رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامة

 رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامة 


❈-❈-❈
لوهلة إزدادت قُبلاته حِدة وخشونة كأنه يُخرج غضبه منها، تأوهت بألم رفعت يديها، وبدل من أن تدفعه تمسكت بعضديه تشبثت به كأنها تبحث عن شيء يهدئ تلك العاصفة داخله، أنفاسها اختلطت بأنفاسه المرتبكة، بينما هدأت قُبلاته تدريجيًا، وكأن إدراكه لما يفعل بدأ يتسلل إليه...
ابتعد قليلًا، جبينه يلامس جبينها، وعيناه تحملان صراعًا واضحًا بين الغضب والندم... همست إسمه بصوت خافت، متحشرج:
فاروق.

لم يُجب فورًا، فقط أغلق عينيه للحظة طويلة، وكأنه يحاول استعادة توازنه، ثم تنهد بعمق، ويداه ما زالتا على ذراعيها، لكن هذه المرة برفق مختلف تمامًا...
تحدث بصوت منخفض،كاد يعترف بمكنون قلبه لها لكن تراجع قائلًا:
عهد إنتِ عاوزه توصليني لإيه؟.

ارتجف قلبها لكلماته، ونظرت إليه بارتباك، بينما خفت قبضتها على عضديه، لكنّها لم تبتعد… وكأنها تنتظر منه أن يكمل، أو ربما أن يفهمها دون كلمات.. 
ترددت للحظات… الكلمات علقت بحلقها، كأن الاعتراف صار أثقل مما تتحمل.
أتعترف له أنها لا تعرف ماذا تريد؟.. 
أن بداخلها حربًا ضارية تطحن كل يقين، تُبعثر مشاعرها بين قُرب تخشاه وبُعد يؤلمها.. 
ابتلعت ريقها بصعوبة، وعيناها تتهربان من نظراته، قبل أن تهمس بصوت مهتز:
أنا… أنا مش فاهمة نفسي.

صمتت لحظة، وكأنها تجمع شتات قلبها، ودت ان ترفع عينيها  تنظر له  كأن عينيها تخشي أن تبوح له  بصدق موجع:
كل ما بقرب منك بخاف… وكل ما ببعد بحس إني بضيع.

رفعت عينيها إليه أخيرًا، نظرة مليئة بالتعب والإرهاق أكثر من أي شيء آخر، تحدثت عينيها بخفوت:
أنا تايهة… ومش عارفة أنا عايزة إيه.

ساد صمت ثقيل بينهما، لكنه لم يكن صمت فراغ… بل صمت مليء بكل ما لم يُقال بعد.

ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن كلماتها وصلت له.. أصابت شيئًا عميقًا داخله… شيء لم يكن مستعدًا لمواجهته... 
تحركت ملامحه ببطء، لم يعد ذلك التوتر الحاد كما كان، بل صار هناك شيء أكثر هدوءًا… وأكثر صدقًا... رفع يده بتردد، وكأنه يخشى أن تبتعد هذه المرة، ثم لمس وجنتها برفق،تحدثت عيناه:
طيب… ليه محسساني إني لازم أفهم لوحدي.

ارتجفت شفتاها، لكنها لم تُجب.اقترب خطوة، دون أن يضغط عليها، وكأنه يمنحها مساحة حتى وهو قريب منها، وأضافت عيناه بهدوء مختلف:
أنا مش مستني منك إجابة كاملة… بس مستني منك تبطلي تهربي.

أغمضت عينيها لثواني، وكأن كلماته أصابت الحقيقة التي كانت تتجنبها، بينما انزلقت دمعة هادئة على وجنتيها... 
فتح عينيه عليها، وتابع بنبرة أكثر لينًا:
خوفي مش إنك تايهة… خوفي إنك تسيبيني وأنا واقف مستنيكِ.

تنفست بعمق، وكأن صدرها يضيق بكل ما تشعر به، ثم همست لنفسها:
وأنا خوفي… إني أفضل جنبك وأكسرنا إحنا الاتنين.

صمت حديث العيون..الكلمات كانت ثقيلة وصادقة.... للحظة… لم يتحرك أحدهما
تنهد ببطء، وأخفض رأسه قليلًا قبل أن يرفع عينيه لها مرة أخرى، ويبوح بهمس هادئ:
يبقى نكسر الخوف… مش بعض.

مد يده هذه المرة بثبات، لم يجذبها… فقط ترك لها الخيار... هامسًا بعيناه: 
خليك… بس بصدق. امشي… برضه بصدق.. بس متخليش اللي بينا نص حاجة.

نظرت إلى يده الممدودة، ثم إلى عينيه…
كان القرار، لأول مرة، ليس أسهل… لكنه أوضح.

قطع تواصل العيون بينهما حين إقترب بشفاه منها وعاد يُقبلها،لكن هذه المرة كانت قُبلات حنونه .لم تعترض…
لم تكن تلك القبلة هروبًا هذه المرة، ولا محاولة لإسكات ما بينهما… بل كانت امتدادًا لذلك الصدق الذي وُلد للتو... 
استجابت له بهدوء، كأنها تُجرب شعورًا جديدًا عليها… شعور أن تبقى دون أن تقاوم، دون أن تهرب... ارتفعت يدها ببطء حتى استقرت على صدره، تشعر بنبضه المتسارع… 
قطع ذلك الانسجام  رنين هاتف.. كانهما كانا بغفوة عقل وصوت ذلك الهاتف أيقظهما إبتعدت لخطوة للخلف.. شعر بإبتعادها عنه كأن جزء منه إنسلخ عنه... تجمدت للحظة، كأن المسافة الصغيرة التي اصبحت بينهما كانت أكبر مما يجب… أكبر مما تحتمله الآن.. 
رن الهاتف مرة أخرى، بإلحاح هذه المرة… كأنه يفرض وجوده على تلك اللحظة التي لم تكتمل... 
مرر يده بين خصلات شعره بتوتر، وعيناه لا تزالان معلقتين بها، لم ينظر للهاتف… كأنه يرفض أن يسمح لأي شيء أن يقطع ما بدأ بينهما... 
نحدثت بنبرة خافتة، تحمل ضيقًا لم تحاول إخفاءه: 
مش هترد.

تردد قليلًا، نظر  نحو لهاتف… ثم إليها… كأنها بين خيارين لا يشبه أحدهما الآخر...

ابتعد نحو الهاتف  مد يده ببطء والتقط الهاتف، لكن قبل أن ينظر إلى الشاشة…

همست دون وعي...قبل أن ترفع عينيها: 
واضح إن الاتصال مهم، والا مكنش رن أكتر من مرة... يمكن تكون...

رفع حاجبه قليلًا، وكأن الكلمة مسته… لكنه لم يقاطعها... 
تنفست بعمق، ثم أضافت بصوت أهدأ: 
عالعموم  مش كل حاجة ينفع نكملها في نفس اللحظة… .
صمتت مرة أخري  لحظة، ثم رفعت عينيها إليه أخيرًا… نظرة صادقة، خالية من التردد هذه المرة.

تبادل معها النظرة لثوانٍي، وكأنّه يزن كلماتها… لا يبحث عن الكمال، بل عن الصدق الذي طلبه منها... أومأ ببطء، خطوة صغيرة للخلف، لكنه لم يبتعد بالكامل… وكأنه يترك لها المساحة... 
نظرت له لثانية أطول… قبل أن يتنحى بنظره أخيرًا إلى شاشة هاتفها، وقلبها لا يزال عالقًا ..لكن صاب قلبها شعور بالغِيرة حين سمعت رد فاروق الذي تسلط نظره عليها،لم يتعمد نُطق إسم
جُمانة..خرج منه دون قصد،أو ربما سهو..غادرت دون كلمة...بينما هو رفع يده الأخرى جذب خصلات شعره للخلف بغضب..أنهى الإتصال،ألقي بالهاتف فوق الفراش وجلس على طرف الفراش يتنهد بإشتياق وإشفاق على حالة عهد التائهة لكن إن كانت هي تائهة.…فهو غارق.
لم تكن حيرته أقل منها… بل ربما كانت أكثر قسوة، لأنه يرى الطريق… لكنه لا يستطيع أن يسير فيه وحده... أسند مرفقيه على ركبتيه، وأخفض رأسه بين كفيه، زفر نفسًا طويلًا كأن صدره لم يعد يتسع لكل هذا الثقل... ولابد من حل، وإبتعاده الآن أفضل.

بينما وقفت عهد للحظة بعد أن أغلقت الباب خلفها، يدها لا تزال معلقة على المقبض… كأنها إن تركته ستفقد توازنها بالكامل.
اسم "جُمانة" لم يكن مجرد اسم... كان فاصلة... وعليها الآن تكملة باقي السطر. 
❈-❈-❈
بشقة محسن 
تعمد العودة متأخرًا حتى لا يُثير قلق أحدًا، كذالك تكون رابيا قد غفت، أو هكذا ظن.. رغم أنه لا. يشعر بآلام بسبب بعض المُسكنات الذي تناولها بالمشفى... 
فتح الباب، كما توقع الهدوء بالشقه فقط ضوء الرُدهة وابواب الغرف مواربة مُظلمه .. جلس على أحد المقاعد بالردهة يتنهد لكن سُرعان إستقام وجهه، ونظر نحو رابيا التى اقبلت عليه بلهفة تسأل  بقلق واضح، وصوتٍ مرتجف لم تستطع إخفاءه:
محسن! إنت كويس.. إيه اللي حصل... كنت فين لحد دلوقتي.

تطلع إليها لثواني، نظراته كانت جامدة أكثر مما ينبغي،  يحاول أن يسيطر على شيء داخله، ثم قال بنبرة هادئة مصطنعة:
مفيش حاجة… شغل واتأخرت.

اقتربت منه أكثر، عينيها تتحرك على وجهه، وكأنها تفتش عن الحقيقة بين ملامحه، قبل أن تتوقف عند حركة بسيطة بيده… شهقة خافتة خرجت منها:
إيدك دي… فيها إيه؟!.. كمان فى جرح فى راسك.

حاول يسحب يده بسرعة، لكنه تأخر، كانت قد لمحت الرباط الطبي بوضوح... 
عقدت حاجبيها، والغضب وتتسلل بدل القلق فى قلبها قائلة بسؤال:
ـ شغل ايه... دراعك متجبس  ولازقة فوق جبينك، إيه اللى حصل لك.

تنهد بضيق، وأشاح بوجهه بعيدًا قائلًا بغضب: 
قولتلك مفيش حاجة تستاهل…

لكنها لم تتحرك، ظلت واقفة أمامه، وكأنها حاجز يمنعه من الهروب، وقالت بإصرار:
إيه اللى ميستاهلش يا محسن مش شايف حالك.

صمت ينظر لها…  صمت مؤرق كان كافي يجاوبها... 
ارتجفت شفتيها، وانخفض صوتها فجأة، لكن الألم كان أوضح وهو تقول برجاء:
إيه اللي حصلك، ليه متصلتش عليا.

توقفت للحظة وخرج السؤال بلا تحفُظ منها: 
ليه دايمًا بتبعدني.. أنا إيه بالنسبة لك يا محسن؟.

رفع عينيه لها أخيرًا… نظرة متعبة، بها شيء من القسوة وشيء أخر من الضعف، كأنه لم بنتبه للشِق الآخر للسؤال قائلًا بصوت أخفض:
علشان ماقلقكيش.

ضحكت بسخرية خفيفة، ودموعها بدأت تلمع قائلةبنبرة  موجعة :
ما تقلقنيش؟! ده إنت كده بتوجعني أكتر…

تقدمت خطوة أقرب، وخفضت صوتها كأنها تعترف بحقيقة لأول مرة:
أنا مش خايفة عليك علشان واجب… أنا…

توقفت، الكلمات خانتها للحظة، لكن عينيها اكملت الباقي.

فهم ذلك … وذلك كان أسوأ من أي كلام.

شد على يده المصابة دون وعي، وقال بحدة مفاجئة وكأنه يحارب إحساسه:
رابيا… بلاش الكلام ده.

اتجمدت مكانها، كأن كلماته كانت صفعة صريحة... ثواني صمت عدت… قبل أن تسأله بهدوء مكسور:
بلاشه ليه؟ علشان إنت مش حاسس… ولا علشان مش عايز تحس؟.

نظر لها مطولًا… لم يكن حاضر لديه إجابة سهلة.

نهض قائلًا: 
انا تعبان وعاوز ارتاح.

تخطاها نحو غرفة النوم
شعرت بوخزة حادة في صدرها، كأن كلماته لم تكن مجرد هروب… بل رفض واضح لها... 
استدارت ببطء تراقب ظهره وهو يبتعد، خطواته كانت ثابتة ظاهريًا… لكنها تعرفه، تعرف أنه يهرب.
قالت بصوت منخفض، لكنه حمل كل ما بداخلها من كسر:
طول عمرك بتهرب يا محسن… بس المرة دي أنا مش هسكت.

توقفت خطواته عند باب الغرفة، يده استقرت على المقبض، دون أن يلتفت.
أكملت وهي تقترب منه:
كل مرة تقول تعبان… كل مرة تقول مش وقته… طب إمتى وقته لما أمشي.

قبض على المقبض بقوة، عروقه برزت، وصوته خرج مشدودًا:
رابيا… كفاية أنا تعبان مش عاوز نكد.

هزت رأسها برفض، وعينيها امتلأت بالدموع:
لأ مش كفاية… أنا تعبت من السكوت. تعبت من إني أفضل واقفة برة حياتك كأني غريبة

استدار لها فجأة، نظراته كانت حادة، لكنها مهزوزة من الداخل:
وإنتِ فاكرة إن ده سهل عليا.

صُدمت من حدته، لكنها لم تتراجع:
أومال ليه بتعمل كده؟!

اقترب منها خطوة، ثم توقف، كأنه يضع حدود وهمية بينهم:
علشان لو اتكلمت… هتتوجعي.

ضحكت بمرارة، دموعها انزلقت أخيرًا:
وأنا دلوقتي مش بتوجع؟!

ساد صمت ثقيل… صمت أقسى من كل اللي مضى...
تشابكت نظراتهم، وكل منهم يحمل داخله حرب لوحده... 
ثم فجأة… خفُتت حدته، وانخفض صوته بشكل غريب:
أنا مش فايق لنكد يا رابيا، كفاية أنا متحمل لغاية دلوقتي... إنتِ مفكرني مبسوط بحياتنا دي، جوازنا من البداية غلطة.

كلماته نزلت عليها كأنها حكم نهائي... 
وقفت مكانها، ملامحها بهتت، إرتعشت شفتيها ووهي تسأله بهدوء موجع:
وإيه هو تصحيح الغلط ده يا كنان.

لم يُجب… فقط أشاح بنظره بعيدًا، وفتح باب الغرفة، لكنه لم يدخل فورًا…
كأنه ينتظر أن تتحدث، 
أو ربما ينتظر من  نفسه أن ينفجر، لكن 
اغلق باب الحديث تمامًا… كأن وجودها لم يعد يعنيه، أو كأنه يُجبر نفسه على ذلك... 
بدأ يخلع ملابسه في صمت ثقيل، كل حركة منه كانت باردة، محسوبة، وكأنه يفصل نفسه عن أي شعور… ثم تمدد على الفراش وأدار ظهره لها، مغمضًا عينيه كأنه انتهى من كل شيء... 
وقفت مكانها للحظات… مصدومة من بساطته في إنهاء كل ما كان يشتعل بينها وبينه منذ قليل... 
تقدمت ببطء إلى داخل الغرفة، خطواتها كانت مترددة، وعينيها معلقتين به… تنتظر أي إشارة، أي التفاتة، أي دليل أنه لم يغلق الباب بينهما تمامًا... 
لكن لا شيء.
حتى أنفاسه بدت منتظمة… كأنه نام فعلًا.
ابتلعت غصتها، ثم قالت بصوت خافت، بالكاد يُسمع:
للدرجة دي سهل عليك تبعد.

لم يرد… لم يتحرك حتى... 
ارتجف قلبها، وشعرت بإهانة لم تختبرها من قبل… ليست من كلماته، بل من صمته.
تقدمت خطوة أخرى، حتى وقفت بجوار الفراش، تنظر إليه من أعلى… وجهه كان هادئًا، لكنه متعب، وكأن خلف هذا البرود حرب لا تنتهي.
مدت يدها بتردد… كادت تلمسه، لكنها توقفت في آخر لحظة، وكأنها تخشى أن تُرفض حتى دون أن يتكلم... 
سحبت يدها ببطء، وهمست لنفسها بألم:
ـ أنا اللي غبية… كل مرة أصدق إنك ممكن تقرب... عايشة على وهم.

استدارت لتغادر… لكن خطواتها توقفت فجأة، كأن شيئًا بداخلها رفض الهزيمة... 
أغمضت عينيها للحظة، ثم التفتت نحوه مرة أخرى… نظراتها تغيرت، لم تعد فقط مكسورة… بل صار فيها إصرار... 
تصلبت ملامحها فجأة… وكأن الإصرار الذي اشتعل بداخلها انطفأ دفعة واحدة.
تراجعت خطوة، نظراتها سقطت عنه ببطء… ومعها سقطت كل تلك المحاولات.
همست بصوت خافت، لكنه كان كالسهم السام فى قلبها: 
فعلًا… أنا إيه اللي كنت مستنياه.

عادت بها الذاكرة رغمً عنها…
ليلة لم تكن صدفة، ولا قدر… كانت مُرتبة بإتقان... 
حين أقتنعت أن الحل الوحيد هو الزواج منه…
حتى لو تم الضغط عليه، ووُضع أمام أمر واقع لا مهرب منه…
حين كانت هي جزء من تلك اللعبة… حتى وإن أقنعت نفسها وقتها أنها مضطرة... 
تذكرت نظرته يومها…
لم تكن نظرة رجل فرِح بعروسه…
بل رجل خُدع... 
انقبض قلبها بقوة، وهمست بمرارة:
أنا اللي بدأت غلط.

نظرت إليه مرة أخيرة، وهو ممدد على الفراش، صامت كعادته… لكن هذه المرة فهمت صمته بشكل أوضح من أي وقت مضى.
لم يكن تجاهلًا فقط…
بل جدار بناه منذ تلك الليلة.
تراجعت ببطء، ودموعها تنزل في صمت:
يمكن… عندك حق تبعد.

ثم استدارت، واتجهت نحو الباب، لكن قبل أن تخرج توقفت للحظة… دون أن تلتفت إليه:
بس أنا مش هفضل طول عمري بدفع تمن حاجة… كنت فيها لوحدي.

خرجت…وأُغلقت الباب خلفها بهدوء، لكنه ترك صدى أقسى من أي صوت.

في لحظةٍ لم تكن عابرة كما بدت… كان الماضي ينساق أمامها ويعود بتفاصيله الى ذاكرتها التي لم تمحوه

[بالعودة قبل سنوات

كانت والدتها  تراقب كل شيء بصمت طويل، صمت لا يخلو من التخطيط. لم يعجبها ذلك الرفض البارد من محسن، ولا تلك المسافة التي يضعها بينه وبين ابنتها، كأنها لا تعني له شيئًا... 
حتى رفض رابيا للزواج... كأنها تنتظر وهمًا، سئمت من الإنتظار، كذالك شفقة قلها كـ أُم بدأ عقلها السيء يرسم لها بعض الخِطط، وها هي فرصة لتنفيذ إحد تلك الخّطط
في مساء هادئ، حين انشغل الجميع، وقعت عيناها على هاتفه… موضوعًا بإهمال فوق إحد الطاولات بالمنزل... كأنه لم يتوقع أن تمتد إليه يد... تلفتت يمينًا ويسار، تراقب أن أحدًا لا يراها.. 
ترددت لثانية… ثم حسمت أمرها... 
التقطته بحذر،وقلبها يخفق ليس خوفًا… بل إصرارًا... فتحت الشاشة بعد محاولات سريعة، حتى انصاعت لها، وكأنها تمنحها الضوء الأخضر لما تنوي فعله... 
جلست، وأصابعها بدأت تتحرك ببطء فوق الهاتف… لكنها لم تكن تكتب كلمات عشوائية، بل كانت تصوغ فخًا... 
أرسلت من هاتفه إلى رابيا:
مش قادر أبعد عنك أكتر من كده.

توقفت لحظة، كأنها تتذوق وقع الجملة… ثم تابعت:
أنا بحاول أبان طبيعي قدامهم… بس الحقيقة إني عايزك جنبي.

ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، وهي تضيف الأخيرة، الأكثر حسمًا:
خلينا نخلص من كل ده… ونهرب سوا.

حذفت الرسائل ثم أغلقت الهاتف بهدوء، وأعادته كما كان… كأن شيئًا لم يحدث.
لكن في الحقيقة… كل شيء كان قد بدأ.
في غرفة رابيا، اهتز هاتفها معلنًا وصول الرسائل.
قطبت حاجبيها باستغراب حين رأت اسم محسن… فتحت المحادثة، وعيناها تتسعان مع كل كلمة.
محسن؟!

همست بها غير مصدقة… قلبها خفق بعنف، بين دهشةٍ وفرحةٍ خائفة.
هل يُعقل؟.. هو نفسه الذي يبتعد… يعترف الآن أرسل لها تلك.

ترددت طويلًا… ثم كتبت بارتباك:
إنت بتتكلم بجد؟.

في الخارج… كانت والدتها تراقب من بعيد، وعينيها تلمعان بدهاء.
لم تكن بحاجة لمعرفة الرد…
هي تعرف جيدًا أن أول خيط قد التف حولهما بالفعل... 
لم تكتفِ بما فعلت… لم يكن ذلك سوى الخيط الأول... 
ظلت تراقب بصبرٍ بارد، حتى لمحت الهاتف بين يدي رابيا، وارتباكها الواضح وهي تقرأ وتكتب. عندها فقط… تحركت... 
اقتربت بخطواتٍ محسوبة، ثم قالت بنبرةٍ حادة قطعت صمت الغرفة:
بتكلمي مين.

ارتبكت رابيا، أغلقت الهاتف بسرعة، محاولة إخفاءه:
مفيش…
لكن والدتها لم تنتظر، انقضّت على الهاتف وسحبته من يدها بعنف:
هاتي هنا!
ماما استني
لم تُكمل… صفعة قوية هوت على وجهها، أفقدتها القدرة على المقاومة للحظة... 
وقفت رابيا مذهولة، تضع يدها على خدها، عيناها تمتلئان بالدموع:
أنا معملتش حاجة!
لكن والدتها لم تنظر لها… كانت عيناها مثبتتين على الشاشة، تتنقل بين الرسائل، وملامحها تتحول تدريجيًا إلى غضبٍ مصطنع بإتقان.
صرخت فجأة، وكأنها اكتشفت كارثة:
يا نهار أسود! إيه القرف ده؟!

ارتجف قلب رابيا، واقتربت بخطوة:
ماما اسمعيني…

لكن الأخرى رفعت يدها مهددة، ثم جذبتها من ذراعها بعنف:
اسمعك إيه؟! ده إنتِ بتخططي تهربي مع محسن.

ـ أنا ما قولتش كده! والله ما حصل
هكذا دافعت رابيا 
لكن صوتها كان ضعيفًا أمام الصدمة… وأمام المشهد الذي كانت والدتها تصنعه بإتقان... 
فتحت باب الغرفة بعنف،جذبت رابيا من يدها بعنف،حتى وصلا الى منزل الدباغ... وبدأت تصرخ بأعلى صوتها:
إلحقوني! بنتي ضاعت!.

تجمع من بالمنزل على صراخها،إنتظرت لحظات قبل أن ترفع الهاتف أمامهم، وصوتها يرتجف وكأنها مكسورة:
شوفوا بنفسكم… شوفوا هي كانت ناوية تعمل إيه.

حاولت رابيا التقدم، تبكي بانهيار:
والله مش أنا… أنا ما بعتش حاجة.

لكن قبل أن تقترب، دفعتها والدتها بقسوة، ثم رفعت يدها مرة أخرى، تضربها أمام الجميع، وكأنها تعاقبها على "جريمتها"  قائلة: 
اسكتي! كفاية فضايح!.

انهارت رابيا، دموعها تسيل بلا توقف، صوتها يختنق:
حرام عليكِ…

لكنها  لم تتوقف… بل أكملت تمثيلها بمهارة، صوتها مليء بالقهر:
أنا ربيتك عشان تعملي كده؟! تهربي مع راجل؟!

صدمة جعلت الجميع يفتح فاهه بتعجُت،عاد، صوتها انخفض فجأة، لكنه كان حاسمًا:
مفيش حل غير إنه يتجوزها… دلوقتي… حالًا.

ساد صمت ثقيل…
بينما كانت رابيا تقف في المنتصف… مكسورة، مصدومة، ومُدانة…
في جريمة لم ترتكبها... لم تكن دموعها كلها صادقة…
حين ارتجف جسدها أمام الصفعة، وحين انحنت ملامحها كأنها انكسرت… كان جزءٌ منها فقط هو الذي يتألم... 
أما الجزء الآخر… فكان واعيًا تمامًا لما يحدث.
نظرت لوالدتها لثانيةٍ خاطفة، نظرة لم ينتبه لها أحد… لكنها كانت كافية.
اتفاق صامت… تأكيد أن الخطة تسير كما يجب...
خفضت عينيها سريعًا، وعادت تبكي، بصوتٍ مبحوح:
والله ما... …
لكن داخلها… كانت تردد شيئًا آخر:
سامحني  يا محسن… بس ده الطريق الوحيد.

حين سُحب الهاتف من يدها، لم تقاوم كما كان يمكنها… تركته يُنتزع، وتركت الكلمات تُقرأ، وتُفهم بالشكل الذي خُطط له.
وحين دوى صوت الصفعة، أغمضت عينيها بقوة… لم تتوقعها بتلك القسوة، لكن حتى الألم… كان جزءًا من الثمن... 
تراجعت خطوة، دموعها تنهمر، وصوتها يرتعش بإتقان:
أنا غلطت…
ارتفعت الأصوات من حولها، نظرات الاتهام، الصدمة، الغضب… كلها كانت كما توقعت... 
ثم جاء المشهد الأهم…
صرخت والدتعا ، وفتحت الطريق، بدأت الفضيحة التي كان لابد أن تحدث... 
وقفت رابيا في المنتصف… رأسها منخفض، وكتفاها يرتجفان، كأنها لا تقوى على المواجهة… بينما كانت تسمع كلماتهم كأنها تأتي من بعيد.
لكن قلبها كان ينبض بعنف… ليس خوفًا فقط، بل انتظارًا.
انتظار لحظة واحدة…
دخوله هو.
وحين ذُكر اسمه، وحين طُلب حضوره، شعرت بشيءٍ ينقبض داخلها.
هذه ليست لعبة بالكامل…
هناك جزءٌ منها… كان يريد أن يكون كل هذا حقيقيًا.
أن تكون تلك الرسائل فعلًا منه…
أن يكون الهروب فكرة مشتركة…
أن لا يكون كل شيء مبني على خدعة.
لكنها دفنت هذا الإحساس سريعًا…
ورفعت عينيها ببطء، والدموع تملأها، مستعدة لدورها حتى النهاية... 
حتى لو…
خسرت نفسها في الطريق.
لكن ما لم تضعه في الحسبان…
أنه لن ينكسر.
وقف محسن في منتصف المكان، الهاتف بيده، وعيناه تمران على الرسائل ببطء… دون أن يتغير وجهه... 
لا صدمة… لا ارتباك… فقط هدوء غريب أربك الجميع... 
رفعت والدتها صوتها بانفعالٍ متقن:
شفت؟! بنفسك! بنتي كنت هتضيعها.

لم يرد.
نظرت له رابيا من تحت دموعها، تنتظر… أي رد، أي اندفاع، أي لحظة قد يضعف
لكنه رفع عينيه أخيرًا… ونظر لها مباشرة.
نظرة لم تكن غاضبة فقط…
كانت كاشفة... 
ضيقت عينيها لا إراديًا… قلبها انقبض... 
هو… لم يصدق.
قال بهدوءٍ بارد:
خلصتي يا مرات خالي.

ارتبكت  للحظة يرتجف صوتها بتوتر وهي تسأل بريبه:
يعني إيه.

رفع الهاتف قليلًا، ثم قال بنفس النبرة:
المسرحية دي… خلصت.

ساد صمت مُترقب…
اتسعت عينا رابيا، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.. 
تقدم خطوة، وعيناه لا تزالان مثبتتين عليها:
الرسائل دي مش أسلوبي… ولا طريقتي…

ثم أضاف، بنبرة حاسمة:
وكمان… أنا مابكتبش حاجة تخدع.

بلعت ريقها، دموعها توقفت فجأة… لم تعد تعرف ماذا تفعل... 
تدخلت والدتها بسرعة، محاولة السيطرة:
إنت بتكدبنا.

نظر لها ببرود قائلًا بثقة:
لأ… أنا بفهم.
ثم أشار للهاتف:
وده… معمول بإيد حد ذكي… بس مش كفاية.

اقترب من رابيا أكثر، حتى توقف أمامها مباشرة، وخفض صوته بحيث لا يسمعه غيرها:
كنتِ تقدري تعملي أحسن من كده.

ارتجف جسدها… هذه المرة ليس تمثيلًا.
ثم ابتعد خطوة، ورفع صوته للجميع:
ـوأنا مش هتجوز حد بالإجبار… ولا بالفضايح… ولا بالخدع.

تجمدت الملامح حوله... 
وأضاف بوضوح قاطع:
الجوازة دي مش هتحصل.
كانت كلماته كفيلة بإسكات الجميع…
أما رابيا… فظلت واقفة مكانها، تنظر له،
ولأول مرة… 
تشعر أن اللعبة خرجت من إيديهما، ولم يكُن تمثيلًا سقطت مغشيًا عليها... 
سريعًا ساد القلق... حملها والدها وخرج يشعر بغضب هو لا يُصدق ولا يُكذب.

بينما بعد قليل بمنزل الدباغ 
الأجواء هدأت للحظة… لكن داخل البيت كان في شيء أكبر يتكون بعيدًا عن صوتهما.

في المساء نفسه، دُعي محسن إلى غرفة والده. لم يكن الطلب عاديًا، والنبرة في الرسالة كانت كافية لتجعله يدرك أن الموضوع انتهى من دائرة اختيار إلى دائرة قرار مفروض... 
دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه.
كان والده جالسًا في مكانه المعتاد، نظرة ثابتة لا تحمل مساحة للنقاش
صمت بارد سبق أي كلام… ثم قال بصوت منخفض لكنه حاسم:
اقعد.
جلس محسن دون استعجال، ملامحه متماسكة.
رفع والده عينيه إليه مباشرة:
موضوع رابيا خلاص انتهى.

لم يرد ظنًا أن الخدعة إنكشفت، لكن جحظت عيناه حين تفوه محي  بنبرة لا تقبل اعتراضًا:
انت هتتجوز رابيا فى أقرب وقت.

تحرك فك محسن قليلًا، لكنه ظل صامتًا.
تابع محي، وكأنه يضع النقاط على حروف أُغلقت مسبقًا:
سمعت كل حاجة… واللي حصل في البيت النهارده كفاية يكسّر أي سمعة.
وإنت اسمك مش لعبة... ولا رابيا كمان.

ارتفع حاجب محسن قليلًا يعترض قائلًا: 
ده مستحيل، يا بابا، يعنى دي خدعه من مرات خالي اكيد، يعني ماما عرضتها عليا وقولت لاؤ، لو عاوزها بجد كان ايه هيمنعني يا بابا.

اقترب محيفي جلسته، وصوته أصبح أكثر حدة:
وعشان كده إنت هتصلّح اللي حصل.
هتتجوزها… ويتنهي الموضوع ده... مرات خالك مش هتسكت، ولا هيهمها انها سمعة بنتها.

ساد صمت طويل…
ثم قال محسن بهدوءٍ محسوب:
ولو رفضت.

نظر له محي نظرة واحدة فقط، كانت كافية:
ساعتها هتخسر كل حاجة بنيتها.

تغيرت ملامح محسن لأول مرة، ليس انكسارًا… بل إدراكًا ثقيلًا.
لم تكن جملة تهديد عابرة… كانت شبكة كاملة تُغلق حوله..مفيش قدامه غير اختيار واحد..

في منزل والد رابيا  … كانت  لا تزال في غرفتها، لا تعلم ما يحدث في الخارج
تجلس بصمت، عيناها فارغتان، تحاول فهم إن كانت الخطة نجحت… أم انقلبت عليها.
لكن في اللحظة التي لم تسمع فيها شيئًا…
كان القرار يُصنع فوقها مباشرة... 
قرار لا علاقة له بالحب... 
ولا بالكذب... 
بل بالإجبار..

توقفت تلك الذكري حين شعرت بوخزة فى بطنها بعدها بعض التقلُصات... وضعت يدها فوق بطنها، واليد الأخرى كانت تُجفف دموعها، فرحتها بمعرفة نوع جنينها ذهبت هباءً. 
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام 
بمنزل الدباغ
قبل الظهيرة بقليل. 
تبسمت إجلال وهي تستقبل فاروق الذي إنحني على يدها ثم تفوه بمرح: 
البيت ماله ساكت كده ليه هو مش المفروض النهاردة كتب كتاب كنان.

تبسمت له قائلة: 
حمد الله على السلامة.. ابوك قالي إن ربنا وفقك فى الصفقة.

اومأ لها مُبتسمً يقول بدفئ: 
بفضل دعواتك يا ماما، أمال فين كنان، والهدوء الغريب ده كنان هوائي بيحب الهيصة، كنت متوقع دوشه فى البيت.

ضحكت قائلة: 
كنان راح هو وغزال يخلصوا الإجراءات الطبية كتب الكتاب بالليل، والعيال مش هنا، فالبيت هادي،كله إتأجل للمسا.

تبسم لكن لمحت إجلال عيني فاروق كأنه يبحث عن شيء، فهمت ذلك فتوهت بدفئ: 
عهد فوق فى الشقة، نزلت ياسين الصبح لباص الحضانة، وقالت حاسة أنها بردانه، طلعت ومن شوية اتصلت عليها ردت وقالت بقت كويسه.

ابتسم فاروق، يشعر بشوق، تبسمت إجلال قائلة بنبرة حنونه: 
أكيد مكنتش بتنام كويس الأيام اللى فاتت... لسه وقت على كتب الكتاب إطلع نام لك كم ساعة عشان تبقي فايق فى كتب الكتاب، كنان قال إن إنت ومحسن هتبقوا الشهود.

أومأ لها مُبتسمً، إنحني قبل يدها مرة أخرى ثم توجه نحو المصعد، أخذ الدرجات يتعجل رؤيتها بعد أيام، كان الاتصال بينهم شبة منقطع هي مرة واحده وسأل عن شؤون ياسين فقط... 
توقف أمام باب الشقة يُهدئ أنفاسه، قبل أن يدلف... بعد لحظات كانت الشقة ساكنه، توقع أن عهد بغرفتها ربما مازالت غافية ، ذهب للغرفة كان الباب مواربًا دفعه قليلًا ثم دخل.. إستغرب نوم عهد بتلك الطريقة المُنكمشة... الظاهرة رغم وجود دثار فوقها، إقترب منها،نظر لوجهها كاد أن يخرج، لكن سمع هزيان عهد بإسمه، ظن أنها إستيقظت بعد أن شعرت بوجوده، عاد نحوها، هذه المرة تأمل وجهها كان هنالك بعض الاحمرار الواضح فوق أنفها كذالك شفتيها، كذالك تهزي.. إنحني، وضع يده فوق جبينها تفاجئ بتلك السخونة.. شهق قائلًا: 
عهد إنتِ سخنة.

هزيان غير مفهوم كان ردها... 
تركها وذهب نحو. دولاب الغرفة فتح إحد الخزانات، كان بها مجموعة أدوية.. قرأ بعض إستخداماتها، حتى وجد خافض حرارة، جذبه ثم ذهب الى المطبخ عاد بمعلقة نظيفة.. توجه نحوها فتح زجاجة الدواء سكب القليل فوق المعلقة، وضع الزجاجه فوق طاولة جوار الفراش، رفع جسد عهد قائلًا: 
عهد إفتحي شفايفك.

فتحت عهد عينيها بغشاوة قائلة: 
فاروق إنت رجعت إمتى... ولا أنا بحلم.

ابتسم قائلًا: 
لاء رجعت، إفتحي شفايفك.

بغشاوة نظرت للمعلقة قائلة: 
ده إيه اللى فى ايدك.

وجه المعلقة نحو شفتبها قائلًا: 
إفتحي شفايفك وهتعرفي،كفاية أسئلة.

فتحت فمها... وضع الدواء بفمها... سرعان ما تغضنت ملامحها قائلة بنبرة تبدوا طفولية: 
ده إيه.. ده مُر أوي.

ابتسم قائلًا: 
معليشي.

كادت عهد أن تعتدل على الفراش لكن فاروق  أزاح الدثار وحملها، لم تُمانع تشعر بتوعك.. 
توجه بها نحو غرفته، ثم دلف الى حمام الغرفة.. 
وضع عهد على طرف حوض الحمام... أسندها على الحائط... قام بنزع ثيابه عنه ثم نزع عنها بعض ثيابها.. ثم جذبها نحو كابينة الاستحمام، فتح صنبور المياة فوقهما الإثنين، إرتعشت عهد وشهقت، حين وصلت المياة فوقها.. ضمها فاروق  بين يديه، فتحت عينيها، بدأت تنتبه قليلًا.. رغم أن المياة فاترة، لكن كانت تشعر بها باردة، لم تتحملها كثيرًا وهيترتجف بين ذراعيه، تشبثت به بأصابع واهنة، رأسها يميل على صدره وكأنها تبحث عن دفء افتقدته منذ زمن… أو ربما عن أمان لم تعترف يومًا بحاجتها له... 
تمتمت بصوت خافت متقطع:
فاروق… بردانه…

شدها إليه أكثر، يحيطها بذراعيه كدرعٍ يحجب عنها ذلك الارتجاف، ومال برأسه قليلًا حتى لامست شفتيه جبينها، يتحسس حرارتها بقلق واضح.

قال بنبرة منخفضة لكنها حازمة:
استحملي شوية… الحرارة لازم تنزل.

أغمضت عينيها، وكأن صوته وحده كان كافيًا ليجعلها تستسلم… لا للماء، بل له... 
مرت لحظات ثقيلة، قبل أن يمد يده ويغلق صنبور المياه، ثم التقط منشفة كبيرة ولفها حولها سريعًا، يضمها إليه من جديد.
حملها دون تردد، وكأنها لا تزن شيئًا، وعاد بها إلى غرفنة… وضعها على الفراش برفق، ثم بدأ يجفف خصلات شعرها بحذر، حركة يده بطيئة… مختلفة… كأنها لا تشبهه... 
فتحت عهد عينيها بصعوبة، تراقبه بصمت للحظات، قبل أن تهمس:
إنت… ليه بتعمل كده.

توقف للحظة، دون أن ينظر إليها، ثم أكمل تجفيف شعرها وكأنه لم يسمع… لكن صوته خرج بعدها منخفضًا:
علشان مفيش غيري هنا يعمل كده.

ابتسمت ابتسامة واهنة، بالكاد ظهرت، قبل أن تغمض عينيها من جديد… هذه المرة بهدوءٍ مختلف.
أما هو… فظل جالسًا بجوارها، ينظر إليها طويلًا… وكأن مرضها لم يكشف ضعفها فقط، بل كشف شيئًا داخله لا  يحاول إنكاره...قلبه ضعيف أمامها.. 
كاد ينهض من جوارها، لكن تشبثت بيده قائلة: 
فاروق أنا بردانة قوي.

تخلى عن جموده… تمدد جوارها بتردد خافت، كأنه يحاول إقناع نفسه أن ما يفعله مجرد ضرورة… لا أكثر... 
اقتربت منه أكثر دون وعي، دفنت وجهها قرب صدره، وأنفاسها المرتجفة تلامس عنقه، بينما يدها ما زالت متشبثة بيده وكأنها تخشى أن يبتعد... 
تنهد بصمت، ثم رفع يده الحرة ووضعها حول كتفيها، يجذبها إليه بحذر… حذر لم يخفِ ذلك القلق المتسلل إلى ملامحه... 
همس بصوت منخفض:
خلاص… أنا جنبك.

ارتخت قليلًا بين ذراعيه، لكن جسدها ظل يرتعش، فشد الغطاء فوقهما، يضمها أكثر، وكأنه يحاول أن ينقل لها دفء جسده.... 
مرت لحظات… بدأت أنفاسها تنتظم تدريجيًا، وهدأ ارتجافها شيئًا فشيئًا، بينما هو بقي يقظًا، عيناه معلقتان بسقف الغرفة، لكن كل انتباهه كان منصبًا عليها.. بعد قليل
تحركت عهد قليلًا، وكأنها تستقر أكثر، ثم تمتمت بنبرة شبه نائمة:
ما تسيبنيش يا فاروق.

أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها أصابت شيئًا عميقًا بداخله، قبل أن يرد بهدوءٍ خافت:
مش هسيبك.

لم تكن مجرد جملة عابرة… لكنها خرجت منه بصدق ظل يحتضنها، ودفء جسده بدأ يتسلل إليها تدريجيًا… اختفى ارتجافها شيئًا فشيئًا، لكن قربها منه ازداد، كأنها لا تكتفي.
رفعت وجهها ببطء، عيناها نصف مغمضتين، تختلط فيهما الغشاوة بشيء آخر… شيء لم يستطع تجاهله هذه المرة.
تلاقت نظراتهما للحظة صامتة… طويلة… كأنها تقول ما عجزت الكلمات عنه.
همست باسمه بصوت واهن:
فاروق…

لم يرد… فقط اقترب أكثر، يده ارتفعت تلقائيًا تزيح خصلات شعرها المبتلة عن وجهها، وكأن رؤيتها بوضوح أصبحت ضرورة... 
تسارعت أنفاسها، بينما ظلت عيناها معلقتين به، تنتظر… أو ربما تسمح... 
لم يكن قرارًا واعيًا بقدر ما كان استسلامًا… انجذابًا خرج أخيرًا من صمته... 
مال نحوها ببطء… حتى تلاشت المسافة بينهما.
تعلقت به أكثر، وكأنها وجدت ما كانت تبحث عنه… أو ربما ما كانت تهرب منه... 
وفي تلك اللحظة… اختفى كل شيء حولهما… لم يبقى سوى ذلك القرب، وذلك الشعور الذي لم يعد أيًا منهما قادرًا على إنكاره.

«يتبع» 

 •تابع الفصل التالي "رواية عهد الدباغ" اضغط على اسم الرواية 

تعليقات