رواية عطر الخيانة الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي

رواية عطر الخيانة الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي


نور

  - كيف حاله صفية ؟؟

- بخير سيدة سلمى بخير‘‘ ظاهريًا على الأقل ويتعافى ببطء من جراحه لكنه ليس السيد حسام الذي نعرفه .. تغير كثيرًا .. أصبح كئيبًا واختفى مرحه ولطفه الفطري ..           

- رجاءً صفية لا تخبري أحد باتصالي ..  أنا لا اريده أن يعلم ..

 -  سيدة سلمى .. أنا لا اتحدث كثيرًا اسألي عني السيدة سارة ..

-  اعلم صفية أنا أحبكِ صدقينى لذلك اعتمدت عليكِ لتخبريني عن أحواله .. أنا ادين له .. اصابته بسببي ..

- سيدتي .. اسمحى لي .. أنا سيدة بسيطة لا اعلم كيف أجمل الكلام واعرف السيد حسام منذ سنوات هو تغير كثيرًا في السنوات الماضية وبالبلدي يقال " اتلسع " يكفي عليه هذا سيدتي .. كونى ذكية و " قصقصي ريش طيرك لا يلوف على غيرك " ..

حكايتهما مفضوحة على كل المستويات لذلك لم تحاول الانكار .. في الفترة التي اختبئت فيها في المزرعة عاصرت صفية كل الأحداث وباتت حياتها كتابًا مفتوحًا أمامها .. صحيح تلك المرة الأولى التي تتحدث معها فيها بصراحة لكنها كانت تعلم أنها تعلم ..

" اقصقص ريشه لا يلوف على غيري ؟؟!!" هو لم يكن يومًا لي صفية ..

تذكرت وصفها لنفسها في المرة الأولى التي وقعت عيناها علي ذلك الوسيم " محجبة وعادية الجمال " واليوم أصبحت أرملة أكل الهم منها طبقات واخشن جلدها من الكدمات  ..

-  اعتني به جيدًا صفية لأجلي .. هو يتيم لا أهل له ويحتاجك للشعور بالعائلة والاهتمام  أما  بشأن ريشه فهو له كل الحرية للطيران أينما شاء .. حكايتنا كتبت نهايتها منذ زمن ودفنت كل الأحلام تحت تراب الواقع الأليم  ولا أمل في احيائها أبدًا ..

                                                 **

أوف .. في الواقع لا تعلم لماذا سمحت لنشوى بالقدوم .. أنها تؤنبها على غبائها وعدم استخدامها لجمالها في كل مرة تراها فيه لكنها ايقنت أنها على استعداد كبير للانحراف وفقط تريد التشجيع .. والدليل أنها تريد مشاهدة هاتف نشوى النقال الجديد الذى تعلم جيدًا الطريقة الدنيئة التي تحصلت عليه بها ..

تبيع جسدها مقابل الهدايا وبعض النقود ..

الحرب التي تخوضها ضد فساد روحها الوشيك ربما سَتُعْلن نتيجتها بين لحظة وضحاها .. فقط تمنح الفرصة وستصبح مجرد نشوى آخرى  ..

تأملت الهاتف بحسرة وهى تعيده إليها:

- رائع يا نشوى .. كم ثمنه ..؟؟

- أوه كثيرًا جدًا .. بالألاف حبي .. وتستطيعين امتلاك مثله وأفضل لو ..

قاطعتها بتذمر:

- نشوى .. اخبرتك .. أنا لن افعل ذلك مطلقًا ..

- كما تريدين آريام .. لكن صدقيني يومًا ما سأذكركِ  .. أنا اتلمع يومًا بعد يوم وسأتزوج من رجل أعمال ثري وأنتِ ستظل أقصى طموحاتك العمل كبائعة في محل ..؟؟ هل توفقتِ في الحصول على حلمكِ عزيزتي ..؟؟

حتى العمل كبائعة في محل لم تحصله .. معظم المحال الكبيرة تريد أنيقات يفهمن في نوعية الملابس والموضة وهي بالتأكيد ليست منهن والمحال الصغيرة مستكفية وكأن كل فتاة تحصلت على عمل تتمسك فيه بيدها وبأسنانها .. الحالة الاقتصادية للجميع أخذة في التردي والعائلات التي كانت مستورة سابقًا تحولت وعبرت خط الفقر وسقطت تحته ..

وأمام  مرآتها التي اسود معظمها وتقشرت من الحواف بدأت نشوى في تضبيط هندامها وزينة وجهها الصاخبة ..

- اترككِ الآن لدى موعد في المقهى مع صاحب هذا الهاتف .. ربما اليوم سيهديني طاقم كامل من الذهب إذا ارضيته .. سلام ..

محظوظة أنتِ يا نشوى .. وودعتها حتى باب غرفتها بابتسامة احباط على وجهها وهي تتخيل نفسها متأنقة مثل نشوى ومعها هاتف يخبل العقل كهاتفها ولدهشتها عادت نشوى لداخل الغرفة وهي تقول:

- حسنًا .. فقط تعالي معي للمقهى لتستمعي قليلًا واعدك لن يجبرك أحدهم على فعل أي شيء لا تريدينه .. علي الأقل ستري دنيا غريبة لم ترينها من قبل وتتذوقي أطباقًا رائعة حتى أنا لم اعلم اسمائها بعد وسأعيدكِ للمنزل على حسابي لا تقلقي ..

تمت عملية غسيل الدماغ بنجاح وبابتسامة انتصار شامتة اختارت لها نشوى أقل ثيابها المهلهلة احتشامًا وسحبت حجابها للخلف قليلًا لتظهر القليل من شعر رأسها ووضعت على وجهها زينة واضحة جعلت آريام تهتف بفزع ..

- لا استطيع الخروج هكذا ستقتلني أمي و سيذبحني أشقائي ..

وبنفس الفزع مسحت حمرة الشفايف وحمرة الخدود وتركت ظلال العيون والكحل .. سيكون عليها مواجهة غضب ثلاثة من الأشقاء الذكور الغاضبين وربما سيحين موعد تنفيذ تهديدهم لها بالضرب نظير تمردها .. يكفيها أنها ستخرج مع نشوى ويتبقى مهمة اقناع والدتها بالخروج ..

وحمدًا لله والدتها كانت في المطبخ في اللحظة التي قررت فيها الخروج فهتفت من الصالة بصوت مرتفع ..

- أمي .. سأخرج مع نشوى قليلًا .. 

هرولت والدتها من المطبخ لتوقفها لكنها كانت قد خرجت بالفعل ولم تسمع والدتها سوى صوت اغلاق الباب حينما وصلت لحيث كانت آريام تقف منذ لحظات ..

                                     **

- الوضع لا يمكن أن يستمر هكذا يا خالد .. أنها تقتل نفسها ..

- اعلم يا أمي واتمزق لأجلها .. ما يحدث أكبر من تحملنا جميعًا ..

 - إذًا تصرف .. لثالث يوم تحبس  نفسها في غرفتها وترفض الطعام والشراب ولا تجف عيناها من البكاء .. أنها تنتحر حزنًا عليه .. وهل تعلم على الرغم من فعلته لا استطيع حتى لومه .. ياسين كان جزءً من هذا المنزل لسنوات .. كبر معك وشاهدته في كل مراحله ..  منذ أن اشترى والدك هذا المنزل ونحن تقريبًا أصبحنا عائلة واحدة .. كان بمثابة ابنًا لم انجبه وأكثر اقسم  لك .. لكن علينا الخروج بأقل الخسائر فنحن نفقد شيماء أيضًا يا خالد .. لقد فقدت الرغبة في الحياة ..

وانخرط كلاهما في البكاء مما جعل سارة تدمع هي الآخرى .. الموقف صعبًا بكل المقاييس .. من المهلك أن تضطر ألا تحزن وأنت يجب أن تحزن فعلًا لاعتبارات كثيرة مثل وضع شيماء أو وضع خالد وحماتها ..

ياسين كان فردًا من العائلة .. فردًا بمثابة شقيق وابن وتؤام روح لكل على حسب قربه منه .. لم يكن مجرد زوج ربطه بهم ورقة زواج وتأثرهم لفقده يفوق مرتبة العشرة .. أنه يرتقي لمرتبة فقد من هو من نفس لحمك ودمك ..

ومن وسط دموعها لمعت الفكرة في رأسها فانسحبت بهدوء ومن شدة حزنهما لم يلاحظ أحدهما اختفائها ..

الموت لا يجلب سوى الخراب لكن أحيانًا واستثناءً يجلب الحياة ..

وحينما عادت لم تعد وحيدة بل حضرت بصحبة غالية وخطة إما أن تفلح وتخرج شيماء من عزلتها واكتئابها وانتحارها الوشيك أو تفشل فتضيع شيماء للأبد..

                                                **               

التوتر الذي يشعر به لا يماثله توتر .. غدًا هي عملية معتصم الأولى ويريد أن يكون في كامل تركيزه لا أن يخوضها بكفين مرتعشتين من الغضب ومن حالة رثائه لنفسه ..

مشاعره الشخصية لا وقت لها الآن فسمعته كأشهر جراح تجميل في العالم ومصلحة صديقه على المحك وربما كوبًا من القهوة المركزة في المقهى الشهير الذي يقع أسفل بنايته سيفي بالغرض .. مقهى " دون بوسكو" الشهير وامتداد لسلسلة المقاهي العالمية ستكون قهوته مميزة بلا شك ..

وطلب قهوته وجلس يراقب وجوه البشر ..

لا يعلم لماذا اهتم بطاولة يجلس عليها رجلين وفتاتين دونًا عن غيرها وجلس يتمعن النظر فيها .. ربما لأن على تلك الطاولة بالتحديد  تجلس فتاة  تبدو بسيطة الحال متواضعة ولا تليق بالمكان في ملبسها وتصرفاتها لكن وجهها أظهر مقدرة الخالق الأوحد في جعل الانسان في أحسن صورة ..

بحكم عمله كان يعلم أن بشرتها مثالية بلا عيوب أو مواد تجميل تخفي أي عيوب .. عظام وجهها مضبوطة في التركيب .. أنف صغير وشفتين ممتلئتين وعينين واسعتين .. أما حاجبيها فحكاية .. يرتسمان بدقة علي عظام الجبهة ومنابت شعرها غزيرة تخفي وصلة الجبين مع فروة الرأس ..

الوجه المثالي لأي جراح تجميل وقدر عمرها أنها في العشرين أوالحادية والعشرين .. العمر الذهبي وعنفوان الشباب ..

لكن ماذا تفعل بتواضع حالتها الواضح في هذا المكان الباهظ ..؟؟ أنها حتى لا تستطيع الامساك بالشوكة والسكينة بصورة صحيحة أو حتى الأكل بطريقة منمقة .. والفتاة الآخرى أيضًا غريبة الأطوار .. ربما أفضل قليلًا في الهندام والتصرفات لكن زينة وجهها بلدي بطريقة لا توصف حتى أنها لم تترك له فرصة لفحص ملامحها هي الآخرى من تراكم طبقات الزينة عليها ..

وفي  وسط انشغاله ومراقبته لتلك الطاولة فوجأ بالنادل يقترب ليسأله بخبث..

- هل أنت مهتمًا  سيدى بتلك الطاولة ..؟؟

كان لا يستوعب وقاحة وجراءة ذلك النادل الذي تطاول واقتحم خصوصيته وقبل أن يبدأ في اسماعه ما يليق به أكمل النادل ..

- الفتاة المبهرجة هي نشوى أما الآخرى فوجه جديد لا أعلم لها اسم بعد لكنها واحدة من الفتيات التي تحضرهم نشوى للزبائن .. لو اعجبتك عليك فقط احضار هدية تناسبها وستصبح كليًا لك لكن لا تنسي عمولتي ..

ما هذا القرف ..؟؟ لكن لماذا العجب.. ألم ينتوي هو التقاط  فتاة من الشارع.. إذًا لم لا  ..؟؟ بعد عملية معتصم سيختار وربما يلجأ للنادل ..

القى بمبلغ ضخم للنادل وهو يهتف بقرف..

- ربما سأحتاج خدماتك لاحقًا..

ابتسم  النادل بسرور وهو يحاول تخمين قيمة المبلغ الذي دسه للتو في جيبه..

- كما تأمر سيدى .. أشرف في خدمتك ..

للجحيم يا أشرف الذى اسمك لا يليق بك .. أشرف من ماذا بالتحديد يا قواد يا قذر .. ؟؟

وعاد لتفحص الطاولة فشاهد الفتاة مثالية الوجه العاهرة التصرفات وهي تتحدث مع أحد الرجلين والذي كان يحاول الاقتراب منها وحينما تدللت قليلًا اخرج من جيبه علبة ما وأهداها اياها فقبلتها على الفور ..

ما أبسط مفتاح العاهرات .. فقط هدية تفتح كل الطرق اليهن ..

ووصلت قهوته فاستمتع في شربها وهو يصفي ذهنه ويضع خطة العمل التي سينتهجها غدًا .. مستشفى البسطاويسي مستشفى ضخم لكن سيحتاج للتأكد بنفسه من توفر كل ما يلزمه فهو لن يرحب بأي  مفاجأة غير متوقعة..

سيذهب لفحص المستلزمات بنفسه واعداد الفريق ودعم معتصم الذي بالتأكيد سيكون وصل للمستشفى الآن استعدادًا لعملية الغد ..

                                        **                                       

حينما رحلت من منزله تركت كل شيء حتى ملابسها التي اشتراها لها .. لم تكن تريد شيئًا يذكرها به .. ملابسها تحمل رائحته لذلك تركتها وفقط لم تستطيع ترك صوره لهما التقطها خالد لها  ولياسين في ساعة صفاء وحب..

الصورة بقدر ما تحسرها على ما فقدته لكنها تجعلها تعلم أن مصيرها ارتبط به حتى لو لم يرد هو ذلك ..

وضمت الصورة بآخر قدر قوة لديها واستسلمت وانتظرت .. وحينما سمعت حركة على باب غرفتها لم تلفت .. سييأس خالد وسارة ووالدتها منها بعد عدة محاولات وسيتركوها لحالها لذلك تصنعت النوم ولم تلفتت .. لكنها صدمت حينما سمعت صوت الخالة سهام والدة ياسين ينادي عليها بحزن ..

لا لا ارحلي ماذا تفعلين هنا .. ؟؟

رؤيتها لحماتها في أقصى درجات انهيارها آخر ما تتحمله الآن لكن الخالة لم تيأس وواصلت اقترابها وربتت علي كفها بحب ..

- شيماء حبيبتي .. افتحي عينيكِ ..

نبرة الحزن والانكسار في صوتها جعلتها تستجيب .. أرادت مواساتها علي الأقل فهي تحبها من كل قلبها .. وحينما فتحت عينيها تنهدت حماتها بارتياح وهي تقول..

- كيف حالكِ حبيبتي ..؟؟

من يواسي من ..؟؟

وقبل أن تفتح فمها وتجيب أكملت ..

- أنتِ لستِ بخير أبدًا يا شيماء .. لكن أنا اريد منكِ معروفًا على الرغم من ذلك  .. اعتبريني أنانية لعينة لكن أنا اطلب منكِ الاعتناء بطفل ياسين كما وعدتي لا يوجد غيرك ليفعلها ..

ماذا ..؟؟!! 

نظرت إليها بعدم تصديق وهى تجاهد لتقول..

- ماذا تقولين ؟؟ بالطبع لا .. هذا مستحيل تمامًا .. هذا قبل أن اعلم من هو..

- شيماء اترجاكِ ارحمي ضعف قلب أم يتمزق من الحسرة على ولدها.. لا يوجد سواكِ يستطيع الاعتناء بطفل ياسين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. كما تعلمين أنا لا استطيع رعاية طفل رضيع وأشقاء ياسين خارج مصر وظروفهم لا تسمح لهم بالعودة حاليًا .. أنا اعلم كم أنتِ جميلة من الداخل وتستطيعين اعطائه الحب الذي يحتاجه..

لا هذا لا يمكن أن يحدث أبدا لأنه ببساطة يفوق طاقتها .. لماذا لا يشعر بحسرتها أحد ..؟؟

 الكل ينظر إليها على أنها مجرد مطلقة فقدت زوجًا لكن لا أحد حاول وضع نفسه مكانها .. لا مجال أبدًا لرعاية طفله حتى ولو كانت وعدت بذلك من قبل أن تعلم عن هويته .. في حالتها عدم الوفاء بالوعد مسموحًا به..

وبكل حسم هتفت..

- سأشم عطر الخيانة كلما حملته أنه يحمل رائحتها لا استطيع الاحتمال يا..

وقطمت كلمتها بماذا ستناديها .. ؟

لطالما كانت والدة ياسين في مقام أم ثانية لها،، عشرة عمر وجيرة وصداقة خالد لياسين منذ الروضة .. لكن الآن حتى لا حق لها فيها ..

وانهمرت دموعها بشكل مزق قلبها ..

- يا أمي .. قوليها ولا تحرميني منها شيماء .. أنتِ التي تبقيتِ من رائحة ياسين لا تجعلينى افقدكِ أنتِ الأخرى .. يكفيني حسرة قلبي على ولدي الذي ينازع وانتظر اتصال يخبروني فيه أنه استسلم اخيرًا ولن اراه مجددًا ..

أنا لن ادافع عن ياسين وقاطعته منذ فعلته السوداء تلك حتى أنني اعتقدت أن اختفائه كل تلك الأسابيع نزولًا على رغبتي في عدم رؤيته ..

وأصبحت دموعها هي الأخرى أنهارًا..

- لو تعلمين كم أنا نادمة علي الطريقة التي كلمته بها ..؟؟ ربما أنا السبب في الاصطدام لكني قهرت من فعلته لكن ما حدث قد حدث وفي النهاية الطفل المسكين لا ذنب له حبيبتي .. سيكون يتيم الأبوين‘‘ أنا مهما عشت فأيامي محدودة والطفل بحاجة لأم‘ صدقيني شيماء .. ليكون طفلًا سويًا يحتاج إليكِ.. يحتاج لأم شابة مثله كمثل أقرانه بالإضافة كل الفترة القادمة سأكون مع ياسين في المستشفى ولا يمكن أن اترك الطفل لمربية و لو تبقى لياسين ساعات فقط فسأكون لجواره فيها وأنا اعلم أن بموته سأموت أنا أيضًا لذلك تركت لكِ الطفل أمانة وأنا اعلم أنكِ ندًا لها .. أنا حتى لم اختر له اسمًا .. هو من اليوم مسؤوليتكِ وطفلكِ‘‘ ربيه كما تشائين ليكون رائعًا مثلكِ ويكون اضافة جيدة لهذا العالم البغيض ..

لفترة لا تعلم كم تحديدًا ظلت متخشبة تحدق باذبهلال في الفراغ لدرجة أنها حتى لا تعلم متى غادرت حماتها غرفتها .. لقد قالت " تركته أمانة لديكِ ".. هل تعنى حقًا أن الطفل هنا ؟؟؟

هذا لا يمكن أن يكون .. مستحيل أن تكون فعلت بها هذا .. القدر لا يمكن أن يكون قاسيًا لتلك الدرجة .. كانت ترتعد من الرهبة ومن الغضب ومن الحيرة ومن الحزن .. مشاعر متضادة عنيفة تعصف بها وتطوحها من أقصى الشرق لأقصى الغرب بكل قسوة ..

لا وألف لا سترفض هذه الأمانة الغير مرغوبًا فيها .. يوجد الكثير مم يستطيع رعاية هذا الطفل ..

وتحاملت على نفسها وقاومت ضعفها ووهنها ونهضت من فراشها وهي مازالت ترتعد .. بالتأكيد سيكون الطفل بالأسفل مع والدتها وستهبط لتخبرها عن رفضها حمل تلك الأمانة ..

وبخطوات مهزوزة فتحت باب غرفتها وفور خروجها تخشبت .. لقد سمعت صوت بكاء طفل يأتي من الغرفة المجاورة لغرفتها .. حبست أنفاسها لتتأكد وتأكدت .. صوت طفل مفطورًا من البكاء يأتي من داخل الغرفة .. هل هو طفل ياسين ..؟؟ لماذا تتركه الخادمة يبكي ..؟؟ حتى يعيدوه لجدته عليهم الاعتناء به ولو حتى كانت مدة اقامته لديهم هي دقائق ..

فتحت باب الغرفة بعدما استجمعت  قوتها وقاومت وهن عضلاتها لتنهر الخادمة لكن لدهشتها كل ما وجدته كان الطفل الذي يبكي بحرقة ووحيدًا بدون أي  صحبة ..

وأسنانها التي اصطدمت ببعضها البعض اطلقت صوتًا جعلت الصغير ينتبه إلا أنه لم يعد وحيدًا في الغرفة وينظر تجاهها ويواصل بكائه باستعطاف ..

إلى جواره كانت توجد رضاعته ممتلئة بالحليب ومستعدة للشرب ..

ساعدني يا الله ..

نظرت مجددًا في الممر الخارجي عساها تجد أحدهم يهتم بالطفل لكنها لم تجد فعادت لمهد الصغير وبارتعاشة قاتلة مدت ذراعيها والتقطته ومن فوره توقف عن البكاء وبدأ في الرضاعة على الفاضي ..

يا إله السموات والأرض ما هذا ..؟؟

رائحته منعشة غريبة مثيرة .. تمنحها الحياة .. وصلت لأعماق عقلها بصورة غريبة .. وكأنها تستنشق " اكسير الحياة "

واجبرت نفسها وتطلعت لوجهه .. سبحان الله رائع الجمال .. ملاك من نور ويشبه ويشبه... والده.. حتى اسمه عجزت عن ترديده في سريرتها ..

كان الصغير يتلفت يمينًا ويسارًا بلهفة ويبحث عن رضاعته وبدأ صبره ينفذ فتجرأت وضمته أكثر ورفعت غطاء الرضاعة ووضعتها قرب فمه فالتقطها بنفس اللهفة وبدا على وجهه السرور..

لا تعلم كيف مر الوقت ولا كيف أنهى الصغير الرضعة وهو بين أحضانها لكنها اكتشفت أنها كانت تحبس أنفاسها طوال فترة رضاعته وتخشي حتى الحركة كي لا تزعجه حتى انتهى وكافئها بابتسامة خلابة ذكرتها بابتسامة والده حينما كانت ترضيه ..

هل هذا يكفي يا نور أم تريد المزيد ...؟؟

انتبهت .. انها تتحدث إليه بل واسمته نور وهو نور فعلًا ..

الطفل كان بصيص النور الذى نور ظلمة حياتها واعطاها سببًا للحياة ..

ولصدمتها رفع كفه الصغيرة جدًا لتلامس وجنتها ..

حان وقت رجوعك لجدتك يا نور .. 

كانت تحدثه بتردد عجز عن اقناعها هي لكنها قاومت كل مشاعرها وحملته للأسفل لتعطيه لوالدتها وتعلن رفضها له ..

وفور تسليمه لوالدتها عاد نور للبكاء مجددًا فأعادته والدتها له ولدهشتها مجددًا توقف عن البكاء من فوره ..

الرحمة .. ماذا تفعل بي يا نور؟؟

وبدلًا من أن تخبر والدتها عن رفضها الاعتناء به قالت بوهن..

- أين باقي أغراضه؟؟ من فضلك أمي‘‘ أريد كل أغراض  نور في غرفتي ..

                                               **

نظرت لساعتها بتوتر بعدما تعللت بالذهاب للحمام وطلبت من نشوى مرافقتها .. منذ أن غادرت المنزل مع نشوى وهي أغلقت هاتفها الحقير وسيكون عليها مواجهة غضب أشقائها ووالدتها وبالتأكيد والدها لكن شيطان التمرد ركبها وساقها حتى المقهى لتتناول أطعمة لم تتذوقها من قبل وتقبل قطعة من الذهب من شخص غريب  أراد استمالتها وحين رفضت أصر وقال بخبث أنها فقط هدية تعارف لأنها اعجبته واستمتع بالجلوس بقربها .. فعليًا لم يلمسها لكنه حجزها لمرحلة قادمة .. وبالطبع نشوى لن تغادر معها فمازالت ليلتها ممتدة لكن هي عليها الرحيل فورًا ..

- نشوى أنا أريد العودة للمنزل علي الفور ..

لن تضغط عليها للبقاء فتلك كانت أول خطوة في طريق جر الرجل .. نعم لن تضغط وثمنها كعذراء سيكون كبيرًا .. زكي سمير سيدفع كثيرًا في مقابلها .. هو تخصص عذروات ويدفع بسخاء وهي وعدته أنها ستكون له لكن عليه الصبر ..

 - حسنًا حبيبتي .. سأطلب لكِ كريم لأنني لن اغادر الآن وهاكِ مائة جنية للحساب واحتفظي بالباقي ..

- أنا لا اعلم كيف استعمله.. في المرات السابقة التي استعملته فيها كنتِ أنتِ معي ..

- لا تقلقي ها قد طلبته .. سيأتي بعد خمس دقائق في سيارة نيسان صني زرقاء حتى باب المقهى لقد حددت المكان بالتحديد..

وكأنها تعلم أنواع السيارات لكنها هزت رأسها ..

- ها قد وصل .. غادري في أمان آريام وسأحدثكِ غدًا إلى اللقاء ..

تجربة جديدة عليها أن تستخدم كريم بمفردها لكنها من اليوم ستتعلم كل جديد .. المكان رائع والأكل لذيذ بدرجة لا توصف واحتضنت حقيبة يدها القديمة لصدرها وهي تفكر في نوع الهدية التي تلقتها وقيمتها وحينما شاهدت سيارة زرقاء تقف أمام المقهى وبها سائق يحاول شق طريقه بين السيارات فتحت الباب والقت بنفسها على المقعد الخلفي وهى تقول بتوتر..

- الفجالة لو سمحت ..

نظر إليها بعدم تصديق .. كيف تقتحم تلك الوقحة سيارته هكذا بل وتأمره بتوصيلها .. ألم تكتفي من الهدايا التي حصدتها بداخل المقهى .. هل تعتقد أنها ستستغله هو الآخر؟؟

التفت إليها وفي نيته تعنيفها على صفاقتها لكنها بادرته بتأفف ..

- اسرع ولا تتحدث مع الزبائن والا اشتكيتك لرؤسائك ..

كانت تحاول أن تظهر له أنها معتادة علي التطبيق ولا تظهر توترها ..

- ماذا؟؟ أنتِ وقحة بالكامل .. غادري السيارة على الفور ..

يا لا الحظ لقد طلبت التطبيق من هاتف نشوى المحمول ولا تعلم كيف تتصل بخدمة العملاء لتشتكيه ولا تملك حتى رصيدًا من الأساس .. في المرات القليلة التي تعاملت فيها مع تطبيق  " كريم " كان السائقين غاية في التهذيب أما هذا الجلف فيحتاج لدرس قاسي ..

فتحت باب السيارة بغضب وهى تتوعد ..

 - سأعطيك صفرًا في التقييم ولن تعمل مع هذه الشركة المحترمة مجددًا لكن فور هبوطها من السيارة انتبهت أن تلك السيارة التي غادرتها أفخم من مثيلاتها التي تعودت عليهم في " كريم " ولونها كحلي داكن وليس أزرقًا.. وشهقت بفزع وهي تعيد ادخال رأسها في السيارة ..

- ألست أنت سائق كريم؟؟

- لا تعتمدي اسلوب الاستهبال يا حلوة .. لن يفلح معي فأنا لست المغفل بالداخل .. إن اردتِ مني توصيلك ففقط عليكِ الطلب بأدب وسأرى كيف سأستفيد منكِ ..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات