رواية عطر القسوة الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي
" ارادة الله غالبة ومهما قرر العبد وخطط واعد العدة ودبر, في النهاية مصيره مكتوب وقدره محتوم .. خطوات نخطوها خطوة تلو الاخري "
لأول مرة في حياتها كانت تتولي اعداد الطعام حتى لنفسها وهاهى الآن تشعر بلذة لا تعرف سببها وهى تطهو لغريب وقح وبذىء ..
وقلبها كاد يتوقف من السعادة الخالصة عندما شمت رائحة الطعام فهى لم تكن تتوقع أبدًا أنها تستطيع اعداد وجبة حقيقية ... هنئت نفسها.. " رائعة أنتِ يا فتاة .. العشاء يبدو مثل الطعام الحقيقي "
بامكانيات بسيطة جدًا كانت هى كل ما استاطعت ايجاده وسط خزائن المطبخ الشبه خاوية تمكنت من تحضير وجبة مقبولة افرغت فيها كل قلقها وتوترها... " أين أنتِ يا داده عزيزه ...؟ لن تصدقينى حينما اخبرك أننى طهوت عشاء لفردين .. " علي طاولة صغيرة في المطبخ بدأت تنظم الصحون وتضع فيها الطعام الذى اعدته بكل فخر ....
تفضل العشاء جاهز ..-
كان مغمض العينين ويداه متشابكتين خلف رأسه في استرخاء ...عندما سمع صوتها فتح عينيه ونظر إليها بكسل ليقول ... - أخيرًا اصبحتى مفيدة بالنسبة إلي .. اكمل بخبث ..- لكن بالطبع ليس علي طريقة حسام
لا تدري لماذا لكنها ابتلعت اهانته في صمت تام وعاودت التفكير...تدريجيًا اعتادت علي تهكمه خصوصًا انها روادها شك قوى وتظن أنه يلاعبها .. يلعب معها لعبة غامضة وتبدو مسلية في نفس الوقت ..
ولا تدري لماذا أيضًا لكن قلبها يخبرها أنه غير نظرته لها وفقط يستفزها ليتسلي .. غضبها يسليه في منفاه .. مزاجها المتفجر عندما صرخت فيه كهرة متشردة ربما اعجبه ..
ليس أمرًا واردًا كل يوم أن تجد أمامك فتاة تشعر باليأس لأنها لم تتعلم الردح في المدارس الأجنبية التى كانت تذهب إليها .. ربما كانت اسعفتها اللغة الانجليزية وقتها وردحته بشكل أفضل ..
كان يصفر بلحن مشهور عندما نهض وتبعها .. هل النظرات تكون محسوسة أحيانًا ..؟؟؟ كانت تعلم أنه يتفحصها من الخلف .. شعرت بنظراته تخترق ظهرها وسببت لها القشعريرة .. " بارد وقح لكنه يعجبها علي الرغم من ذلك "..
فجأة جذب شعرها بلطف وحينما استدارت وهى تنظر إليه بذهول جعلها فاغرة لفاها ببلاهة .. هل حقًا شد شعرها ..؟؟!! قال بخبث ..- اتأكد من أنكِ من لحم ودم ولستِ من صنع خيالي .. وأتأكد أيضًا من أن شعرك حقيقي وليس شعر مستعار .. كثافته المذهلة لا تتماشي مع حجمك مطلقًا ..اكمل وهو يهز رأسه ... - لكن تلك الرائحة تبدو حقيقية فعلا ..في الحقيقة لم أكن اعتقد أنكِ ستجدين ما يصلح للطهو لذلك لم اصدق نفسي حينما تسللت رائحة الطعام إلي أنفي .. اعتقدت أنى اهلوس من شدة الجوع ..
لم تستطع منع نفسها من الضحك ...- بصراحة تفوق صراحتك وجدت بصعوبة ...المطبخ ممسوح وكأنك تعيش في مجاعة استخدمت كل تموينك تقريبًا ومجاعتك اضطرتنى للاستغناء عن مكونات كثيرة .. فقط وجدت وفرة من الخضروات .. لذلك أعتقد انك تنتمى لفصيلة الأرانب ولست من البشر نظرًا لطبيعة أكلك ..
أرنب!! خالد يسري شخصيًا تلك الجنية تشبهه بالأرنب ,,, مميزة .. لطيفة متوهجة ضعيفة وثائرة .. مزيج عجيب كيف يجتمع في أنثى واحدة ...؟
نظر إليها مطولا كان يتفحصها بدهشة وكأنه يعيد اكتشافها من جديد...- الأكل اخر اهتماماتى هذه الأيام لكن هل تعلمين أنتِ مثيرة للاهتمام .. هناك مثل شعبي ينطبق عليكِ تمامًا .." الشاطرة تغزل برجل حمار "
ابتسامتها تحولت لقهقهة .. علي الرغم من أنها لأول مرة تسمع ذلك المثل بحكم تربيتها الارستقراطية لكنها فهمته علي الفور " كيف تستطيع الضحك في مثل تلك الظروف ؟ "
تفادت نظراته المتفحصة وتظاهرت بالانشغال في تقديم الطعام له...قدمت طبق البيكاتا مع حساء فورية وجدتها في الخزانة وسلطة سيزر اعدتها ببراعة لأنها تقريبًا لا تأكل غيرهاعلي العشاء يومًيا.. ومرارًا شاهدت عزيزه وهى تحضرها ....
ولحسن حظها وجدت بعد البحث المضنى بعض شرائح الدجاج وبعض شرائح اللحم في طرف خفي من المجمد الضخم الذى يتسع لذبيحة كاملة وربما تعديا فترة الصلاحية لكن الجوع " كافر " ....
راقبته باهتمام وهو يأكل بنهم حقيقي يثبت لها نظرية المجاعة .. لكن جسده القوى يخالف تلك النظرية تمامًا .. الخضروات لا تبنى مثل تلك العضلات .. ربما يأكل في الخارج أو يأكل الاسمنت لا اختيار ثالث ..
التهم الطعام بشهية شديدة ...كان يبدوعليه الاستمتاع والرضا وهو يأكل .. أكبر فاتح للشهية أن تأكل مع شخص يتلذذ بما يأكله
اجهزعلي طبقه بالكامل وطلب المزيد .. - سلمت يداكِ.. في الواقع لم أتذوق الطعام لأكثر من اسبوع الآن .. كنت فاقد للشهية بالكامل واستعدتها اليوم ..أنت طباخة ماهرة ..
بالطبع لن تخبره أنها لأول مره تطبخ في حياتها فهزت رأسها واكملت اكلها... هى أيضًا لم تأكل منذ أكثر من ست وثلاثين ساعة .. منذ ..
سألها بفضول ...- هل تدرسين ؟
اجابته وهى تتجنب النظر إليه ...الأكل الهاء جيدًا يبعدها عن سحر عينيه ..همست .. - نعم
- ماذا تدرسين ..؟
- علم النفس
ردد في دهشة ...- علم نفس..؟؟
- نعم أنا طالبة في الفرقة الثالثة بكلية الاداب
هى تبدو هشة للغاية لاختيار ذلك التخصص الصعب ...- ولماذا اختارتى دراسة علم النفس ..؟
اجابته بصدق ...- دائمًا احببته واردت فهم أسباب اضطرابات السلوك لدى البعض ...اكملت لنفسها .. سلوكى وسلوك كل عائلتى الكريمة المضطرب
سأل بالحاح ... - ولماذاغيرتِ رأيك في سفر الأسكندرية ؟
انها لا ترغب في سماع ذلك السؤال البشع الذى يعيدها بقسوة إلي لحظات تهورها التى كادت أن تدمرها تمامًا لولا تدخل القدر الحليم لانقاذها من نفسها ...الله سبحانه وتعالي يعلم جيدًا انها لا ترغب أبدًا في اغضابه لكن ملعون التمرد الذى سيطر عليها وجعلها تنوي ...
لا اريد التحدث عن هذا .. من فضلك .. -
- حسنًا لن أسألك عن سبب سفرك أو سبب الغائك له لكن بالتأكيد ستقلق عائلتك عندما يكتشفون غيابك
اجابته باقتضاب.. - لا لن يقلقوا
ردد بسخرية...- لا ...؟ يبدو أنهم معتادون علي تغيبك في الليالي
يفسر كلامها كما يحلو له .. الانطباع الأول الذى غرس في عقله لن يغيره أبدًا مهما فعلت أو قالت .. استسلمت بيأس .. - أي محاولة للدفاع عن نفسي غير مجدية .. أليس كذلك ... أنتِ حكمت علي وانتهى الأمر
- سامحينى لشكى... لكن فسري لي معنى أنهم لن يقلقوا عندما تتغيبين لليلة كاملة بدون علمهم ...؟
لتجيبه بطريقة صدمته ... - معناه أننى بدون عائلة
صدم وشعر بالحرج من تعليقه القاسي ....أنه حقير فعلا .. قال باشفاق....- أنتِ يتيمة ؟ هل تقيمين بمفردك ...؟
قالت في مرارة ...- تقريبًا وجودهم مثل عدمه.. لا يكلف أحد منهم نفسه بتفحص غرفتى ليعلم ان كنت متواجدة أم لا ..
مسكينة مهملة أم بنت ليل قديرة .. لكن في النهاية تشعر بالمرارة ..غيرالموضوع بذكاء فالمرارة في صوتها لها صدى شعر به في حلقه هو .... ألم يقرراعلان الهدنة من قبل فلماذا اذًا يصرعلي اهانتها ... - الأرانب لا تأكل البيكاتا وخصوصًا الممتازة منها ...
محير .. يتقلب بين اللطف والوقاحة حتى قبل أن ترمش ..انتهزت الفرصة وهو مشغول في الاكل وبنظرة غلب عليها حيائها حاولت أن تتفحص ملامحه ...قدرت سنوات عمره بين الثلاثين والثلاثة والثلاثين .... شعره استطال وكأنه لم يزر حلاقه الخاص منذ اشهر ...وجهه تقريبًا مغطى بلحية سوداء كثيفة تماثل سواد شعره
و"جينز مقطع"..بوهيمى مثالي ... لكن علي الرغم من الاهمال الواضح في مظهره..توجد وسامة واضحة في ملامحه وقوة عضلات ظاهرة تحت تى شيرته الضيق الذى يحدد عضلاته كأنه عارض ... وبنظره متفحصة لملابسه علمت أنها باهظة الثمن وتنتمى لماركات مشهورة هى نفسها تستخدمها لكنها استعملت بقسوة لفترات طويلة ومع ذلك كانت مازالت تحمل طابع مصممها المشهور...ربما كان يعمل بيديه في الأرض ...فالأرض في الخارج عوملت بحب واهتمام واضحين
بخفة فهد لا يمكن التنبؤ بتصرفاته رفع رأسه فجأة في اتجاهها فلاحظ أنها تراقبه بدقة ..
سألها بجراءة احرجتها...- هل أشبه أحدهم ؟
وجهها اصبح بلون الطماطم الناضجة من خجلها ...
لا -
هل حقًا لا تعرف من هو ...؟ سألها بعد تصديق ... - هل حقًا لا تعلمين من أنا ؟
تكراره لسؤالها عما اذا كانت تعرفت عليه جعلها تسأله بفضول حقيقى ...- أنت تكرر هذه الجملة كثيرًا ... هل من المفترض أنك شهيرومن المفترض أيضَا أن أكون اعرفك ؟
اجابها وهو يشير لنفسه بفخر ...- من ناحية أننى شهير فأنا حاليًا اشهر شخص في مصر
فكرت باستنكار ..." شهير؟ أنه معتوه كليًا ؟ هل هذه هيئة شخص شهير ..؟؟ "
لكنها اخفت افكارها واكملت ...- في الواقع لم اتعرف عليك ..اكملت في مكر واضح ..- هل أنت مطرب ؟
ضحك بصوت عالي .. ضحكته العفوية انبئتها انه مستمتع فعلا بحديثها ...- لا لا أغنى ... حسنًا لا تشغلي بالك ربما هى تخاريف آخر الليل ...
ربما هى التى تحتاج لقرص لنفسها لتتأكد من حقيقة ما يحدث حولها ... رياح باردة في الخارج وعاصفة ملتهبة بالداخل .. في حياتها لم تتحدث مع ذكر واليوم تتناول عشاء في منزل رجل غريب وحديثهما بداخله شد وجذب وايحاءات ولطف ودعم واهتمام .. ماذا يحدث لها هنا بالضبط ..؟؟ ربما هى ليست سارة بل هى اليس في أرض الأحلام وارنبها ذكر ممتليء بالرجولة والصحة ويتحدث ..
قطع افكارها بقوله ..- لقد وضعت حقيبتك في غرفة الضيوف في آخر الممر هنا في هذا الطابق .. غرفتك بها حمام خاص وتستطعين غلقها من الداخل بالمفتاح .. انصحك بغلقه بشدة فأنا اتحول لذئب في الليل ويلتهم الفتيات الصغيرات ..
نهضت وهى تخفي ابتسامة تجاهد للارتسام علي وجهها .. جمعت الصحون الفارغة ..لاحظت أنه التهم طبقه الثانى أيضًا بالكامل ولدهشتها هى أيضًا اكلت بشهية علي الرغم من وضعها الغير عادى.. وعندما همت بسحب صحنه تمسك به ومنعها من جمعه مع الصحون الأخري ..
فجأة توتر الجو بدون سبب .. كانت تشعر بالشرارات الكهربائية وكأنها تتطاير حولهما ..
ثم لينهض في حركة مفاجئة ويقول ..- سأخلد إلي النوم الآن .. ليلة سعيدة وتصرفي بحريتك وكأنك في منزلك..
وبدون اضافة المزيد غادر المطبخ ولتسمع صوت خطواته وهى تهز الدرج .. اذًا غرفته في الطابق العلوى ... كيف تبدو يا تري نهرت نفسها .. فضولك زائد اليوم يا فتاة .. لماذا تهتمين به هكذا ...؟
تلك الليلة الطويلة انهكتها .. لم تكن مستنزفة جسديًا بقدر كما كانت نفسيًا .. تجربة معرفة الغريب وفي داره تجربة لن تتكرر أبدًا .. لكن ماذا وتره فجأة هكذا ؟؟
كم كانت تحتاج لفنجان من الشاي الثقيل يعدل مزاجها ... فلأيام ومعدتها لم تكن تتقبل أي طعام وامتنعت حتى عن الشاي الذى كان يعتبر اكسير الحياة بالنسبة إليها ..لكنها اليوم اكلت حتى وانها اشتهت الشاي الذى رفضتة منذ ايام ....صنعت لنفسها فنجان كبير وحملته معها إلي الغرفة التي اشار اليها ... الشاي سوف يجعلها تشعر بحال أفضل وربما يهدىء من ثورة اعصابها..
تسللت بحذر حتى لا تصدر صوتًا يلفت انتباهه إليها مجددًا ... ربما سوف يتناسي وجودها ويغرق في النوم بعد الوجبة الثقيلة التى اعدتها ..وبنفس الحرص علي الهدوء فتحت باب الغرفة لتشاهد حقيبتها علي الأرض بجوار الفراش وكما نصحها اغلقت الباب خلفها بالمفتاح ..
النوم جافانى والحيرة قاتلة .. لعدة ساعات وهى تتقلب في فراشها ودخل وقت الفجر وهى مازالت لا تستطيع النوم.. الشيء المثير للدهشة انها لم تشعر بالخوف علي الرغم من وضعها... شيء مجهول طمئنها وجذبها للغريب الغامض ...لكن علي الرغم من ذلك لم تستطع النوم ربما من التفكير تذكرت كلمته وهو يحاول اخافتها عن تحوله لذئب في الليل فعادت الابتسامة لشفتيها .. كل حديثهما كان مسلي .. لديه حضور طاغي يسحرها ...
هل تجرأت فعلا وشبهته بالأرنب ؟؟!!! وجوده يجعلها تتصرف بغرابة وكأنها ليست هى
عندما يئست من النوم نهضت لتتأمل المزرعة من نافذة غرفتها هواء الفجر النقى وسع صدرها... أخيرًا الهواء المحبوس في صدرها تحرر .. مع أول نور للصباح شاهدت الزرع من نافذتها ... براءة ونقاء الارض وضعاها في حالة من راحة البال والطمئنينة كانت تفتقدهما طوال عمرها ....نخيل المزرعة العالي كان الآن طارح لثماره والوانه بديعة زاهية ...
مزرعته جميلة جدًا والأراضى المحيطة بها اجمل واجمل ...في احلامها السابقة تمنت العيش في مزرعة تزرع فيها وتربي الطيور بنفسها .. كانت تتمنى أن تكون حياتها بسيطة بلا تعقيد.. ليتها كانت نشئت كفلاحة بسيطة وغير متعلمة فوقتها لم تكن لتكتف باتيكيت فارغ من المضمون ومظاهر تحضر زائفة تعكر صفو حياتها وبراءة عقلها ,,
ضحكت بسخرية كيف لها الآن وهى اسيرة الغريب أن تشعر بالاطمئنان المفقود منها منذ سنوات بل ولديها المقدرة علي الاستمتاع وتذكر احلامها ؟
ربما هى تعانى من متلازمة ستوكهولم ...ولكن مع الاختلاف فآسرها لم يكن شخص بل أرض ذابت فيها عشقًا... اكملت عيناها جولتها المتفحصة لتشاهد حظيرة ضخمة تحتل جزء كبير من المزرعة ...رائحة الريف المميزة تسللت لانفها بقوة ..ليتها تعيش هنا للأبد ... الجولة الاستكشافية انتهت بوصولها للبوابة التى دخلت منها ليلا .. كم تتغير الأشياء في النور؟؟
وقبل أن تعود نظراتها من رحلتها لمحت سيارة سوداء من سيارات الدفع الرباعى الضخمة والغير معتاد تواجدها في مصر وهى تدخل إلي المزرعه بهدوء شديد كأنها حريصة علي التسلل ثم لتتوقف بنفس هدوئها بجوار البوابة من الداخل ... وعندما دققت النظر في قائدها شاهدت رجل في حدود الخمسين من عمره يترجل من السيارة ويرتدى جلباب فلاحى بنى...
لم تكن بحاجة إلي الكثير من الذكاء لتستنتج أنه الحارس العائد من المستشفي " عطية " فخالد اخبرها باسمه امس وهى تتذكر جيدًا كل كلمه قالها لها بل وحفرت في ذاكرتها وصوته العميق سيترك أنفاقًا داخل عقلها ربما ستدوم إلي الأبد ....
فكرت بسرعة هذه هى فرصتها فلو استاطعت الوصول إليه وطلبت منه توصيلها إلي القاهرة مقابل مبلغ مالي ستتخطى ورطتها بالكامل فبرحيلها سوف تتخلص من وضعها المشين حاليًا ولكن الأهم انها سوف تتخلص أيضًا من قلقها البالغ علي داده عزيزة فلربما اتصلت بتالا كى تطمئن عليها وعلمت منها انها لم تصل أبدًا للأسكندرية ...
" حبيبتى يا داده من المؤكد أنكِ ستفقدين عقلك من القلق علي..".
يكفيها أنها لأول مرة في حياتها لا تصلي العشاء قبل النوم لكن كيف كانت ستعرف اتجاه القبلة ولم تكن تتجرأ علي سؤال خالد لكن الآن محلولة ... استعانت بشروق الشمس واجتهدت لتحديد مكان القبلة وصلت الصبح وهى تشعر بالفخر من تمكنها للصلاة علي الرغم من جهلها بمكان القبلة لكن القراءة تفيد دائمًا وهى قارئة نهمة ....
فعليًا عانت لستر نفسها كى تتمكن من الصلاة وتذكرت كلماته القاسية التى كانت تتهمها بالفجور حينما لم يجد في حقيبتها باكملها ما يصلح لتدفئتها .. أي شيطان احتلها أمس وجعلها تختار تلك الملابس فعلي الأقل كانت راعت أن الخريف بدء منذ ايام قليلة فقط والجو اصبح يحمل بعض البرودة وخصيصًا في الليل ...
اختارت أكثر شيء وجدته يصلح للارتداء ... فستان صيفي طويل بدون اكمام وربطت الشال الوحيد لديها مجددًا حول كتفيها علي هيئة اكمام ... بعد الصلاه لمت شعرها جيدًا وشدته إلي الوراء... نظارتها الشمسية قامت بتغطية معظم وجهها لتصبح نسخة مصغرة من والداتها ذات الجمال الفتان .. جمعت اشيائها القليلة في حقيبتها وخرجت تتسلل من غرفتها فآخر ما تريده هو مواجهة خالد مرة اخري وخصوصًا لوداعه فمشاعرها الغامضة نحوه تربكها... فتحت باب البيت بهدوء شديد واتجهت إلي البوابة ..لماذ تسللت ..؟؟ سئلت نفسها مرارًا وحينما فشلت في ايجاد الجواب اكملت طريقها للحارس ..
كان منشغلا في تنظيف السيارة وفوجىء برؤيتها أمامه فقفز كأنما لسعته حية ثم ليقول بقرف واشمئزاز واضحين ....
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم ....ماذا تفعلين هنا أيتها السيدة ؟ -
تجاهلت نبرة الاتهام في صوته وقالت ...- من فضلك يا عم عطية .. أنت عم عطية أليس كذلك؟؟ اريدك أن تقلنى حتى القاهرة وسأعطيك كل ما تطلبه ..
اشار بيده في اتجاه المنزل وسألها باشمئزاز ... - هل ارسلك خالد بك إلي ...؟
فتاة تغادر منزل رجل مثل خالد في الصباح الباكر بالتأكيد سينسج حول وجودها الاساطير ..ومع انها عديمة الخبرة تمامًا لكن الأمر لا يحتاج إلي الكثير من الذكاء " وجودها سوف يساء فهمه " وعلي الرغم من وقاحة وبرود صاحب المنزل إلا أنه فعليًا كان شهمًا ولا يستحق منها أن تتسبب له في تلطيخ سمعته ..بالتأكيد يستحق أن تبريء ساحته أمام حارس مزرعته - سوف اشرح لك لكن اخبرنى أولا كيف هو حال زوجتك والمولود ..؟
اهتمامها بالمولود لمس قلبه بقوة ... لهجته اصبحت اخف حدة ...
قال برضا ممزوج بالامتنان ...- نحمد الله يا ست هما بخير والحمد لله .. كانت حالتها خطيرة ولولا أن خالد بك سمح لي باستخدام سيارته لكانت حالتها تدهورت .. حرفيًا الأطباء قالوا " دقائق وكان رحمها سينفجر " اعطانى سيارته وتبقي هو بدونها ..
احترامها وتقديرها لصاحب المنزل وصل عنان السماء .. ياله من شخص رائع ..المنقذ كما اسمته...كان منقذًا للجميع وليس لها وحدها ...
اكمل ...- اطال الله في عمره وزاده من نعيمه .. علي الرغم من ظروفه الصعبة يفكر في الجميع ... حتى أنه اعطانى مبلغًا كبيرًا واصر علي أن ادخلها مستشفي خاص بدلا من المشافي الحكومية سيئة الخدمة..
" تحدث عن بطلي باستفاضة ".. هل من المعقول أن يكون ما تشعر به الآن هو الحب ؟؟ لا مستحيل .. لا يوجد حب من النظرة الأولي .. حب ينمو وسط التوتر والخوف .. بل حب يغلب الخوف
لو فقط يساعدها الآن ولاحقًا ستشرح ..
- من فضلك يا عم عطية فقط قم بتوصيلي ولا تزعج البك باستئذانه بالتأكيد هو نائم الأن .. لا اريد أن استغل كرمه أكثر من ذلك
ليتدلي فمه ببلاهة ...- أنت لا تعنين أن استعمل سيارته بدون اخباره ..؟ ثم فجأة تغيرت نبرته وعاوده قرفه ...
- وربما سأفعل سأسدى له خدمة بتخليصه منكِ,, البك ابن حلال ولم يقرب الحرام أبدًا من قبل .. أنتِ شيطانة مغوية ومن مصلحته أن ابعدك عنه ..
وعلي الرغم من قسوة ما قاله ووصفها بالشيطانة المغوية إلا أنها وافقته ...- حسنًا فقط ابعدنى عن هنا وسأشرح لك سبب تواجدى هنا وهو بالتأكيد ليس ما تعتقده مطلقًا ..
وعلي الرغم من اختلاف اسبابهما إلا أنهما اتفقا علي ضرورة رحيلها فورًا وبدون علمه..التقط حقيبتها ورماها باشمئزاز في صندوق السيارة الخلفي وفتح لها الباب ودعاها للدخول..
وبنفس الهدوء الذي دخل به من البوابة خرج به مرة اخري ولكن هذه المرة في اتجاه القاهرة ....
***
- اقسم لك أن هذا هو ما حدث تمامًا وصاحب المزرعة اختفي في غرفته في الطابق العلوى وأنا لم استطع النوم من شدة توتري .. كنت في غرفة الضيوف في الطابق الاسفل ولمحتك من شرفتى وخطرت لي فكرة الرحيل بدون ازعاجه .. هو كان شهمًا بما يكفي في البارحة
الارتياح ظهرعلي ملامحه فورًا .. - اراح الله قلبكِ كما ارحتى قلبي يا ابنتى وسامحينى لظنى السوء فيكِ لكن يعلم الله في تلك الدقائق الماضية كدت أموت حسرة علي رجل كان يعد من احسن الرجال .. أنا اعمل لدى عائلة خالد بك منذ أن كان طفلا صغيرًا ودائمًا كان مثالا للاستقامة والتهذيب وحسن الخلق .. ووالده كان رجل دين ومن كبارات البلد لكنى اعتقدت أن الظروف السيئة التى مر بها البك جعلته يطوي طريق الحرام وبصراحة لم اكن لألومه ... ما مر به يدمر الجبال .. لكن الحمد لله هاهو علي الرغم من كل ظروفه مازال كما هو الشهم الجدع .. سيد الرجال بلا منازع..
فضولها تعظم .. كرر عطية كلمة الظروف عدة مرات .. لكن لماذ تهتم لمعرفة تلك الظروف ..؟؟ فضول ربما ..
فلم تستطع منع نفسها من السؤال ووجدت نفسها تسأله ...- ماهى تلك الظروف السيئة التى يمر بها ...؟؟
سؤالها مؤلم ويعيد ذكريات أليمة ... غلب علي ملامحه الحزن ...- أولاد الحرام يا ابنتى ..لو فقط اراها أمامى لكنت كسرت رقبتها بيدى ..لكن ذهبت لقدرها .. ذهبت حيث ستنال عقابها العادل علي فعلتها الدنيئة ...
من هى تلك يا تري ..؟؟ سألت مجددًا بفضول ...- من هى ؟
اجابها بضيق ...- الملعونة.. زوجة خالد بك
خالد له زوجة !!! كادت عيناها تقفزان خارج جمجمتها من شدة اتساعهما وصرخت دون أن تحاول اخفاء صدمتها عن عطية .. - هل هو متزوج ؟
هزرأسه بالنفي ...- كان يا ابنتى كان...الملعونة طليقته دمرت حياته اتعشم أن تتلظى في جهنم إلي الأبد ..
طليقته ملعونة جهنم ... " اكتفيت من صنف الحريم إلي الأبد " هكذا قال ...
سألته بعدم فهم .. - رجاء يا عم عطية اشرح لى .. أنا لا افهم
- هل فعلا لا تعلمين ما حدث له ... كما يقول البك الناس جميعها تعلم عنه وعن كارثته وليل نهار تُنشر اخباره في الجرائد وعلي الفضائيات ..ألم تسمعى عن مجموعة " سفير " القابضة وازمتها الحالية .. حياته تتدوال علي الملىء ولذلك اعتزل الناس هنا كى لا يسمع ما يضايقه .. وخصوصًا اخبار تلك الفاجرة .. رجولته لا تتحمل ..
الحت بشدة .... - أنا لا اتابع الجرائد ولا اهتم بالفضائيات ..
فكرت في نفسها.."لأشاهد فضائحنا ..؟؟؟!! " اخبار زيجات أمى وأبي .. وصور تالا في الحفلات .. تجنبهم افضل ما تفعله لراحة بالها وسلامها الداخلي
- حسنًا سأخبرك .. الموضوع عامةً ليس سريًا .. ربما سمعتى من قبل عن شركات " سفير" القابضة ..
الاسم ترك لديها ذكري مبهمة لشيء سمعته منذ فترة قريبة لكنها لم تستطع أن تتذكر جيدًا التفاصيل ...
اكمل بألم واضح .... - الملعونة ورطته مع شريك تركى من معارفها ولأنه كان يحبها بجنون كان يضع كل ثقتها بها ... لم يكن يعلم أنها تخطط للغدر .. وذلك الشريك استولي علي كل رأس مال الشركات وحول الأموال لبلده مستغلا انشغال البك بالمزرعة وحبه للزراعة كان يقضى الكثير من الوقت بيننا هنا يهتم بأرضه وبخيره .. هو في الأصل مهندسًا زراعيًا درس الزراعة في الخارج يعشق أرضه وحيواناته ..
والمجرمان استغلا السلطة التى منحها لشريكه التركى وورطاه مع الناس في ديوان قيمتها قرابة مئتي مليون جنية غير الشروط الجزائية التى اضطر لدفعها ثم ليهرب الجبان إلي بلده والملعونة كانت تخطط للحاق به ..لكن الله يسلط أبدان علي أبدان .. القذر خانها كما خانت زوجها .. هجرها بعدما استولي علي اموال خالد بك وحينما علم طلقها فورًا .. ثم لتنال ما تستحقه تمامًا حينما حاولت اللحاق بذلك القذر في المطار تنقلب بها السيارة عدة مرات .. والنتيجة ذلك التركى استولي علي أموال خالد بك وتركه في مواجة شركائه والمشروعات التى لم تسلم .. منها لله بسببها عانى من أيام سوداء ..
نوعًا ما عاشت محمية علي الرغم من توتر وضع والداها .. كتاب وموسيقي كانا رفيقاها فلم تتخيل يومًا أن الغدر قد يصل إلي هذه الدرجة من البشاعة .. ردت في صدمه ...- هذا مستحيل !!!لا استطيع التخيل .. لابد وأنه عانى كثيرًا.. مسكين فعلا..
من هو المسكين !! الرجال معادن وخالد قد من فولاذ ..علق علي كلامها بفخرمستنكرًا وصفها اياه بالمسكين...
- خالد يسري رجل من صلب رجل .. لم يقضى يومًا واحدًا يولول كالحريم ابتلع مرارته وصدمته ونهض يتفض عنه غبار تلك الأفعى ... وفي غضون شهر واحد كان قد باع كل ممتلكاته الخاصة التى لم تكن ضمن الأصول.. هو كان ثريًا جدًا يملك منازل وقصور حتى خارج مصر .. كان يملك هذا الشيء المسمى " قرية سياحية " في الغردقة .. باعها بالخسارة ليعوض ما سرقه الخسيس منه .. كان يستطيع الهرب خارج مصر والتمتع بأمواله لكنه رفض صمد وسدد ديونه بالكامل ولم يتبقي له من ممتلكاته العديدة سوى تلك المزرعة وسيارته والمنزل الذى تقيم فيه والدته في القاهرة .. افلس حرفيًا دفع أخر قرش يملكه ولم يرضى بخسارة الناس التى كانت دفعت لامتلاك وحدات في المجمع الشهير الذى كان يقوم بنائه حتى أنه لم يتبقى معه سيولة تمكنه من دفع رواتب العاملين .. لكنهم يعلمون من هو خالد يسري و سيعملون له حتى بدون رواتب ..
الأمور توضحت .. بالطبع سمعت عن شركة سفير القابضة .. الشركة كانت مسؤلة عن بناء كمبوند جديد في التجمع الخامس.. ليتوقف المشرع فجأة بعدما اتهم صاحبه بتهريب اموال الملاك إلي الخارج .. خالد يسري!! هل من الممكن أن يكون فعلها ؟؟؟ ومع انها لم تعرفه سوى لساعات لكن لا تعتقد ذلك أبدًا ربما هو وقح وبارد لكنه شهمًا ... ليكمل عطية بحب واضح ... - خيره علي الصغير قبل الكبير فكيف كانوا سيتركونه .. في البداية حاول أن يجعلهم يبحثون عن رزقهم في مكان أخر لكن من تعرف إليه لم يكن ليرضى برب عمل اخر .. لم يستقيل موظف واحد من موظفيه علي الرغم من انهم لم يتقاضوا أي اجر لشهور بل حتى أنه باع مبنى شركته الفخم ولم يعد للموظفين مكان ومع ذلك رفضوا عرضه بالرحيل.. وواصلوا دعمه ومن حرجه منهم اعطاهم اجازة مفتوحة ... وهم اعفوه من الحرج وككل شهر كانوا يختفون في ميعاد دفع الرواتب كى لا يزيدوا من المه .. لكن الحمد لله المحصول نضج وكلها ايام ونبدأ في بيع محصول البلح والجوافة .. ثم يليهما البرتقال .. وربما أيضًا الملفوف سيكون جاهز للحصاد بنهاية هذا الشهر.. خير كثير علي وشك أن يهل ..
- وأنت يا عم عطية لماذا لم ترحل معهم ؟؟؟
- أنا وضعى خاص يا آنسة .. المزرعة كوطن لنا ..اقيم أنا وجماعتى في الغرفتين بجوار البوابة .. ولا مآوى اخر لنا وكل طعامنا من خير المزرعة خضروات وطيور .. ومع ذلك يعطينى راتب كبير .. البك كريم جدًا ..
كان بكل بساطة يستطيع التخلص من المزرعة والاراضى المحيطة بها وانقاذ شركة من شركاته وكانت لتدر عليه ربح أكثر,, لكن المزرعة مُلك لعائلته منذ اجيال وزرع كل نبتة فيها بيده .... ربما لم يتخلي عن المزرعة لأجلنا لأجل مآوانا .. مع أن شركة واحدة من شركاته مع عقليته الجبارة كانت لتعيده مليونير في غضون شهور ..لا أدري لماذا لكنى تكلمت كثيرًا .. أنتِ ساحرة صغيرة ..
الآن دخلنا القاهرة .. ارشدينى لطريق منزلك فأنا لا اعرف طرقاتها .. انها متاهة للريفيين أمثالي..
نظرت إلي ساعتها ..انها تقارب الثامنة صباحًا وربما استيقظت الداده الآن .. ودعته بامتنان عندما انزلها أمام فيلا والدتها وقررت التسلل إلي غرفتها لتختبىء فيها وتستعيد كل ما حدث .. تجربة ربما تغيرها إلي الأبد ..
ما هذا ؟؟؟ صوت بكاء!!
في طريقها لغرفتها سمعت صوت بكاء صادر من المطبخ .. قلبها توقف من الخوف وارتعشت بقوة ..صرخت بهلع .. " داده "
داده... لماذا تبكين حبيبتى ؟-
- سارة.. ابنتى ..الحمد لله ..أنتِ بخير ..كدت أموت خوفًا عليكِ صغيرتى .. لماذا حبيبتى تسببتى لي بكل هذا القلق ..؟؟!!
لم تعرف يومًا أمًا سواها .. الأم ليس بالضرورة أن تحملك في رحمها ولكن بالتأكيد هى من تحملك في عينيها وفي قلبها .. سألتها بتأثر بالغ ...- هل كنتِ تبكين بسببي ...؟؟
بالطبع .. اجابتها بتأكيد....- أنتِ كابنتى سارة .. صحيح أنا لم ارزق بالأطفال لكن منذ أن رأيتك في اللفة وشعرت كأنك طفلتى أنا.. ومع أنكِ أنتِ وتالا تؤام لكن دائمًا كان لكِ وضع خاص في قلبي .. منذ رحيلك وأنا اتمزق من الألم حتى أننى تحاملت علي نفسي واتصلت بتالا وتحملت لسانها في مقابل أن اسمع صوتك .. لكنها اغلقت الهاتف في وجهى ورفضت التحدث معى .. لماذا لم تتصلي بي حبيبتى .. ؟؟
ارادت الضحك من قلبها .. مغامرة ايجاد الهاتف مرت بسلام .. لكن هل فعليًا مرت بسلام ...؟
اقتربت منها وامسكت يدها وضمتها في حضنها ...- هل ستصدقينى اذا ما اخبرتك أنكِ أنتِ السبب في عودتى ..؟؟؟ تراجعت بسبب صوتك الذى ظل يؤنبنى .. تراجعت لأنكِ احسنتى تربيتى وعدت بأمان بفضل دعواتك
أنا مازلت حبيبتك أليس كذلك ؟؟
طفلتها عادت بأمان اذًا لماذا لا تستطيع السيطرة علي بكائها المرهق ..؟؟
- حمدًا لله يا ابنتى... حبيبتى نعم بالتأكيد ولكن تحتاجين لشدة آذن ..
هل تبكى أم تبتسم .. - تم حبيبتى .. الشدة كادت تخلعها من مكانها
" تتحدث عن أزمة " بالتأكيد المسكينة عانت .. وجودها أمامها وبخير نعمة من الله عز وجل لكن تصنعت الصرامة .. - سارة أين كنتِ طوال الليل ...؟
فركت عينيها بارهاق شديد ... - ألآن أنا مرهقة جدًا .. لم اغفل لدقيقة حتى .. أريد النوم فقط وسأخبرك لاحقًا ..
تمسكت بها بحنان ... - حسنًا لكن تناولي فطورك أولا ..
- لا استطيع سأنهار من الارهاق .. سأخبرك بالتفصيل لاحقًا عن اجمل يوم قضيته في حياتى .. هل اعددتى اليوم كريب للفطور ..؟
الارتياح غمرها .. حيويتها المفقودة من اسابيع عادت لتنير وجهها وغمة الأسبوع الماضى ومحنة زواج والداتها مرتا علي خير .. - الله يسامحك حبيبتى ... كيف كنت سأعد الفطور وأنا اموت من القلق عليكِ .. وكريب !!
ابتسمت بحب وهى تكمل .. - لكن ستجدينه عندما تستيقظين ..
لتقبلها سارة بحب أكبر .. - شكرًا داده .. لكن لا,, انتظرينى لنعده سويًا .. لا تعلمين كم نفعتنى دروسك ..
كل ما يمر علينا يصقلنا .. والأزمات تترك اثار جيدة مهما علمت علينا بقسوتها وربما كلما كانت المحنة أشد كلما خرجنا منها اقوى ..
بعد مرور يومين عادت لروتين حياتها اليومى ..وكعادتها كانت لا تخرج من المنزل مطلقًا سوى للذهاب إلي كليتها...وعندما تعود كانت تحبس نفسها في غرفتها تستمع إلي الموسيقي أوتقرأ كتبها وتدريجيًا كانت تنسي الغريب وبيت الغريب ومشاكل الغريب ...
***
الموسيقى والقراءة غذاءا الروح .. وكما يحتاج الجسد للطعام .. تحتاج الروح أيضًا لغذائها .. لتهذيبها ..
دخلت إلي الغرفة لتجدها غارقه في دنياها الخاصة .. تأملتها بحب .. هى ليست منعزلة أو كئيبة كما يحاولون اقناعها .. هى فقط فهمت الحياة قبلهم .. تستمتع بحياتها مع كتاب ومع مقطوعة .. تعد طعام مع من تحب وتتمنى أن تجد من يشاركها فيه مدللتها الصغيرة ليست غريبة الأطوار بل هم كذلك ..
نزعت السماعات عن اذنيها برفق وقالت ... - سارة .. والدك يحاول الاتصال بكِ منذ الصباح ولم يستطع الوصول إليكِ ارفعى سماعة هاتفك المنزلي واجيبيه ..
من المرات النادرة التى يتذكرها فيها .. لعله خيرًا .. رفعت سماعة الهاتف الموجوه بجوار فراشها ...- مرحبًا أبي
لهجته الغاضبة لا تبشر بالخير .. هتف بغضب ..- لماذا اغلقتى هاتفك المحمول يا فتاة ...؟
اجابته بنبرة عادية ... - لم اغلقه أبي فقط لم اشحنه... لا احتاج إليه لأننى لا اخرج من المنزل سوي إلي الكلية لذلك لا اتذكر شحنه باستمرار ...واتواصل مع صديقاتى من حاسوبي وأنا اذاكرعليه .. المناهج الكترونية الآن..
كان مازال غاضبًا .. حتى أن غضبه منعه من فهم ما تقوله ...- فورًا اريد أن اعلم من منكما فعلت تلك المصيبة ....أنتِ أم تالا ...؟
هتفت بجزع ...- تالا ... ما بها تالا ....؟
كان يغلي من الغضب ...- صورة فاضحة اخري .. انها لا تملك أي حس للمسؤلية,, ألا تعلم أننى غدًا سأنطق القسم أمام رئيس الوزارة ..
اهمال وسطحية ومظاهر خادعة .. غضبها السابق عاد إليها الآن بعنف ...- هل كل ما يهمك هو التوقيت فقط ...؟ اهتمامك فقط بسبب القسم !!!
- بالطبع التوقيت سيئًا للغاية ...اعدائى كانوا سيستغلون تلك الصور ابشع استغلال .. لكن الحمد لله تداركت الأمر مصدري نبهنى لتلك الصورة ومنعت نشرها في جريدة فضائح المجتمع ....تلك الجريدة القذرة تتبع اخباري .. لذلك رشوت احد المحررين .. الأموال تفعل الكثير .. حذف الصورة من داخل المطبعة .. لو فقط كانت نشرت.. سأرسلها لكِ علي الواتس ..
ثم اغلق الهاتف بدون اضافة المزيد من الكلام....
ماذا فعلت تالا هذه المرة ..؟؟ يبدو أن الأمر جديًا فوالدها نادرًا ما يغضب .. فتحت هاتفها النقال واستقبلت رسالة والدها .. " لا هذا كثير يا تالا "...
الصوره التى اغضبته اغضبتها هى أيضًا .. كانت لتالا مع حازم والعديد من اصدقائهما في حمام سباحة فندق الهلنان زودتها فعلا بارتدائها مثل ذلك البكينى الفاضح ... وليس هذا فقط بل كانت تلتصق بحازم بصورة مقززة ومن حولهم زجاجات الخمر ودخان السجائر.. الفجور كان عنوان مناسب فالانحلال كان في كل مكان ...
أكثر ما سبب لها ألمًا في معدتها التعليق تحت الصورة " حياة بنات المجتمعات الراقية... هل نسميها انحلال أم حرية ...؟ كريمة منصور الجباس مع ابن علي خليل في مشهد عاطفي ملتهب "
كيف تفعل ذلك تلك الغبية وتسمح لحازم بلمسها هكذا ...؟ هل كانت ستفعل ذلك فعلا مثلهم وتنحل هكذا...؟
شعرت بالاشمئزاز والقرف من منظرهم ...وحمدت الله بقوة انها عادت ولم تكمل تلك القذارة معهم وعادت لرشدها .. وعلي الرغم من أنه كان وقت الخريف إلا أن المزرعة كانت ملونة ولونت حياتها معها ..شكرًا يا مزرعة الغريب كم احبك !!
***
صداقة لا ينفصم عراها ...
دخل إلي منزل المزرعة حاملا في يده جريدة الفضائح الشهيرة وهويغنى ويدندن .. لقد افتقد خالد بشدة .. الحديث معه كتحلية لذيذة تملىء حلقه بالحلاوة ..
ربما كان غاضبًا بالفعل أو يتصنع الغضب ..لكن استقبله بغضب واضح ...- حسام....ماذا تفعل هنا ؟
استقبل غضبه الواضح بعشم وقال ..- أنت صديقى الوحيد شئت أم ابيت وسأتى منزلك كما يحلو لي .. اردت الاطمئنان عليك مع اننى اعلم جيدًا أنك بقوة ألف حصان لكنه قلبي الضعيف .. ثم انى اسديتك خدمة ستشكرنى عليها ..
زمجر بغضب ...- طريقك غير طريقي يا حسام... ولا اريد خدماتك .. قطعت صلتى بك للأبد ..
- لن تستطيع أن تفعلها مهما حاولت أنا في دمائك صديقي .. ثم القي بالجريدة من يده علي الطاولة أمام خالد بحركة استعراضية .. وقال ...
- أنت تعلم أننى شريك في مؤسسة النشر تلك وتعليماتى صريحة بشأن نشر اخبارك وخصوصًا بعد الفضيحة الأخيرة .. " أي خبر يخصك يراجع معى أولا " لأجد فجأة اليوم محرر غبي .. جديد ولا يعلم عن صلتى بك يكتب عنك بكل وقاحة لكن أنا منعت النشر وحذفت الخبر من تلك الطبعة قبل دخولها للمطبعة ..
نظر حيث القي حسام بالجريدة مفتوحة علي الخبر الخاص به ليقرأ ما كتب عنه ..
" اخراخبار المليونيرالنصاب خالد يسري بعد اختفاءه من القاهرة ... مصادر موثوقة افادت أنه لحق شريكه في تركيا و هناك سوف يتمتعا بأموال الغلابة المنهوبة ...المال بالاضافة إلي الوجه الحسن ...صدمته بعد موت زوجته في الحادث يبدو أنها لم تستمر كثيرًا ... الاغنياء دائمًا أولاد ...."
- هذه كانت طبعة تجربية " درافت " ولم تخرج للنور أبدًا .. وأنا سحبت الخبر ... وعلي الرغم من أنه اعتاد علي تلك النوعية من الأخبار التى تخصه إلا أنه شعر بفوران الدم في عروقه من الغضب ... الاتهامات الباطلة تشوه سمعته ...جميعها اتهامات باطلة فهو لم ينهب قرشًا واحدًا بل ورد جميع الاموال للملاك وخسر هو حتى ثمن أرض الكمبوند التى كانت تقدر بمئات الملايين ... صحفى غبي اراد الشهرة بالباطل والخوض في الأعراض ... امسك الجريدة بغضب محاولا تمزيقها فوقعت عيناه علي صورة فتاة في احضان شاب ... انها تشبه جنيته بطريقة مذهلة .. ربما النظرات مختلفة أكثر جراءة ووقاحة ولكن نفس الجمال ونفس الجسد الفتاك الذى يظهر ذلك البكينى كل مفاتنه للعيان ولا يترك أي مجال للتخيل .. تلك الحقيرة خدعته يومها وصدق برائتها لثانى مرة تخدعه امرأة ..
خالد مهما حاولت صدى أنا سأظل أقرب صديق إليك أنها عشرة سنوات العمر كله .. فنحن أصدقاء منذ الروضة .. -
اجابه بحزن ...- أنت بالفعل أقرب صديق إلي ولكن طريقك أصبح غير طريقي .. منذ اليوم الذى شاركت فيه في هذه الجريدة الملعونة ولم أعد اعرفك يا صديقي ... راجع نفسك يا حسام...ثم اشار لصورة الفتاة بقرف ليقول..
- هل هذه هى طريقتك للمكسب ..؟ اتقي الله في أعراض الناس أنت تتبع فضائحهم وعوراتهم .. أموالك حرام ..
ربما خسرت أنا أيضًا أموالي لأننى كنت اشارك في المنتجع ومع أننى كنت امنع فيه الكثير من الأمور إلا أنه كان مازال يحمل شبهة الحرام .. لذلك خسارته كانت مكسبًا وليست خسارة حقيقية
كلامه يوجعه .. منذ سنوات تخلي عن الكثير من المبادىء في سبيل المكسب ومع أن عائلته كانت من العائلات المرتاحة ماديًا والمتزمتة إلا أنه سلك طريقًا مختلفًا عن المعتاد ..قال بضيق ..- أنا لم اكن اسمح بنشر صورة مثل تلك مطلقًا... والحمد لله والدها تدخل بعد ما عرف بطريقة ما عن الصورة ومنع نشرها والطبعة التجربية لم يطلع عليها سوى العمال...اكمل بنبرة تعجب ..- أنا شخصيًا لا اعلم كيف عرف بأمر الصورة.. نفوذه قوى ويداه متشعبتان ..
تحدث بصوت اجش وكأنه يتحدث مع نفسه ...- فتاة منحلة وأنا كنت قد اقتنعت انها بريئة... صنف ملعون .. جميعهن يستحق الحرق حيًا
ماذا يقول صديقه .. يتحدث بالألغاز ....- بريئة...؟؟
- لا تهتم كثيرًا أنهن لا يستحقين حتى التفسير .... ولكنى كنت اعتقد أنها مختلفة ولذلك سأتأكد ... ربما مجيئك اليوم حتى بابي حاملا كارثتك تلك هو لحكمة ما .. لكنى اعرف مسبقًا انها ستكون مثلهن .. وككل طبقتها عاهرات تسترهن اموالهن عن عيون الناس ..
- هل مازلت تفكر في خيانة زوجتك...؟
انها بمجرد خيانته اصبحت نكرة .. حثالة لا تشغل باله .. نفي بقوة... - مطلقًا .. تلك الحقيرة لا تشغل بالي وكل ما استاطعت سرقته هو اموالي أما كرامتى واحترامى لنفسي فلم تستطيع المساس بهما ...لكنها اعطتنى درسًا قاسيًا وفكرة شافية عن بنات طبقتها تلك المسماة بالطبقة الراقية .. ولتأكيد كلامه اشار إلي الصورة .. - أمثال تلك المنحلة ..
تجربته قاسية .. ليس من السهل التعرض للخيانة ومن اقرب الناس إليه .. ربما يكابر ويتظاهر بعدم الاهتمام لكنها غيرته داخليًا وسوف يعمم مرارته علي كل بنات جنسها .. - اصابعك لا تتشابه .. ربما صادفت عينة سيئة .. بسنت كانت مدللة جدًا لكن هناك بريئات عفيفات ..
- أنا اكتفيت من جنس الحريم للأبد ...افاعى متلونة وربما الأفاعى اخف ضررًا منهن.. حسام لأخرمرة سأحذرك .. اذا اردت الحفاظ علي صداقتنا راجع نفسك وتخلص من تلك الجريدة .. ابحث عن الطريق إلي الله وستجده بسهولة .. طريقك أصبح مشبوه ..
ترجاه بخوف ... - خالد لا تتخلي عنى .. أنا لست سيئًا بالكامل..
يتخلي عن من ؟؟؟ لكمه بقوة علي كتفه وقال ...- انفض عنك يا صديقي تلك القذارة قبل فوات الآن ...اللكمة القادمة ستكون حقيقية وستكسر أنفك ...
•تابع الفصل التالي "رواية عطر القسوة" اضغط على اسم الرواية