رواية ومنك اكتفيت الفصل الثاني 2 - بقلم داليا الكومي
غيوم رمادية تنذر بالسوء .. عواصف وزعابيب معتادة في مثل هذا الوقت من السنة لكن عواصف قلبها أشد وأعظم .. بعض الأوجاع لا علاج لها حتى الزمن..
من قال المال وسيلة السعادة؟؟ مطلقًا السعادة في راحة البال والاطمئنان.. القلق يقتل القلب من الداخل..
السيدة زارا حكيم .. سيدة الأعمال الشهيرة التي أصبحت تمتلك مئات الملايين ولا تمتلك ذرة واحدة من السعادة .. سئمت من الأموال ومن الأعمال ومن زيف كل ما تفعله .. ولولا وجود ريان في حياتها لكانت فقدت عقلها منذ عصور ..
من أقصى الصعيد المتزمت لحياة الانفتاح بلا رقيب .. هل هذا ما كانت تتمناه فعلًا؟؟!! كلما تحدثت بلغة غير لغتها كلما ازدادت كآبة فحرصت على جعل ريان يتقن العربية عن طريق الدروس الخاصة لكنه أصبح يتساءل ويرغب في المعرفة ودائمًا يسأل لماذا أمي ؟؟
وضميرها الذي يؤلمها لدرجة الموت يجعلها تطمئن بعد كل درس لغة عربية وتسأل عن مدى تقدمه واتقانه لها .. تقدمت بحرص لداخل غرفته تتأمله وهو منكب على أوراقه الخاصة يعبث بها بقلمه دون تركيز .. " من شابه أباه " بالفعل هو نسخة مصغرة من أبيه ويتبقى الزمن ليصقله فيصبح نسخة حقيقية وقد ترعبها حتى هذه النسخة .. وكأنما شعر بحركتها الخافتة فاستدار من فوره والقى بنفسه بين ذراعيها محملًا كل ثقله على جسدها ويتعلق في رقبتها ..
امطرته بقبلات لا تنتهي تعوض فيها حنينها إليه .. تقضي معه معظم يومها ولا تكتفي .. حنين قاتل إليه حتى وهو بين أحضانها .. تشتاق لريان حقيقي في تربته الأصلية بدلًا من المهجر الذى يجعلهم وكأنهم في حفل تنكري كبير ..
سألته بحب ..
- كيف كان درسك اليوم ؟؟
رفع نظرات ممتلئة بالعتاب قبل أن يقول بتأفف ..
- جيدة .. لكن لماذا ادرس في أيام العطلة الدراسية أمي؟؟ أصدقائي يتنزهون في عطلة نهاية الأسبوع وأنا اجلس لأدرس لغة غريبة لا نستخدمها ..
اعادت إليه نظرته بعتاب أكبر ..
- كيف لا تستخدمها ريان؟؟ ألا تعلم أنها اللغة الوحيدة التي تستطيع جدتك التحدث بها الآن ؟؟ مرضها جعلها تنسى كل اللغات إلا تلك اللغة.. نعم أنت تتحدث الانجليزية هنا لكن تذكر دائمًا انها ليست لغتنا الأصلية .. لغتك الأصلية هي لغة والداك ..
رغبته في التملص من الدروس والذهاب في نزهة جعلته يرتكب خطًأ لا يغتفر.. بالفعل جدته لا تتحدث سوى بها وها هو حُشر في زاوية لا مخرج منها .. ذكائه الفطري اسعفه فورًا .. " انبتني لنسياني لجدتي وسأقلب عليها الطاولة "..
- إذًا سأدرسها أمي هذا واجبي كي اتواصل مع جدتي التي لا تسمحين لي برؤيتها إلا نادرًا وحسنًا لغتي الأصلية هى " الملايو " لغة والدي التي لم اتعلم منها سوى بعض الكلمات القليلة وليست الانجليزية التي اتحدث بها دائمًا ولا العربية كما تقولين الآن.. حسنًا افهم كل ذلك لكن اسمحي لي اليوم بالخروج ارجوكِ.. دائمًا ترفضين ذهابي لمدينة الملاهي .. أنا الطفل الوحيد الذي لم يركب افعوانية في حياته ..
ترجاها " ريان" وحيدها وسبب استمرارها في الحياة .. ترجاها مرارًا وداوم على الالحاح بغباء في الفترة الأخيرة وأصبح كئيبًا ويبكي طوال الوقت ..
الحصار الأمني الذي تفرضه عليه يفوق استيعاب عقله الصغير .. يتساءل باستمرار عن سبب احتجازه في القصر .. حتى المدرسة يذهب إليها في حماية العديد من الحراس ولولا اصرار أكرم لكانت منعته منها هى أيضًا ..
ربما يعتقد الجميع أن السبب الرئيسي لما تفعله هو أموالها أو بالأحرى أموال أكرم حكيم التي تنعم بها الآن هى وريان لكن السبب الحقيقي هو فزعها من الماضي الذي بالتأكيد سيعود يومًا ويطاردها بعنف .. بالتأكيد سيجدها وسيقتلها بدون أدنى تفكير .. مصيرها القتل لكن ما ذنب ولدها في كل ما يحدث؟ وكالعادة كان جوابها ..
- لاحقًا حبيبي ليس الآن ..
طفلها يكبر وردة فعله تختلف .. في الماضي كان فقط يبكي أما اليوم فرفع رأسه بكبرياء ليقول ..
- حسنًا اعدكِ لن اطلب الذهاب إليها بعد الآن كرامتي لا تسمح ..
آة .. انه العذاب الخالص في أقصى صوره ولدرجة تسبب لها الم البطن الحاد ... انه يتحدث كأبيه تمامًا.. " الوراثة لعنة ويأتى هو ليرث كل صفات أبيه .. " ملامحه وحتى كبريائه, لكنها تحرص على نزع القسوة التي كانت ترعبها من قلب ريان وتبدلها بالحب .. لا لن ترث قسوته يا حبيبي ..
لم يتعدى الخمس سنوات ويتحدث عن الكرامة ؟؟!! لكنه اكمل بلهجة شطرت قلبها لنصفين ..
- لكن اعلمي أنى حزين .. ليلة سعيدة أمي ..
يا الله .. انه حزين .. بالطبع .. انه يعيش في رهاب .. تتأكد من الترتيبات الأمنية مئات المرات في اليوم .. أي حركة بسيطة يفعلها يراقبه فيها جيشًا من الحراس ..
مسكين !! ليس الفقر فقط هو ما يجعل من طفل مسكينًا ويستحق الشفقة .. فيكفيه أنه اقتلع من جذوره ليغرس في أرض غريبة ومع ثقافة غريبة .. لا يسمح له بزيارة الأصدقاء ولا بزيارة الملاهي ولا المطاعم .. يعيش كطريد والسبب لحظة تهور جعلتها تقضي الباقي من عمرها في الذعر ..
الدموع التي تقدمها له كتبرير على رفضها لطلبه في كل مرة يطلب منها زيارة الملاهي أو التنزه لم تعد تكفيه .. يريد أجوبة حقيقية ترضي فضوله وللأسف لا تملكها ..
حتى مشيته تذكرها بما مضى .. نظرات الاشفاق التي بدت جلية على وجه أكرم جعلتها تجفف دموعها وتنضم إليه في الحديقة ..
مهما فعلت لن تستطيع شكره على ما فعله لها .. اعطاها منزلًا بل بالاحري مآوى وليس أي مآوى .. قصرًا ضخمًا وشركات وهوية والأهم منح طفلها اسمًا وشهادة ميلاد ..
نظراته اليوم كانت مختلفة كانت نظرات تأنيب ضمير .. حينما لجئت إليه ظن وقتها أنه كان يفعل الافضل لها لكنه الآن يعيد كل حساباته.. كلما راقب ذعرها وعمرها الذي يضيع كلما عنف نفسه على مجاراتها في خطتها المندفعة تلك .. ربما كان الحديث وقتها يفيد أكثر بدلًا من التخفي ..
الخوف لا يمنع القدر بخيره ولا شره لكنه يمنع من الحياة .. من الاستمتاع .. الرعب الذي تعيش فيه ترك اثاره على ملامحها الجميلة .. فحولها لزهرة باهتة فقدت بريق الحياة .. تذبل تدريجيًا على الرغم من جمالها الظاهري الذي صقله العمر إلا أن الحزن دفن في الأعماق فكان يظهر في كل نفس تخرجه ..
ربت على كفها بحنان ..
- لن اطلب منكِ السماح له بالذهاب فأنتِ والدته أولا وأخيرًا والقرار لكِ .. لكني اطلب منكِ الاستمتاع بما لديكِ .. ضيعتي أجمل سنوات عمرك في الخوف من الماضي ففقدتي الحاضر وستفقدين المستقبل أيضًا صدقيني لو كان خوفك يفيد لساعدتك كعادتي دائمًا لكنني افكر بطريقة عقلانية .. تمتعي بأموالك ومتعي ابنك .. أنت الآن بهوية جديدة وأموال تصنع درعًا واقيًا يقيكِ منه ولو استطاع ايجادك بعد كل ما فعلنا اذًا هو قوى أكثر بكثير مما نتحمل ولن تفلح حراستك في الوقوف في وجهه ..
كلامه يحمل كل الحقيقة .. لو وجدها بعدما تنقلت عدة مرات واخفت اثرها في كل مرة إذا فقد اكتسب قوة مرعبة وسيسحقها بسهولة اطفائه لسيجارته ..
يومًا ما سيتوجهان لكن بالتأكيد لا ترغب في تلك المواجهة قريبًا ..
- لقد تركنا ماليزيا منذ سنوات بعدما نقلنا أعمالنا لكندا ثم منها لنيوزيلاندا .. أوكلاند مدينة كبيرة ورائعة.. متى خرجتِ آخر مرة أو ارتديتِ احدى فساتينك الرائعة ..؟؟
القبر الذي تدفنين نفسك فيه مع ريان موعده لم يحن بعد يا ابنة الرابعة والعشرين بحلول ميلادك القادم والذي سيهل بعد بعد أيام قليلة ستنضمين لروتاري العجزة الذي اذهب إليه.. لا تجعليني اندم على مساعدتك فكلما رأيت عمرك يتسرب من بين أصابعك كلما حملت الهم ..
لا لن تنزلق وتندفع وراء خدعته .. هو يريدها أن تكشف عن نفسها .. أن تظهر في المجتمعات .. السيدة الحديدية الغامضة كما اسموها لابد وأن تظل غامضة .. تدير الشركات من وراء حجاب .. قليلين فقط يعرفون شكلها ومدخلها الخاص محرم استخدامه على العاملين..
الجميع يعتقد أنها تزوجت أكرم العجوز من أجل أمواله لكن هي وهو فقط يعلمان الحقيقة ..في الواقع الأموال التي هربها والدها لماليزيا بعيدًا عن سلطة العائلة نفعتها ولم تكن معدمة بالكامل .. كان يعلم أنها لن ترث حقها الشرعي فبادر ب..
ربما انهاء المحادثة الآن في مصلحتها .. فقط ستذهب لزيارة والدتها في غرفتها قبل الذهاب لاجتماع مجلس الادارة الهام ..
فاليوم لديها اجتماع مع سنيور ميجيل بيدرو دى ماري ملك استيراد الاغنام في اسبانيا في صفقة تتعدى مئات الملايين ...
مراعيها العديدة حازت شهرة عالمية وسلالتها من الأغنام التي حرصت على تنقيحها خلال السنوات الثلاث السابقة اتت ثمارها واليوم اصبحت أغنام حكيم اسمًا يطلبه الكثيرون ..
من أكثر ما يؤلم ضميرها بخلاف ريان هو والدتها التي اقتلعتها هى الاخرى من جذورها وغرستها في الخارج ...
الزهايمر من الأمراض المعروفة في سنوات العمر المتقدمة لكن أن تصاب به والدتها الاربعينية بالتأكيد هي مسؤلة ولو بنسبة عن اصابتها به .. لم تتجاوز يومًا وفاة زوجها الذي كانت تعشقه لتعيش منذ يوم وفاته وكأنها في عالم اخر ..
وككل مرة تدخل فيها غرفتها حتى لو تعدى دخولها العشر مرات يوميًا تشعر بنفس الشعور .. الغضب الكبت السخط .. والسبب شخصًا واحدًا .. مخلوق كريه قاسي يحسب على البشر لكنه ليس منهم بالتأكيد ..
ذلك الحقير اجبرها وضغط عليها بكل قوته لتنهار وللاسف انهيارها لم يشملها هى فقط بل طال في سكته أبرياء لا ذنب لهم ..
اسمها الجديد ملابسها المختلفة .. لون شعرها,, القصور والأموال التي اصبحت هي المتصرف الوحيد فيهم .. تغيرت بالكامل لكن في الأوقات القليلة التى تتعرف عليها والدتها فيها تعود لأنفها فيها رائحة الماضي .. رائحة السعادة التي لم تعد تشمها منذ سنوات ..
- أمي ... حبيبتي كيف حالك اليوم ..؟؟
نظرات دهشة احتلت ملامحها ...
- لماذا تحول شعرك للأصفر ولماذا لم تذهبي للمدرسة لليوم ؟؟ أنتِ معاقبة ولن تذهبي للحديقة في نهاية الاسبوع .. اذهبي فورًا واغسلي وجههك من المساحيق .. ومرة اخرى لا تعبثي باشيائى الخاصة ..
الانهيار اليوم كان على وشك الوصول لمرحلة التدمير النهائي .. كلامها يمزق قلبها ..ويكفيها أنها تحرمها من رؤية حفيدها .. كلما رأته كلما تذكرت والدها وكلما انهارت اكثر .. من عجائب قدرة الله أن يجمع ريان صورة والده ووالدها على الرغم من عمره الصغير وكأن الله عز وجل اراد أن يعاقبها به..
غادرت تجري بانهيار وأنفها الأحمر وجفنيها المنتفخين خير دليل على ساعات البكاء الطويلة ... كيف ستذهب لاجتماعها هكذا ..؟؟ الم تنبه نفسها من قبل لضرورة عدم التفكير في الماضي أو مقابلة والدتها قبل أي اجتماع ..
لم ولن تتجاوز يومًا مرض والدتها أو تتقبله .. قاسية هي الحياة حينما تبدع في عذاب أحدهم ..
وأكرم معه حق فمرآتها تظهر عجوز في الثمانين لا امرأة في ريعان الشباب والحقير المتسبب في عذابها ينعم مع زوجته ويربي ابنائها وولدها هي يعيش كنبتة شيطانية بلا جذور ..
وفي حركة تمرد خلعت عنها السواد وانتقت فستان محتشم في تصميمه بلون المارون الرائع .. واطلقت العنان لشعرها الأشقر والذي تحول من البني الفاتح للاشقر الفضي بسلاسة ناسبتها ..
من يصدق أن تلك الشقراء صعيدية في الأساس ؟؟
لكن اليوم ستكون شابة من جديد .. والقليل من المساحيق ستخفي انتفاخ جفنيها واحمرار أنفها ..
كم من المدهش أن القليل من الاهتمام يبدل الانسان ليتحول من كومة حزن لسيدة مشرقة بغض النظر عما يعتمل في القلب ظاهريًا اليوم هي سيدة جميلة بامتياز راقية في ملابسها لكنها تخلب الألباب .. استعادت جمالها بلمسة اهتمام بسيطة لدرجة أنها لم تتعرف على نفسها حينما نظرت في المرآة .. سيدة جديدة جميلة وتتنفس .. وجمالها خلاب فريد ..
جمال يستحق رجل يقدره ويدللــه.. تحتاج للعناق .. نعم كم تحتاج لرجل .. وخصوصًا بعدما جربت يومًا الحب اللاهب والقبلات الحارقة ..
مأساتها بدأت بقبلة ومع ذلك تفتقدها .. اغمضت عينيها وتذكرت حتى اقشعرت .. لا,, تفكيرها يقودها لمنزلق خطر للغاية .. هل تعترف الآن باشتياقها لمعتصم الحقير وحاجتها له ؟؟
لا بالطبع كل ما تحتاجه هو اهتمام رجل حقيقي وحنانه لكن بالتأكيد الذي كان يقدمها لها ذلك الجلف لم يكن اهتمام أو حب من أي نوع ..
وبخطوات مترددة خطت خارج غرفتها بهيئتها الجديدة التي نالت استحسان أكرم علي الفور ..
- خلابة .. ستغزين العالم يومًا بجمالك زارا وتذكري أكرم العجوز حينها ..
كيف تفيه حقه ؟؟!! بادرها على الفور ..
- اياكِ أن تسمحي لتلك الدموع بالنزول وافساد زينة وجهك التي اراها لأول مرة .. اذهبي واصنعي لنا صفقة جيدة مع الاسبان .. هيا ستتأخرين .. اعتمد عليكِ بالكامل هذه المرة واعلم أنكِ لن تخذليني يا تلميذتي النجيبة ..
وآخر ما كانت تريده وخصوصًا مع حالة ضعفها الراهنة هو نظرات ريان التي رمقها بها من على باب غرفته .. وعلى الرغم من حزنه والمه الخاص وجدته يقترب منها ويتعلق في رقبتها ويمسح على شعرها بانبهار قبل أن تهبط يديه الصغيرتين لفستانها الملون وهو ينزلق معها لأسفل ويشهق قائلًا ..
- أمي أنتِ رائعة الجمال ..
يا الله نفس نبرة صوته .. الذكريات لا ترحم ..
عادت للوراء لذلك اليوم الصيفي الحار حينما كانت في السابعة عشر .. دائمًا كانت تحبه لكن في هذا الصيف تغير بداخلها شيء .. اصبحت تتمنى أن تكون امرأة .. امراءته ..
ذكريات .. ذكريات .. ربما تلك الذكريات هي الشيء الوحيد الذي يجعلها حية ..
أوف .. ما هذه الحرارة التي لا تطاق ..؟؟
تصببت عرقًا وهي تجلس في غرفتها ..
حتى الحرارة اللاهبة لن تمنعها من الاستمتاع بوجودها بقربه وستتحملها حتى لو ساحت فعليًا .. ولسوء حظها توقف مكيف الهواء عن العمل وكأنه يعاندها .. فطلبت من الخدم ايجاد فني لاصلاحه وارتدت ملابسها وجلست تنتظر ..
للأسف معتصم في المجلس العرفي ولا تعلم ماذا تفعل وهو مشغول فحينما تغامر وتأتي للنجع بدون والدها ووالدتها وهى تعلم كم هي غير مرحبًا بها من زوجة عمها تكون تغامر براحة بالها لكن قربه يستحق ,, والجديد أنها ستلتحق بالجامعة في مصر مما يعني اقامة دائمة في القاهرة واحتمالية لرؤيته اكبر بكثير من الماضى ..
من الرائع أن والدها سمح لها بالعودة لمصر قبله لاتمام معاملات التحاقها بالجامعة معتمدًا على معتصم بالكامل في ذلك الذى هو بدوره احضرها للنجع وكلف أحد رجاله بتقديم أوراقها في الجامعة الامريكية في القاهرة ..
وطرقات قوية على الباب انبئتها بوصول الفني لكن لصدمتها لم يكن الفني هو من وجدته خلف الباب حينما اتجهت لفتحه بل معتصم شخصيًا ويحمل حقيبة معدنية صغيرة ..
لأول مرة يدخل غرفتها ودهشت حينما تقدم للداخل تاركًا الباب مفتوحًا وعلى وجهه علامات الاستياء ..
- لماذا لم تطلبي مني أنا اصلاح المكيف ..؟؟
تلعثمت وهي تجيبه ..
- أنت كنت مشغولًا ..
ولتكملة صدمتها وجدته يخلع عمامته ويضعها على الطاولة بحرص وأمام نظراتها المذهولة خلع جلبابه الجملي اللون وجعله يلحق العمامة على الطاولة وبادرها بالقول ..
- لن يدخل فني اصلاح لغرفتكِ شيرويت ,, أنا سأصلح المكيف بنفسي ..
شهقت بعدم تصديق ..
- وهل تعلم كيف تصلح مكيفًا ؟؟
واصل التخلص من ملابسه التى يخشى عليها من التلف وابعدهم بعناية ليتبقى بقميص داخلي قطنى ابيض ضيق مشدودًا على صدره العريض وسروال من الجينز الأزرق كان يرتديهم تحت جلبابه الفضفاض ويقول ..
- هل نسيتِ أني مهندس ميكانيكا في الأساس ..؟؟
علقت بانبهار ..
- حقًا تستطيع ..؟؟
- فقط انتظري وسترين ..
لطالما ابهرها بقدرته على التغيير .. في القاهرة وفي خلال سفراتهم خارج مصر يكون المهندس المتحضر الأنيق وحينما تعود للنجع تجده الصعيدي الأصيل بثياب الأجداد والمدهش أنه يليق عليه كلتا الحالتين ..
وبكل سلاسة بدء العمل .. وبعدما تفحص الوحدة الداخلية وتأكد أنها بخير كان عليه تفحص الوحدة الخارجية للمكيف وبخفة الفهد اعتلى حافة النافذة وتدلى بوسطه للخارج في حركة خلعت قلبها لتشهق بذعر ..
- معتصم لا ارجوك عد للداخل لا اريد مكيف في الغرفة ..
لو كان حياؤها يسمح لها بلمسه لكانت تعلقت في ساقيه لتمنعه من السقوط من النافذة لكنها بعدما اقتربت برعب توقفت كفاها في الهواء وعجزت عن التعلق به لكنها كانت تترجاه للعودة ..
وهو لم يتراجع بل اتسعت ابتسامته وهو يواصل العمل وكأن قلقها عليه عدل له مزاجه الغاضب وبحركات خبيرة تفحص الوصلات وقام بتغيير بعض البراغي التي كانت تآكلت بفعل عوامل الجو واعاد ربط الخرطوم الكبير الذي كان انفصل عن القطعة الداخلية بمهارة وعاد للداخل بعدما انتهى ..
وليعود قلبها المسكين بعودته للداخل لمكانه ..
- جربي المكيف الآن ..
- ماذا..؟؟
- شيرويت .. اختبري المكيف ..
- أوه معذرة ..
وجوده المفاجىء في غرفتها انساها الغرض الأساسي من زيارته لغرفتها ..
وحينما ادرك انها لن تتحرك من مكانها قام هو بتشغيل الجهاز وانسابت البرودة للغرفة فابتسم برضا ..
- ستنعمين الآن بالبرودة .. عذرًا على كل لحظة تحملتِ فيها الحرارة .. ليتنى تحملتها أنا عنكِ ..
كانت تريد شكره لكنها كانت في اقصى درجات ارتباكها من لطفه الغير معهود .. والآن انقضى الغرض من زيارته لغرفتها وسيغادر .. " ابقي قليلًا بعد "..
لكنه كان متعجلًا للرحيل .. وبالطبع اتسخ تمامًا وتحول قميصه الأبيض للأسود وتحولت اصابعه للون البنى من التراب ومن الصدء ..
ووقفت تتأمله وهو يجمع عدته استعدادًا للرحيل وبحركة تلقائية حملت جلبابه وعمامته لتوصلهم لغرفته لأنه لن يستطيع لمسهم وهو بهذا الشكل ..
- الآن سأغلق لكِ النافذة لتستمعى بالبرودة بالكامل ..
شددت من ضم أغراضه لقلبها تتنشق عبيره وكانت علي وشك فقدان الوعى من شدة نشوتها حتى استفاقت على صوت زوجة عمها الغاضب وهي تصرخ .. - معتصم .. ماذا تفعل عندك ..؟؟ هل اصلحت ذاك المكيف اللعين بنفسك ..؟؟
تجاهل نبرة الغضب في صوتها ليقول .
- مرحبًا أمي .. نعم اصلحته بنفسي ..
نظرت إليها باشمئزاز وهي تشير بأصابعها بحركة كلها احتقار وقرف ..
- تلك الحية لها تأثير سيء عليك ولدي .. تجعلك تتصرف بحماقة لا تليق بمكانتك ولا بمركزك .. انظر كيف اصبح شكلك .. ماذا لو شاهدك أحد الخدم الآن ..
عند هذا الحد ادارت شيرويت وجهها للنافذة التي لم تكن اغلقت بعد واطلقت العنان لدموعها وسمعت معتصم يقول بنبرة حازمة ..
- أمي .. فليشاهدني الجميع لا اهتم .. أنا مطلقًا لا اخجل من افعالي .. أنا رفضت دخول فني الاصلاح لغرفة ابنة عمي واردت اصلاحه بنفسي .. لماذا تكبرين الأمور ..
- لأنك لا تشعر بنفسك معتصم ولا تعلم كيف تبدو غبيًا أمام الجميع حينما تكون تلك الحية هنا .. أنت تنسى العالم وتكرس كل وقتك لها .. ماذا سيقول عنك الخدم عندما يرونك تتبعها هكذا..؟؟ افقدتك عقلك امرأة يا رجل ..
بدء الغضب يظهر عليه تدريجيًا ..
- أمي من فضلك لا داعي لهذا الكلام أنا كبير النجع ومن يتجرأ بذكري أو ذكرها بالسوء حسابه سيكون عندي .. واعتقد يا أمي أن موعد الغذاء اقترب ولديك أشياء اهم من تأنيبي لتفعليها ..
واحمر وجهها من الغيظ .. لقد احرجها ولدها امام تلك الصرصارة الغبية التي تتكبر عليهم مثلها مثل والدتها والآن ستتأكد من وضعها لمعتصم بالكامل في جيب قميصها بل سيكون كالخاتم في اصبعها تتحكم فيه كيف تشاء ..
لا .. لن تستطيعي يا ابنة السفير .. أنا لكِ بالمرصاد ..
وفور مغادرتها لكم معتصم الطاولة بيده بغضب واتجه لشيرويت يحدثها لكنها واصلت ضغط أغراضه لصدرها ولم تلتفت إليه فعلم أنها تبكي ..
اللعنة .. هل حقًا تبكي ..؟؟ فكرة بكائها افقدته التفكير السليم وكاد يجن ..
وبحركة لطيفة لكن حازمة جذبها من ذراعها ليديرها إليه .. صدق حدسه فعلًا .. عيناها البندقيتان التي ظهر لونهما بوضوح بفعل ضوء الشمس القوي امتلئتا بالدموع التي انسابت باستسلام علي وجنيتها .. وشعرها كان يتحرك بفوضوية على وجهها وعنقها وبدلًا من أن يعتذر منها على ما فعلته والدته وجد نفسه يهتف بشغف ..
- يا إلهي أنتِ رائعة الجمال ..
- أمي أنتِ رائعة الجمال ..
نفس صوته واسلوبه ففجرا بداخلها ذكريات وأحاسيس عنيفة ..
جثت على ركبتيها بحب ..
- هل اعجبتك حبيبي ..؟؟
اطرق برأسه في صمت فعادت لتسأله ..
- اذًا أنت لم تعد غاضبًا مني ؟؟
هتف بحنق ..
- أنا لست غاضبًا أنا فقط حزين ..
كانت تفهم مغزى نظرات أكرم جيدًا تلك التي تؤنبها ترشدها تلهمها فتجاهلتها لفترة قبل أن تهتف باستسلام ..
- حسنًا ريان اوافق .. سأرافقك غدًا لمدينة الملاهي ..
قرارها كان أصعب ما يكون وستغامر حتى بنفسها في الخروج للعلن .. لكن قلب الأم يأبى أن يسبب الحزن لصغيره .. أما ريان فذكائه الفطري خارق .. فهم أنها اليوم لسبب ما مختلفة وربما غدًا ستعود لرفضها ..
وفهم أكرم أيضًا أن ضعفها مؤقتًا وستعود لموقفها السابق فورعودتها من عملها .. وعودتها لملابسها القديمة الكئيبة ..
فرصة ولابد وأن يغتنمها ريان وإلا ..
- حبيبتى الاجتماعات ستدوم لأيام واعتقد أن غدًا سيكون هناك عشاء عمل وسيتوجب عليكِ حضوره ..
- اللعنة .. نسيت ذلك ..
- حسنًا دعيه يذهب اليوم وسأصحبه بنفسي .. ثم أن أصدقائه أيضا سيذهبون اليوم دعيه يقابلهم..
شعور اللهفة على وجه صغيرها يتزايد طرديًا مع شعورها بالتوتر .. التردد الذي بداخلها الآن يجعل البحور تفيض من شدته,, علقت بتردد ..
- لن يفلح ذلك والحراسة ..؟؟!! أنا أيضًا سأخرج في نفس الوقت ..
بدى الحماس جليًا في صوت أكرم وهو يقول ..
- لتشعري بالأمان اكثر سنستبدل طاقم الحراسة .. أنتِ تعلمين أن جاريد وداركو هما الأفضل وطاقمهما كذلك لكني ارى أن طاقم دراكو سيكون الأفضل لحماية ريان وسيستطيع مرافقته في كل الألعاب بعكس جاريد ..
جاريد بلتيمور .. عميل السي أي ايه السابق ومن أكثر رجال الحراسة حنكةً وذكاءً .. وعينته لحراسة ريان لسببين ..
الأول تفضيلها لريان عن نفسها والثاني لابعاده عنها .. كانت تعلم أنه معجبًا بها .. نظراته تفضحه وهي لا تريد الخوض في ذلك مطلقًا .. لذلك اتخذت من طاقم دراكو حماية لها وحماية منه ..
واخيرًا هتفت باستسلام مهزوم ..
- حسنًا اذهب مع والدك لمدينة الملاهي يا ريان ..
ماذا يلزم لاتخاذ قرار بسيط كهذا ..؟؟ بعض القرارات مصيرية وبعضها روتينية لا تؤثر مطلقًا في سير الأمور نفذت أم لم تنفذ لا يشكل ذلك أي فارق ..
وقرار السماح لريان بكسر الطوق الناري الذي تفرضه عليه قرارًا مصيريًا لا يتعلق فقط بنزهة كسائر الأطفال بل ثورة وشيكة الحدوث وتمرد قريب على قيودها التي تكبل بها نفسها قبله ..
احتضنته بكل قوتها وغادرت قبل أن تعيد التفكير وتلغي قرارها السابق .. نظرة السعادة في عينيه التي تراها لأول مرة في حياتها تستحق المخاطرة ..
**
الترتيبات التي اتخذها جاريد لا تريحها على الاطلاق .. ها هي تدفع ثمن قرارها الجريء فعندما ينتهز الفرصة التي لم تمنحها له يومًا ويجبرها على مرافقته بمفردهما في سيارتها دونًا عن طاقم الحراسة جميعًا فهي بذلك ترقص حول اللهب .. ورده المتكبر يحجمها عندما اصر بكبرياء ..
- ستجلسين إلى جواري أنا لست سائقًا ..
وعلى مضض انصاعت وجلست بجواره وتركت باقي فريق الحراسة في السيارة الأخرى الت تتبعهما كظلهما .. جاريد وكبريائه,, كعميل سي أي أيه لا يسمح أن يكون مجرد سائق لسيدة ولا حتى حارس خصوصي ,, هو يحمي مؤسسة لا افراد ويضع الخطط الأمنية أما حمايتها وهي معه فلا يشكل له ذلك أي هم.. بسهولة يستطيع .. وربما انتهز تلك الحجة ليقترب منها كما اراد أن يفعل منذ أن التقته في العام الماضي ..
التغيير اليوم على اشده وروتين حياتها يتعرض لمحنة .. عندما يكون كل تفكيرها منحصر في ريان وآمنه واهتمامها بمظهرها ثم المضايقات المحتملة التي سوف تواجهها مع جاريد .. واخر ما كانت تتوقعه أن يخرج جاريد عن صمته ويبدأ في مراودتها عن نفسها .. ربما مظهرها اليوم كالعسل ويجذب الذباب ..
- أنتِ اليوم مذهلة زارا .. جميلة كمهرة أصيلة تلمع تحت الشمس ..
الصدمة الجمت لسانها لأول مرة يغازلها أحدهم وجهًا لوجه .. لأول مرة تسمع كلمات الغزل الصريحة .. ربما اعتادت سابقًا على نظرات الاعجاب لكنها لم تتخطى ذلك يومًا .. مجرد نظرات لكن جاريد الآن بجوارها ويغازلها .. وربما فهم ارتباكها بشكل خاطىء .. ربما اعتقد أنها توافقه على غزله فتشجع ليقول بحنق ..
- من العار أن يحظى العجوز حكيم بكل ذلك الجمال ..
لا هنا وكفى سيتجاوز الخطوط الحمراء .. يجب أن يعود لصوابه وستوقفه عند حده .. هتفت بصرامة ساخطة ..
- جاريد ..
لكنه كان في دنياه الخاصة ليكمل ..
- أنتِ بحاجة لرجل حقيقي زارا .. أنكِ حتى لم تدخلي غرفته أبدًا .. لا علاقة خاصة بينكما ولا تحاولي الانكار فأنا المسؤل عن تأمين المنزل واعلم كل الخبايا .. منذ أن استلمت مهمة تأمينكِ وأنت لم تدخلي غرفته مطلقًا ولم يدخل هو غرفتك أيضًا .. أي علاقة زوجية تلك ؟؟!!
أنه يغزو عالمها وينبش في خباياها .. لا خوف حقيقي من ناحيته مطلقًا ولا تخشى السقوط فى حبائله فقلبها مغمور بحب علم عليه حتى الموت لكن جاريد أصبح خطرًا حقيقيًا يهدد أمنها .." قد ينكشف المستور " ..
من هي الآن ؟؟!! شيرويت الضعيفة الهاربة التي لم معتصم عليها حتى اكتفت أم زارا حكيم سيدة الأعمال والمرأة الحديدية كما أصبحت تسمى ..
لا عودة لفتاة مرتعدة خانعة بعد اليوم .. لن يتحكم رجل في حياتها أو تسمح له حتى بهزها .. لا وجود لرجال أعلى شأنًا في حياتها ولن يكون ..
وضعت كل صرامتها وسخطها وغضبها في صوتها .. ليخرج كالجليد ..- اسمي السيدة حكيم ولا تتخطى حدود عملك .. أنت تعمل لدى ولا دخل لك مطلقًا في حياتي قد تكون الأفضل أمنيًا لكن ذلك لا يعني بالتبعية عدم وجود بديل يحل محلك .. احفظ مصدر رزقك ولا تتدخل فيما لا يعنيك ..
ثم ادارت وجهها للجهة الأخرى من السيارة في اشارة منها لانتهاء المحادثة ..
اثبتت مركزها كالسيدة حكيم التي لا يهز لها رجل شعرة وهذا هو المطلوب ..
**
استمع بانتباه شديد لما يقوله الرجل المنحني أمامه .. كل عضلة من وجهه تحفزت في دليل قوى على أهمية ما يستمع إليه حتى انتهى الرجل تمامًا فيصرفه في حركة ترفع اعتاد على فعلها..
ويجلس ليقيم الأمور .. الفرصة واتته على طبق من ذهب .. سفر معتصم في هذا التوقيت بالذات يجعله يضع رقبته تحت أنيابه وهو لن يتوانى عن قضمها ..
الغاية عادة تبرر الوسيلة وهذا مبدأه الميكافيللي الذي اتبعه دائمًا .." أفكار اليهود تلك يملك منها الكثير" من يعتقد نفسه ابن الخادمة ؟؟
قد يكون جدهم الأكبر السمالوطي الكبير اعطاه كل مقاليد الامور قبل وفاته وتناسى غلطة أبيه وزواجه من ابنة الخفير لكنه كان أولى بذلك المنصب ..
الظروف خدمت ذلك المتعجرف بصورة لا تصدق .. والد معتصم كان ارق من تحمله لمهام المنصب واثبت ذلك بوقوعه في ما يسمى بالحب وعمه عزيز كانت المناصب الخارجية وعمله كسفير اهم لديه من مناصب عرفية كان يعتبرها عادات بالية يجب أن تختفي للأبد أما والده المستحق الحقيقي للمنصب فاستبعده جده الكبير عفيفي السمالوطي تمامًا بلا أي مبرر وعندما توفى والد معتصم وهو في اواخر الأربعينيات من عمره,, الصدمة التي سببها فراقه لجده جعلته ينصب معتصم في مكانه.. ربما لأنه وجد فيه القوة التي افتقدها في والده وربما كان يصنع هو تلك القوة التي عجز عن ايجادها في كل ابنائه بما فيهم والده هو حتى ..
تلك القوة التي يتباهى باستخدامها الآن ولا يعلم أنها هى التي ستقوده لهلاكه ..
المغفل الغبي لا يعلم أن جولته الأخيرة مع رضوان هي التي ستفعل ..
أخيرًا وبعد انتظار سنوات سيحقق حلمه ويتخلص من ذلك المتكبر .. ويصل للمجلس العرفي الذي وضعه هدفًا منذ أن بدأ يتحول لرجل ويترك لهو الأطفال ..
وفور سفر معتصم سيبدأ التنفيذ ..
امتدت يده لهاتفه النقال وضرب رقمًا ما وفور سماعه لصوت محدثه سأل بلهفة.. - هل غادر القاهرة بالفعل ؟؟
- نعم منذ ساعات عديدة ..
- حسنًا خميس لا تنسى ما اتفقنا عليه ..
- بصراحة أنا اخشى من غضب الزعيم,, لا اعلم كيف وافقتك من قبل يا فالح..
ليهتف بغضب عندما سمعه يلقبه بالزعيم ويخفض راية الخضوع له ..
- وافقت بعدما تحصلت على مبلغ من ستة أصفار لا تنسى ذلك .. اريد ولائك الكامل وإلا ستندم .. بدأ الحفل ولن اغادره إلا وأنا الملك هل تفهمني.. ؟؟
- صدقني يا فالح,, استمع إلى واعد التفكير فيما تنوي فعله .. ابن عمك مخالبه من نار وهو أقوى مما تتخيل ولا قِبل لك بهزيمته ..
ضحك بتهكم قبل أن يقول ..- وأنا أنيابي زرقاء وسأغرسها في عنقه .. لا تتدخل في أشياء تفوق استيعابك.. هل فعلت ما امرتك به ؟؟
لقد حذره لكن العنجهية والغرور القبلي يتملكاه ويظن أنه يستطيع وفي النهاية هو سيأخذ المبلغ الضخم ويغادرالبلدة قبل عودة معتصم الذي سوف يشوي قلب فالح ويأكله علي العشاء .. خائن خان خائنًا وعلى الباغي تدور الدوائر ..
- نعم .. عائلة البهنساوي ستفتح أمر هروب زوجته في المجلس القادم الذي سيعقد بصورة عاجلة بعد أيام وبدونه والذي بالتبعية ستكون أنت رئيسه بالانابة ..
يتبقى فقط اقناع باقي العشائر بحضور المجلس بدونه كرئيس وه مهمة ليست بالسهلة لمعلوماتك ..
- الهمة اذًا .. واعدك سأعطيك نفس المبلغ الذي اعطيتك اياه سابقًا اذا ما اتممت المهمة بنجاح .. مجلس واحد فقط يقام بدونه وارأسه أنا .. هكذا هو الاتفاق ..
أموال وهبها لتابع ويعلم أنها ستسيل لعابه .. لا يهم كم سيخسر في مقابل كسر الحقير واقتلاعه ..
- في امان الله معتصم تغيب كما يحلو لك ..
**
صرح عملاق هى بالفعل ما تكون عليه مجموعة شركات حكيم .. دائمًا استشعر والدها باحتمالية غدر معتصم .. ذلك ما ادركته حينما علمت أنه يحتفظ بمبلغ ضخم باسمها في ماليزيا ولم يحدثها عنه مطلقًا .. كانت تتمنى أن تكون تلك الشركات تابعة لمجموعة السمالوطي القابضة لا تحت مسمى حكيم لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فتبحر مضطرة لا راغبة ..
في لحظة ضعفها السابقة تفهمت رفض جاريد ومحاولته الظهور بلقب مرافق لا تابع أما حينما عاد إليها تعقلها مع كلماته الجريئة كان لابد من تحجيمه ..
فليقبل بوضعه كتابع أو ينسحب .. امرته بترفع حينما اوقف السيارة في مدخلها الخاص أمام البناية الضخمة التي تمتلكها..
- افتح لي الباب جاريد ..
بالتأكيد اصابته في مقتل لكن حينما يتعلق الأمر بالتمرد فجاريد اكثر من يستطيع السيطرة على تمرده بحكم تدريبه .. ولائه لجهة معينة والآن هي فقط من تستحق ولائه وطاعته بغض النظر عن كونها انثى أو حتى اضعف منه لكنها مصدر رزقه ويجب عليه الطاعة ...
وبهدوء ظاهري يخف بركانًا داخليًا كان يسبقها للهبوط قبل أن يفتح لها الباب ويدعوها للنزول ويشدد علي ىمخارج ألفاظه وهو يقول ..
- تفضلي سيدة حكيم ..
وبكبرياء يليق بمكانتها رفعت رأسها لتغادر دون أن تلتفت لترهاته .. قد تشرع في البحث عن بديل في أقرب وقت .. أي مصدر للتهديد غير مستحب وجاريد بدأ في اللعب فيما لا يخصه ..
وفي مصعدها الخاص الذي يصل لغرفة مكتبها مباشرة وقفت تعدل من هيئتها أمام المرآة .. لأول مرة تستخدمها على الرغم من وجودها في نفس المكان منذ أن ابتاعت المبنى .. بعض الألوان جعلتها مختلفة من الخارج لكن روحها الداكنة لا علاج لها ..
وكالمعتاد رافقها جاريد حتى باب مكتبها لينسحب بهدوء ويتركها لعملها ومكتبها بعد أن يتفحصه بنظرات سريعة ويتأكدمن أنه آمن بالكامل ...
وفور جلوسها خلف مكتبها تنفست الصعداء .. احتاجت لدقائق تلتقط فيها انفاسها قبل أن تتواصل مع مديرة مكتبها بكلمات قليلة .. يتبقيى فقط نصف الساعة علي موعد الاسباني الوسيم دي مارى .. الاسبان لهم شهرة واسعة في الوسامة وخصوصًا ذلك بالتحديد .. شخصية شهيرة كدي ماري غنية عن التعريف وجريدة فوربس الأمريكية لا تخلو من الحديث عنه ونشر صوره مع جميلاته ..
كان من المفترض أن تذهب هي إليه ساعية للصفقة الضخمة التي تفيدها هى أكثر منه وبحكم نفوذه الأعلى ,, لكنه لدهشتها وافق بسهولة على الحضور واتمام الصفقة في عقر دارها حينما تعللت بعدم مقدرتها على ترك نيوزيلاندا في الوقت الحاضر ليقول بسعة صدر ..
- اغنام حكيم تستحق ..
وارسل جميع المعاملات بالفاكس فوقعت أوراق الصفقة الهامة قبل أن ترسلها مع نائبها ليوقع هو بعد ذلك .. التعامل معه راقي وسهل بصورة مدهشة ..
- سيلينا .. أريد أن اراكِ قليلًا ..
- على الفور سيدة حكيم ..
يوم الجمال العالمي .. لو لم تكن أنثى لكانت خرت صريعة أمام جمال سيلينا المبهر اليوم .. في العادة هي جميلة لكن اليوم مذهلة .. بشعرها الأسود وعينيها الزرقاويتين .. رائعة في جمالها وبفستانها الأسود القصير الذ ينافس شعرها في درجة سواده .. زيارة دي مارى لها صداها .. ولم تكن الدهشة من نصيبها وحدها .. فسيلينا أيضًا وقفت تراقبها بانبهار .. لكنها تجاهلتها بلباقة مدروسة وأكملت تفحصها للأوراق .. - هل كل شيء على أكمل وجه ؟؟
- نعم اطمئني .. اليوم اجتماع أولي فالرحلة الطويلة التي قطعها الضيوف في الطائرة والتي تقترب من يوم كامل تمنعهم من أي ترتيبات عدا التعارف وامضاء بعض الاوراق الأخيرة فهم فقط وصلوا أوكلاند اليوم صباحًا .. أما غدًا فجدول الزيارة يشمل زيارة مراعي حكيم ثم عشاء عمل ..
جميع الأوراق نظمت في نسخ على طاولة الاجتماعات وجهزنا الكثير من الأطعمة الخفيفة والمشروبات وبعض الحلويات من مطعم شهير بطاقم خدمة محترف .. اعتمدى علي واهدئي قليلًا ..
علقت بحسد لم تستطيع اخفائه ..
- لا أعتقد أنكِ اليوم ستأدين عملك بنفس الكفاءة مع ذلك الكعب العالي والفستان الذي يكاد يتمزق ..
لتبتسم سيلينا بخفة ..
- بالتأكيد سأفعل .. وهل يجوز لي التعليق نفسه ..؟؟!! أنتِ أيضًا اليوم رائعة بل خلابة .. دائمًا كنت اسمع عن الجمال الشرقي المهلك لكني رأيته يتجسد اليوم .. هل سيمنعك ذلك عن القيام بمهام المرأة الحديدية كما تفعلين دائمًا ؟؟ نحن نحتاجك اليوم بكل قوتك .. دي ماري ثعلب كبير ..
اعادت عليها استخفافها بها بذكاء .. المرأة ستظل مرأة حتى لو أطلق عليها كل ألقاب القوة .. ماذا يحدث اليوم ؟؟ لماذا مظهرها يستثير الموظفين هكذا ؟؟ هل كانت تدفن جمالها لهذه الدرجة طوال سنوات ؟؟
من الغد ستعود لكآبتها وسواد ملابسها فيكفيها ما حدث اليوم لكن يتبقى ساعات عليها قضائها حتى ينتهي هذا اليوم .. جاريد واحرجته لكن سيلينا فتاة طيبة وتحبها حقًا ولا تعتقد أنها تغار منها بأي شكل فحتى حياتها العاطفية تبدو خالية كحياتها هي ..
- اعتقد أنكِ تعاملتي معه من قبل ..
صمتت سيلينا قليلا وبدى عليها التردد قبل أن تجيبها بتوتر ..
- نعم فيما مضى ..
- إذًا هو يعرفك ...
- بالتأكيد لا يفعل فرجال بحجم دي ماري لا يتذكرون الكومبارس سيدتي ..
- حسنًا سيلينا دعينا نجعله يغادر ويتذكرنا هذه المرة للأبد .. سنثبت له من نحن ..
- اعلم أنك قوية سيدة زارا وأعلم أيضًا أنكِ مستقيمة لكن سمعة دي ماري تسبقه احذري منه فهو يرغب في كل امرأة جميلة ولا يكتفي بواحدة ..
قهقهت بسخرية شديدة ..
- لا تخشي علي مطلقًا .. تستطعين القول أنه أصبح لدى مناعة من الرجال وخاصة امثال دي ماري الذين يعتقدون أن المرأة مجرد جسد .. لو حاول التطاول فسألقنه درسًا لن ينساه .. ربما عليكِ أنتِ أيضًا أن تحترسي منه فبالتأكيد أنتِ لستِ محصنة مثلي ..
بل محصنة اكثر منكِ زارا حكيم وبمراحل .. بعض العلاقات تترك ندوبًا في الروح وتجعلها سميكة لا تخترق بالكلام المعسول ..
وكأنما وجب الصمت وغرقت كلاهما في أحزانها الخاصة .. وتجربتها المريرة ولم يستعيدا تماسكهما إلا مع رنين الة النداء التي كانت تحملها سيلينا والذي جعلها تهتف برهبة ..
- اعتقد أن الوفد قد وصل ..
- ادخليهم على غرفة الاجتماعات مباشرة .. سأتحدث مع أكرم لاطمئن على ريان ثم انضم إليكم ..
صفقة العمر .. والمزيد من الأموال التي ستحميها من بطشه .. ستقف عليهم وتنظر له من أعليى وهى تسخر منه ..
اتصالها مع أكرم كان سريعًا فهما بالكاد وصلا للمدينة الملاهى ولم يستقر ريان علي الألعاب التي يريدها بعد ..
نظرت لمرآتها لمرة أخيرة قبل أن تغادر مكتبها لغرفة الاجتماعات لتلحق بسيلينا هناك ..
الوفد المرافق لدي ماري مكون من أربعة أفراد نهضوا جميعًا لتحيتها فور دخولها باستثناء شخصًا واحدًا ظل على جلوسه وعندما يحين دوره للنظر في وجهه بعدما تنتهي من تحية السادة المهذبون ستعلمه مدى احتقارها لتصرفه ..
- سينيور دى ماري أهلا بك في مراعي حكيم ..
اطرق برأسه في حركة مهذبة لكنها سريعة وكأنه يقوم بمهمة ثقيلة .. حيت الجميع على عجالة قبل أن تلتفت لرابعهم .. ذلك الوقح الذي لم ينهض للترحيب بها وهمت بتأنيبه بلطف لكنه اختنقت بكلماتها وغامت الدنيا وأصبحت روحها على وشك المغادرة ومقابلة بارئها..
من أغلق الضوء وشفط الهواء من الغرفة .. بالتأكيد هناك خطأ ما .. هي تهلوس بكل تأكيد فذلك الوقح الجالس على طاولتها لم يكن سوى معتصم السمالوطي زوجها ووالد ريان الحقيقي بشحمه ولحمه ..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية