رواية ورقة التين الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي


قلبه المفطور حزنًا خفق مجددًا فشمسه عادت للشروق بعدما خبت لسنوات..

فرك عينيه بدهشة وبقوة كادت تفقأهما .. زينب حية بشحمها ولحمها بل وبنفس الهيئة التي سلبت عقله أول يوم رآها فيها حينما سطعت شمسها لتغطي على الشمس وتخللت أشعتها شعرها لتحيط بها هالة عجيبة أوقفت قلبه .. لكنه استيقظ من أحلامه على صوت منذر يقول بضيق ..- أبي أقدم لك ربى هارون تيجان ..

ليست زينب .. ليست زينب ولن تكون .. زينب في الجنة ..

كان يعلم أنه بقمة قساوته لكن والده أيضًا عليه أن يتذكر ويعرف من هي تلك ولا ينخدع بها وبجمالها  الناعم الكاذب ولا يستعيض بها عن زينب تيجان .. لا أحد يعوضهم عن زينب تيجان .. ولدهشته أغرقت عيناه بالدموع وتساقطت على وجهه الذي تحول ورق بشكل مذهل ..- ربى .. من طرف الغالية .. الحمد لله .. مرحباً بكما في منزل عمتكما.. لقد أعدتما الشمس لحياتي ..

من طرف الغالية؟؟  لا والدي انتظر إنها من طرف هارون..

لكن والده لم يكن يرى هذا ولم يتذكر مثله كل ما أراد نسيانه لسنوات واقترب منها بحنان أبوي واضح وشعرت ربى أنه يريد احتضانها لكن ذراعيه أغلقا على الهواء وأغلق عينيه.. وبدل عاصم نظراته بدهشة غير مستوعب لما يحدث ..

أما منذر فكان يتوقع أن يثور والده ويشعر بالحقد مثله لرؤيتهما لا أن يرق وجهه وقلبه هكذا .. إنهما ابنا هارون؟؟ كيف تفعل هذا ؟؟

وهتف بسخط وغضب ..- أبي إنهما ابنا هارون لا تنسى ..

أبي؟؟ كررها مجددًا‘‘ هذا منزله ؟؟ هي أيضًا مازالت لم تفهم العلاقة .. كيف يكون ابنه؟؟ ما علاقته بعمتها؟؟

وفهمت أخيرًا حينما قبض منذر على ذراعها بقسوة وأشار لمنزله ..- كنتِ تريدين معرفة عنوان زينب تيجان؟؟ هذا هو العنوان .. هنا كانت تعيش بسلام بعيدًا عن مستنقع والدكِ المثير للقرف لكنها مرضت .. كانت تعيش هنا حتى رفض والدكِ إعطائها حقها في ميراثها فماتت لأننا عجزنا عن دفع مصاريف المستشفى.. هنا كانت تعيش لكنها رحلت وسترحلين أنتِ أيضًا .. غادرا منزلي على الفور .. لا أريد أن أراكما مجددًا أو أسمع صوتكما ..

وغصة هائلة ارتفعت حتى كادت تخنقها وامتلئت عيناها بالدموع ليتها تتمكن من سد  آذان عاصم كي لا يسمع لكنها بعيدة عنه للأسف .. عمتها ماتت ومات معها آخر أمل وليس هذا فقط بل واجهها منذر بقباحة صنيع والدها وكأنها لم تعلم ما يكفيها ..

قتل شقيقته وباع ابنته لا شيء تقوله عنه يدهشني لن أجادلك .. من بين ملايين يعيشيون على أرض مصر تضعها الصدف في طريقه .. أنا أيضًا أتذكر لست وحدك تتذكر ذاك اليوم  وأعلم ما حدث لذلك لم أكن أريد القدوم .. أتذكر على الرغم من سنوات عمري التي كانت بالكاد بلغت السادسة .. أتذكر الكلاب والدم وكل شيء و.. و برشوم ..

وتركها فجأة فزلزت الأرض من تحت قدميها‘‘ صحيح كان يمسكها ليعنفها لكنه كان يسندها وأصبحت كقشة في مهب الريح حينما تركها وكادت تسقط وهرع لها عاصم وزوج عمتها لكن زوج عمتها كان الأقرب وسندها بحنان أبوي ووجه نظره لمنذر ليقول بتأنيب حازم..- صحيح هذا منزلك لكن لم أربيك لتكون وقحًا قليل التهذيب .. هما ضيفاي وسيبقيان هنا كل الوقت الذي يرغبان به ..

لكن الدموع غلبتها وجذبت نفسها لتحررها  ..- هيا عاصم ..

وحملت حقيبة ظهرها وتحاملت على عاصم .. سيرحلان للمجهول لن يبقيا هنا دقيقة واحدة .. لكنها فجأة شعرت بروحها تنسحب وبرغبة عارمة في القيء ثم غامت الدنيا من حولها ..

                                           **

الأصوات من حولها تتحدث بهمس وكأنهم يخشون سماعها لما يقولون فواصلت إغلاق عينيها وكأنها لم تستعد وعيها بعد..

كان الصوت الهامس لعاصم الذي قال بحزن واضح ..- لم يعد لدينا في القاهرة مكانًا لنقيم فيه من بعد وفاة والدنا .. فأتينا نبحث عن عمتنا ..

آه اصمت يا عاصم اصمت أرجوك أنا لن أتوسل للبقاء هنا على الرغم من أن الفراش الذي تشعر به تحتها كان وثيرًا جدًا .. لم تنم في فراشٍ مريحٍ هكذا من قبل على الرغم من قصرهم الفاخر الذي كان يتباهى والدهما بأن كل قطعه أصلية حتى حاشية الأسرة..

وهتف زوج عمتها بتأثر .. - أنتما مرحبًا بكما هنا للأبد ..  

وابتلعت غصة خانقة وفكرت " لكن هذا ليس كلام ولدك والذي قلت بنفسك أنه صاحب البيت ..

وسمعت صوته يسأل عاصم ..- هل تعاني شقيقتك من أي مرض مزمن معروف؟؟ سأصطحبها للمستشفى حالًا ..

- لا لا داعي صحتها بخير‘‘ نحن فقط لم نأكل منذ البارحة والحرارة شديدة جدًا ونحن لا نحتمل الحرارة بسبب لوننا.. وأعتقد أنها  فقط جائعة ومرهقة ..

لا يكفي هذا .. وتوقفت  عن الاستمرار في التظاهر بفقدان الوعي وهبت واقفة لتقول بحدة.. - عاصم يكفي هذا .. هيا سنرحل ..

كانت تترنح‘‘ هزيلة متعثرة الخطوات لكن كرامتها تلامس السماء .. لن أحني رأسي أبدًا..

ومنعها منذر بضيق .. - إلى أين ستذهبان؟؟

- إلى أي مكان هذا ليس شأنك ..

-إذًا أنتِ مخطئة تمامًا .. هذا شأني بالكامل .. أنتما أصبحتما مسؤليتي .. ربما لا أرغب بها لكنها فرضت علي فرضًا ولن أسمح لكما بالمغادرة أبدًا .. أنا رجل حامي الدماء كيف أترك لحمي في الشارع؟

لكنها تجاهلت ما يقوله وجذبت عاصم من يده استعدادًا للرحيل لكن زوج عمتها أوقفها بلطف .. - توقفي يا ابنتي .. لا كلام قبل الطعام .. نحن لم نتناول طعام الغداء بعد.. فلنتناول الطعام أولًا ثم سيأتي الله بالحل من عنده ..

                                                           **

صفعة مدوية أعقبها سيل من الألفاظ السوقية البذيئة انهال بهم يزيد على رجله المسكين.. كان يرغي ويزبد ففريسته الشهية فرت من يده ..

- ستدفع الثمن .. أقسم لك ستدفع الثمن وأنت تعلم ما هو عقابي‘‘ كيف غافلتك تلك الطفلة وفرت ؟؟ طفلان !! طفلان جعل من شواربكم مضحكة وفرا منكم.. لقد وضعت جيش لملاحظة طفلة والنتيجة لا شيء وسيدفع أحدكم الثمن .. وربما كلكم إذا لم أجدها سريعًا ..

وارتعد الرجل بخوف ..- سأجدها سيدي .. أعدك سأفعل ..

- من الجيد لك أن تفعل وإلا ..

لقد انتظر تلك اللحظة لشهور حتى يهبط من قمة نشوته على أنفه .. تسلى لشهور على أموال هارون ليسلبها منه بالبطيء وكلما خسر هارون كلما علم إنه اقترب من هدفه وأتت اللحظة التي كان ينتظرها لكن حدث ما لم يكن في الحسبان‘‘ تلك الطفلة غافلت رجاله وفرت ولن يتركها .. ستكون له بالكامل مهما طال الوقت ..

- ابحثوا عن كل فروع عائلة تيجان .. أريد معرفة إن كان لهارون أقارب مع أني أعلم انه لا يوجد له لكن ابحثوا مجددًا .. أريد ربى في فراشي في أقرب وقت وإلا سأنتزع أحشائكم بأظافري وألقيها للكلاب ..

                                            **

لم تكن لترفض !! حقًا لم تكن لترفض فرصة تناول الطعام لأجل عاصم على الأقل فالقادم مجهول وجلست لطاولة الطعام وسط عائلة عمتها .. كان هناك مراهق أكبر من عاصم تقريبًا بعامين يجلس لجوار منذر يراقبهما بتعجب  صامت..

" مهند" شقيق منذر الأصغر والذي كان مبهورًا بلونهما حتى أنه لمس شعر عاصم في الخفاء وحدق بأصابعه ليتأكد من أنها لم تكتسب أي لون.. جينات عمتها لم تسيطر فلا أحد من ولديها كان بلونهما لذلك لا تستعجب أن يحدق الجميع فيهما بدهشة..

جو الطعام كان وديًا للغاية لم تلاحظ فيه التوتر السابق والطعام نفسه كان لذيذًا بلا أي بهرجة فقط الدجاج البلدي المربى في المنزل" هكذا أخبروها بفخر واضح"  مع المرقة المركزة والرز المعمر في الفرن في طاجن فخاري تراثي أنيق.. وعلى جانب كان يوجد طبق كبير من الخوص يسمى " المشنة " كما علمت اسمها وضع بها فطير مشلتت بالسمن البلدي..

لم يكن الطعام بكميات كبيرة تصل للسفة ولا قليلًا أيضًا بل كان كافيًا ليصل بهم لدرجة الشبع والاكتفاء بل والمتعة أيضًا.. ومنع زوج عمتها الكلام على الطعام بكافة أشكاله فقط قال.. -  " بسم الله الرحمن الرحيم " فليسمي الجميع ولا أريد سماع أي حديث حتى ننتهي.. وقد كان..

وجمعت نفس القروية البسيطة التي ترتدي الجلباب الفلاحي الطعام ببساطة كما قدمته وقالت بابتسامة..         - سأحضر لكم الشاي في الفراندة ..

واتجه الجميع للتراس الكبير في الطابق الأرضي والذي يرتفع بعدة درجات عن الأرض ومن حوله حديقة صغيرة رائعة بها رائحة عطرية مثل رائحة النعناع والريحان وركن من الزهور المتفتحة وياسمينة عملاقة متسلقة تمنحهم رائحة رائعة كلما هبت نسمة هواء وتحتها بني مقعد من الحجر الزخرفي ظهر وكأنه خرج من بيت ورد وتمنت أن تجلس عليه للأبد تستظل بالياسمينة وتستنشق عبيرها..

كانت الشمس على وشك المغيب والجو أصبح ألطف كثيرًا وشغل زوج عمتها مروحة هوائية فازداد شعورها بالراحة.. وأشار لحيث تنظر قائلًا.. - زينب زرعتها بيدها.. كانت كالشمس بالنهار وكياسمينة بالليل.. كانت تنشر البهجة في كل مكان..

ولاحظت تجهم وجه منذر مع حديث والده.. من الصعب فقدان أم وخاصة لو كانت حنونة رائعة كما يصفون عمتها.. ليتها نالها من حبها جانب.. حتى والدتها لم تكن حنونة للغاية بل كانت جافة المشاعر بعض الشيء.. وعاصم لم يجد في هذه الحياة حبًا سوى منها وستظل تمنحه الحب والأمان والزود للأبد.. ومن الرائع مشاهدة قصة حب مثل قصة حب عمتها وزوجها.. محظوظة عمتها حتى ولو لسنوات قصيرة لأنها وجدت هذا الحب الواضح في ملامح وجه حبيبها الحزينة والتي تنبض ألمًا كلما تحدث عنها والذي كان لا يترك فرصة ليذكرها فيها وكأنه معتادًا على هذا..

وأحضرت القروية الشاي الكشري الثقيل بالنعناع الطازج والذي انتزع لتوه من الحديقة مع طبق كبير من فاكهة التين وشرب الجميع الشاي بصمت وطال الصمت حتى ظنت أن الجميع نسي كيفية الحديث وطريقته ثم قطع زوج عمتها الصمت الذي فرضه عليهم فجأة وهو يناول بعضًا من ثمرات التين لعاصم ومهند ويأمرهما بلطف لكن بنبرة حازمة لا تعطي مجالًا للتفكير..    

- هيا عاصم‘‘ تعالى أنت ومهند معي أريد أن أريكما شيئًا ..

لا شيء ليريهما إياه لكنها كانت تعلم أنه يترك المجال لمنذر ليستجوبها كمخبر ثقيل قبل أن يعاود طردهما ولذلك لم تعترض‘ عاصم فتن عن وضعهما بالفعل لذلك سيريح منذر ضميره بكلمتين ومن ثم سيتركهما يواجهان مصيرهما وهذا أبسط حقوقه فيكفي كنيتهما اللعينة التي ستطاردهما لباقي العمر وظلت تحدق في كوب الشاي الفارغ الذي تحتضنه بكل قوتها .. وسألها بنبرة حادة .. - ماذا حدث ..؟؟ وكم عمرك ؟؟

ورفعت عينيها إليه لتقول بحزن ..- توفى والدي بعدما خسر كل أملاكه حتى القصر ولم يعد لدينا أي مأوى .. وأنا في التاسعة عشر ..

كان يعلم من الحديث السابق أنهما يتيمان فلم يكن هناك داعي ليسألها مجددًا عن والدتها التي توفيت .. عاصم تطوع وأخبره هذا أيضًا ومنذ البداية .. كانت تعلم أنه يسأل الآن بالتحديد عن أملاك والدها وثروته وعن السبب في الحالة التي وصلوا إليها فأخبرته ما يريد معرفته فقط ولن تخبره المزيد..

لاحظت أنه يصارع حربًا داخلية لكن هل تلومه؟؟

أذى والدها طاله كما طال الجميع وما خفي كان أعظم ..

ووضعت كوب الشاي الذي كانت تتمسك به كطوق نجاة لتقول بنبرة حاسمة ..

- لا تجبر نفسك على تحملنا لأننا لن نبقى ولا تشعر بأي ذنب أنا كبيرة كفاية لتحمل مسؤولية شقيقي .. سنرحل الآن ولن ترانا أو تسمع صوتنا كما تريد .. التي حضرنا من أجلها لم تعد موجودة وبالتالي لن نزعجك أبدًا ..

اللعنة !! في التاسعة عشر أكبر من مهند ببضعة سنوات ..

كانت تتوقع أن يرتاح لكلامها فهي تحرره من عبئهما الثقيل لكنه نظر إليها بطريقة شيطانية ليقول بحزم ..     - هراء‘‘ من اليوم أنتِ خاضعة لسلطتي لن تتحركي خطوة دون إذني وسترتدين الحجاب لا يمكن أن تتجولي هكذا بعد الآن ..

وهتفت بسخط ..- أنا لست خاضعة لسلطتك ولن أخضع وسأرحل ..

الحزم !! تلك الطفلة تحتاج للحزم لذلك هب واقفًا ليقول بنفس النبرة الشيطانية .. - تجرأي وحاولي المغادرة لخارج حدود منزلي دون إذني وستري ماذا سيحدث لكِ.. أنتِ طفلة مشاغبة وستتعلمين الأدب هنا على يدي وسأحصي حتى أنفاسكِ.. من اليوم أنتما في رعايتي لكن لا أحد يبقى هنا دون عمل .. ستعملان في المنزل وفي الأرض لتجمعا التين يوميًا ..

الحياة ليست عادلة أبدًا .. بل إنها قاسية تأكل الضعيف وتسحقه سحقًا ..

لكن العرض الذي يقدمه منذر كان من أفضل العروض " يعرض عليها ورقة التين التي سوف تسترها والمأوى الذي يحميها وفي المقابل سوف يخضعها لسلطته ويحصي أنفاسها ويجعلها كعبدة لسلطته " ربما العرض ليس بالظلم الذي تظنه فتجارة البشر الحقيقية ليست بعيدة عن أنفها ووقعت تحت سلطتها بالفعل وعلى الأقل منذر لن يستغلها جنسيًا بل سيجعلها تعمل كثور في ساقية.. أو بالسخرة ‘‘لا مانع‘‘حقًا لا مانع من العمل الشريف حتى وإن كان شاقًا لكن بشروطها.. العبودية ستكون لها فقط لكن عاصم لا لن يعمل سيكمل تعليمه .. ربما لن تكون تضحية حقيقية طالما اختارتها بنفسها .. ستعتبره عقد عمل والمقابل ليس مادي لكن المقابل مأوى بكل ما سيحمله من كلمة ..

مأوى آمن بعيدًا عن أعين يزيد ورجاله .. ومأوى مشمس يجعلها ترى النور ولا تخاف منه .. ومأوى مبني بالحب فربما ينالهما من هذا الحب جانب حتى ولو ضئيلًا..

ورفعت رأسها بكبرياء لتقول ..- سأقبل بعرضك  للعمل من أجل عاصم فقط تذكر هذا لكني أنا فقط سأعمل‘‘ عاصم سيكمل تعليمه وسيذهب للمدرسة وأنا سأقوم بعمله..

                                           **

نار منذر المشتعلة بالكراهية كوقود ليغذيها ويزيد من توهجها لا تقارن البتة بجنة يزيد الصورية والتي كان يضعها تحت قدميها .. ومع أن  يزيد كان يعرض عليها استمرارية الإقامة في القصر والتمتع بالأموال ومنذر يعرض عليها العمل الشاق وبلا مقابل سوى الحماية لكن الخيار محسوم ولصالح منذر بالطبع ..

المنزل الريفي البسيط في نظرها أجمل من القصر البائس والجو الرائع من حولها يعيد الصحة والحياة لجسديهما الهزيل وشمس برشوم سوف تطليهما بالعافية ..

كان منذر يتوقع منها أن ترفض عرضه " كان يعجزها " لتطلب الرحيل بنفسها لكنها وافقت وهذا سيجعله يخترع حجة جديدة لتطفيشها لكان لدهشتها وجدته يصرخ بعصبية..- فوزية ..

وحضرت القروية على الفور فأكمل صراخه .. - الآنسة ربى ستقيم معنا من اليوم

وستعلمينها كيف تصبح مفيدة وستعمل يدها بيدكِ لبضعة أيام ثم بعدها ستتولى هي كل المنزل واحضري لها ملابس مناسبة بدلًا من  الفضائح التي ترتديها ..

وقبل أن تسأل فوزية أجابها ..- ستقيم في الغرفة الشاغرة في الطابق العلوي وشقيقها سيقيم مع مهند في غرفته جهزي فراشه ..

واكتشفت كل شبر حولها‘‘ المنزل كان مكونًا من عدة غرف .. في الأعلى غرفة منذر وغرفتها وصالة كبيرة وحمام وفي الأسفل ركن السفرة وغرفتي نوم أحداهما لزوج عمتها والأخرى لمهند ومجلس أرائك بلدي مزركش بألوان رائعة وطاولة معدنية قديمة والتراس الرائع المفتوح على الحديقة بالإضافة للمطبخ والحمام..

العمل لن يكون كثيرًا فالمنزل بأكمله يساوي جناح نوم والدها فقط .. لكن المشكلة التي سوف تواجهها مع بداية الدراسة هي العودة للقاهرة لسحب ملف عاصم من المدرسة لتقديمه هنا بالتأكيد يزيد لن يفوت عليه وضع أحد رجاله ليراقب المدرسة .. لن يهدأ له بال حتى يجدها وينتقم منها لكن فلتترك كل القلق لوقته .. ستجد حلًا إن شاء الله ..

- آنسة ربى هذه غرفتكِ ودقائق وسأحضر لكِ جلبابًا فلاحي وطرحة ..

ونهرتها ربى بضيق ..- ناديني ربى فقط ..

واختفت فوزية وتأملت ربى غرفتها .. هنا ستكون آمنة وسعيدة .. ستصنع سعادتها بنفسها طالما لن يجدها يزيد وطالما سيكمل عاصم تعليمه وسيجد مأوى آمن وطعام جيد .. لن تكون أسيرة بالمعنى الحرفي لكنها ستكون شجاعة وستتحمل نتائج اختيارها الصحيح .. العائلة تظل الأسلم حتى ولو وقف بينهما حاجز من الماضي وضغائن وصلت للموت وطالما لن تكون عالة وستعمل وستكسب قوتها وقوت عاصم .. ستثبت لمنذر أنها مختلفة عن والدها وأنها أقرب لوالدته " البنت لعمتها " كما يقولون وكما علمت منهم فهي تشبهها خارجيًا وستشبهها داخليًا .. وعلى رأي عاصم هي لم تكن تشبه والداهما وإلا لما كانت رحلت ..

وعادت فوزية بالجلباب الفلاحي سريعا جدًا ووضعته على الفراش  فعلقت ..- بهذه السرعة ..

- نحن نقيم في غرفة في الحديقة وأتعشم أن يناسبكِ مقاسي فأنتِ أنحف كثيرًا لكن هذه كانت لي قبل الزواج ..

ثم ابتسمت بخجل لتقول ..- السيد منذر يطلب منكِ اخفاء كتلة النار تلك .. وأشارت لشعرها وابتسمت مجددًا ابتسامة محببة..

- هو قال هذا ..

- نعم‘‘ قال .." اخبريها أن تخفي كتلة النار التي تسير بها ..  

وضيقت عيناها بشك ..  - قال هذا فقط ..

 وأكملت فوزية بنفس الخجل وهي تقلد صوته ونبرته ..- لا بل قال أن تخفي كتلة النار وإلا حلقتها لها .. عليها أن تعلم أنها أصبحت في عهدة رجل حامي الدماء .. لا تغضبي مني ما على الرسول إلا البلاغ .. لكنه سيكون مخطئًا كثيرًا إن نفذ تهديده وحلق شعركِ الرائع .. لكن لا تغضبي مني مجددًا لم يكن عليكِ اظهاره للرجال هكذا .. زوجكِ فقط يحق له رؤيته ..

وأحمر وجهها بشدة .. يحلق شعر من ؟؟

ذلك الوقح بحاجة لمن يعطيه درسًا لكن مصلحة عاصم الأهم حاليًا‘‘ لكن في الواقع فوزية لم يوجهنا أي أحد  يومًا لأي شيء .. لم ينصحنا أي شخص أو يعلمنا ما يجب علينا فعله وما لا يجب‘‘ أنا أوجه عاصم اجتهاديًا..

ولن تنكر تشعر هنا براحة نفسية عجيبة .. وتناولت الجلباب من فوزية بلطافة فليس على المرسال حرج .. لن تحاسبها على وقاحة رب عملها والذي سيكون رب عملها هي أيضًا ..

وأكملت فوزية بنفس الكسوف ..- قال أخيرًا عليها الاستيقاظ مع الفجر للاعتناء بالمنزل والخبيز ثم الذهاب لجمع محصول التين ..

                                       **

يا أبو اللبايش يا قصب عندنا فرح واتنصب

جابوا القميص على قدها نزلت تفرج عمها

جال يا حلاوة شعرها تسلم عيون اللي خطب

كانت فوزية تغني وهي تقوم بالعجن وتنظر لشعرها الذي غطت معظمه بالطرحة السوداء لكن ظلت أطرافه النارية تعطي تناقضًا مثيرًا للاذبهلال مع لون القماش والجلباب .. وكأنها تحمل جمرة نار فوق رأسها ..

وأحمر وجهها بالخجل حينما لمحت منذر على الباب يحدق فيها بكلتا عينيه هو الآخر..

وشغلت نفسها في اتباع خطوات فوزية السابقة لتتجاهل وجوده الذي سبب لها التوتر الشديد ..

كان يرتدي هو الآخر جلبابًا فلاحي واسع ويشمر ذراعيه وكأنه عاد لتوه من الوضوء للصلاة وانسحب في صمت فتنفست الصعداء وواصلت مساعدة فوزية في الخبيز .. صحيح هي تعلم إنها عديمة الفائدة لكنها ستتعلم فاليوم هو اليوم الثاني على التوالي الذي تساعدها فيه في خبز الفطير وبعدها في ترتيب المنزل ثم جمع المحصول من الأرض والعودة لطبخ طعام الغداء ثم يكون باقي اليوم ملكها لتفعل فيه ما تريد ..

بالأمس نامت من بعد الغداء حتى فجر اليوم الثاني من شدة إرهاقها ومن شدة الحرارة التي جعلتها تشعر بصداع شديد وبحرارة لاهبة في كل جلدها لكنها ستعتاد .. لقد عملت يدًا بيد مع الجميع حتى عاصم ساهم مع مهند في حمل الصناديق فالتين محصول سريع العطب ويجب معاملته معاملة خاصة .. لكن الحق يقال لم تتذوق تين بمثل جماله من قبل بالإضافة للتين كانت توجد أشجار المانجو العويس متفرقة في كامل الأرض لكن لم يبدأوا في جمع محصولها بعد ..

حياة مختلفة بالكامل .. الجميع يعمل لا أحد عالة على أحد حتى زوج عمتها يدير الحسابات بحكم عمله السابق وغندور زوج فوزية يقوم بالاهتمام بالمعلف وبالحظيرة مع منذر الذي يهتم بكل شيء بنفسه بالحديقة الملحقة بالمنزل‘‘ وبالأرض وبالحظيرة وبالمعلف وبالمنحل الذي كان يعطيهم عسلًا نقيًا رائعًا..

ونجحت في صنع أول فطيرة .. وشعرت بالفخر .. الشعور بالإنجاز يعطي دافعًا وفوزية شجعتها حتى أكملت فطيرة كاملة وخرجت من الفرن ساخنة شهية ورائحة السمن تجعلها تشعر بالجوع بزيادة وذهبت للبحث عن عاصم ووجدته ..

وشعرت برغبة عارمة في البكاء .. هذا هو الجو الذي تتمنى لعاصم أن يكبر فيه .. كان زوج عمتها يقف كإمام ليأمهم في الصلاة ومن خلفه اصطف منذر ومهند وعاصم وغندور في الصف .. الجميع متساوٍ وخاشع ويستعد للصلاة .. سجادة خضراء كبيرة شبيهة بتلك التي تكون في المساجد افترشت الأرض واصطفوا فوقها استعدادا للصلاة..

وراقبتهم بشغف .. هنا عاصم سيكون في أمان وسيتعلم الصواب وسينسى تصرفات والدها المسيئة المشينة .. ربما ظنت أن الحياة قاسية وغير عادلة لكنها كانت مخطئة‘‘ الحياة فقط لا تعطي كل الناس كل شيء والآن منحتهما ما يحتاجانه تمامًا .. مأوى آمن .. وهذا حقًا يكفي ..

وبعد الفطور مباشرة خرج منذر بالسيارة وغاب بعض الوقت ثم حينما عاد كانت تتصبب عرقًا وهي تجمع التين وتضعه بحرص في الصناديق المخصصة له فوق ورق الشجر الذي كان يبطن الصناديق ..

وفوجئت به يعطيها قبعة ضخمة من الخوص ويأمرها بارتدائها فنظرت إليه بدهشة ولم تفتح فمها ثم فوجئت أكثر حينما أعطى عاصم هو الآخر قبعة من الخوص أيضًا أصغر حجمًا وقبل أن تسأل ولماذا نحن بالخصوص قال بتفسير ..- نظرًا للونكما .. الجميع هنا ببشرة سمراء تحتمل الحرارة أما أنتما فبشرتكما تسيحها الحرارة وشعركما ينافس الشمس ..

وعلق زوج عمتها بانبهار ..- كشمس مشرقة كزينب رحمة الله عليها تمامًا .. كانت تغطي على الشمس بجمالها .. وأتيت أنتِ لتجعليها تتوارى خجلًا ..

لكن وجهها هي من احمر خجلًا من اطرائه وأشاح منذر بوجهه بضيق وانفرجت شفتاه ليقول شيئًا لكنه غير رأيه وعاد لإغلاقهما  ثم انصرف ليحمل الصناديق المحملة بالثمار ويضعها في صندوق سيارته الخلفي بحرص شديد ثم يعود ليساعد في جمع المزيد ..

ولن تنكر العمل اليوم أفضل كثيرًا بعدما ارتدت القبعة وبعدما أخذت بالأمس قسطًا وفيرًا من الراحة ومن الطعام الذي ساهمت في إعداده .. وعملت بحرص لتحفظ الثمرات قدر الإمكان .. منذر كان حريصًا على محصوله جدًا ويعنف كل من يتعامل بإهمال أو يتلف الثمرات .. كان جديًا جدًا وعمليًا بصورة كبيرة على النقيض في كل شيء من والدها الذي كان يضيع كل وقته في ملذاته وفي الشراب حتى خسر كل يملك حتى أطفاله ..

وشعرت بروحانيات عجيبة .. وتسألت لماذا اختار منذر زراعة التين بالخصوص؟؟ ربما لأنها شجرة الأساطير .. هل يؤمن بالمعجزات والأساطير؟؟ هل يؤمن بأن لمسها يخلص من الطاقة السلبية ويمنح النشاط والهمة كما يقال عنها في الأساطير.. أم هي مجرد صدفة ليمنحها ورقة التين التي سوف تستر عورتها  وكأنه كان يتنبأ ؟؟

حينما قرأت مرة أن الهندوس يحجون سنويًا لشجرة تين عملاقة تعجبت ودهشت للغاية حتى شاهدت هذا المكان إذ يتوافد إليها أكثر من 120 مليون شخص سنويًا.. الجهل قد يصنع من الجمال إله وهكذا فعلوا الهندوس حينما لم يستوعبوا أن شجرة التين المعمرة هي مجرد آية من آيات الخالق عز وجل وربما لو لم تحضر لهنا لكانت هي الأخرى تاهت في دنياها الواسعة فلأول مرة تشاهد صلاة وتعلم أركانها فكل معلوماتها عنها كانت من كتب مادة الدين والتي لم تكن مادة أساسية في مدرستها الأجنبية ..

واستفاقت من أفكارها على صوت منذر وهو يصرخ بغضب بالغ معنفًا أحد الرجال.. - سيخصم من يوميتك ثمن التين الذي ألقيت به في القمامة ..

وتلعثم الرجل وقال بارتباك ..- الثمرات كانت مفعوصة ولم تكن قابلة للنقل ..

وأكمل منذر بنفس الغضب ..- هذا تبذير .. لماذا لم تسألني ..؟؟ أنا هنا طوال الوقت .. نحن نصنع منها مربى التين بعد انتهاء الحصاد .. الغير قابل للنقل نستفيد منه بطرق عدة وهذا لم يكن من شأنك .. ستدفع ثمنهم ..

اللعنة كم هو بخيل وقاسي .. لكن لم يعترض أحدهم وهتف زوج عمتها وهو يحاول تلطيف الجو ..- هذا عدم تقدير للنعمة يا ولدي وسيحاسبنا الله .. ألا تعلم قصة المرأة من بني إسرائيل  والتي مسحت نجاسة ولدها بكسرة خبز ، ثم وضعت كسرة الخبز في جحر ، فسلط الله عليها الجوع حتى أكلت تلك الكسرة..

وانتهى جمع التين الصالح للجمع وأشار لهم منذر بالاكتفاء وعادت للمنزل لطهو الطعام وعلمت من فوزية أن اليوم منذر يطلب المحشي والبط وعلقت فوزية على استحياء .. - السيد منذر يطلب منكِ نتف ريش البط ..

- ماذا ؟؟

صرخت ربى بذهول عاجزة عن التصديق ..

- نحن نقوم بكل شيء هنا .. لا نستعين بالخدمات الخارجية في الأشياء البسيطة والتي من الممكن أن نقوم بها بأنفسنا .. هذا هدر للأموال والسيد منذر لا يتهاون مطلقًا في هدر جنيه واحد ..

وعلقت ربى بحزن ..- لكن ليس لهذه الدرجة .. أنا أحاول قدر استطاعتي ..

عادي ربى .. نتف الريش ليس بمسألة عويصة لكن أنتِ صُنعتِ من الشيكولاتة لا من الطين مثلنا .. هكذا فكرت فوزية لكنها هزت رأسها وكأنها ليس لديها المزيد لتقوله‘‘ فغضب منذر لا يحتمل..

وشاهدتها ربى تدخل حظيرة الطيور وبعد حرب بسيطة مع الطيور خرجت منتصرة وتمسك ببطتين سمينتين من أرجلهما ورأسهما لأسفل..

 وغمزت فوزية لتقول ..- يبدو أن السيد راضي اليوم وطلب مني ذبح بطتين كاملتين وطهيهما للطعام وهذا ليس طبعه .. كانت بطة واحدة تكفي الجميع ..

وحاولت .. حقًا حاولت وشاهدت فوزية وهي تذبح البطتين ثم تضع الأولى في قدر الماء المغلي وتصاعدت رائحة أصابتها بالغثيان وحاولت مد أصابعها لنتف الريش كما تفعل فوزية باحترافية لكنها شعرت بأنها على وشك القيء فنهضت على الفور لتجد منذر خلفها يراقبها باستياء وصرخ بغضب ..- أنتِ فتاة مدللة لعينة لا فائدة منكِ مطلقًا..

بعد كل ما تحاول فعله يقول هذا ؟؟

وخرجت لا ترى أمامها من شدة البكاء وركضت بقوة حتى وصلت للمقعد الحجري فجلست عليه تضم ركبتيها لجسدها المنتفض من القهر والشعور بالظلم .. لماذا لا يرى مجهودها ؟؟ ليومين كاملين تصارع لتنال رضاه ..

والنتيجة عنفها هذه المرة بصورة قاسية والسبب فشلها في نتف ريش البط ليصبح جاهزًا للطهي؟؟  لكنها تتعلم ويتحسن مستواها فلماذا السخط ؟؟ولماذا لا يعطيها فرصة لتكون مثل والدته كما يقول وارتفعت شهقاتها عاليًا حتى شعرت بكف تربت على كتفها واستدارت لتجد زوج عمتها يبتسم بإشفاق قائلًا ..- لا تغضبي من منذر أنتِ لا تعلمين ماذا عانى .. لقد اضطر لترك التعليم والتخلي عن حلمه بالالتحاق بالجامعة من أجل مهند.. بعد وفاة زينب أنا كنت محطمًا غير قادر على العمل وعلى يدي طفل رضيع فاضطر وقتها منذر للهجرة لعدة سنوات كان يرسل لي فيهم الأموال‘‘ كنت قد رهنت حتى المنزل ولم يعد لدي شيء وحينها سافر منذر للخارج وعمل في كل شيء تتخيلينه حتى استعاد المنزل وتمكن من شراء أرض  ثم من بعد عودته دعمني حتى وقفت على قدماي مجددًا وكبرنا الأرض والمنزل وصلب مهند حيله واشتد عوده لكننا عانينا كثيرًا حتى تمكنا من هذا والسبب من وجهة نظره في كل ما حدث لنا هو والدكِ .. خسارتنا الحقيقة كانت خسارة زينب .. النسمة الحلوة في حياتنا والتي كانت تهبنا الحياة .. وأغرقت عيناه بالدموع ..

فرفعت عينين ماطرتين له لتقول ..- أنا لست هارون تيجان ..

فابتسم بتفهم ليقول..- أنا أعي هذا جيدًا ولستِ أيضًا زينب تيجان أنا أعي هذا أيضًا جيدًا،، عليكِ أن تكوني ربى فقط .. كوني نفسك بتلقائيتكِ وطيبة قلبكِ .. توقفي عن محاولة العيش كزينب لأن زينب نفسها لم تكن تنتف ريش البط .. منذر يعتقد هذا لكن في الحقيقة أنا من كان ينتفه بدلًا عنها..

- حقًا؟؟

- نعم لم أكن لأتركها تفعل هذا .. هي كانت مرفهة وكان لزامًا علي أن أجعلها مرفهة في حدود إمكانياتي‘‘ منذر ليس شريرًا يا ابنتي أو غلاويًا هو فقط مقهور محمل بضغائن الماضي ولم يسعى حتى للانتقام أو الكراهية .. الشرير لا يعطي حلمه لغيره.. لطالما أراد الإلتحاق بالجامعة لكن قدر الله غير ذلك فمنح هذا الحلم لمهند .. يقسى عليه حقًا لكن لمصلحته .. كل أمله أن يلتحق مهند بكلية الهندسة كما كان يتمنى هو ويحارب من أجل هذا .. قد يبخل منذر في الصرف على المظاهر الكاذبة لكنه لا يبخل علينا لا بالعلاج ولا بالطعام ولا يبخل على مهند في التعليم بل يحرص على منحه حتى الدروس الخصوصية إن احتاج الأمر .. وعاصم سيجد نفس الاهتمام منه إن شاء الله طالما قرر منذر هذا بنفسه .. هوني عليكِ يا ابنتي ولا تجعليه يقهركِ  بمرارته.. فقط اعطيه الوقت لينسى من أنتِ وسينسى وستكونين منا كقطعة من زينب لا كابنة هارون  .. لقد نسى ما حدث مرة وسينسى مجددًا لكن عليكِ الصبر..

ورفعت عينيها بامتنان غامر ..- كيف أشكرك ؟؟ لولاك ما كنا تمكنا من الإقامة هنا.. حقًا لا يوجد لدينا أي مكان آخر نقصده ولولاك لكنا في الشارع ..

وأجابها بحنان ..- لا أريد الشكر أنا لم أفعل شيئًا وهذا واجبي وأنتما مسؤولية منذر شاء أم أبى لكن لي رجاء خاص عندكِ إذا سمحتِ لي .. فقط أريدكِ ألا تقومي بالحكم على منذر الآن .. امنحيه بعض الوقت ولا أقول تحملي قسوته وإهانته فقط أقول لا تحكمي عليه حتى لا تكوني مثله فتأخذين بالظاهر وتتغاضين عن الجوهر  فقط تصرفي على طبيعتكِ ودعيه يخبط رأسه العنيد في الجدار وسيعتاد على وجودكِ ..

                                           **

الدرس الثاني .. تصرفي على طبيعتك ..

التعليم في مدرسة الحياة أهم آلاف المرات من التعليم في مدرستها الأمريكية الشهيرة..

والتوجيه الهادف يصقل النفس ويهذبها .. المراهقون يجب أن يجدوا التوجيه والإرشاد وإلا شعروا بالضياع ووجدوه كل ما يحتويهم .. يأتي هنا دور البالغين وتكون تلك مهمتهم .. هذا هو الوضع الطبيعي أما ما كان يحدث لم يكن طبيعيًا بالمرة.. منذ وفاة والدتها من خمس سنوات لم يوجههما أحدهم لفعل شيء .. فكل ما لديها كان والد سكير غير متزن وخادمة تعمل بالراتب من كان سيوجهها ؟؟

ثم حتى الخادمة توقفت عن العمل حينما توقف الراتب ورفض والدها إلحاقها بالجامعة في السنة الأخيرة وحول عاصم لمدرسة حكومية بعد إلحاح قوي منها ليفعل.. ثم خسر الجلد والسقط كما يقولون فباع القصر وباعها هي أيضًا وتوفى وهو يحتسي الخمر ..  وتركهما عامدًا كعبدين في سوق النخاسة ..

وهزت رأسها بقوة لتنفض عنها الذكريات .. زوج عمتها معه حق .. الماضي ينسى لكن بمرور الوقت‘‘ واليوم الرابع من العمل أفضل من اليوم الثالث ومن الثاني بالتأكيد والعيد يقترب ومظاهر الاحتفال تعم المكان  وعلمت عن فضل الأضحية واستعد المنزل كله للعيد وفغرت فاها بدهشة حينما طلب منهم منذر الاستعداد للذهاب لشراء ملابس العيد .. ملابس العيد ؟؟ على الرغم من ثراء والدها الفاحش لم يشترى لهما يومًا ملابس جديدة للعيد .. ولا حتى علما عن مظاهر العيد ..

وجلست في الطريق لمدينة بنها بين منذر وزوج عمتها وجلس في الخلف مهند وعاصم بعدما شد منذر غطاء من الجلد على الصندوق ليظلله ونظف السيارة جيدًا بالماء والصابون وعطرها وفرشها بسجادة من الخيط يدوية الصنع علمت أنه من صنعها بنفسه ..

كانت تراقبه وهو ينظف السيارة بنفسه من خلف نافذة المطبخ .. كان يرتدي سروالًا قصيرًا وقميص قطني بلا أكمام ويعمل بهمة ونشاط وكأنه لم يعد لتوه من بيع التين بعد جمعه ..

طاقته هائلة واهتمامه بالتفاصيل لا يصدق ..

كانت منبهرة بكل التفاصيل .. صحيح منذر قاسي متجهم الوجه لكنه يهتم بالتفاصيل..

يهتم بالتفاصيل لمن يحبهم ولمن قرر تحمل مسؤوليتهم حتى دون أن يوجه لها كلمة واحدة ..

وتوقفوا عند محل ملابس مجمع واختار لها منذر فستان واسع وحجابه وحذاء يناسبه وترك عاصم ومهند ووالده يختارون ملابسهم بأنفسهم وسأله عاصم بفضول .. - وأنت ألن تشتري لنفسك ملابس العيد ..؟؟

لكنه هز رأسه ولم يجيبه .. وانتهت الرحلة سريعًا وعادوا للمنزل .. وفي الصباح التالي قلبت فوزية المنزل رأسًا على عقب  من بعد الفطور مباشرة وهي تقول .. - غدًا وقفة عرفات كل عام وأنتِ بخير .. اليوم ننظف المنزل ولن نطهو الطعام سنأكل من بقايا الموجود وغدًا وبعد غد عطلة بالكامل .. لكن سيكون عليكِ الطهو فيهما لأني سأكون في بلدة غندور .. وغمزت بعينيها ..- الوقفة والعيد يحتاجان لطعام فاخر وخاص‘‘ خاصة أني علمت أنه سيكون هناك بعض الضيوف غدًا على الإفطارفشدي حيلك ..

غدًا سيكون صيام وسيكون لديها متسع من الوقت للطهي لكن كيف ستنتف ريش الدجاج؟؟ وبعد غد سيقوم منذر بالذبح بنفسه .. إعداد اللحم سيكون أسهل من إعداد الدجاج لكنها ستحاول .. لأجل عاصم ستحاول .. ثم من الضيوف؟؟ وكم عددهم؟

لم يخبرها أي شيء وسيتركها لتفشل .. يريدها أن تفشل ليشمت فيها ويعنفها ويفرغ شحنته اليومية .. لكنها لن تفشل .. على الأقل بدعم زوج عمتها الذي يحارب معها سرًا .. حقًا حمدت الله عندما تسلل زوج عمتها ليقول بهمس ..- فوزية .. اذبحي ديك رومي كبيرالحجم ونظفيه واغسليه جيدًا .. وضعيه في البراد بدون علم منذر  لا نريد المشاكل .. وأنا وربى سنقوم بعملكِ الآخر من الجيد أنه سيغيب معظم اليوم..

وابتسمت بحنان .. حقًا زوج عمتها يمنحها شعور الأبوة الرائع الذي حرمت منه ..

تشعر بالاهتمام والإخلاص .. ويخفي مساعدتها عن منذر ليظن إنها قامت بالعمل ..

وساعد مهند وعاصم في تنظيف غرفتهما ونظف زوج عمتها غرفته بالكامل وقامت هي بتنظيف غرفتها والصالة الكبيرة بالأعلى وتوقفت عند باب غرفته .. هل تدخل؟ أم تتركها لفوزية؟؟ لكن فوزية تقوم بعملها المفترض عليها فعله في الغد لذلك من واجبها هي تنظيف الطابق العلوي بالكامل والمساعدة في تنظيف الطابق السفلي أيضًا..

وحملت البياضات النظيفة ودلو الماء ومعدات النظافة ودخلت الغرفة ..

كانت غرفته بسيطة بلا أي بهرجة .. منظمة لدرجة تجعلها لا تجد عملًا لتفعله اللهم سوى تغيير البياضات التي حتى لا تحتاج للتغيير  .. كل شيء في موضعه بدقة متناهية وملابسه المتسخة في سلة للغسيل بجوار الباب .. وامتقع وجهها .. لليوم لم تغسل ملابس لكن سيكون عليها قريبًا .. فوضعت البياضات التي نزعتها في سلة الغسيل وأخرجتها للخارج وعادت لاستكمال عملها ..

واكتشفت!!  خلف العمل لذة .. هناك حالة من الترقب وضعهما فيها منذر.. تنتظر الغد للصيام وبعد الغد للذبح ولارتداء فستانها الجديد على الرغم من بساطته لكنها كانت تترقب تلك اللحظة .. تعمل اليوم بجد لترتاح بضعة أيام في أجازة كاملة لن تفعل فيها شيء سوى الطهي .. وعاصم أيضًا ينتظر ويتعلم ..

الحياة تصقلهما بالخبرة المفيدة وتحت مظلة آمنة .. كانت غارقة في أفكارها وهي ترتب الفراش بعدما انتهت من مسح الأرضية وتلميع الأثاث بعناية فائقة  فلم تشعر به وهو يدخل للغرفة حاملًا بعض الأكياس .. لكن وجهه تغير على الفور وألقى حمولته بعنف على الفراش وصرخ بغضب ..- ماذا تفعلين في غرفتي ..؟ اخرجي فورًا ولا تخطيها بقدمكِ مرة أخرى ..

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات