رواية فارس بلا مأوى الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ تنظر من النافذة بشرود وأذنها تستمع لتلك الألحان الصادرة من هاتفها و كلمات تتغني بها الفنانة نجاة الصغيرة (آه لو تعرف)، تشعر بكل حرف يعبر عما ما تحمله في فؤادها الذي يعشق رجل لا يحب سوي ذاته، أخبرته بشروطها للموافقة علي الزواج منه و هو لا يكترث، و في ظل عاصفة ذكرياتها التي تجمعهما معاً سمعت طرق علي باب غرفتها وأعقبه صوت شقيقها بكر:
_ فاطمة، لو صاحية رايد أتحدت وياكي دجيجتين.
أغلقت الأغنية و أجابت:
_ فوت يا بكر، أني صاحية.
و أعتدلت في جلستها ونظرت نحو الباب يفتحه و دلف إليها:
_ مالك جافلة علي حالك ولا خرچتي تتفطري ويانا ولا تتغدي كمان.
أمسكت بوسادة صغيرة وأحتضنتها:
_ مليش نفس.
أطلق تنهيدة ليجيش عما بداخله، رأت في عينيه ما يحمله من الهموم والشجن بادي علي ملامحه وكذلك علامات الإرهاق أيضاً.
_ و مين سمعك يا خايتي، الواحد فينا مبجاش مرتاح و الظاهر ما هيشوف راحة واصل.
رمقته بإهتمام وسألته:
_ واه، مالك أنت كمان، لتكون أتخانجت ويا قمر إياك!.
تريث في الرد قليلاً و قبل أن يجيب قاطعته مُردفة:
_ مخبي أي يا بكر، لتكون سبب خناجكم إنها حدا مرات خالها؟.
هز رأسه بالنفي وقال:
_ هي هناك حداهم مش زيارة، هي غضبانة و زعلانة جوي مني.
أعتلت الدهشة ملامحها فسألته مرة أخري لتدرك ما تجهله:
_ وأنت زعلتها ليه يا ولد أبوي؟، ده قمر طيبة و زينة جوي وما يطلعش منها العيبة واصل.
ماذا و كيف سيخبرها، عن شقيقهما الأكبر الذي يحب زوجته!، أم يجيب عن سؤالها أن سبب مكوث قمر لدي زوجة خالها هو شكه بها والذي جعله يلقي عليها بإتهام آثم! .
_ خلافات عادية ملهاش عزا، أتخانجت وياها و زعجت چامد فيها.
رمقته بنظرة شك غير مقتنعة بتلك الإجابة التي توقن أن هناك أكبر من ذلك، ولأنها تدرك خصال شقيقها جيداً أستنتجت مبتغاه من ذلك الحديث معاها، أطلقت زفرة عميقة ثم قالت:
_ برغم أن حاسة الي حوصل حاچة كبيرة و أنت ماريدش تجولي الحقيقة، لكن هساعدك، أنت رايد مني أروح لها لأچل أصالحكم علي بعض، صوح؟.
طيف بسمة باهتة بدت علي ثغره علي سرعة بديهة شقيقته التي تدرك مايريده من نظرات عينيه قبل أن يتفوه به.
_ ياريت لو ما عندكيش مانع!.
أومأت له وهي تربت علي يده:
_ أنت تؤمر يا حبيب أختك.
_ ربنا ما يحرمني منك واصل يا فاطمة، ويريح جلبك.
_ أيوه بالله عليك أدعيلي أني محتاچة الدعوة دي جوي.
_ بدعيلك علي طول أطمني.
نهضت وقالت:
_ هاجوم أروحلها دلوق، بس جبلها هاكل لقمة.
نظرة تعجب تنضح من عينيه:
_ مش أنتي لسه جايلة أن ملكيش نفس! .
_ يرضيك أروح وأجعد أتحدت وياها و أحايل فيها لحد ما روحي تطلع كل دي وأني علي لحم بطني! .
ضحك رغم حزن قلبه الدفين، يتمني من داخله بأن قمره تسامحه، يعلم ما ألقاه علي سمعها من حديث قاسي و إتهام ظالم يجعلونها لا تغفر له، لكنه يدعو ربه بالهداية بينهما وأن يبعد هذا الشيطان اللعين الذي يريد أن يفرق بينهما وأن يلهمه الصبر و ينسي ما رآه في عيني شقيقه من نظرة حُفرت في أعماق ذاكرته الدائمة! .
* •••••••••••••••••• *
_ تصاعد رنين جرس الدار، خرجت فاطمة من المطبخ تلوك بفمها قطعة شطيرة، فوجدت والدتها سبقتها لفتح الباب:
_ حاضر يالي عترن الچرس.
مجرد أن فتحت ظهرت لها سيدة ثلاثينية ترتدي حجاب و عباءة سوداء فضفاضة إلي حد ما، يكسو منتصف وجهها نظارة شمسية سوداء، قالت بنبرة رقيقة:
_ السلام عليكم يا حجة أم زكريا، مش حضرتك أم زكريا ولا أنا غلطانة؟.
رمقتها جليلة بنظرة متفحصة من أعلي لأسفل، تشعر بإنقباضة في قلبها، حدسها يخبرها أن هناك بلاء أسود وراء تلك السيدة المريبة، أجابت والقلق ينهشها:
_ أيوه أني أم زكريا، حضرتك تبجي مين؟.
خلعت نظارتها و ظهرت عينيها ذات الكحل الأسود، أفترقت شفاها المطلية بالحُمرة القاتمة بما سيهبط علي رأسهم كالصاعقة:
_ أنا أبقي سمر و...
صمتت لثوان ثم أردفت بتردد:
_ زكريا يبقي جوزي!.
*••••••••••••••••••••••*
_ تهبط أشعة الشمس الحارقة علي رأس هؤلاء العمال المنتشرون في تلك البقعة الرملية، يقومون بحمل الرمال المستخرجة من أعمال الحفر، و رئيسهم واقفاً مع رجل يبدو من مظهره مهندس مدني يشير له في لوحة ورقية كبيرة و يشرح له المخطط الهندسي و كيف سيجعل العمال بحفر وعمل الأساسات.
بينما في بقعة علي بُعد مترين يقود السائق آلة المجرفة ( اللودر)، لرفع كم من الرمال والوصول إلي الأرض الصخرية، وعند الوصول لعمق المتر و رفع المجرفة وقعت لفافة شرشف مهترأة ومُتسخة ينبعث منها رائحة كريهة بشدة.
أشار أحدي العمال إلي السائق:
_ وجف لما نشوف أي البتاعة دي.
هبط السائق ليري معه ما تلك اللفافة المُريبة، وعندما أقتربا منها، صاح إحدهما:
_ أباه، أي الريحة النتنة دي ولا كأنه ميت .
وضع كلا منهما كفه علي فمه وأنفه، قال الآخر:
_ ما تيچي نشوف أي الي چوة الملاية و ريحته عِفشة جوي إكده.
أجاب الأول:
_ هيكون أي الي چوه يعني.
أنحني الآخر إلي اللفافة وأقترب بحذر، فكلما أقترب كلما زادت الرائحة النفاذة فداهمه السعال من قوتها، وما أن جذب طرف اللفافة ظهرت لهما جثة متحللة، شهق كليهما:
_ يا مصيبة سودة و مهببة، ده طلع جتيل! .
*•••••••••••••••••••*
_ تجلس أمام التلفاز في إنتظاره بعدما أنتهت من جميع الأعمال المنزلية اليومية و طهو كل المأكولات والحلويات التي يحبها، قامت برص الأطباق علي المائدة بشكل فني و جذاب، كما وضعت شموع و اشعلتها.
تعلم منذ الصباح عندما أسترقت السمع لمكالمة هاتفية له مع إحد أصدقائه أنه سوف يعود من عمله باكراً، لذا بعدما ذهب إلي عمله هاتف والدتها لتأتي وتأخذ صغيرتها وأنجزت كل ما ذُكر سابقاً و ها هي الآن تجلس مُرتدية ثوب حريري ذو لون زمُردي، يكشف عن زراعيها وظهرها بالكامل و فتحة صدر تكشف عن منتصف نهديها، تُزين وجهها بعض مساحيق التجميل بلمسة خفيفة تبرز جمالها الطبيعي.
عينيها صوب شاشة التلفاز لكن عقلها في وادي آخر، عاصفة من الأفكار جعلتها حائرة، كان هناك سؤال يفتك برأسها لماذا تشعر بالضغينة والحقد تجاه صديقتها عند رؤيتها لها مع علي! ، هل لأن الأخري لم تكشف لها أوراقها أم لسبب آخر تخشي الإفصاح به و لو لذاتها! ، و لو كان السؤال الثاني صحيحاً لما هي تحترق تواً من أجل أن يعفو عنها زوجها ويغفر لها خيانتها! .
صدح صوت تنبيه الإشعارات من تطبيق التواصل الإجتماعي، سرعان ما أمسكت بهاتفها وقامت بالضغط علي الإشعار، فوجدته منشوراً آخر من صديقتها صورة تجمعها بعلي و في الخلفية مرسي علي النيل وأشجار، بأعلي الصورة كُتبت تلك العبارة:
( هاكون عايزة أي أكتر من كده الماء والخضرة و وجه جوزي حبيبي أحلي راجل في الدنيا).
أصتكت أسنانها من الغيظ جعلها أغلقت الشاشة و ألقت هاتفها بعنف علي الأريكة بجوارها، سمعت صوت مفتاحه يتحرك في باب الشقة نهضت علي الفور و دلفت إلي غرفة النوم تلقي نظرة علي هيئتها في المرآه، تعتدل من إسدال خصلاتها الطويلة التي تصل إلي نهاية ظهرها و أطبقت شفتيها لتتأكد من توزيع الحُمرة جيداً.
ألتفتت لتخرج فوجدته يدلف من باب الغرفة، توقف للحظة يرمقها في صمت، عينيه صوب عينيها، رأت إهتزاز تفاحة آدم في عنقه أثر إزدراد لعابه، و قبل أن يستسلم لهوي فؤاده تذكر موقفه و ما يُعده لها ليعود ثانية إلي جموده.
جلس علي طرف السرير ليخلع حذائه، سرعان ما وجدها تجثو أمامه علي الأرض لتخلع له حذائه قائلة بنبرة ناعمة تعلم مدي تأثيرها علي سمعه:
_ ممكن تسيبني أعملك كل حاجتك بنفسي؟.
مازال في صمته المُطبق و تركها تخلعه عنه، عاد بظهره إلي الوراء قليلاً يستند بيديه علي الفراش ، بينما هي أمسكت بالحذاء والجوارب و وضعتها جانباً، ما أن مدت يدها لتفك له أزرار قميصه أمسك بمعصمها و نظرة أنطلقت من رماديتيه جعلتها أنتفضت من الفزع، أبتلعت ريقها وسألته: _ أأ أنا عملت حاجة ضايقتك؟.
بدأت قبضته بالأرتخاء عن رسغها ليتنازل عن صمته و أجاب:
_ متحاوليش يا ندي، فياريت توفري علي نفسك كل الي بتعمليه ده لأن موقفي ناحيتك عمره ما هيتغير، رصيدك خلص من عندي و أحمدي ربنا أني رجعتك علي ذمتي.
تستمع لكلماته المُهينة و عينيها كأنها مُتجمدة بل مُتحجرة لم يرف لها هدب واحد، و في غضون ثانية أرتمت علي صدره تبكي كالطفلة الصغيرة، بُكاءً لم يسمعه منها من قبل، صوت بُكائها كان بمثابة سيف أخترق قلبه لم يتحمل رؤيتها في تلك الحالة، عانقها و شد زراعيه عليها، ربت علي ظهرها ليهدأ من روعها قائلاً:
_ خلاص بقي كفاية عياط.
لم تكف بل زاد نحيبها التي أهتزت له أركان قلبه المُتيم بها برغم جرحه الغائر منها، ظل يربت حتي تهدأ لكن لافائدة، أقدم علي فعل كان يحترق الأيام المنصرمة شوقاً للقيام به و ها هي الفرصة الآن بين يديه، أغمض عينيه في محاولة التراجع علي ما يدور في خُلده لكن صوت نشيج بكائها جعله يضعف، دفن وجهه في عنقها وهي تبكي علي كتفه، بدأ بكائها يخبو رويداً عند شعورها بشفاه علي بشرتها، يلثم كل إنش بعنقها و عينيه موصدة.
بدأت قبلاته تزداد و ترتفع إلي ذقنها ثم إلي وجنتها حتي وصل بشفاه إلي خاصتها ليلتقطها في قُبلة قوية كالذي يتضور من الجوع و وجد أمامه طبق مليئ بالطعام فأكله بنهم بدون توقف، رائحتها المشتاق إليها تخترق أنفه لتسيطر عليه.
أبتعدت فجاءةً عندما شعرت بالأختناق و أخذ كليهما يلهث، قام بمحاوطة وجهها بين كفيه ليمسح عبراتها بإبهاميه، سألها بصوت تُهيمن عليه الرغبة:
_ بتحبيني؟.
أومأت له وأجابت ببحة أثر البكاء يكاد يسمعها بصعوبة:
_ بحبك.
رد بإنكار:
_ عليي صوتك مش سامع.
دنت علي أذنه لتتفوه بعمق و تخترق سمعه:
_ أنا بحبك، و عايزاك تسامحني و شرط ترجعني ليك أنك تتجوز عليا بالله عليك بلاش، أنا ممكن أموت لو واحدة جت خدتك مني أو تبص لك أو تقرب منك أو تلمسك حتي، ده أبشع عذاب ماقدرش أتحمله و....
أكتفي من ما تفوهت به وضاق به زرعاً، جذبها بين يديه ليقبلها مُجدداً، تطورت القُبلات إلي لحظات أخري حميمية لكن تخلو من الرومانسية بل كانت تسير في درب العنف.
تتلوي بين يديه تتوسله ليبتعد عنها أو يكف عن قسوته التي يلقنها إياها.
نهض من فوقها وأبتعد ليعود إلي حالة الجمود و يتلبسه هذا الشخص العاشق الجريح:
_ مالك متضايقة وبتعيطي ليه! ، للدرجدي مش طايقاني وأنا معاكي! ، ولا هاتسيبيني و تروحي لعلي الحسيني عشان حنين و يعرف يدلعك!، لكن أنا القاسي أبو قلب حجر.
بدأ نحيبها في الإرتفاع تلملم الغطاء لتدثر جسدها العاري من عينيه التي ترمقها بإزدراء، ليردف حديثه الأقسي من الصخر، يهدر بصوت أرعبها :
_ عايزاني أسامحك إزاي وأنا كل ثانية بفتكر كدبك وخيانتك! ، أنسي أن كنت في عز زعلي علي موت أبويا الي أتقتل غدر وغصب عني من حزني عليه بعدت عن الدنيا كلها فترة، و بدل ما تقفي جمبي وتواسيني روحتي تخونيني مع واحد كلب جاي بيتحداني وعايز أطلقك عشان يتجوزك هو، صح ولا لاء؟.
أرتفع بكائها، فصاح بها بصوت مدوي قوي و مُخيف كالرعد:
_ ردي عليا و بطلي عياط.
هزت رأسها بالإيجاب ثم قالت:
_ صح، بس أنا بحبك أنت مش هو، غلطت وبعترف بغلطي و توبت وطلبه منك السماح، أضربني أقتلني أعمل فيا الي عايزه بس بلاش تتجوز عليا.
أنقض عليها كالذي فقد صوابه وقبض علي خصلاتها:
_ و لما الموت عندك أهون من الإحساس بالغيرة وأن أتجوز غيرك ليه خليتي واحد تاني يحبك غيري! ، ليه خلتيه يلمسك! ، ليه روحتي له بيته وأنتي واحدة متجوزة والمفروض بتحبي جوزك زي ما بتقولي!.
ألتقط أنفاسه وأردف:
_ عارفه ليه؟، لأنك واحدة ضعيفة بتمشي ورا هواها، عايزة كل حاجة حواليكي، راجل مريض بُحبك زي علي، و التاني الي يوفرلك كل الي أي واحده بتتمناه، زوج ميسور و نقيب و طيب وبيحبك وحطي تحت بيحبك مليون خط، لأن عايزك تحطي في دماغك الي هقوله لك دلوقت، علي قد ما حبيتك يا ندي من كل قلبي، علي أد ما كرهت نفسي أني حبيتك، لو ينفع البني آدم يعيش من غير قلب كنت شيلت قلبي و دوست عليه بجذمتي.
ترك خصلاتها و وقف فأفترقت شفاه بكلمات نابعة من قلب رجل مقهور ومُتألم:
_ للأسف بحبك و نفسي حبي ليكي يتحول لكره يمكن قلبي يرتاح، بس وقسماً بربي زي ما خلتيني أحس بالوجع والقهر كل ثانية لأخليكي تعيشي عشر أضعاف الي عشته، سواء أتجوز عليكي و لا أعاملك بالمعاملة الي تليق بيكي الي هو مجرد جارية تلبي لي طلباتي.
أمسك بالصندوق المحتوي علي زجاجة العطر وألقاه نحوها فأصتدم في وجهها:
_ مش عايز هدايا، هديتك الي لسه عاملينو مع بعض من شوية.
*••••••••••••••••••••••••*
_ تشق المركب مياه النيل ونسمات الهواء العليل تداعب بشرتها التي يختلجها اللون الوردي الآن بدلاً من الأصفر الشاحب كأرض جافة تشققت من قلة الماء و عندما أرتوت عادت إلي روعتها وجمالها فينتشر الزرع بها ويترعرع، فهكذا فعلت بها عودة علي لها، أقسمت حينها أنها ستحارب بكل ضراوة حتي تسترده ويصير قلبه ملكها فقط.
نظرت إليه فوجدته ينظر إلي الماء شارداً، أقتربت منه وأمسكت بذقنه ذات اللحية المشذبة:
_ ياتري حبيبي سرحان في أي؟.
شبه إبتسامة هيمنت علي شفاه، فأجاب بحزن دفين ادركته لتوها:
_ مفيش، عادي منظر الميه حلو وشدني ليه.
باغتته بسؤال لم يكن مستعد لأجابته:
_ لسه بتفكر فيها؟.
أطلق تنهيدة ود لو كانت الأفكار كالهواء في رأسه تخرج بالزفير، تصنع عدم الفهم ما ترمي إليه :
_ مين الي هاكون بفكر فيها يعني؟.
رفعت إحدي حاجبيها وبتهكم أجابت:
_ علي، بطل إستهبال أنت عارف أنا قصدي علي مين كويس، من وقت ما جيت عديت عليا و روحنا الفندق عشان نأكد علي حجز القاعة و لحد ما جينا هنا وركبنا المركب وأنت سرحان وساكت وكل ما أتكلم معاك تهزيلي راسك كأني بكلم نفسي.
عقد مابين حاجبيه بضيق من صوتها المرتفع وأسلوب حديثها معه لايروق له:
_ أنا هنبهك لأول وأخر مرة، لو أتكلمتي معايا تاني بأسلوبك ده هقولك كل واحد يروح لحاله، سمعتي كويس ولا أعيد تاني.
وقع كلماته بمثابة صدمة، إنه يلعب علي نقطة ضعفها و ما هي إلا حبها نحوه.
ردت بتوتر جلي في نبرة صوتها:
_ سوري، بالتأكيد مش أقصد أتكلم بأسلوب وحش زي ما فهمت بس أنا أتضايقت من تجاهلك ليه طول الوقت، عارفه لساك بتحبها ومش قادر تنساها و في نفس الوقت عايزني أنسيهالك، طب إزاي وأنت حاطط مابينا ألف حيطة سد مابيني ومابينك!.
زفر بتأفف لايريد التحدث في هذا الأمر ولو بالفعل يريد نسيانه فهي تذكره الآن وتجعله يعود سجين أفكاره مجدداً.
_ و مجرد أنك تجيبي سيرتها أو تلمحي بيها بكده عمري ما هنساها، أنا لما طلبت منك وقت ما كنا بنرقص أنك تخليني أنساها، قصدي تجذبيني ليكي تخليني أعرف أحبك بس بإرادتي مش غصب وعافية!.
أفترقت شفاها ببلاهة وكأنها تراه بثلاث رؤوس، تحلل كلماته المتناقضة بداخل عقلها ولم تصل إلي نتيجة أو حل، لكن هناك حلول يلقيها عليها قلبها الذي لم يتنازل عن عشقه.
_ ممكن نتفق إتفاق و هو نرجع نتعرف علي بعض من أول و جديد، ننسي كل ماضينا ونرميه ورا ضهرنا، وندي لبعض فرصة أن كل واحد فينا يكتشف التاني من مميزات وعيوب بيحب أي وبيكره أي، بس بشرط.
ومع كلمتها الأخيرة أبتسم بسخرية، لم تكترث لبسمته وأردفت:
_ ماتستغلش نقطة ضعفي ناحيتك و أنا مش هاضغط عليك وفي نفس الوقت مش هاسيبك لحد ما تحس من جواك أنك فعلاً بتحبيني، و حب كمان لدرجة العشق، أتفقنا؟.
أومأ لها بإستسلام قائلاً:
_ أتفقنا.
قفزت من جواره لترتمي عليه وتعانقه مُهللة بسعادة، فها هي الآن نجحت في أول خطوة للفوز بفؤاده.
قهقه علي جنونها الذي راق إليه، فعقله يخبره أن ما هو مُقبل عليه معها هذا عين الصواب، لا أمل ولا حياة في التعلق بأوهام، كُن مع من يحبك ويريدك بشدة وليس مع من لايريد حتي ذكر إسمك أمامه.
*••••••••••••••••••••••••••*
_ طرقت الباب أولاً ثم ولجت إلي الداخل تحمل صينية الطعام فوجدته يجلس علي الكرسي ويصلي جالساً، أنتظرت حتي أنتهي من أداء فرضه فقالت:
_ تقبل الله يا بابا.
أنتهي من التسبيح والأستغفار قائلاً:
_ منا ومنكم آمين.
همت بالذهاب قبل أن يناديها تخشي التحدث معه فيما حدث بينها وبين فارس، أوقفها مُردفاً: _ أستني يا شهد يابنتي عايز أتكلم معاكي شويه.
ألتفتت إليه و خطت لتجلس أمامه، تتجنب تلاقي عينيها مع عينيي والدها حتي لايري مدي ألم قلبها.
_ خير يا بابا؟.
رد الحاج نعمان:
_ كله خير يابنتي، عشان كده مش عايزك تتسرعي وتحكمي علي الحاجة من مظهرها.
أدركت ما يرمي إليه فقالت:
_ و أنت يرضيك يا حاج أنت بنتك تتجوز واحد بيحب غيرها ولا عمره هيحبها!.
_ و مين قالك أنه عمره ما هيحبك، مش يمكن يزهق من الي بيحبها خاصة أنهم بُعاد عن بعض، و ممكن لما يشوف حنيتك وإهتمامك بيه علي طول وقتها يتحول حبه ليها ويبقي ليكي أنتي!.
أستند علي مسند كرسيه ونهض ليجلس بجوارها فأسرعت لمساعدته علي السير والجلوس بجوارها وأكمل حديثه:
_ عارفة يا شهد أنا و والدتك الله يرحمها أتجوزنا جواز صالونات ولا كنت أعرفها ولا كانت عرفاني وكان معظم الناس بتتجوز كده أيامنا، وسبحان الله الي بيوفق ويألف مابين القلوب، الله يرحمها مكنش فيه أحن من قلبها، حسيت فيها كل الي أفتقده، لاقيت فيها أمي في حنيتها وصديقتي الي بشكي لها همومي حتي لو كانت السبب فيها و مراتي الي بتحتويني وعشيقتي الي عيوني ماشفتش ولا هاتشوف غيرها.
إبتسمت و هي تشعر بالغبطة، فوالدها حقاً كان ومازال يعشق والدتها المتوفية، تمنت ولو جزء بسيط من هذا العشق لكن من فارسها، أمعنت التفكير فيما قاله والدها.
_ تفتكر أن ممكن يحبني زي ما بحبه؟.
و ما أن أنتبهت لتصريحها بدون خجل أمام أبيها، طأطأت رأسها لأسفل بحياء، وضع يده علي كتفها:
_ مكسوفة من أي، أنا عمري ما هحجر علي مشاعرك ولا أمنعك عن نعمة ربنا وهبها لينا طالما هاتكون في إطار شرعي و يكون الي بتحبيه واحد يستاهلك وهيتقي الله فيكي.
رمقته من طرف عينيها وقالت بتردد:
_ أنا بس أندفعت مرة واحدة كده والمفروض يكون عندي دم وأخجل إن أقول حاجة زي كده قدام حضرتك.
ضحك علي برائتها، فهذه طفلته التي مهما كبرت ما زالت خصالها كما هي، تندفع وترتكب الأخطاء ثم تخجل غرار جرأتها المعتادة.
_ والله وكبرتي يا قلب أبوكي، كنت طول عمري أقول أمتي أشوفها وهي عروسه وأخيراً جه اليوم وربنا يقدرني ويديني العمر أسلمك بنفسي لعريسك.
عانقته بقوة مثلما كانت تفعل دائماً:
_ ربنا يبارك لي في عمرك و أخليك زي ما ربتني تربي أحفادك كمان.
ربت علي ظهرها قائلاً:
_ ربنا يسعدك ويحفظك يا بنتي ويريح قلبك.
*••••••••••••••••••••••••••••*
_ أتفضلي يا أبلة فاطمة دارنا نورت.
قالها عمر إبن خال قمر بعد أن فتح الباب، ألتفتت خلفها قبل أن تدلف تشير لبكر المنتظر في ركن يبعد عن المنزل بأمتار قليلة.
وبعدما دلفت أشار لها الصغير لتجلس:
_ أتفضلي أجعدي هادخل أنادم لك علي قمر.
_ أومال فينهم أمك وأخواتك؟.
أجاب:
_ أمي في المستشفي وأخواتي وياها وأني وقمر هنا في الدار بنچهزلهم الواكل.
رمقته بشفقة عند تذكرها لمرض والدته فقالت:
_ ألف سلامة علي والدتك ربنا يشفيها ويعافيها.
وقبل أن يُعقب علي مواساتها خرجت قمر من المطبخ، تفاجئت بوجود فاطمة فأستقبلتها بفرحة:
_ الله أي المفاچاءة الحلوة دي.
عانقتها بود وترحاب، فقالت الأخري:
_ بجي إكدة ياقمر، تغيبي يومين ولا تسألي! ، طب لو زعلك مع أخوي أني ذنبي أي؟.
_ طبعاً ملكيش ذنب واصل، معلش حجك عليا أني كنت محتاچة أبعدلي يومين، و أهنه أديكي شايفه هم محتاچيني، مرات خالي عتروح المستشفي وبناتها وياها وأني بسويلهم الواكل عجبال ما يرچعو، جوليلي الأول تشربي أي؟.
أمسكتها من يدها وقالت:
_ أجعدي أهنه أني ماجياش أتضايف.
رمقتها بفيروزيتيها المليئتين بالشجن:
_ لو چاية لأچل تصالحني علي أخوكي، أني بجولك أعفي نفسك من المهمة دي لأني مش هسامحه.
_ أستني الأول وأسمعيني، أني وربنا ماعرفاش الي بيناتكو وحوصل أي، بكر أخوي ما جاليش حاچة هو طلب مني أچي أجولك مهما حوصل ماتبعديش عنه لأنه بيحبك جوي ومايجدرش يعيش من غيرك .
تنهدت بقلة حيلة لاسيما قلبها الذي خفق من كلمات بكر المُرسلة إليها علي لسان شقيقته، لا تنكر هي أيضاً أنها تحبه بل تعشقه وتشتاق إليه فهو من أنقذها من براثن شر أعمال زوجة خالها وشقيقها ولم يتردد في الزواج منها برغم الظروف الصعبة المُحيطة بها.
_ أخوكي أهاني يا فاطمة، چرحني وأتهمني بأبشع إتهام لا يمكن أسامحه بعده.
أطلقت زفرة وأخذت تستغفر ربها ثم قالت:
_ طب جوليلي أتهمك بأي ولا سوي أي وياكي وأني هجولك حداكي حق ولا لاء؟.
فكرت لثوان وجدت أن ما حدث لايمكن التكلم عنه، ماذا ستخبرها وكيف!، و هل ستصدق!، فهي تعلم أن زوجها لديه حق في غيرته، لاتنسي نظرات زكريا لها كلما تلاقت عينيه بخاصتها، نظرات كانت تراها دائماً في عينيي بكر قبل ما يفصح لها عن حبه، ألهمتها أفكارها بنسج قصة زائفة حتي تقتنع الأخري فقالت:
_ كل الي حوصل جولت له أني معوزاش أتچوز في دار تانية ورايده أعيش ويا أهلك راسه وألف سيف ومحكم رأيه لكلمته هي الي هاتمشي.
تستمع فاطمة إليها بإهتمام، ضيقت عينيها ويبدو من نظراتها أنها لم تقتنع بعد خاصة أنها علي دراية بأن قمر تريد العيش بعيداً عن جليلة بسبب معاملتها السيئة كلما أتاحت لها الفرصة وبكر غير موجود في المنزل.
_ أخوي رايد تعيشو في شجة تانية ودي أني خابرها لكن الي ما بلعهوش هو كيف أنتي رايدة تعيشي ويا أمي الي كان أغلب خناجاتي وياها بسبب معاملتها الشين ليكي!، قمر، جولي الحجيجة أحسن لك.
جلست بجوارها مُترددة تخشي أن تخبرها فيزداد الطين بلاءً.
_ معلش وريداكي متزعليش مني، أخوكي لو كان رايدك تعرفي كان جالك، متحطنيش في موجف محرچ كفايه الي أني فيه.
أومأت لها علي مضض وبداخلها الفضول علي وشك أن يقتلها، لكنها أحترمت خصوصيتها مع شقيقها ولم تريد أن تتطفل أكثر من ذلك.
_ ماشي علي راحتكم أنتم الأتنين، علي فكرة هو واجف بره الدار منتظرك تجوليله يتفضل أهنه.
قشعريرة سرت علي طول عمودها الفقري من فرط السعادة عند سماع هذا، فما كان منها سوي أن تتدلل:
_ خليه حداه إن شاء الله يجف لسنة كمان ولا طلعه له ولا هاجوله أتفضل عاد.
إبتسمت فاطمة بمكر، تدرك تأثير ما ستتفوه به علي الأخري جيداً:
_ علي راحتك يا مارت أخوي، خليكي أهنه كيف ما أنتي رايده، أه نسيت أجولك طلع أخويا زكريا ماتچوز واحدة إنما أي وسطها كيف الكامانچا عود وچمال وحلاوة تخلي ماحدش ينزل عينيه من عليها، أني يا بت عاكستها.
رمقتها بدهشة فسألتها لتتأكد ما تتمتم به:
_ مارت أخوكي زكريا كيف، أتچوز ميتي؟.
_ أرچعي الدار وأنتي هاتعرفي كل حاچة، ده موضوع كبير جوي وأمي جالبة الدنيا علي راس زكريا، الحزين ضاجت في خلقته من جلة الحريم راح أتچوز غازية.
شهقت قمر وهيهات أنطلقت في الضحك حتي توقفت:
_ يا خبر أبيض، زمان خالتي چليلة جامت عليه الحد.
اجابت الأخري:
_ الدنيا هناك مولعة أمي عمالة تنوح وكأنها ميتلها ميت وأبوي يهديها و زكريا راح ساحب مارته من يدها و باينه خدها علي داره الي كنتو فيها.
تركتها و دلفت لتحضر عبائتها السوداء وغطاء وجهها وخمارها وأرتدتهم علي عجلة من أمرها، وقامت بمناداة عمر:
_ عمر خليك أهنه وماتخرچش بره عجبال ما أمك وأخواتك يرچعو.
_ رايحه فين، هاتهملينا تاني؟.
سألها بنبرة ألتمست فيها حزنه، دنت منه و مسحت بيدها علي رأسه:
_ ما تخافش أني راچعة تاني، رايحة أشوف عمك بكر رايد مني أي و معاوده تاني.
خرجت إلي فاطمة التي فرحت عندما رأتها قادمة معها، فقالت بمزاح :
_ هاترچعي لأچل چوزك ولا غيرتي من الغازية.
و غمزت لها بعينها، لكزتها قمر في كتفها:
_ غازية علي نفسها، الي تجرب من چوزي أجطعها بسناني.
*•••••••••••••••••••••••••••••*
_ بمجرد رؤيتها وهي قادمة برفقة شقيقته كان كالغائب عن الوعي و أفاق من إغمائه للتو، كلما تقترب خطوة تزداد دقات قلبه كقرع الطبول.
وبدون أن تنتبه قامت شقيقته بالغمز إليه فبادلها بإبتسامة إمتنان وشكر.
كاد يقترب من قمر لكنها أمسكت بيد فاطمة وقالت من أسفل غطاء وجهها:
_ يلا بينا يا فاطمة.
حدجها بدهشة وتعجب من رفضها إليه فقال:
_ فاطمة هاترچع علي الدار وأنتي هاخدك ورايحين نجعدو في أي مطرح، رايد أتحدت وياكي.
زجرته بنظرة من فيروزيتيها :
_ و أني ما رايداش أروح وياك أي مطرح وملكش حديت معايا، أني راچعة لأچل خاطر خايتك وهاجعد وياها.
جز علي أسنانه بحنق فقال لها وبنظرة توعد يحدقها بها:
_ بجي إكده يا قمر!، روحي ويا خايتي بس أستلجي وعدك مني.
كادت تضحك وحمدت ربها أنه لايري ضحكتها أسفل غطاء الوجه، فقالت بتحدي وكبرياء:
_ فاكرني خايفة منك إياك، هاتسوي فيا أي عاد!.
أقترب خطوة ويتظاهر بجذبها:
_ تحبي أفرچك هاسوي فيكي أي.
تراجعت بحذر خلف فاطمة ودفعتها للسير بخطي سريعة:
_ يلا بينا يا فاطمة، أمشي بسرعة.
ظل واقفاً في مكانه يتبعهما وهو يكبت ضحكاته عليها، كم يعشق برائتها وطيبة قلبها.
*•••••••••••••••••••••••••••*
_ تتلفت تلك السيدة يميناً و يساراً في مدخل قسم الشرطة، رآها الأمين فقام بمناداتها:
_ أنتي يا ست واجفة حداكي ليه إكده وعماله تتلفتي حواليكي؟.
سارت إليه و وقفت أمامه:
_ بالله عليك يا بيه تساعدني أدخل الواكل ده لچوزي ده محبوس حداكو بجاله كام يوم وكل ما أچي البيه الي بيبجي جاعد مطرحك يزعجلي.
نظر إلي الأكياس التي تحملها فسألها:
_ چوزك إسمه أي؟.
أجابت:
_ أسمه مچاهد.
أرتشف من الكوب التي بيده قليلاً من الشاي ثم تركها:
_ مش ده الي ضرب النار علي رافع القناوي الي من النچع ؟.
أندفعت قائلة:
_ هو مكنش يجصد رافع القناوي، هو كان بياخد بتاره من زكريا واصف أصله بعيد عنك ضحك علي أخته والبت حبلي منه و مختفية بجالها كتير و چوزي رايد يعرف مطرحها فين.
أنصت لها بإهتمام فقال لها:
_ طب بصي أدخلك لساعة الظابط المسئول وتجولي له كل الحديت الي جولتيه ده لأن وجت ما چوزك جبضو عليه وماعوزش يتحدت واصل.
ردت بتردد عندما أدركت عدم إفصاح زوجها عن الحقيقة:
_ هو لازم أجول يعني؟.
أجاب بتهكم علي سؤالها الأحمق:
_ أيوه لازم تجولي، لإما چوزك هايروح في داهية.
وبعد قليل دلفت إلي الضابط بعدما أخبره الأمين بما تفوهت به، أخذت تسرد له كل ما تعلمه ظناً منها هذا يبعد عنه تهمة الشروع في القتل.
تنهد الضابط وقال:
_ أفهم من الي كل الي حكتيه أنك بتتهمي الي أسمه زكريا إنه ورا إختفاء ورد أخت جوزك الي كانت علي علاقة بيه وحامل منه وهو أنكر ومش عايز يتجوزها ولا هايعترف بالي في بطنها!.
أومأت له واجابت بإصرار:
_ وحياة عيالي يا بيه هو ده الي حوصل، أني كل الي طلباه من حضرتك توصل له الواكل.
أشار لها بيده:
_ حضرتك سيبي الأكل والعسكري هيدخلو له بس بعد ما يتفتش كإجراء أمني.
_ طب چوزي كده هايخرچ يا بيه ولا لاء؟.
_ خير إن شاء الله، كله الي عايزه منك تقعدي مع المُحضر وتقوليلو كل الي حكتيه و كمان مواصفات أخت جوزك الي أختفت.
وبعد الإنتهاء من الإدلاء بكل ما أُعيدت سرده علي كاتب البلاغ غادرت القسم، أخذ الضابط الورق المدون فيه أقوالها ويمعن التفكير في كلماتها.
*•••••••••••••••••••••••••••*
_ أي الي چابك يا سمر وخلاكي تخابري أهلي عن چوازنا.
هدر بها زكريا قابضاً علي زراعها بقوة مما جعلها تصرخ بألم:
_ أومال كنت عايزني أقولهم عن علاقتي بيك أي إن شاء الله، ولا ماتكونش ناوي تشهر جوازنا!.
نفض زراعها بإزدراء وصاح بتهكم:
_ چواز مين يا أم چواز، ده كل الي بينا حتة ورجة عرفي ملهاش عزا.
تجلت الصدمة علي قسمات وجهها واضعة يدها صدرها غير مصدقة إنكاره:
_ هو أنا الي فهمته من كلامك صح ولا أنا الي فاهمة غلط!.
كان جاوبه الصمت الذي كان كافياً كإجابة مُفحمة لها، مما أشعل نيرانها التي أطلقتها للتو :
_ نعم يا روح خالتك!، ورقة ملهاش عزا!، و ديني وأيماني يا زكريا لو ماروحتش جبت المأذون دلوقتي وكتبت عليا رسمي لأكون خارجة وماجرساك في النجع كله مش بس كده، هافضحك وأقول لأهلك عن البت الورد الي ضحكت عليها وحملت منك وأنت قتلتها والكلام يتنطور للحكومة و في ثانيه تلاقي البوليس حاطط إيديك الحلوين دول في الكلابشات و هوب يرحلوك علي النيابة و هوب تلاقي رقبتك ملفوف حواليها حبل المشنقة.
كلماتها كانت كفيلة بإخراج الوحش الثائر من داخله، و في أقل من ثانية أنقض عليها قابضاً علي نحرها:
_ جولتي لي بجي هاتسوي أي.
ردت بصوت مختنق وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، تمسك بمعصم يده القابضة علي عنقها:
_ أي عايز تقتيلني أنا كمان، أنا قايلة للبت نواعم تتصل عليا كل ساعه لو ماردتش تروح تبلغ البوليس.
قام بإرخاء يده عنها، يلهث بقوة من فرط مايشعر به من الغضب والجنون عندما قامت بتهديده.
أردفت كلماتها:
_ أيوه كده أعقل، فاكرني هبلة زي البت الي تويتها أنت وإبن خالك، لاء يا روحي فوق ده أنا سمارة الي ياما رجالة بشنبات يقف عليها الصقر يتمنو بس إشارة مني، أعمل بقي في نفسي الي زي الزفت رفضتهم كلهم ورضيت بالهم وياريت الهم راضي بينا.
أجاب علي سخريتها بحدة قائلاً:
_ و أني ماضربتكيش علي يدك يوم ما وافجتي أكتب عليكي عرفي.
أبتلعت غصتها وعقبت علي كلماته التي تعلم ما وراءها من حديث طائل:
_ كان بإرادتي ورضيت بالعرفي عشان عارفة أنك مش هتوافق تكتب عليا رسمي، لأنك راجل صعيدي و أنا رقاصة والي هايعرف أنك متجوز واحدة زيي هايعيرك بيا برغم وربنا ما في راجل لمسني غيرك.
تفوه بأكثر ما قد يؤلمها من داخلها:
_ مش شرط يلمسوكي بإيديهم ولا الي بالك فيه، كفاية عينيهم الي بتاكل كل حتة في چتتك ولحمك الي باين وأنتي بتهزي وسطك جدامهم، خابرة بيتجال أي علي الي بتعري لحمها وتسوي الي عاتسويه هاتروحي تدفيني نفسك بالحيا.
_ عارفة من غير ما تقول كلام جارح، ويكون في علمك لو أنا واحدة رخيصة أوي كده أنت ماتفرقش عني يمكن أنت أبشع من كده، خاين و زاني و قاتل، كل واحد فينا هيقف يتحاسب قدام ربنا، مفيش حاجة إسمها ده راجل والراجل مايعبوش حاجة ودي ست ولو عملت غلطة وتابت يفضلو يعايروها بذنبها طول عمرها وتبقي وصمة عار علي كل الي يعرفوها.
ولي إليها ظهره هارباً من نظرات الإتهام في عينيها فكلماتها جعلته عارياً منبوذاً، فهي لديها كامل الحق زاني وقاتل بل وخائن، قام بخيانة أقرب الناس إليه، أحب زوجة أخيه ولم ينكر حتي عندما سأله شقيقه.
_ جصرو يا سمر أني ولا هاكتب رسمي ولا زفت، أديكي جولتي أني رخيص أوي، مستنية أوي من واحد مش باجي علي حاچة، أرچعي مطرحك وأنسيني، أني واحد مصيره أسود ومهبب ليه عايزة تربطي حالك بيه!.
وقفت أمامه وأمسكت يده وهي تستعيد رباطة جأشها:
_ أنا الي جابني لحد عندك حاجة أغلي مني ومنك، الحاجة الي هتخليني أبطل رقص وأستقر في حياتي زي أي واحدة محترمة.
وضعت كفه علي بطنها، رفع عينيه ليرمقها محاولاً إستيعاب ما وصل إليه، فأقتصرت عليه السؤال لتجيب هي:
_ أنا حامل يا زكريا.
*••••••••••••••••••••••••••••*
_ يجلس أمام شاشة الحاسوب ينقر علي أزرار لوحة المفاتيح يسجل حسابات المبيعات والصادرات والواردات، دلفت له سيدة عجوز ذات مظهر رث قالت له بتوسل:
_ والنبي يابني حاجة لله، ربنا يزيدك ويفتح عليك من وسع، أكرمني يكرمك ربنا.
وقف و وضع يده في جيب بنطاله وبدون أن ينظر إلي كم هي النقود الذي أخذها وضعها في يدها الممتدة إليه:
_ أتفضلي يا أمي، ولو محتاچة أي حاچة تعالي وهاعطيكي الي فيه النصيب.
تهللت ملامحها وأنفرجت تجاعيد وجهها من الفرح وهي تنظر إلي النقود التي أعطاها إياها و عرض عليها المساعدة، رفعت يديها لأعلي في وضع الدعاء:
_ ربنا يعطيك ما يحرمك أبداً ويجعلك في كل خطوة خير وسلامة ويبعد عنك ولاد الحرام قادر يا كريم.
أبتسم لها بأمتنان:
_ الله يباركلك يا أمي.
ردت وهي تغادر المتجر:
_ تسلم يابني.
أطلق زفرة من أعماقه، كم هذه الدعوات أشرحت صدره و تمني أن الله يستجيب لدعوات تلك المرأة المسكينة لعلها تكون السبب أو الطريق إلي برائته والعودة إلي بلده.
وفي أثناء تفكيره، أقتحم جنيدي خلوته مع نفسه فأفزعه قائلاً:
_ أنت جاعد أهنه ولا علي بالك الي بيحوصل بره.
رمقه بإنتباه وسأله بقلق:
_ حوصل أي؟.
أجاب مُسرعاً:
_ چالنا خبر أن الحكومة باعتة البلدية يشيلو كل الفرش الي علي الأرصفة، جوم تعالي شيل معاي بسرعة هخلي بضاعتي حداك في المخزن لحد ما يخلصو ويمشو.
_ و في مكان قريب يقود سيارته منذ أن تركها وغادر المنزل، لم يتحمل بكائها عندما ألقي عليها بكلماته الأقسي من الحجر، أرتدي ثيابه و ركب سيارته، ثم أخذ يتجول بها لساعات بدون إتجاه محدد.
وبالعودة إلي فارس و جنيدي يحمل كليهما اللوحة الخشبية المتراص فوقها البضاعة، يسيران إلي متجر وفي منتصف الشارع، صاح جنيدي في صاحبه:
_ حاسب يا فارس.
ألتفت بفزع وتفادي السيارة بمعجزة آلهية وقع علي الأرض و كذلك مايحمله ، كانت علي وشك تصدمه من الخلف حيث كان مولياً ظهره، بينما صاحب السيارة الذي كان غافلاً وأنتبه علي آخر لحظة ضغط علي الفرامل فجاءة مما أصدر صوت إحتكاك الإطارات بالأسفلت.
تجمع بعض المارة وأصحاب المتاجر للأطمئنان علي فارس الذي كاد ينهض فتسمر مكانه عندما صوت آخر ما كان يريد رؤيته علي الإطلاق:
_ أنت بخير؟.
***********
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية