسي و أمامه منضدة يعلوها زجاجات خمر فارغة و جوارها ورقة مالية مطوية علي شكل أسطوانة تتناثر من طرفها ذرات مسحوق أبيض اللون.
تقدمت نحوه حتي أصبحت أمامه، مالت إلي وجهه، لاحظت آثار دموع علي خديه، رفعت يدها لتزيح خصلات شعره المنسدلة علي جبهته، انتفضت عندما أمسك برسغها و يحدقها بنظرة أجفلت قلبها.
سألته و الوجع يتجلى في كل حرف تتفوه به:
- و بعدين يا علي؟
لانت نظرته و معها قبضته، ترك يدها ليخبرها كطفل صغير:
- مش قادر أنساها.
أشار إلي رأسه حيث موضع عقله قائلاً:
- ده عايز يمحي أي ذكري ليها.
ثم أشار إلي موضع قلبه و أردف:
- لكن ده مش مطاوعني، بالعكس كل مرة أشوفها قصاد عيني يتقهر أكتر.
جلست علي الكرسي المجاور له، فأخبرته:
- أنت مريض بحبها يا علي، أنت مريض و موهوم، هي عمرها ما حبتك، حاول تنساها و فكر في نفسك، بص حواليك و شوف اللي بيحبوك و يتمنو لك الرضا،أنا أستحملت كم إهانات منك ما تستحملهاش أي واحدة لو مكاني و كل ده عشان بحبك، أحتويتك و عندي إستعداد أقف جمبك و أستحمل أي حاجة في سبيل أن اخلصك من الوهم اللي أنت عايش فيه.
نهضت لتقف أمامه و تستطرد حديثها:
- أعتبرها زي الحاجات اللي شربتها رغم إنك منعت نفسك عنها لفترة و وعدتني إنك مش هاترجع تشرب تاني، بس أنا برضو مش هيأس و هخليك تبعد عن أي حاجة تضرك، حتي لو الحاجة دي ضد رغبة قلبك، قلبك اللي هيبقي ملكي في يوم من الأيام، زي قلبي بالظبط.
نظر إليها بحزن و قهر قائلاً بتوسل:
-أوعي تتخلي عني، أنا حرفياً بموت.
فما كان منها سوي أن تجذبه بين زراعيها و تربت عليه قائلة:
- بعد الشر عليك، ما تخافش أنا جمبك و عمري ما هاسيبك.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
ضعت أمامه صحن الأرز و كادت تذهب، أمسك يدها و سألها:
- رايحة فين؟
أجابت دون أن تنظر إلي زرقاويتيه، هكذا حالها منذ أن أفاقت من حالة الثمل الشديد التي كانت بها في ليلة الحفل المشئوم.
- رايحة أجعد ويا حالي.
سألها مرة أخرى بنبرة حانية:
- طيب مش هتيجي تاكلي معايا؟، أنا واحشني أوي تأكليني بإيديكي.
أشارت إليه نحو الملعقة و قالت:
- حداك المعلجة كُول بيها.
نهض و أمسك وجهها ليخبرها و يعلم مدي تأثير نبرته علي قلبها:
- أنتي عاملة ملوخية و عارفة أنا بحب أكلها بالعيش اللي بتقطعيه ليا علي شكل ودن قطة و تأكليها لي.
رمقته و رفعت حاجبيها لتتأكد من جدية حديثه، فوجدته يرمقها بنظرة كالحمل الوديع مما أثار ابتسامتها.
- شوفتي بقي أنتي ظلماني إزاي ببُعدك عني، رغم أنا معملتش ليكي حاجة.
نظرت لأسفل بخجل و قالت:
- أنت ماسوتش حاچة، أني اللي سويت و فضحتك وسط أصحابك، و ما أستحقش معاملتك الطيبة ليا.
جذب إحدى كراسي المائدة و جلس عليه و جعلها جلست فوق فخذيه:
- أوعي تقولي كده لأزعل منك، أنا عارف الحالة اللي كنتي فيها كان غصب عنك و أنا السبب إن ماقولتلكيش علي موضوع الشيكولاتة من الأول، بالنسبة لباقي كلامك أنتي تستحقي كل حاجة حلوة، لأنك أحسن واحدة قابلتها في حياتي، فيكي كل الصفات اللي أي راجل فينا يتمناها، حلوة و ذكية و طيبة وجدعة و بنت أصول.
ابتسمت و قالت بخجل و دعابة:
- طب كفاية بجي لأتغر في حالي.
قهقه و كما أهلكها صوت ضحكته التي تعشقها.
- الغرور نفسه يغير منك لأنك ملكة، ملكة علي عرش قلبي.
وضعت كفها علي فمها لتواري خجلها، أزاح يدها قائلاً:
- ما تحطيش إيدك علي بوقك و بطلي كسوف، أنا بعشق جمال إبتسامتك.
حاوطها بزراعيه و كاد يعانقها، تأوهت بألم سألها بقلق و خوف:
-مالك في أي؟
مدت زراعيها للأمام و أجابت:
- چتتي من وجتها وچعاني و عضمي كأني اللي واخدة علجة.
- قومي.
أمرها فنهضت، قام بحملها علي زراعيه، سألته:
- عتسوي أي؟
سار بها نحو الغرفة قائلاً:
-هاعملك سيشن مساچ هاتفضلي تدعيلي طول عمرك عليه.
ركلت ساقيها في الهواء برفض:
- لاء، أبوس يدك المساچ بتاعك أخر مرة كسر عضمي و جعدت تلات أيام ما أتحركش.
ضحك و قال:
- عشان كان أول مرة، و بعدين عشان مش بتمارسي أي رياضة، فعضلات جسمك قفشة علي طول.
- أبوس يدك و عضلاتك نزلني، ما ريداش أتمسچ، أنا هاخف لوحدي.
قهقه علي ملامحها التي تشبه الأطفال عندما ترفض و تتذمر، كاد يتحدث فقاطعه رنين جرس المنزل، أنزلها برفق.
- أدخلي أنتي و أنا هاروح أفتح، شكله السكيورتي عشان كنت قايله علي شوية حاجات يجيبهم لي.
فعلت كما أمرها و ذهب ليفتح الباب، وجد أمامه طفلة صغيرة ذات ملامح أجنبية و عينيها الزرقاء أكثر ما يميزها.
تقول له بالفرنسية:
-Bonsoir papa.
و تبعها صوت التي ظهرت خلفها تسأله:
مفاجأة اليس كذلك
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية