رواية عطر الخيانة الفصل الحادي والثلاثون والاخير 31 - بقلم داليا الكومي
( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) ..
لا شيء يحدث في الكون لمجرد الصدفة انما كله يكون مقدرًا ومخططًا منذ أن خلق الله الأرض..
الحادث البسيط الذي يؤدى لعطلة مرورية لم يكن مجرد حادث بل كان ترتيبًا من الله عز وجل ليمنع شخصًا ما من الوصول لمكانٍ ما في وقتٍ ما ,,
وبالتالي يمنع حدثًا ما .. ويحدث شيئًا ما اخرًا قد يبدو أنه لا يمت للأمر بصلة لكنه " الترتيب الإلهي أولًا وأخيرًا " ..
لذلك الابتلاءات التي يتعرض لها الانسان تكون لسبب فمنها ما يعوض في الدنيا ومنها ما يُحمل للأخرة فلا شيء ينسى عند رب العالمين ودعوة صادقة من قلب أم محب تحمي وترفع البلاء.. انها حقًا دعوة الأم ومفعولها السحري ..
أو ربما عمل خير بسيط من الأب وكان يفعله بنية حفظ ابنائه فيحفظهم الله بسببه ..
فالدنيا ما هي إلا مسرحًا كبيرًا لكلٍ دوره فيه والعبرة بالخواتيم ..
مر عام كامل منذ حادثة قتل غالب‘‘ تلك الحاثة التي فجعت قلوب الجميع وأدمتها..
عام بالتمام والكمال ..
وموت غالب الغادر لم يكن مجرد حدث عادي يمر مرور الكرام ..
موته غير الجميع .. كانت لحظة فارقة تلك التي تلت موته ..
فارقة في حياة الجميع خيرًّا كان أو شريرًا بسيطًا كان أو ذي حسب .. رجل كان أو امرأة ..
والبسطاء الذين وثقوا فيه كنت دمائه حافزًا لهم ليكملوا ما بدئه لأجلهم وخسر حياته في سبيله .. كانت تضحية غالية لذلك حملتهم أمانة وواجب ..
مجلس العشر سيقام بتسعة أعضاء والمقعد العاشر سيكون محفوظًا لروح الملهم الذي لولاه ما كان هناك أي انجاز .. وحتى غسان الذي كان يقيم في ألمانيا نظرًا لظروف مرض طليقته كان يحضر شهريًا لحضور المجلس ويسافر في اليوم التالي مباشرة ..
عام كامل مر.. عام كان كئيبًا محملًا برائحة الموت لكن اعدام ماهر ومندور وهدى وفالح كان كافيًا لحد ما ليصبر قلوبهم ..
النجع يتطهر أخيرًا وينبذ أشراره ..
وعلى الرغم من أن الجرائم كانت جماعية وكان من الممكن الهرب من الحكم بالإعدام لكن القضية كانت قد تحولت لقضية رأي عام وكان الحكم بالإعدام حكمًا نهائيًا غير قابل للنقض ولا للاستئناف ..
" مَنْ أمِنَ العقوبة أساءَ الأدب!" بل وفجر ..
وهدى وماهر لما يعدما فقط بل فضحا اولًا وانتشرت أخبار علاقتهما المحرمة بكل تفاصيلها وأصبحت سيرتهما تلوكها الألسنة وتبرأ منها والدها واعدمت بعدما قضت في السجن فترة كافية دمرت أعصابها وهي تنتظر الاعدام كل يوم وكانت التسجيلات التي سجلتها هدى بنفسها لتوريط ماهر هى السبب في ايصالها لحبل المشنقة وفي فضحها ليعلم الجميع عن علاقتها المشينة بماهر وخيانتها لغالب فيبصم بالعشرة ذلك الذي كان مازال لم يقتنع بقضية غالب بأن ما فعله غالب كان الصواب وأن التدخل في حياة الناس أمرًا مذمومًا ملعونًا في كل الكتب السماوية ..
ومن عجائب القدر أن يرفض القاضي أيضًا تخفيف عقوبة فالح للمؤبد ليصر على الحكم عليه بالإعدام هو الاخر فجريمته لا عقاب لها سوى الموت ولتكن سابقة في تاريخ حينما يحكم بالإعدام على اربعة من عائلة عريقة كعائلة السمالوطى ويعلن معتصم أن عائلة السمالوطي التي خرج منها فالح وماهر ومندور هي نفسها التي خرج منها غالب لذلك فالحكم المطلق على العائلة سيكون مجحفًا اذا ما تم التعميم وكلًا مسؤول عن تصرفاته فقط ..
وصدقت شيرويت وعدها وارسلت طفلي فالح لنيوزيلاندا واسست لهما حياة جديدة هناك ..
حياة بعيدًا عن الماضي وترسباته ووصمته ,, لمكان امن ومريح لا يعرفهما فيه أحد ليعيشا بأمان بعيدًا عن القيل والقيل والنظرة المشمئزة ليختفيا وسط البشر ويتربيان في مجتمع جديد لا يعرف فالح ولا هدى ولا حتى النجع من الأساس .. في مدارس داخلية جيدة لها سمعتها ومع عناية فائقة .. فالتربية الجيدة قد تثبت أحيانًا أن الجينات الخبيثة ربما لا تسود دائمًا إذا ما تضادت بتربية جيدة مثالية ومتوازنة ..
- ما بك حبيبي ..؟؟ أنت متوتر كثيرًا اليوم .. ستستطيع معتصم .. صدقني ستستطيع ..
- كل ما عملنا لأجله شيرويت مهدد بالزوال .. تضحية غالب قد تذهب هباءً.. مجلس الغد قد يفشل ويتحول النجع لانهار دماء من جديد ..
- المجلس انجز الكثير يا معتصم في السنة الماضية ولابد من وجود عقبات نحن نتعامل مع بشر لا مع كائنات بلاستيكية .. وارد أن تتعرضوا لمثل هذا الموقف مع مرور الوقت واختلاف القضايا ..
- أنه الثأر يعود ليكشف عن وجهه القذر من جديد لعنة الله عليه وعلى كل من تسول له نفسه القتل..
- قضية الطحاوي قديمة يا معتصم وكانت ستفتح من جديد مع أي مع ريح ولو بسيطة .. أولاد الطحاوي لم ينسوا دم أبيهم ..
- كان حادثًا شيرويت .. زكريا البيومي لم يكن يقصد قتله أبدًا وانهيت الخلاف منذ سنوات وجعلته يقدم كفنه وقبله أولاد الطحاوي ومع شجار بسيط على قطعة أرض اهتاج النجع من جديد..
- لأنها ترسبات معتصم .. ترسبات حدثت لأن على الرغم من قبول أولاد القتيل للصلح لكنهم لم يهدؤا بالقصاص .." وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " وهذا ما يحدث تمامًا حينما تتدخلون في مصائر الناس .. أنت اجبرتهم وقتها على قبول الصلح وأنت لم تعد موجودًا الآن ككيان كما كنت وقتها لا كشخص ..
- كان حادثًا شيرويت .. قتل بالخطأ وكنت امنع المزيد من الدماء ..
- أنا لا احاسبك معتصم الماضي ولى بكل حسناته وعيوبه أنا اخبرك بالحل .. لن يحل الخلاف إلا بالقصاص العادل وعن طريق الشرطة لا عن طريق المجلس .. فليفتح التحقيق في الأمر من جديد..
- وهل تعتقدين بعد كل هذه السنوات ستكون هناك أدلة .. ؟؟ الزمن يطمس كل شيء ..
- ربما معك حق لكنك لن تغلب أنت معتصم ..
ثقة المحيطين فيك تمنحك مسؤولية عظيمة وتضعك في تحدي .. منذ شهر لجأ راضي إليه في قضية نجاة ابنة عمه التي لوثها شاب طائش ووضع صورها على مواقع التواصل الاجتماعي مدعيًا أنها فتاة لعوب لمجرد رفضها لمسايرته وكان يظن أنه لن يكشف .. لكن فادي تمكن من استصدار مذكرة لمراقبة هاتف نجاة وتمكن من معرفة الشخص المسؤول عن تلك الواقعة ليكتشفوا أنه ابن صديق والدها وتربطهما صلة نسب بعيدة وبحكم اقامته في القاهرة لسنوات نسى كل تقاليد النجع ونخوة الصعايدة .. وكل ما قاله له راضي .. معتصم أنت تستطيع ..
والد الشاب أبدى كل الندم واعلن استعداده وتقبله لكل الأحكام التي ستصدر بحق ابنه حتى ولو اقتضى الأمر بسجن ولده " هو يستحق " لا خلاف على ذلك .. " سأربيه من جديد لو كنت فشلت في تربيته أولًا "..
وبالفعل وصل الأمر للقضاء وحكم على الشاب بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع دفع غرامة خمسين الف جنيه لوالد الفتاة ..
وبمشورة سريعة مع المجلس اقترح غسان أن يعترف الشاب بفعلته أمام الجميع ليبريء ساحة الفتاة ويعلن براءتها على الملأ ويخير والدها بين قبوله لمبلغ تعويض يحدده هو أو الاستمرار في حبس الشاب مع تعهد لا يقبل التفاوض بعدم التعرض للفتاة مجددًا في كلتا الحالتين ..
فكرة غسان كان تتمحور حول الاصلاح فلو سجن الشاب سيصبح أكثر غلًا ولن يردعه رادع بعدما سيكون خسر كل شيء ويدمر سمعة الفتاة بزيادة أما لو اعترف بذنبه وقبل والد الفتاة التعويض فسيكون هذا أكبر رد لشرفه وسيكون الشاب مازال لديه أمل في الخلاص فاليائس لا تفرق معه .. لكن كل هذا كان بعد احالة الامر للقضاء وتخيير والد الفتاة والقبول بقراره أيًا كان .. والحكم الواضح على الشاب بتسديد مبلغ التعويض الكبير الذي دفع لوالده الفتاة كان أكبر عقاب فسيقضي الشاب سنوات وسنوات يسدد لوالده المبلغ وإلا سجن ليعلن الشاب بوضوح بعد انتهاء الأزمة .. " توبة اعاكس بنت مرة تانية " ..
وبعودة لموضوع الثأر .. ربما سيكون عليه فعلًا فتح التحقيق من البداية ونظرلشيرويت بامتنان ليقول ..
- ماذا كنت لأفعل بدونكِ ؟؟
- آه معتصم .. وماذا كنت أنا لأفعل بدونك ..؟؟ ربما أنت السبب في الفراق منذ البداية لكني أنا جعلته يمتد لسنوات .. ماذا كان سيحدث لعلاقتنا لو كنت قبلت الزواج منك بسهولة يوم عيد ميلادي ؟؟ اسأل نفسي هذا السؤال باستمرار حتى أكاد اجن ..
- لم تكني لتفعليها شيرويت .. حقًا لم تكني لتفعليها مطلقًا .. شخصيتكِ وتكوينكِ لم يكنا ليسمحا لكِ بقبول اهانتي وذلي لكِ على غلطة كنت أنا المسؤل الوحيد عنها ثم أنا احببتكِ هكذا ثائرة متمردة عنيدة حنونة تحشرين أنفكِ في كل شيء لو كنتِ تصرفتِ عكس ما احببته فيكِ لم نكن لنستمر سويًا .. النار لا يتحملها سوى النار ..
حقًا معتصم النار بالنار تزداد توهجًا واشتعالًا ,, والنار بالماء تطفيء وتخبو جذوتها ..
واقتربت بدلع لتدلك كتفيه في حركات متوالية ناعمة كانت تريده أن يتخلص من توتره ومع زوال التوتر أصبح اكثر استرخاءً وتحولت حركات التدليك البريئة لشيء آخر ..
**
- غسان ولدي .. نحمد الله على سلامتكما ..
والقى نفسه في حضن والدته ..
مهما كبرت وانتصفت ثلاثيناتك واصبحت أبًا لطفل في السابعة لكنك تظل تحتاج لحضن الأم وحنانها ودعمها ..
وكأي أم حنونة تجاهلت حالته المزرية ولحيته التي استطالت ووزنه الذي انخفض وضمته لتشبعه من حضنها .. ستعيد رتق شقوقه بالحنان والحب والدعم ..
ولأول مرة انقض والده عليه ليحتضنه بقوة بدلًا من مجرد تحية عادية وقبلة عابرة على كفه الذي كان يقدمه له ليقبله باحترام ..
آه يا حاج مبارك كم احتاجك ..!!
- هيا يا حاجة سميحة اعدي وليمة للعشاء وادعي عائلة آريام للعشاء معنا ,, السبب الذي من أجله افترقا انقضى ولا تجوز على المتوفاة سوى الرحمة مهما أن كان رأيي فيها لكن حان وقت استعادتك لزوجتك ابنة الاصول .. ابنة الناس الطيبين ..
آريام !!
الألم أكبر من احتماله هي يا حاج لم تتركني لأني سافرت للعناية بأم طفلي .. آريام تركتني لأنها تستحق رجلًا أفضل مني .. رجل حقيقي ..
- غسان,, أردت تهنئتك على مشورتك في قضية نجاة الشامي الكل يتباهى بك ..
وننتظرك غدًا في قضية الطحاوي .. مجلس العشر كان وسيزال أفضل فكرة حدثت للنجع .. على كل حال نجتمع مع نسبائك اولًا ثم ننتظر المجلس غدًا ..
فكرته لجعل عائلة آريام تنتقل للنجع كان تفكيرًا للبعيد .. كان سيعلم أن آريام ستتركه يومًا ما وارادها تحت سيطرته لكنه لم يكن يتوقع أن ينتقل الجميع للنجع سواها ..
ربما يحزن لذلك لكنه كان فخورًا بنجاحها وسيطرتها على حياتها .. والأهم ثقة سامي فيها كانت تعطيه أملًا في اصلاح الامور معه ومعها .. سامي سمح لها بالاقامة في القاهرة بمفردها إذًا هو صفح وفتح صفحة جديدة وربما سيكون له نصيب من هذه الصفحة ..
والأصول أصول واصطحبه والده وذهبا لدعوة عائلة آريام وقوبلت الدعوة بالترحاب وبسلاسة حتى سامي نفسه لم يعترض ..
سامي كان يبني مصنعًا له بيده التي اعادها له ,, كانت دائرة من التصحيح ورد الجميل من الطرفين .. حالة بدأت بغلطة وانتهت بشبكة من الجمايل حتى لم يعد أحدهم يعلم من اعطى بزيادة ومن مازال واجبًا عليه العطاء ..
وبعد العشاء طلب سامي مقابلته على انفراد .. ماذا ستقول يا سامي ؟؟؟
غدًا سيكون يومًا حافلًا ويريد كامل تركيزه لانهاء الثأر القائم لكن فضوله لم يترك له المجال لتأجيل الحوار ..
أي خبر عن آريام يشبع لهفته .. وخرجت روحه لتصل حلقه وسامي يقول ..
- هناك محاسب في مصرف ما طلب يد آريام مني .. وأنا اخبرته اني سأسألها عن رأيها لكن قبلها أردت اخبارك عن الامر .. أنا اعلم انك مازلت تريدها وبهذا أكون سددت دينى كاملًا لك ..
**
مكتب بسيط لكن أنيق ومديرة صغيرة في السن لكن قديرة ..
من كان يصدق أنها " آريام " تلك التي كانت مشروع عاهرة أصبحت كيان يحترم ويقدر ..
تجربة تالا تكرر من جديد ,, ربما تالا كانت تصرفاتها مبررة متحررة بحكم الوسط الذي تعيش فيه ومقبولة حتى من أبيها لكن أنتِ يا آريام ما كان مبرركِ ؟؟
شيرويت يومًا ما اخبرتها انها ستخبرها العجائب إذا ما توطدت علاقتهما وصدقت .. قصص وحكايات أشبه بالخيال وراء كل فتاة حسدتها لكونها راقية ومتعلمة وواثقة في نفسها ..
وضحكت وهى تتذكر نفسها حينما ظنت أن شيرويت لا تعرف غلاظة الرجال ..
ابلغ وصف كررته شيرويت مرارًا بتأكيد .. " كلهم عزيزتى يتحولون لخنازير في مرحلة ما من حياتهم عزيزتي .. لكن نحن سنكون لهم بالمرصاد حينما يتخنزرون مجددًا .." ..
ونبذت أفكارها وعادت لعملها .. ميزانية هذا الشهر وفيرة وتستطيع التوفير منها ولديها فكرة ستقترحها على تالا حينما تراها .. هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أيتام تعتني بهم وترحل لمنزلها آخر اليوم بل اصبحوا كأطفالها .. ويستحقون توفير حياة كريمة لهم حتى بعد البلوغ والخروج من الدار .. أي مبلغ سيتوفر من ميزانية الشهر ستفتح به دفتر توفير لكل طفل وسيتمر للأبد حتى يجد كل طفل وقت شقه لحياته بمفرده مبلغ يعينه على بدء مشروع صغير يعينه وحتى لو كانت المبالغ الموفرة قليلة لكن مع الوقت ستتحول لمبلغ معقول.. لكن هذا يعني رؤيتها للمزيد من فارس .. ربما سيكون عليها افتتاح حساب في مصرف اخر لكن بماذا ستبرر لتالا تغييرها للمصرف وتصرفها هذا قد يثير التساؤلات لكنها لا ترغب فى تعليق فارس بها زيادة وهي لا تستطيع منحه أي شيء .. فقلبها اغلق للأبد ..
ووضعت قلمها بعدما نظرت في ساعتها .. " المشاكل تأتي لاحقًا "..
العناية بالأطفال أولًا..
انه وقت العشاء ومن ثم وضع الاطفال في أسرتهم .. والحسابات لا تنتهي فالبركة تغمر القرش ليتحول لعشرة والدار تتوسع وفكرة التوفير تلح عليها بشدة ..
وهتفت بسرور حينما فوجئت بتالا تدخل من الباب الرئيسي للدار ..
- تالا من الجيد حضوركِ افتقدتكِ كثيرًا ..
- محتالة,, حقًا لوكنتِ افتقدينا كنتِ استجبتِ لدعواتنا .. لم نركِ منذ فترة آريام فحضرنا لرؤيتكِ..
أريد بالطبع رؤيتكن لكن ..
الابتعاد عن الجميع أسلم كي لا تتراجع عن قرارها الواهي الذي يفصلها فقط شعرة عن التراجع فيه ..
وعلقت آريام بفضول ..
- حضرنا ..؟؟
وأجابها صوت محبب يقول ..
- نعم الثلاثي المرح ..
منذ يوم زيارتهن لها في الماضي السحيق وتوطدت علاقتهن على الرغم من كل ما كان ..
على الرغم من الألم والموت والأحزان .. على الرغم من الطلاق والفراق واحترم كلًا منهن رغبتها في عدم الحديث عن علاقتها بغسان لكنها كانت تقرأ رغبتهن في الحديث في عيونهن لكن الميثاق الغير معلن بينهن كان يمنعهن من فتح ما يؤلمها وخصوصًا انها اثبت انها قادرة على اتخاذ القرار والعمل الجاد ..
لم تعد تلك السطحية التافهة التي كانتها يومًا بل أصبحت مديرة لدار أيتام يسير فيها العمل كالساعة ويعامل فيها الأطفال بحب بالغ كما عودتهم تالا عليه .. فاستقلت آريام بفرع للأطفال الأصغر سنًا بداية من عمر يوم حتى عمر ستة سنوات حيث أن مسؤوليتهم أقل والحب مطلوب لهم بصورة أكبر وفرع الأطفال الأكبر تشرف تالا عليه نظرًا لخبرتها وتعليمها وسلطة عائلتها التي تساندها وأما فرع آريام فكان كل المطلوب له هو الحب والاهتمام فقط ..
كانت تعمل بيدها كأقل عاملة نظافة وتطهو لهم الطعام وتشرف على كل شيء وفي اخر اليوم كانت تقيم في الشقة البسيطة التي خصصتها لها تالا فوق الدار لتكون قريبة منه وتشرف عليه بالكامل وفي نفس الوقت هي اعتزلت الخروج وخصوصًا بعدما قبل أهلها عرض غسان وانتقلوا للصعيد ورفضت هي رفضًا قاطعًا مرافقتهم أو المعيشة في فيلته ..
سأعتمد على نفسي غسان وسأبني نفسي بنفسي ..
وكان سماح سامي لها بالإقامة بمفردها في شقة وفي مدينة أخرى غير مدينة اقامتهم خير دليل على استعادته للثقة فيها .. رسالة خفية لم ينطقها بمنطوق مسموع لكنه وصل للقلب .. ربما في الواقع حتى انه سامحها بالكامل لكنه لا يجد الجراءة ليعترف ... في النهاية غسان اثبت أنه أفضل من الجميع واصلح كل ما افسده كما وعد ولم يطلب أي مقابل سوى السماح ..
غسان آه ..
مجرد ذكر اسمه يدمي قلبها وكان العام المنصرم من أصعب ما يكون عليها منذ الطلاق لكنها ستكون تطمع لو حتى تمنت زواج طبيعي يكفيها ما وصلت اليه من ستر واحترام الجميع لها وفراقها عن غسان سيكون عقابها الذي تتمنى أن يخفف من فعلتها وجريمتها في حق نفسها .. ألم القلوب غير محتمل ويكفر عن كل الذنوب ..
ويكفيها فراق إياد الذي كان بمثابة فقدان ضنى .. لم تكن تتوقع أنها تعلقت به هكذا لكن ربما كان هذا التعلق امعانًا في عذابها لتتطهر عن حق ..
واحتضنتهن جميعًا بلهفة ومسحت دمعة نافرة أصرت على التمرد ..
- سأهتم بطعام الأطفال وسأكون معكن بعد قليل ..
وربتت شيرويت على معدتها ..
- نحن حضرنا لنأكل من طهوكِ آريام .. نعلم انكِ تحتفلين يوم الخميس بصنع وليمة محترمة ولم نكن لنفوتها ..
وابتسمت بخجل ..
- حسنًا عشاء الأطفال أولًا ثم سنأكل نحن ..
وعلى الرغم من اشتياقها الشديد لهن وعلى الرغم من محاولتهن السابقة لجعلها تقابلهن في الأسابيع السابقة لكن زيارتهن اليوم لم تكن بريئة تمامًا .. كانت تشعر بحيرة في وجوهن وتشعر بأن شيرويت تريد قول شيئًا ما لها لكنها تعود وتتراجع وفقط في أثناء الطعام اختفت الحيرة ليأكلن بشهية تنم عن استمتاعهن بالطعام ..
سيدات المجتمع الراقي يأكلن معها بكل بساطة بل ويتحدثن عن الرضاعة التي تفتح شهيتهن بزيادة ..
فمنذ قرابة عشرة شهور وضعت شيرويت طفلها الغالي سليم ووضعت تالا تؤامها لانا وليان‘‘ ووصل الفضول لديها لذروته ومرت كل الاحتمالات في رأسها وبالطبع سيكون الخبر يتعلق بغسان .. ولم تتمكن من حبس فضولها أكثر لتتساءل بلهفة ..
- هيا شيرويت‘‘ اخبريني .. أنتِ لا تجيدين اخفاء الأخبار .. ماذا تريدين اخباري ..؟؟
هل حقًا هي شفافة هكذا أم السيدات الثلاث جميعهن وليس هي فقط تبدو الحيرة جلية عليهن ؟؟؟ وربما اختارتها آريام لتسألها دونًا عن سارة وتالا لشكها في كون الأمر يتعلق بغسان بالطبع ..
ومن سيفهم لهفتها أكثر منها وهي مرت بكل ما مرت به آريام سابقًا ..؟؟!!
وخفضت شيرويت رأسها وهى تقول بهمس ..
- هيلين توفت الأسبوع الماضي وعاد غسان للإقامة بصورة نهائية في مصر ..
**
التعويض الالهي لا يضاهيه أي تعويض .. يكون بمثابة معجزة تتحقق أركانها يوميًا .. تتحقق في كلمة " ماما " التي أصبحت تطربها ليل نهار .. تتحق بطفل كان نورًا أنار الطريق للجميع ..
وأن يشغل طفل بالها ووقتها للاربع وعشرين ساعة في اليوم كانت أمنية صعبة المنال لكن بدعوة صادقة ويقين في الاجابة كل الامنيات تتحقق ..
" فالله كريم " والكريم إذا أعطى أدهش !!
استعادتها لياسين ولحياتها بكل تفاصيلها الرائعة ومع طفل كانت معجزة لا تحدث في الحياة كثيرًا لكن الحب يفعل المعجزات طالما صاحبه نية صادقة في التصحيح ودفع الثمن أيًا كان ..
" ماما " ..
- نعم نور ..
واشار بيده لطائر في السماء وهو يصرخ بانبهار ..
وضمته بحنان وانطلقا يطاردان الطائر في الحديقة وضحكاته تدوي عاليًا ..
ومن الأعلى كان يراقبهما بشغف .. المعجزة الأكبر كانت من نصيبه .. طفل لشيماء .. حقًا تلك كانت المعجزة ,, حينما تعشق امرأة أكثر من نفسك تكون أمنياتها أولوياتك ورغبته في طفل كانت من أجلها .. لن ينكر انه كان يريد طفل بشدة لكنه كان مكتفيًا بعشق امرأة شغلت باله حتى عن الأطفال لذلك كان وجود نور هدية الهية له وبالتأكيد يومًا ما صنع معروفًا وكانت هذه مكافئته ..
" صنائع المعروف تقي مصارع السوء " ..
وليعترف .. الحياة بوجود طفل تختلف .. تشع بهجة وسعادة واثارة .. تكون مفعمة بالحيوية ..
كلما خطيت تعثرت في لعبة هنا أو هناك وأصبحت ساعات نومك تحدد بناءً علي ساعات نومه وحتى استخدامك التلفاز يتوقف على مزاج سيادته ورغبته في مشاهدة الكارتون ..
وانتبه على صوت رسالة علي جواله ..
وعجز عن التصديق .. لقد فعلتها شيماء حقًا لتفاجئه ..
الرواية التي اهداها لها قدمتها في مسابقة الرواية العربية " الجوكر" وفازت رواية عشق من نار بالمركز الأول ..
هذا لا يصدق .. تلك لم تكن رواية يا شيماء هي كانت فقط رسالة كتبتها بندم وحب
وركض للأسفل على الرغم من حالة ساقه ليجد احتفال رائع في انتظاره ونور وشيماء يعودان من الحديقة ..
كعكة ضخمة كتب عليها عشق من نار مع صورة غلاف رائع لرواية .. متى فعلت شيماء كل هذا وكيف ..؟؟
واجتمع الأحباء .. خالد وسارة وطفليهما .. يامن وراضية شقيقه وشقيقته بكل عائلتيهما,, والدته ووالدة شيماء .. الجميع اجتمع يصفقون ويسامحون ويقدمون الحب .. وركض نور نحوه وهو يقول " دادي " ..
ما أروعها من كلمة وما أروع وقعها !!
الحمد لله حمدًا طيبًا مباركًا لكن هذا يمنحه مسؤولية كبيرة للتعويض ..
**
لم تكن يومًا قادرة على اتخاذ قرار مصيري وحينما اتخذته لانقاذ كرامتها ربما تكون اخطئت ليس في حق نفسها فقط بل في حق غسان وإياد لكن الوضع برمته كان مربكًا والحب الذي اشتعل في قلبها لأول مرة حفظته بالبعاد فالاقتراب من غسان نار تحرق ..
غسان أحبها حقًا لكن هل مازال يشك في طهرها ؟؟ هل كان سينسى مشهد الصائغ وهو يغمز ويتغامز ؟؟ هل سينسى صعودها معه لشقته وتلقيحه بالكلام البذىء على حالتها ؟؟
هل سيقتنع أنه كان الرجل الأوحد في حياتها وأن ما فعلته معه كان غلطة تراجعت عنها وفي نيتها عدم العودة لهذا الطريق ..؟؟ لو كانت تريد الخروج من ورطة زكي لكانت قبلت تحرشات باهي .. ربما حاولت المماطلة للخروج بأقل الخسائر لكن هذا كان ذنبها الوحيد .. اختيار اخفف الضرر للخروج من الأزمة بدون أن يلمسها رجل ..
واليوم وبعد عام كامل توفت هيلين بعد صراع طويل مع المرض .. عام اثبت فيه غسان نقاء معدنه فلم يتخلى عن أم ابنه في محنتها ووفر لها رعاية طبية فائقة على الرغم من الامه وأحزانه وحالة يده التى اثبت بها حبه لها ..
قدم كفه كمهر لها ومع ذلك رفضت حبه .. رفضته لأنها لا ترقى له مهما فعلت واثبتت..
يا إلهي إياد ؟؟
وسألت شيرويت بارتياع ..
- وكيف حال إياد ..؟؟
- حزين جدًا آريام,, لقد فقد والدتين لا واحدة .. هو يسأل عنكِ باستمرار ..
وانخلع قلبها من الألم .. بالتأكيد كانت سنة صعبة عليه .. رؤيته لوالدته تتألم وتموت أمام عينيه تجربة قاسية لا تناسب سنوات عمره القليلة ولا شخصيته الحساسة .. لكن لم يكن أمام غسان أي حل آخر .. كان يوفي بكل التزاماته للجميع مع أنه كان يشعر بمرارة لا توصف لخسارته لعمله الذي يعشق ..
- علي كل حال اقامته في مصر ستنسيه الألم قليلًا .. لقد اخذه والده للصعيد وهو يحب طلال وسيتأقلم ..
وغسان ؟؟!!
وجف حلقها وهي تسأل .. لقد حاولت وقاومت لكنها استسلمت أخيرًا وخرج صوتها غريبًا متقطعًا متحشرجًا ..
- وكيف حاله؟؟
وفهمت شيرويت على الفور .. هذه المرة تقصد غسان ولم تستطع نطق اسمه ..
- ليس بخير ابدًا آريام .. لن تتعرفي عليه إذا ما رأيتيه ..
وانخلع قلبها .. هي أيضًا ليست بخير أبدًا .. بالتأكيد موت هيلين السبب ..
ليتها تستطيع التخفيف عنه .. ليتها لم تركب سيارته يومًا ..
لقد كانت فألًا سيئًا حطم حياته ..
ولمعان الدموع في عينيها جعل سارة تغير الموضوع ..
- آريام .. بعد غد سبوع سلمى وهي تنتظركِ .. ستأتين ولن نقبل أي عذر ..
**
تسلل على أطراف أصابعه بحذر ووقف يتأملهما أثناء نومهما بفخر .. من الجيد أن سلمى لم تعترض على تسمية طفلهما " خالد " حقًا انه يدين له بكل شيء ..
واعترف لولا خالد لما كان يقف هو هنا الآن .. الصديق المخلص نعمة من الله عز وجل .. خالد كان سندًا وعونًا له منذ معرفتهما في المرحلة الثانوية ولم يكن لديه ما يقدمه له في المقابل سوى الاخلاص والحب وقد اثبت هذا المقابل نجاحه ..
الحب دائمًا يكفي حتى ولو اعترض البعض وظن غير ذلك ..
أو الأصح أنه يكفي لدى البعض وهو من هذا " البعض " المحظوظ ودور خالد لم يكن فقط عن طريق دعمه أيام فقره ويتمه وعوزه بل الأهم انه كان المفتاح السحري للسعادة لقد وضع سلمى في طريقه والآن أصبح لديه خالد الصغير ..
عائلة كما تمنى .. منزل مبني على الحب.. وسيمنح عائلته كل حياته ووقته ومجهوده وماله وسينجب عشرات الأطفال .. سيكون لديه عزوة ..
مسكينة سلمى .. الولادة القيصيرية مؤلمة للغاية لوكان الأمر بيده لكان دخل العمليات مكانها لكنه يعلم أن رؤيتها لخالد الصغير ستنسيها أي ألم .. طفل سليم معافي رائع الجمال وسبوعه سيكون الليلة وسيضم كل الأحباب والأصحاب ..
سبوع " خالد حسام " .. جملة لها طربها ووقعها الساحر .. والأهم حظى به قبل أن يكمل الأربعين بعدة أشهر ولذلك بتمامه الحادية والاربعين يتعشم أن يكون لديه خالد وشقيقته ..
أوه .. خالد يحتاج لحمام دافيء.. وسلمى تستحق النوم ..
وحمل الرضيع بحنان فائق وضمه ضمة مطوله .. الرضع معجزة إلهية تتحقق أمام عينيه ..
آمنت بالله ..
وبدون أن يطلب المساعدة من المربية قرر تحميمه بنفسه .. لا قبل الحمام عليه تشذيب شعره أولًا.. هناك بعض الشعيرات النافرة التي تحتاج لقص..
ووضع خالد على طاولة الغيار بحرص والتقط ماكينة حلاقة الشعر و..
يا إلهي .. ووضع كفه علي فمه بصدمة ..
والتقط خالد وحممه بسرعة والبسه ثياب السبوع التي حضرتها له سلمى وبحث بسرعة البرق عن طاقية والبسه اياها ..
وبدء خالد يتملل ويطلب الرضاعة .. ما هذه المصيبة .. ؟؟
وسمع صوت سلمى ينادي ..
- حسام ..؟؟
يا إلهي لقد استيقظت سلمى ..
وحمل خالد لها وقبل جبينها ووضعه في حضنها فبدء يبحث عن الرضاعة وأرضعته على الفور وهي تقول بانبهار ..
- حسام .. هل حممته حقًا وابدلت ثيابه وبدون مساعدة ..؟؟
لقد تغير حسام حقًا واصبح يعتمد عليه ..
أومىء برأسه وهو يحاول التهرب من مواجهة عينيها ..
وامتدت يدها لطاقيته فهتف بجزع ..
- لا اتركيها سيبرد لو خلعتيها عنه بعد الحمام .. اتركيها أسبوع الأقل ..
وسحبت يدها على الفور ..
- معك حق لكن أسبوع فترة طويلة .. سأنزعها بعد ساعتين حينما يحضر الضيوف ..
ساعتين ..؟؟!!
- ما رأيكِ سلمى .. سنؤجل السبوع لفترة حتى احجز قاعة في فندق ..؟؟
هزت رأسها ..
- لا حبيبي .. السنة يوم السابع والمنزل كبيرًا جدًا واستعدينا جيدًا ودعونا الناس ..
لامفر إذًا ..
وابتسم وهو يهرش في شعره ..
- كما تريدين حبيبتي ..
وانسحب في هدوء ليبحث عن حل .. ستقتله سلمى حينما ترفع طاقية خالد وترى النفق الذي أحدثته الماكينة في منتصف شعره ..
**
- حبيبتى ..
ورفعت رأسها بحب واكملت رضاعة " سليم " ..
- هبة .. يكفي رضاعة لهذا الحد ودعى المربية ترضعهما الحليب الصناعى اخشى أن تجهدكِ رضاعة التؤام ..
وابتسمت بحنان وهى تقبل رأس سليم وتستنشق عبيره قبل أن تضعه في حضن أدهم وتلتقط " رحيم " لترضعه هو الآخر ..
- أدهم سعادتي في ارضاعهما وضمهما .. اريد لطفليك أن يكونا في أتم صحة وعافية .. لا تقلق علي الأمومة لا تضر على الاطلاق ..
وضم ثلاثتهما بحب .. حقا هبة سعيدة .. السعادة لا تحتاج لكاتالوج لفهمها هي تظهر في أبسط التصرفات وتبدو جلية في الوجوه ..
وليست هبة فقط .. هو أيضًا يطير من السعادة ووالده ووالدته ..
التؤام عوض وحدة هبة ووحدته .. سليم ورحيم البسطاويسي .. وشعر بفخر وانتفخت أوداجه ..
الصبر جميل " وبشر الصابرين " وهو صبر فنال اكثر مما كان يتخيل ..
حب عمره وتؤام ونجاح في العمل ..
- صدفة غريبة أن يسمى صديقك ابنه سليم هو الآخر ..
- ليست صدفة يا حياتي .. اسم سليم دارج في الصعيد فوالدي يسمى سليم كما تعلمين وبالتأكيد في نجع السمالوطي سيكون هذا الاسم دارجًا أيضًا .. ماذا تريدين لرجالنا أن يسمون ؟؟ .. اسمائهم لابد وأن تكون شديدة مثلهم ..
وابتسمت بفخر وهى تتطلع للتؤام .. من الرائع أن يكونا مثل والدهما ..
العزوة !! والعائلة ..
أخيرًا حظيت بعائلة .. وبأدهم البسطاويسي ..
والحال اليوم غير الحال .. هبة وتؤام ومفاجأة صغيرة يقدمها لها ليسعدها..
فاخرج من جيبه مغلف ووضعه في حجرها ..
ما هي الأمنية الجديدة التي يحققها هذه المرة ..؟؟!!
وبايمائه من رأسه فهمت وصاحت بابتهاج ..
- عمرة ..؟؟!!
- نعم حياتي .. سنزور بيت الله الحرام .. سنذهب للعمرة مع والدي ووالدتي وسنصطحب الطفلين معنا لينالا البركة وبمجرد أن يصلبا نفسيهما سنحج السنة القادمة بعون الله .. وسأرسل من يحج حجة الفريضة عن والدكِ رحمة الله عليه وعن والدتكِ أيضًا ..
قرار اتخذه والدها يومًا ما مدفوعًا بحبه لها وخوفه عليها غير حياتها,, لا لم يغير حياتها فقط بل كان بمثابة العثور على الجني الذي يسهر لتنفيذ رغباتها وليس هذا فقط بل جني يعشقها وتعشقه ..
رحمة الله عليك يا أبي الحبيب,, شدة حبك لي هي التى حمتني وأوصلتني لبر الامان ..
- هيا حبيبتي .. استعدي فقد أقام والدى الاحتفالات في النجع لمدة سبعة أيام احتفالًا بذهابنا جميعًا للعمرة وسيطعم الطعام يوميًا كعادته منذ ميلاد الطفلين .. اتمنى من الله أن يسعد الجميع بنفس قدر سعادتي ..
**
وحملت خالد بحرص وهي تضعه في سبت السبوع ..
مرت ساعات منذ حمام حسام له لكنها فضلت ابقاء الطاقية حتى تكون الصور مميزة ..
وبعد أن عبرت به على الملح سبعة مرات في بهو منزلهما الممتلىء بالأحباء والأصدقاء التقطت الرضيع وضمته لصدرها وهي توجه حديثها لسارة ..
- تعالي لتشاهدي خالد الصغير ..
وابتسمت سارة بحنان وهي تمد يدها لتلتقط خالد .. ونزعت الطاقية بلطف وكتمت شهقتها لكن سلمى لم تستطع كتم صراخاتها وهي تقول ..
- حسسسسساااااام !!
وانطلقت الضحكات حتى آريام التي لم تبتسم منذ شهور ابتسمت مليء فيها,, ولم تستطيع السيطرة على ضحكاتها والتفتت لتقلل من احراج سلمى لكنها فوجئت بغسان يقف لجوارها ويراقبها باشتياق ..
**
- ميجيل .. اريد السفر للقاهرة اشتقت لزارا اعني لشيرويت ..
- غدًا حياتي سنكون هناك ..
والقت نفسها بين ذراعيه بامتنان ..
- شكرًا حبيبي ..
- سيلينا .. متى كانت آخر مرة اخبرتكِ فيها اني احبكِ ..؟؟
ونظرت في سِاعتها لتقول ..
- ربما منذ خمس دقائق ؟؟!!
في أحلك الأوقات وأشدها ظلمة يكون بصيص النور ضربًا من الخيال والألم الذي عانته على يد ميجيل لم يكن محتملًا بأي حال .. غدر واهانة وخيانة وفراق لكنها تمكنت من التماسك وعاد ميجيل ليبحث عنها وربما كان بحثه عنها لمصلحة زارا أيضًا .. البعاد حينما يكون يائسًا ولأجل الكرامة تتخيل معه أن الحياة انتهت لكن الحب الحقيقي الذي يسبب كل هذا الألم من المحال أن يكون بلا مقابل وميجيل اثبت نفس الذي اثبته زوج زارا .. حتى البعاد لا يغير القلوب بل ربما يشعللها ..
والتقطت هاتفها على الفور وحينما سمعت صوت شيرويت هتفت بسعادة ..
- سنأتي للقاهرة في أقرب وقت ..
واجابتها شيرويت بنفس السعادة ..
- حقًا ؟؟!! لقد افتقدتكِ كثيرًا ..
وانهت المكالمة وهي تنظر لزبيدة التى تجلس معها بتعجب ..
كم هى قوية تلك الفتاة ..
كانت تحكي لصغارها عن غالب كعادتها يوميًا ..
ورفعت زبيدة رأسها لتقول بتأكيد ..
- لن انساه شيرويت هو معي كل يوم ,, اراه في أطفاله وفي ذكرياتي وسألقاه في الجنة باذن الله ..
**
ومرت كل الأفكار في رأسها .. لو انتحرت الآن لن يلومها أحدهم‘‘ لكن ما ذنب فارس ..؟؟ ليتها لم توافق وتورط نفسها وتورطه في علاقة لا أمل فيها ..
في اللحظة التى رأت فيها غسان مجددًا في سبوع سلمى علمت انها ستضعف ومع لمسته البسيطة لذراعها جنت وركضت بلاهدف حتى وجدت نفسها تهاتف فارس وتخبره عن موافقتها .. لكن الحقيقة المؤكدة والتي اثبتت نفسها حاليًا لن تكون زوجة لغيره أبدًا وحتى وإن لم تستطع العودة له بسبب كل ما كان.. لن تستطيع مهما حاولت وقاومت وبكت وقضت شهر من الجحيم تحاول اقناع نفسها وقبول فارس كزوج ..
ومع قدوم المأذون اختنقت واسودت الدنيا في عينيها ونهضت لتركض هاربة وهى تختنق بالعبرات .. وقبل أن تصل لمنتصف القاعة شاهدته ..
لا هذا مستحيل .. غسان يقتحم الزفاف !! يقتحمه كهمجي من العصور السحيقة ويتقدم نحوها بخطوات ملهوفة ويبدو أنه ينوي شيئًا ما ..
عودة لدقائق سابقة ..
لا هذا لايمكن أن يكون .. حاول الاحتمال لشهر كامل وهو يعد للعرس تنازليًا ..
حاول منحها حريتها وحق القرار .. حاول مباركة سعادتها في حياتها الجديدة وتحمل العذاب والألم والقهر وبكى لليال طويلة وحتى مشروع الروبوت الذي كان بدأه ليحل محل يده تخلى عنه وقرر دفن نفسه والبكاء بمفرده .. لكنه لم يستطع حين حان الوقت وعلم أن اليوم ستكون زوجة غيره ..
لن يأخذها أحدًا غيري وهجم على العرس بمفرده مقتحمًا اياه كالهمجي بعينيه المحمرتين وشعره الأشعث وذقنه التي استطالت بغير ترتيب لتتوقف كل الأصوات حتى موسيقى العرس وتحبس الأنفاس ولو القيت ابرة الآن سيسمع دويها ..
ترتدي الأبيض وتزف لغيره ؟؟!!
على جثتى!!
ووسط أنظار الحاضرين حتى سامي الذي فقط اتسعت عيناه عن آخرهما حملها بسهولة واتجه للخارج وهي دفنت رأسها في كتفه لتختفي عن كل الأنظار وهي تهمس من وسط شهقات بكائها..
- لماذا تأخرت هكذا...؟؟
- اعتذر منك سيدي لا استطيع عقد قرانكما أنتما لستما من منطقتي ثم انى لا أعتقد أن عروسًا في ثياب العرس تتجول حاملة هويتها..
اعتذر المأذون بلطف وهو يعيد هوية غسان له ..من اغرب طلبات عقد القران التي تلقاها وتثير ريبته وتحفظه وستجعل مأذونًا آخرًا يغضب منه لتعديه على حقه .. إذًا فالأسلم الاعتذار عن عقد هذا القران الغريب ..
تعتذر؟؟!! هل تمزح يا رجل...؟؟ ستعقده ستعقده..
وحذره غسان بجدية..
- حقًا لن استطيع الانتظار حتى ابحث عن مأذون منطقتي،، أنت كنت الأقرب لنا وستتحمل وزر ما سيحدث اليوم لأنها ستعود لفراشي الليلة سواء عقدت القران أم لا هي كانت زوجتي من قبل وخطفتها من زفافها منذ لحظات وسأعتبر أني اعدتها لعصمتى بقسيمة جديدة أو بدونها لذلك احذرك فكر مرة أخرى قبل الرفض..
ما هولاء المجانين اللذين ابتلاه الله بهما؟؟
أشعث طليق اللحية غير مهندم وعروس كاملة الزينة ودموعها تغرق وجهها لتفسد زينتها وتحوله لخرائط منحوتة على بشرتها ..
وفتحت آريام كفها ليجدا هويتها مغرزوة فيه حتى ثقبت لحمها وتلونت بلون أحمر ..
هي كانت تحملها لتسلمها لسامي وحينما حسمت أمرها وركضت كانت في كفها وظلت كما هي حتى نبهها المأذون ..
ما هذه الورطة؟؟
سيغضب مأذون حيهما اذا علم .. هذا ميثاق غيرمكتوب لاحترام عمل الآخر
وحاول التملص ..
- لا يوجد شهود..
- بل يوجد ..
صوت من خلفهما جعلهما ينتفضان ..
وهتفت بارتياح ..
- سامي!!
- نعم آريام .. لقد لحقتكما ومعي قسيمة طلاقكِ التي كنت أعدها لاعطيها للمأذون الذي سيعقد قرانكِ وتبين أنه سيكون أنت سيدي وسأوقع بيدى التي اعادها غسان لي كشاهد أول .. وستصل كل العائلة والأصدقاء حالًا وسيكون لديك شهودًا وزفة واشهار..
وفي لحظات تحول الزفاف لمكتب المأذون الضيق وحتى معتصم الذي ذهب للزفاف رغمًا عنه فقط ليرضي شيرويت حمل الفرقة الموسيقية بكل معداتها لترافقهم ولتعزف أعذب الألحان في الشارع أمام المكتب وآريام تقول بصوت متهدج..
- وأنا قبلت الزواج منك.
يتبع روايات جديده وحصريه اضغط هنا
•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية