رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ولاء محمد رفعت
تصدح الموسيقي الهادئة من السماعات المتفرقة في أرجاء الحديقة، وأصوات همهمات ناتجة عن أحاديث جانبية وضحكات أنثوية، روائح عطور فواحه من هؤلاء الذين يرتدون أقنعة زائفة تربطهم جميعاً مصالح مشتركة ظاهرها علي غرار باطنها المليئ بالصفقات المشبوهة عن تجارة المخدرات والسلاح ولم تكتف إلي هذا الحد، فهناك تجارة الأعضاء البشرية والرقيق الأبيض.
وهنا يقف ممسكاً بيدها يبتسم للضيوف، مال
بالقرب منها بصوت لايسمعه أحداً سواها:
_ علي فكرة دي حفلة مش ميتم.
نظرت له بجانب وجهها رافعه إحدي حاجبيها ولا تغفل عليه نظرة التمرد التي رأها للتو بداخل ذهبيتيها التي كلما حدق بهما يشعر بشئ ما بدأ يترعرع في فؤاده الذي وضع من حوله آلاف الجدران الحديدية، فالحب في قاموسه نقطة ضعف قاتلة لصاحبها، لذا كلما يداهمه ذاك الشعور يوأده في الحال!.
_ رايد مني أسوي لك أي، أرجص لك مثلاً؟.
أستشف السخرية من نبرة صوتها و سخطها الجلي للسامع،ولوهلة كانت خلفه تلاحق خطواته متعثرة، تفوهت بتوجس:
_ سليم، أهدي أني مكنتش أجص...
أبتلعت ماتبقي من كلمات عندما وجدت جسدها ملتصقاً في تلك الشجرة ذات الأوراق الكبيرة المتدلية تخفيهما عن الأعين.
علو وهبوط صدرها المتكرر نتيجة خوفها من نظراته القاتمة التي تعلم ما ورائها.
أنتفضت عندما رفع يده لملامسة وجنتها الملساء، فظهرت علي شفاه إبتسامة زهو يدرك تأثيره الطاغي عليها يجعلها تخشاه أو تفعل مايثير شياطينه.
_ لاء يا بيبي كنتي تقصدي، وياريت ماتكذبيش علي جوزك تاني، النظرة الي شوفتها في عينيكي وأنا بكلمك لو أتكررت تاني هيبقي ليها عقاب رادع، أحذري.
تجرعت غصتها و أومأت له، فسألها:
_ كلامي مفهوم؟.
كررت الإيماء مرة أخري، قبض علي ذقنها وبإبهامه يضغط علي شفتيها المطلية بالحمرة القانية قائلاً:
_ نسيتي ولا أي؟، فين كلمة حاضر ياسيدي!.
عقدت مابين حاجبيها تتذكر ما أملاه عليها من قواعد التعامل بينهما لترضي غروره وساديته، أفترقت شفتيها بصعوبة:
_ حاضر يا سي سليم.
ألتوي فمه جانباً بإبتسامة هاكمة قائلاً:
_ حلوة سي سليم، بس لسه فاضل حاجه عشان تهديني وتهدي أعصابي الي لو فلتت مني مش ضامن وقتها هاعمل فيكي أي.
_ جولي أسوي أي وأني تحت أمرك.
كانت نبرتها سيمفونية تعزف علي سمعه، ذلك الخنوع التام في كلماتها يجعله مُنتشياً من فرط السعادة.
ضم شفتيها بين إبهامه وسبابته و نظرات عينيه مليئة بالشهوة الجامحة:
_ أنا كل مرة الي أبدأ معاكي، المرة دي عايز العكس.
دارت كلماته في خلدها لثوان، فأدركت مايرنو إليه، نظرت لأسفل وبخجل قالت:
_ لو الي فهمته صوح، يبجي لما تخلص الحفلة ونطلعو أوضتنا.
_ وأنا طلبت معايا هنا في الجنينة وتحت الشجرة.
تفوه بجدية واضحة، ترددت في الإجابة علي جنونه التي لم تجد له حدود قط.
_ الچنينة مليانة ناس وممكن حد يتمشي لأهنه ويشوفنا، إحنا لينا خصوصية وأظن عيب...
توقفت عندما أخذ يضحك بشدة، رفعت وجهها لتجده غارقاً في حالة قهقهة هيسترية، رمقته بإمتعاض حتي كف عن الضحك و أخبرها:
_ نيتك سودة يا زوزو، أنا مش قصدي الي فهمتيه، أنا كل الي عايزه كده.
و هبط إلي موطن كلماتها وكان علي وشك إلتقام شفتيها فأوقفه حارسه الشخصي الذي تحمحم وقال :
_ سليم باشا ،ياسر بيه مستني حضرتك.
هسهس بسبة وحنق من هذا الأحمق الذي جاء في الوقت الخطأ، حدجه بنظرة جعلت الأخر يرتجف بخوف فأردف مُعتذراً:
_ أسف ياباشا، هو عايز حضرتك ضروري.
أطلق زفرة حارقة وقال:
_ خدو و خليه يستناني قدام باب المكتب عقبال ما أجيله.
أومأ له الرجل:
_ أمرك يا باشا.
و هرول مغادراً.
أختطف من شفتيها قبلة رقيقة علي غرار قبلاته العنيفة ثم قال:
_ أطلعي أوضتنا ريحي شوية عقبال ما أخلص المقابلة دي .
_ و مين الي هايجعد ويا الضيوف، غير سمية وصلاح الي لساته متحدت وياك أنه چاي في الطريج.
رد علي مضض:
_ أوك، يبقي أستني چوه.
تقدمت أمامه وفعلت كما أمرها، وعينيها لاتحيد عنه، فرأته يقف مع رجل يستند علي عكاز معدني، أستقبله سليم بترحاب وحفاوة و دلفا معاً إلي داخل الغرفة التي علمت منذ مجيئها اليوم إنها غرفة خاصة لمراجعة أعماله.
ــــــــــــــــــــــــ
و بالخارج يدلف بسيارته عبر البوابة وعلي وجهه إمارات القلق، فكيف له يطمئن من تلك الجالسة تضحك كل فينة وأخري، أصطف جانباً وأخبرها:
_ بطلي ضحك ويلا ننزل.
رمقته ببلاهة وقالت:
_ بچد وصلنا كيف بالسرعة دي! .
وأطلقت ضحكة بمبالغة، أخذ يحملق بتمعن في ملامحها، فهو علي دراية أن حالتها المُريبة تلك ليست سوي حالة ثمالة، لكن كيف يحدث لها هذا وهي لم ترتشف قطرة من الخمر!.
_ سمية أنتي شربتي حاجة ولا أخدتي حاجة كدة ولا كدة؟.
تصنعت التفكير والبسمة لا تفارق ثغرها:
_ أيوه شربت.
تجهمت ملامحه فأردفت:
_ شربت ميه كتير، أصلي كنت عطشانة جوي.
لم يصدقها فسألها مرة أخري بأسلوبه الحاني،أمسك بيدها بين كفيه:
_ حبيبتي قوليلي ماتخافيش،أنا مش هتضايق ولا هازعل.
أجابت و رأسها تترنح فالرؤية مشوشة إلي حد ما أمام عينيها، أخبرته بإنكار:
_ أطمن يا صلوحتي، أني بخير يمكن تجلت شوية في الشيكو...
قاطعها إحدي الحراس الذي طرق زجاج النافذ بجوار صلاح الذي ضغط علي زر إسدال الزجاج، فأنحني الحارس قائلاً:
_ نورت يا صلاح بيه، حمدالله علي السلامة.
قام الأخر بمصافحته قائلاً:
_ الله يسلمك ياهيثم.
فتح هيثم الباب له ثم ألتفت مسرعاً ليفتح الباب المجاور لسمية التي أن وطأت قدميها الأرض أطلقت ضحكات متتابعة وقالت من بينها:
_ بتشتغل ويا سليم و إسمك يبجي هيثم!.
نظر الرجل بإحراج وبإبتسامة متكلفة رد بحذر و من طرف عينه ينظر إلي صلاح المنزعج من تصرفاتها الغير لائقة.
_ نورتي يافندم.
سحبها صلاح من يدها وقال بصوت خافت:
_ مالك ياسمية مهايبرة كده ليه؟.
ردت بسعادة:
_ مالي ياصلوحتي ما أني أهو، عيوني وخشمي في مكانهم ولا يكون طلعلي ديل إياك!.
تمتم بحنق:
_ لاء، شكلك بجد مش طبيعي، تعالي ندخل جوه أحسن بدل ما الناس تبص علينا.
فتحت فمها كالبلهاء و رددت وهي تسير معه:
_ ماتچيب لي شيكولاتة لابلاش يا ولاه.
وبالداخل، تتسحب بخطي وئيدة نحو الغرفة لتستمع إلي حديثه مع ذلك الرجل ذو الهيئة المثيرة للشك، ألتفتت يميناً ويساراً لتتأكد من خلو الرواق من العاملين والضيوف، أنحنت قليلاً لإستراق السمع، فوصل إليها صوته الرخيم ..
_ عارف يا ياسر لو أتضح لي إنك بتلعب من ورايا، أوعدك لأخليهم يلمو أشلائك من كل حتة.
أزدرد ياسر لعابه بخوف، تحمحم وقال:
_ عيب عليك يا باشا،أبيعك إزاي وأنا عينك ودراعك اليمين في الداخلية، والي هايخلي لك أكرم عمران مايتجرأش حتي يفكر في حضرتك.
زفر دخان السيجار الكامنة بين أصبعيه:
_ ملكش دعوة بأكرم،أنا بللعب معاه بطريقتي.
زفر الدخان مرة أخري و أردف:
_ الي بيني وما بين أكرم نفس الي ما بين الفريسة و الصياد، بيفضل مراقبها من بعيد وطبعاً بعد ما يكون مجهزلها طعم صغير يجذبها بيه، تقوم الفريسة رايحة برجليها لحد الطعم و أول ماتقرب، هوب واقعة في الفخ المتفصل علي مقاسها بالمللي.
صاح بصوت أجفل الآخر وجعله أنتفض ثم أعتدل في جلسته وقال بإطراء:
_ باشا، طول عمرك باشا وأحنا تلاميذك.
أكتفي سليم بإبتسامة زهو و فخر بذكائه الذي يرعب أعدائه ومن يفكر لمجرد لحظة أن يقف في دربه كأنه كالثُري التي تواجه هبوب ريح عاتية.
_ مدام زينب.
تفوهت بها تلك الخادمة الآسيوية مما جعل الأخري أُصيبت بالفزع، وألتفتت إليها بوجل.
أردفت الفتاة قائلة:
_ آسفة، فيه ضيوف مستنين حضرتك برة.
كانت تلتقط أنفاسها، خشيت أن يعلم سليم إنها كانت تتصنت علي حديثه مع هذا الياسر، فيزيد الأمر من شكوكه التي لم تنتهِ، أمرتها بإمتعاض:
_ روحي وأني چايه وراكي.
أومأت لها الفتاة و ذهبت فتتبعتها زينب وبداخل رأسها آلاف الأسئلة، ومن بين كل هذا صوت يتردد صداه في أذنها، صوت يخبرها إذا أرادت هزيمة الوحش فعليها أن تتظاهر بالخضوع التام والطاعة العمياء له ثم تتوغل في براثنه حتي تعثر علي مواطن ضعفه و ثغراته الواهية لتتمكن من سحقه و لكي لاينهض مرة أخري، في تلك الحالة لاتضمن النجاة لأن حياتها آنذاك سوف تكون أقل ثمن عليها دفعه!.
توقفت علي مشارف الممر المؤدي إلي البهو، وحين رأتها أسرعت من خطواتها والفرح يُزين قسمات وجهها.
_ يا مرحب، يا مرحب،يا أهلاً بالعرسان،البيت نور بيكم.
كانت هناك زوج من العيون تُراقبهم عن كثب،
رد صلاح وهو يمسك بيد التي تترنح وتضحك إلي الفراغ:
_ البيت منور بأهله.
_ الله يخليك.
وكادت تعانق صديقتها لكنها توقفت لتتفحص في ملامحها و سلوكها الغريب، تحمحم صلاح الذي لاحظ نظرات تعجبها،فقال بصوتٍ خافت:
_ معلش يا مدام زينب، ممكن تاخديها وتطلعو فوق،من وقت ما كنا في الطريق وهي زي ما أنتي شايفها كده، تضحك عمال علي بطال وتغني.
عقدت مابين حاجبيها و سألته:
_ أنت شربتها حاچة؟.
رد بإنكار:
_ لاء خالص، ومن وقت ما أتجوزنا مابقتش أدخل أي أنواع خمور في شقتي.
أخبرته بطمأنينة:
_هملهالي وأني هاشوفهالك مالها.
و بعدما ساعدتها في الصعود لأعلي جعلتها تجلس علي طرف الفراش، فما زالت الأخري تردد:
_ ماتچيبلي شيكولاتة لا بلاش يا ولاه.
ظلت زينب تنظر إليها، تحسست جبهتها ثم سألتها:
_ أنتي شربتي ولا أكلتي أي جبل ماتيچي؟.
نهضت بترنح و أجابت بثمالة:
_ أباه بجي عليكم عاد، ما أني عماله أجول لكم من الصبح، ما تچيب لي شيكولاتة لا بلاش يا ولاه.
وأخذت تهز خصرها، تجهم وجه زينب عندما تذكرت شيئاً ما علي ذكر الكلمات التي تتغني بها الأخري، فأخبرتها:
_ خليكي أهنه وأني هاحضرلك الحمام،حالتك دي لازمها دش ميه ساجعه لأچل تفوجي.
لم تهتم إلي ما أخبرتها به زينب، أخذت تتراقص مما أثار ضحك الأخري التي هزت رأسها بقلة حيلة.
و في الأسفل كانت الكارثة!.
ـــــــــــــــــ
يتعالي صوت ضحكاتهم الرجولية ثم أعقبها قول ياسر:
- مقولتلناش يا متر الجواز حلو ولاالعزوبية؟.
رد الأخر و السعادة تنضح من زرقاويتيه:
_ أنا أعترف لحد وقت قريب إن العزوبية أحسن و أريح نفسياً،بس بعد ما ربنا كرمني أقدر أقولكم وبقلب جامد الجواز أحسن بكتير، خصوصاً لو أتجوزت عن حب.
طيف إبتسامة هاكمة بدت علي ثغر سليم، لم يغفل عنها الأخر الذي أكتفي بالنظر إليه بدون أن يُعلق، فكلاهما يفهم ما يجول في ذهن الأخر، أنتبها علي قهقة ياسر قائلاً:
- مش عايز أصدمك وأقولك ده بس عشان أنت لسه في الأول، أقطع دراعي كلها سنه وهيجمعنا المكان ده تاني وهاتقول كان يوم أسود لما قررت بس أتجوز، وياسلام بقي لما المدام تعرف تاريخك الحافل مع حسناوات من مصر وبرة مصر، ولا أم بنتك مـ...
- ياسر!.
كان نداء تحذيري من الأخر الذي تحولت ملامحه في لمح البصر من السعادة إلي أخري يشوبها الوجوم والقليل من الغضب، عاد الأول إلي أدراجه عندما أدرك فداحة مزاحه الذي كان غير مرحب به إطلاقاً:
_ أي يا أبو صلاح أنا كنت بهزر معاك، مكنتش أقصد.
أبتلع لعابه من توتر الأجواء السائد بين ثلاثتهم، أردف:
- أنا كان قصدي إن الجواز غيرك للأحسن.
وقبل أن يرد صلاح سبقه صوت القداحة، حيث قام سليم بإشعال سيجاره و سحب نفساً عميقاً ثم أطلقه في الهواء ليُشكل سحابة دخانية و عقب علي حديث هذا الضابط الفاسد:
- تغير عن تغير يفرق يا ياسر، فيه تغير يرفعك لفوق لحد سابع سما وفيه تغير يخسفك لسابع أرض، والي بتسموه الحب ده مجرد وهم بنضحك بيه علي نفسنا، لأن الحب الحقيقي حب الذات، هاتحب نفسك وتقدرها هاتلاقي الكل بيحترمك ويعملك ألف حساب.
- الله عليك يا باشا بتقول دُرر.
و أخذ يصفق بحرارة، و هنا رد صلاح و هو علي وعي وإدراك كامل بما يقصده صديقه أو بالأحري لنقل هو المقصود:
- الحب يا ياسر من أسمي المشاعر الي يحس بيها الي عندهم إحساس و قلب أبيض صافي عكس القلوب الي مليانة سواد و كره، ربنا لما خلق آدم خلق له حواء تونسه وتكون شريكته في الجنة، الحاجه الوحيدة الي خربت عليهم حياتهم وخلاهم خرجو منها هو الشيطان، الشيطان سيطر علي آدم وخلاه حب نفسه وأكل الثمرة المحرمة والنتيجة كان أتطرد من الجنة، حب النفس لو زاد عن حده بيقلب لمرض نفسي والي بنسميه مرض الملوك بالبلدي جنون العظمة، تلاقي الكل بيبعد عنك ويتحاشاك وفجاءة تلاقي نفسك لوحدك وتكون نهايتك هي الإنتحار.
هناك نظرات متبادلة، أقل ما يُقال عليها رصاصات إذا أصابت كل منهما لأردته صريعاً.
هيهات و دوي صوت تهليل أتي من الخارج!.
ــــــــــــــــــــ
علي كلمات الأغنية بصوت السندريلا، تتمايل بخصرها بكل سلاسة علي الموسيقي.
(ما تجيب لي شيكولاتة لابلاش ياولاه...)
خلعت حجابها وألقته في الهواء ثم ألتقطته لتقوم بلفه حول خصرها تحت نظرات الضيوف اللذين وقفوا في تجمع من حولها، ينظرون إلي تلك السمراء الجميلة و خصلاتها تتطاير معها، فكانت النظرات ما بين إعجاب وإنبهار من الرجال بينما النساء كن علي غرار ذلك بل أخذن يتبادلن الأحاديث الجانبية، فقالت إحداهن إلي تقف بجوارها:
- و دي تطلع مين، معقول سليم بيه جايب رقاصة!.
تدخل رجل كان برفقتها:
- علي ما أظن سليم عمره ما يعمل كده، ملهوش في الجو ده خالص، بس بصراحة البنت عود بطل.
رمقته الأخري بنظرة نارية ولم تنتبه إلي صلاح الذي كان يقف خلفهما ويردد بصوت خافت:
- يانهار أسود.
و مازالت تلك العيون المراقبة لما يحدث، ويقوم صاحبها بإلتقاط صور في الخفاء وبدون أن يلاحظ أحدهم هذا، تبدلت الأغنية إلي أخري أغنية من الفلكلور (حبيبي يا عيني.. يامسهر عيني...)
و أخذت تتراقص و تهز خصرها علي إيقاع الموسيقي، تحت مرأي سليم الذي كان يتابع في صمت وأكتفي بنفث دخان سيجاره، بينما ياسر كانت شارداً في سمية قائلاً بداخل عقله:
- طول عمرك ياصلاح بتقع واقف، حظك من السما مع الستات.
و لنذهب إلي هذا المشهد الذي لايُحسد عليه صلاح، حيث أمسكها من يدها والأخري يخلع عنها الحجاب من حول خصرها:
- أنتي أي الجنان الي بتعمليه ده؟.
وضعت يدها الحرة علي وجهه تقول له:
- تعالي أرجص معاي، الأغنية حلوة جوي.
جذبها من يدها والأنظار تتبعهم، يرفع البعض منهم هواتفهم لإلتقاط مقاطع فيديو وصور لما يحدث، لاحظ سليم هذا فأشار إلي إحدي رجاله، فأدرك في التو مايريده الأخر، ذهب مسرعاً و هو يشير إلي زملائه أن يأخذوا الهواتف من الضيوف و القيام بمسح كل ما ألتقطوه، فهذا ليس من أجل عدم إفتضاح صديقه لكنه يخشي لفت إنتباه الرأي العام إليه.
_ أنتي أي حكايتك النهاردة بالظبط، ينفع الي هببتيه دلوقتي؟.
صراخ صلاح الذي وصل إلي ذروة غضبه، و قام بإلقاء الوشاح عليها، أجابت بثمالة:
- أباه عليك، عتزعج عليه ليه؟.
قد أفلت لجام غضبه، رفع يده لأعلي وكاد يصفعها، توقف و أبتعد قليلاً ليطلق زفرة حتي ينفث عن غضبه ولكي لا يؤذيها، يعلم جيداً حالة الثمل التي بها، فـ هي لاتعي ماتفعله.
كانت زينب تقف علي الدرج تري ما يحدث، ذهبت لتلحق بها وتأخذها قبل أن تحدث كارثة أخري، و ما أن أمسكت بيدها قائلة:
- تعالي ياسـ...
نفضت الأخري يدها ليتبدل حالها علي النقيض تماماً:
- بعدو عني، هملوني لحالي، كلاتكم بتعاملوني و كأني أتچنيت، أني لساتي بعقلي، أنتو الي أتچنيتو.
رمقت زينب باللوم وقالت:
- أنتي أتچينتي يوم ما وافجتي تتچوزي الراچل المچنون ده.
و أشارت بيدها نحو سليم، أسرع صلاح وأمسكها من يدها قبل أن تقول ما لايحمد عُقباه:
- يلا أطلعي قدامي، كفايانا فضايح.
جذبت يدها و أبتعدت وجسدها يترنح، صرخت به:
- فضايح ليك ولا للبيه بتاعك، لسه باجي وخايف عليه ولا خايف منه إياك!، تحب أفكرك سوي فيا أي!.
أزاحت الثوب قليلاً من عند العنق لتكشف للجميع أثر الحرق:
- عارفين الحرق ده مين الي سواه، الباشا صاحب الحفلة، طفي السيچارة بتاعته في رجبتي لأچل مكنتش رايدة أبيع صاحبتي وبت بلدي و أجوله علي مطرحها، و خابرين أي كمان؟.
نظر كبير الحرس إلي سليم الذي أشار له بأن لايتحرك، بينما أخذت زينب زواية لتختبئ حتي لايري الأخرين عبراتها التي أنسدلت للتو.
دنا صلاح من زوجته و هسهس من بين أسنانه:
- أقسم بالله يا سمية لو ما بطلتي شغل الجنان الي بتعمليه، ها...
صاحت في وجهه وكأنها فقدت عقلها:
- هاتسوي فيا أي أنت كمان!، هاتسلط عليا رچالتك يغتصبوني زي ما البيه بتاعك كيف ما جالهم يعملو معاي إكده!.
أنهمرت عبراتها و لم تستطع الصمود أكثر من ذلك، فأخذت تصرخ:
- أنا بكرهكم، وبكره نفسي، بكرهكم كلاتكم، أنـ..
و في غضون لحظة كانت مستلقية علي زراعي صلاح الذي ألحق بها قبل أن تقع علي الأرض بعدما فقدت الوعي!.
ــــــــــــــــــــــــــ
- في صباح اليوم التالي، يجلس خلف مكتبه شارداً في ذكرياته معها، كل ما يجمع بينهما من لحظات مليئة بالسعادة والحب وأخري علي النقيض، يبدأ شعور الندم يتسلل إلي فؤاده، فيباغته عقله بما أقترفته في حقه وكيف قامت بخيانته ليعود من جديد إلي هذا القاسي ذو القلب المتحجر، تساوره الشكوك مُجدداً حتي يعود إلي النقطة ذاتها، لابد من حل أو الأحري إختبار نهائي و عليها أن تجتازه بالنجاح أم بالسقوط!.
طرق علي الباب أنتشله من محيط أفكاره، فقال للطارق:
- أدخل.
فُتح الباب و دخل شاب ذو مظهر كلاسيكي، يرفع يده بتحية:
- أحلي صباح علي أكرم باشا سيادة النقيب والي بعون الله هايكون لواء.
طيف إبتسامة بدت علي وجهه قائلاً:
- تعالي يا حجازي، أي الأخبار؟.
رد الأخر بسعادة بالغة و كأنه عاد من الحرب ظافراً:
- العبدلله قدر يصورلك كل حاجه حصري من قلب فيلا سليم العقبي، و كانت الأحداث نار خصوصاً الي حصل أخر الحفلة.
قطب حاجبيه بعدم فهم، فـ أخرج له الأخر ظرف وأعطاه إياه:
- بص معاليك، دي صور من أول ما بدأت الحفلة لحد ما خلصت، تخيل مين أول ضيف كان هناك؟.
فتح الظرف وأخرج أول صورة، وبإبتسامة هاكمة قال:
- ياسر الطوبجي!، ده بقي يحضر حفالات كمان.
أخرج صورة تلو الأخري، رأي الكثير من الوجوه يعلم منها البعض، والبعض الأخر كانت مجهولة إليه، توقف لدي صورة لكلا من زينب و سمية،أمعن النظر تحديداً في صورة زينب، شعر وكأنه رآها من قبل، رفع الصورة أمام حجازي الذي تفهم سؤاله دون أن يتفوه به:
- دي تبقي مرات سليم، و لاقيت الخدامة بتناديها زينب، وكمان الي جمبها في صورة تانية، الي فهمتو إنها تبقي مرات صلاح أيوب.
هناك إشارة ما أو ربما إنذار ينبهه إلي طرف الخيط، فـ سأله:
- ما تعرفش إسمها زينب أي؟.
أبتسم الأخر بـ زهو و أجاب:
- ما أنا جاي لحضرتك في الكلام أهو، بعد تحرياتي الدقيقة، عرفت إنها من الصعيد و من عيلة إسمها القناوي، من محافظة قنا، وليها أخ إسمه رافع وإبن عمها كان مقبوض عليه إسمه فارس، أوعي يكون فارس الي حضرتك مكلفنـ..
نهض أكرم من مكانه و ضرب بقبضته علي المكتب، و يتحدث بكلمات لايسمعها سواه:
- زينب تبقي مرات سليم العقبي!، إزاي!.
ألتقط هاتفه و الصور التي بحوذته قائلاً:
- أستناني هنا ياحجازي و أنا راجع لك تاني.
ذهب إلي رئيسه في المخفر، طرق الباب ثم دلف:
- صباح الخير يا باشا.
ترك الأخر قدح القهوة بعدما أنتهي منه:
- أتفضل يا أكرم.
وضع أمامه الصور، أمسك بها الأخر مُقطب الحاجبين، فقال له أكرم بـ عزم و إصرار:
- أنا عايز إذن من النيابة بالتحقيق مع مرات سليم العقبي.
رمقه بصدمة قائلاً:
- تحقق مع مين!، أنت فاهم أنت بتطلب أي؟.
أبتسم بتهكم و أردف:
- ده أنت كده بتفتح علي نفسك نار جهنم، و بعدين هاتحقق معاها ليه، هاتعترف لك مثلاً علي جوزها، ياريت تقولي سبب مقنع.
جلس علي الكرسي أمام مكتبه ليخبره بـ ثقة بالغة:
- مدام زينب العقبي هي زينب القناوي بنت عم والي كانت خطيبة فارس القناوي، الي هرب مع المساجين وقت السطو علي عربية الترحيلات!.
ــــــــــــــــــــ
بداخل سراي النيابة، يعود الوكيل بظهره إلي الخلف و يسأل زكريا الذي أصبح ذو مظهر رث ولحية قد كبرت:
- كل التحريات بتأكد علاقتك بالمجني عليها، ده غير إتهام أخوها ليك، و تقرير الطب الشرعي أثبت إنها فعلاً كانت حامل، ولسه كمان لما تطلع نتيحة تحليل الـ DNA، الي هنثبت بيه إن الي في بطنها كان إبنك وفي الحالة دي مفيش متهم غيرك أنت.
صاح بخوف وتوتر:
- مش أنا، معرفهاش، حتي أسأل رافع إبن عمي أو بكر أخويا كنت مسافر معاهم بنجيب بضاعة من القاهرة.
و بعد قليل، يقف رافع أمام وكيل النيابة بشموخ وثقة واهية،ليشهد زوراً:
- أيوه كان ويانا و إحنا بنچيبو بضاعة من تچار الخردة في القاهرة.
وبالخارج يقف كلا من بكر والشيخ واصف الذي يقرأ أيات الله، ويديه تتحرك علي حبات السبحة، خرج العامل مُنادياً:
- بكر واصف.
و قبل أن يذهب أمسكه والده من يده و ربت عليها قائلاً:
- خد بالك من كلمة الحق يا ولدي، إياك والشهادة الزور، حتي لو كانت هاتبجي في صالح أبوك، إنها من الكبائر يا ولدي.
أومأ له بكر و وضع يده علي كتف والده:
- ماتجلجش يا أبوي، عمري ما هاغضب ربنا حتي لو علي حساب حالي.
خرج رافع و يرمق بكر بـ نظرة يدركها الأخر ثم دنا نحو أذنه:
- ياريت قبل ما تجول أي حاچة، أفتكر إن ده أخوك، و قبل ما تضره هاتضرنا كلاتنا، من أول أبوك و عمتي و خايتك، البلد كلاتها ما هيبجي لهم سيرة غيركم علي لسانها، فكر بعقلك.
رفع الأخر جانب فمه بإبتسامة هاكمة:
- ما تجلجش يا ولد خالي، أني فعلاً بفكر بعقلي و الي بيجولي، أشهد بكلمة الحق، عن إذنك.
و أمام وكيل النيابة كان لقاء الأخوة، أخوة في ظاهرها لكن ما في النفوس علي غرار ذلك، يخشي زكريا إستغلال شقيقه الخلاف القائم بينهما، لكنه علي يقين بأن أخيه مهما يحدث، فـ بالنهاية لايشهد سوي بالحق!.
- ها يا بكر، أخوك كان بيقولنا كان معاك وقت حدوث الجريمة، طبعاً غير إنه بينكر علاقته بالمجني عليها، فما هو قولك في ذلك؟.
كان سؤال الوكيل واقعاً علي الوتر الفاصل بينهما.
كان زكريا يرمقه بـ توسل و رجاء، حديث دائر بداخل عقله و نظرات عينيه كفيلة بإبلاغ شقيقه بما يريد قوله:
- أني خابر زين أد أي بجيت بتكرهني، بس أني مش وحش جوي كيف ما أنت شايفني يا أخوي، كنت أتمني تاخد بيدي وتفضل ورايا لحد ما أبعد عن الطريج الواعر الي وجعت فيه.
بادله بكر بنظرات ندم وحسرة، يشعر بالحزن علي شقيقه و ما أوصله إلي هذا المصير البائس:
- أني ياما نصحتك يا أخوي، جولت لك إياك والطريج الي أنت ماشي فيه، ماسمعتش كلامي و مشيت ورا شيطانك وسلمتله حالك، زنيت و شربت المنكر وأستحليت كل حاچة حرام و يوم ما أديت فرصة لجلبك ضاجت بيك الدنيا وبصيت لمرات أخوك، و ختمتها بالجتل، ناجص تسوي أي إياك!، ربنا عطاك نعم كتير وأنت ماصونتش أي نعمه فيهم، سامحني، سامحني يا ولد أبوي، ما أجدرش أشهد كدب وزور، ما أنت عارفني زين، ما أجدرش أغضب ربنا وأضيع حق واحدة مظلومة، يمكن لما تتعاقب و تتوب ربنا يغفر لك الي سويته في حق الناس و حق نفسك.
- يا أستاذ بكر؟.
كان نداء وكيل النيابة، فأنتبه له الأخر و قال يخرج بصعوبة بالغة من حلقه:
- معاك يا فندم.
زفر الأخر وأخذ يطرق بالقلم علي المكتب و يسأله:
- أخوك كان مسافر معاكم؟.
أزدرد ريقه، و يتحاشي النظر إلي شقيقه المُكبلة يديه بالأصفاد المعدنية، يتردد في أذنه صدي صوت والده:
(خد بالك من كلمة الحق يا ولدي)
أخذ نفساً عميقاً و أطلقه في زفرة هادئة ثم أجاب بكلمة الحق:
- لاء.
ـــــــــــــــــــــ
و بداخل عيادة طبية في مكان نائي و متطرف عن النجع، تجلس قامعة في أفكارها، لاتملك سوي هذا الحل حتي لايفتضح أمرها أمام زوجها، أصبحت مُهددة من خالتها التي أمرتها أن عليها تخبر ولدها بالحقيقة أم ستخبره هي بنفسها!.
فـ كلا الخيارين أصعب مما تتفوه به، هل من السهل أن تقول له ما بإحشائي ليس ولدك!، أم ستخبره بأن هناك من أستباح جسدي بسبب الركض وراء الترهات والدجل بدلاً من أن ألجأ لخالقي!.
نرتكب كثير من الأخطاء و لا نعلم أن كل خطأ علينا دفع ثمنه إينما كان آجلاً أم عاجلاً.
-مدام نوارة؟.
قامت بمناداتها الفتاة مساعدة الطبيبة، نهضت الأخري وتواري منتصف وجهها حتي لايراها أحد.
طرقت الباب و دخلت و أول ما شعرت به، برودة قاسية تضرب أطرافها، تتردد فيما قد عزمت عليه، تقدمت بخطي وئيدة والطبيبة تراجع بياناتها في الورقة المدون بها بياناتها:
- أتفضلي إستريحي يا نوارة.
جلست علي الكرسي و تمنت همومها كانت مثل جسدها تلقيها هكذا بأريحية، فـ سألتها الأخري:
- أول مرة تعملي متابعة حمل؟.
أجابت بإنكار و تردد:
- لاء،أجصد أيوه.
سألتها بـ عملية مرة أخري:
- أخر مرة جت لك العادة الشهرية أمتي؟.
ظلت صامتة للحظات حتي أخبرتها:
- ماخبراش، يمكن شهر أو شهرين.
قطبت الأخري حاجبيها بإستفهام، هيهات و أشارت إليها نحو سرير الفحص:
- أتفضلي أطلعي علي السرير و جهزي نفسك عشان أعملك سونار.
كانت علي وشك أن تخبرها بما هي آتية من أجله، تراجعت و لا تعلم لما فعلت هكذا، عليها التفكر في الأمر ملياً،هل القرار صائب أم جُرم شنيع!.
فعلت كما طلبت منها الطبيبة، أستلقت علي السرير و جذبت الدثار، لحقت بها الأخري و أمسكت بزجاجة الهُلام و أخذت القليل و قامت بوضعه علي بطنها.
كلمات خالتها تتردد في أذنها:
(لازم تجوليله الحجيجة يا إما هاروح أجوله أني ).
تجرعت غصتها المريرة بطعم العلقم،دمعة حارة فرت من عينيها و هي تأخذ قرارها الحاسم، أمسكت الطبيبة بالجهاز و قبل أن تضعه عليها أمسكت يدها لتمنعها قائلة:
- أني چايه لك تسوي لي عملية إچهاض.
ـــــــــــــــــــ
تجلس بجواره و تربت عليه لعلها تخفف عنه تلك الحالة النفسية السيئة بعدما عاد من سراي النيابة و الإدلاء بشهادة الحق.
- أني كنت ما بين نارين، نار خايف أغضب ربنا لما أكذب و أضيع حق الست الي جاتلها و ما بين أخوي الي كان عمال يبص لي و كأنه بيستغيث بيا.
و ما أن إنتهي من كلماته بدأت عبراته في الإنهمار، وقفت أمامه و حاوطت وجهه بكفيها ثم قالت:
- أحب علي يدك كفياك بكي، دموعك غالية و عزيزة، أنت سويت الصح و جولت كلمة الحق، لو كنت سويت العكس مكنش هيچي لك نوم واصل من إحساسك بالذنب.
رفع وجهه و نظر إليها في صمت يتأملها، بينما هي أخذت تمسح عبراته بإبهاميها، وضع يديه علي يديها ليزيد من شعوره بلمساتها، لايدري لما أتي في ذهنه للتو ذاك المشهد، عندما عاد من الخارج في المنزل الأخر و وجدها تقف أمام شقيقه، و الكثير من المرات عند إجتماعهم علي مائدة الطعام، حينها لايغفل عن نظرات شقيقه إليها، و أكثر ما جعله يشعر بالضربة القاتلة هناك عندما حدثت بينه و بين شقيقه المواجهة و إعترافه بإنه يحب زوجته، كان إعترافاً غير لفظي، لكن صمته و نظراته كافية بإبلاغه بالإجابة، فحديث العيون أبلغ من اللسان.
كل تلك الأفكار كانت كالنيران التي أضرمت في الهشيم و سرعان ما أحرقت كلما يقابلها في طريقها، صدره يشتعل من الغيرة، و هناك صوت من أعماقه يخبره بأن دافعه الأول من الإعتراف علي شقيقه ليس لخشية أن يرتكب ذنباً عظيماً بل كان إنتقاماً أو ربما عليه التخلص من شقيقه.
صراع داخلي ناشب يكاد يفتك برأسه، و من يري هدوءه ينخدع، لايعلم هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة.
همس لها بصوت يكاد تسمعه:
- بعشجك يا قمري.
أبتسمت و كأن الشمس قد أشرقت بل هي القمر في إكتماله، بدر مُنير في سماء صحراء قاحلة، يركض فيها كالظمآن الذي يبحث عن الجُب ليرتوي منه، و ها هي الماء أمامه، أخفض كفها علي شفتيه، أخذ يُقبل راحة يدها بشوق وعشق جارف، أغمضت عينيها عندما سرت قشعريرة في جميع خلايا جسدها، نهض و ما زال يمسك بيدها ويقبلها، لم يكتفِ بذلك، فمازال يشعر بالظمأ، ترك يديها و لم يمهلها لحظة و قام بجذبها بين زراعيه و هبط علي عنقها برغم إرتدائها الحجاب، قام بإسداله من فوق خصلاتها.
بدأت تتلوي يميناً و يساراً:
-بلاش يا بكر، بلاش.
و قبل أن يتمكن من عنقها ويقبله بنهم شديد، كان يتمتم:
- أني الي بعشجك، أنت مارتي أني، ملكي لوحدي، سامعني زين يا قمر، أنتي ملكي أني.
هزت رأسها بتوجس من نظراته التي لأول مرة تراها الآن، علي قدر أنها قد أشفقت عليه، في ذات الوقت تشعر بالخوف، و ما أن أفترقت شفتيها لتتحدث، وأد كلماتها في قُبلة، بدأت بوتيرة هادئة ناعمة و بدأت تسلك مساراً آخر،يده تتخلل خصلاتها وتمسك برأسها واليد الأخري يغرزها في خصرها المنحني،تأوهت بألم جعلها تزداد في مقاومتها بصوت يكاد يختنق:
- كفياك يا بكر، بعد عني.
و بالفعل قد أبتعد و ليته ما رمقها في تلك الحالة، يبدو علي وجهها علامات الألم، شفتيها مُنتفختين، خصلاتها مُبعثرة، أدرك فداحة ما أقترفه لتوه.
- من هنا لحد ما نعملو فرح مش هيتجفل علينا باب لوحدنا واصل.
و في تلك اللحظة دلفت والدته ترمقه بنظرة جحيمية، أرتدت قمر حجابها و كان قلبها يخفق بقوة، غادرت الغرفة.
جلست والدته ترمقه بغضب قائلة:
- أرتحت!، أرتحت لما شهادتك دخلت أخوك السچن!.
ولي ظهره إليها و قال:
- أني جولت كلمة الحق الي هيحاسبني عليها ربنا.
رفعت جانب شفتيها بتهكم:
- كلمة الحق، و لا ماصدجت تخلص منه لأچل مارتك!.
أستدار إليها و عينيه كادت تخرج من محجريهما،،يرد بإنكار:
- أي الي عتجوليه دي يا أمي؟
قطبت حاجبيها و بنبرة هاكمة أجابت:
كيف ما سمعت إكدة، فاكرني ماخبراش الي بيحوصل من ورا ضهري، ولا خابرة كل واحد فيكم بيفكر في أي!.
- لو كنت خبرانا زين مكنتيش جولتيلي الحديت الي جولتيه، ولا كان ولدك زكريا مرمي في السچن دلوق.
كان يحدثها و ملامح وجهه يغزوها التجهم، أخذ يستغفر ربه، أطلق زفرة من أعماقه و رأي من الأفضل المغادرة.
ــــــــــــــــــــ
يقف بالقرب من محطة قطارات السكك الحديدية ينتظره بشوق ولهفة، و ما أن رآهُ ركض عليه ليعانقه بإشتياق و ربت الأخر علي ظهره بقوة، يستنشق منه رائحة والده.
- أتوحشتني جوي يا ولد الغالين.
رد فارس و السعادة تغمره:
- كيفك يا عم چابر و كيفها الخالة هنادي؟
- الحمدلله بخير يا ولدي، أتوحشتها جوي علي طول بتدعيلك، بس أني مجولتلهاش أني چاي لك، الحريم ماتضمنش يا ولدي، لسانهم وكالة أخبار عالمية.
قهقه الأخر و قال:
- ياه يا عم چابر لساتك كيف ما أنت خفيف الظل، ربنا يبارك فيك.
ربت علي كتفه قائلاً:
- المباركة دي تتجالك أنت يا عريس، إلا جولي بصحيح حوصل ده كيف ولا ميتي؟
بدأ فارس يسرد له في الطريق بعدما أستقل كليهما سيارة أجرة،حكي إليه منذ بداية معرفته بالحاج نعمان حتي الآن.
و إلي أن وصلا في منزل الحاج نعمان الذي أستقبلهما بحفاوة و ترحاب، و قد لحق بهم جنيدي، أضحي رفيق دربه و صديقه الصدوق.
و تلك الجميلة ذات العينين التي تشبه عيون المها، و لأول مرة تتخلي عن عدساتها اللاصقة، فللون عينيها يتميز يشبه الذهب في بريقه الساحر، خاصة عندما قامت بتزين جفونها بالكحل، تقف أمام المرأه تضع الحُمرة علي شفتيها فأبرزت جمالها أكثر.
ألقت نظرة أخيرة علي ثوبها المُرقط كجلد الفهد، ينسدل علي منحنياتها.
أنتفضت بفزع عندما أتاها صوت والدها بالنداء، أخذ قلبها يخفق بل و يرفرف ويحلق، و قبل أن تذهب إليهم نظرة لصورتها المنعكسة بالكامل في المرأه، تتفوه بتوعد لمن سلب فؤادها:
- ده أنا مش هخليك تحبني و بس، وحياتك لأجننك يا فارس، هخليك تنساها خالص، أنت لسه ماتعرفش شهد بنت الحاج نعمان.
- بت يا شهد.
صوت والدها الذي نفذ صبره من إنتظارها، ركضت علي الفور، ذهبت أولاً لتجلب صينية كؤوس المياه الغازية، حملتها علي مهل و تقدمت بها إلي غرفة الضيوف.
كان شارداً في الفراغ، و والدها يتحدث مع العم جابر، بينما جنيدي أتسعت عينيه لم يصدق ما يراه، لكز صاحبه في زراعه قائلاً بإطراء سافر:
-ألحج يا أبو الفوارس، دي أي الفرسة الچاحدة الي چاية علينا دي، يخربيت چمالك يا عود، الكامانچا يا مانچا، ما تسألي خطيبتك عليها لأچل بدل ما تبجي جراية فاتحة واحدة يبجو جرايتين، لكن البطل دي عايزالها كتب كتاب و دخلة علي طول.
لكزه فارس بمرفقه في زراعه، يهمس له:
- إكتم أنت.
و بخطي هادئة ذهبت إليه أولاً لتقدم له الكأس و تنظر لأسفل بخجل، سبقته يد جنيدي الذي قال:
- تسلم الأيادي يا مزة بلادي.
رمقته بإمتعاض و هو يتناول الرشفة الأولي و في نفس الآن قال والدها للعم جابر:
- دي تبقي شهد بنتي العروسة.
عقب الأخر:
- بسم الله ماشاء الله، اللهم بارك.
و ما أن سمع جنيدي هذا أصابته حشرجة في حلقه كاد يختنق، ناولته هي كوب ماء و ترفع إحدي حاجبيها قائلة:
- أتفضل يا أخ جنيدي.
تناول منها الكوب و وجهه محتقن من الحشرجة و الشعور الشديد بالإحراج، نظر إلي فارس يرمقه بإعتذار.
قدمت باقي الكؤوس إلي فارس الذي تعمد عدم التحديق بها، كما قدمت إلي والدها و العم جابر الذي قال:
- تسلم يدك يا عروستنا، ربنا يتمملكم على خير.
و رمق فارس ليبدأ في حديثه،تنتابه حالة من التوتر:
- أنا چيت النهاردة لأچل أطلب يد الآنسة شهد علي سنة الله و رسوله، و حضرتك خابر كل حاچة عني و ظروفـ...
قاطعه نعمان بإشارة من يده قائلاً:
- بص يابني، أنا كل الي طلبه منك و قدام عمك جابر و صاحبك، إن مش عايز منك أي حاجة خالص غير حاجة واحدة بس وهي أنك تحط بنتي في عينيك.
أومأ له فارس و أجاب:
- و أنا أوعدك يا حاچ هاشيلها چوة عينيا.
تدخل صاحبه قائلاً بأسلوب فكاهي:
- و الله يا حاچ نعمان ما ليك عليا حلفان، يا زين ما أختارت عريس لبتك، فارس زين الرچال چدع و إبن أصول و كفاية إنه صعيدي و صاحبو يبجي چنيدي.
ضحك الجميع ثم رد نعمان:
- يبقي كده نقرأ الفاتحة.
ــــــــــــــــــــــــ
و علي متن فندق عائم علي مياه النيل، يُقيم حفل زفاف علي و مروة، يرقصان علي نغمات الموسيقي الهادئة.
شاردة في عينيه التي آسرتها منذ أن رأته لأول مرة منذ أيام الجامعة، رمقها بإبتسامة و سألها:
- يا تري سرحانة في أي كدة؟
أخفضت بصرها بخجل و أجابت:
- سرحانة فيك.
أمسك بذقنها لترفع وجهها وتنظر إليه:
- هو مينفعش تتكلمي و أنتي عينك في عينيا مثلاً؟
أبتسمت بخجل و قالت:
- بصراحة، مش مصدقة نفسي، كنت بحلم باليوم ده، أي نعم قابلت صعوبات كتير لحد ما وصلتلك، بس خايفة أقابل الأصعب لغاية ما أوصل لقلبك.
أطلق تنهيدة و تهرب من التحديق في عينيها و هو يخبرها:
- للأسف يا مروة قلوبنا مش بإيدينا، و أنا قولتهالك قبل كدة، خليني أنساها، عارف إني أناني و ظالم كمان، بس أنا محتاج إيد تشدني وتقومني من دايرة الماضي، أنا محتاج لك أوي.
و أمام البوابة المُطلة علي كورنيش النيل، تقف السيارة، نزلت و أخذت تتلفت من حولها بإبتسامة تغمر شفتيها، فعندما أخبرها صباحاً إنهما سوف يخرجان،لم تصدق نفسها، ظنت إنه قد غفر لها أخيراً و سامحها، لاتعلم نواياه الخفية.
أمسك بيدها و دلفا عبر الجسر إلي الفندق، فقالت له:
- عارف، كان نفسي نعمل فرحنا هنا، بس ظروفك ما سمحتش وقتها و أنا قولت مش مهم، الفرح الحقيقي هي أكون معاك.
حدجها بنظرة غامضة و إبتسامة إستهزاء جعلتها تشيح وجهها الناحية الأخري.
توقفا أمام باب كبير يقف عليه حارسين، أخرج لهما دعوة قد أخذها من صديقه طارق الذي أعتذر عن الحضور، دخلت و قلبها أصابته إنقباضة و أذنيها أصابها صفير حاد.
و قعت عينيها علي العروسين، فعلمت لما تشعر بكل هذا، إستدارت وهمت بالذهاب، أوقفها قائلاً و يده قابضة علي زراعها:
- رايحة فين؟، مش ناوية تباركي لصاحبتك و جوزها؟
أبتلعت ريقها بتوتر فشلت في إخفائه:
- أنا عايزة أمشي.
رد بإصرار و حزم:
- و إحنا مش ماشين غير لما نروح نسلم عليهم و نباركلهم.
جذبها من يدها لتسير خلفه بتعثر، حتي توقفا علي مقربة شديدة من مروة وعلي الذي تسمر في مكانه حينما تلاقت عينيه بخاصتها، و هي قد أهتزت عندما جذبها أكرم من خصرها يحتضنها.
وقفت مروة تنظر إلي صديقتها السابقة بدهشة، كيف جاءت و هي لم ترسل لها دعوة حضور الزفاف!.
ذهبا إليهما، صافحت ندي مروة علي مضض:
- مبروك يامروة.
ردت الأخري بإقتضاب:
- الله يبارك فيكي.
ــــــــــــــــــ
و ها هي قد أهتداها تفكيرها الشيطاني بعدما رفضت الطبيبة بإجراء الإجهاض لها، تلجأ إلي الحيل القديمة، ذهبت إلي العطار، و قامت بشراء خليط من الأعشاب التي علمت بمفعولها الذي سيفي بالغرض.
و الآن هي بمفردها تمكث في غرفتها منذ الأمس، تمسك بالكوب الخامس أو ربما السابع تحتسيه بصعوبة بسبب رائحة الخليط النفاذة، كما يداهمها منذ الأمس شعور بألم يزداد كل فينة و الأخري.
صعدت علي الكرسي و وثبت علي الأرض، مرة تلو الأخري، و في كل مرة تتأوه بألم، و إذا تشعر بسائل دافئ يتدفق من أسفلها و قد وصل الألم إلي ذروته، و هنا لم تعد قادرة، فأطلقت صرخة وصلت إلي مسامع أهل النجع!.
🌹يتبع🌹
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية