رواية فارس بلا مأوى الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء محمد رفعت


_ يجلس مغمض العينين في محاولة إستيعاب ما يحدث له من مصائب تتوالي فوق رأسه، و عليه بالصبر علي تلك الإبتلاءات.

نهض إحدي المساجين بعد أن تأمل ملامحه وعلم بهويته، جلس بجواره قائلاً : 
_ فارس ولد الحاچ قاسم؟.

فتح عينيه وأستدار له بجسده، مجيباً: 
_ أيوه أنا.

أنبلجت إبتسامة علي وجه هذا الشاب وقال: 
_ أني منصور ولد عمك عبدالفتاح صاحب أبوك، مش فاكرني إياك؟ .

صمت لثوان يتذكره، فقال: 
_ أيوه أفتكرتك، كيفك وكيف عمي؟ .

أطلق تنهيده ثم قال: 
_ أبوي تعيش أنت بجي له سنتين، وأني كيف ما أنت شايف مسچون بجي لي أسبوع وأكتر وباينهم عيعرضوني علي النيابة.

_ تهمتك أي؟.

أجاب منصور: 
_ خايف أجولك تزعل مني.

_ وهزعل ليه؟.

حدجه بتوتر وقال: 
_ أصل سبب دخولي السچن زكريا واد عمتك الله يحرجه، كنا شاغلين في مخازن الخشب الي نواحي المعبد الجديم، وكنت مزنوج في جرشين لأجل عملية القلب لأمي، وهو كيف الشيطان جومها في دماغي وخلاني أخد من فلوس العهدة وأرچعها لما نجبض علي آخر الشهر ويدبر لي باجي المبلغ، و حظي المهبب عملو چرد تاني يوم ولاجو الفلوس ناجصة عشرة آلاف جنيه، كنت وجتها مع أمي في المستشفي ودخلت العمليات، أتصلو علي جاله لي تعالي المخازن ضروري، روحت لاجيت الدنيا مجلوبة، وما حستش بحالي غير وأني أهنيه، وخالي وعمي أتخلو عني كالعادة.

ربت فارس عليه بمواساة: 
_ ربك كريم وعيفرچها من عنده، بس أنت غلطت لما مديت يدك علي الأمانة، وبعدين من ميتي وبتسمع كلام زكريا!،ما حرمتش من أيام المدرسة لما كان بيعمل مصايب ويوجعك أنت فيها وكانو عيرفدوك لولا أبوي أتوسطلك عند المدير!.

زفر بسأم وقال: 
_ ياما دجت علي الراس طبول يا واد عمي، سيبك مني دلوق جولي بتُعمل أي أهنيه؟.

أجاب بنبرة مليئة بالشجن: 
_ لساتني راچع من أمريكا كنت چاي نتچوز بنت عمي، مجرد دخلت الدار لاجيت أبوي تعبان جالي وصيته ومات.

_ واه، حاچ قاسم مات!، لا حول ولاقوةالابالله، البقاء لله.

تجمعت عبراته بداخل رماديتيه وأكمل حديثه: 
_ مش مصدج لحد دلوق إنه مات، مش عتصدجني لو جولتلك أني محتاچ لحضنه جوي.

ربت منصور عليه وقال: 
_ وحد الله يا فارس، ما يتعزش علي الي خلجه، ربنا يرحمه هو وأبوي وچميع موتانا.

_ أنا بدعي ربنا يلحجني بيه.

_ تف من خشمك يا چدع، ربنا يديك العمر والصحة، أنشف إكده، أني خابر هو كان ليك كل حاچة لكن ده أمر الله يا أخوي وكلنا هنموت.

_يارب.
أخذ يجفف عبراته ويستعيد رباطة جأشه، فأردف: 
_ ملحجتش أفوج من موته، لاجيت البوليس چاي لنا الدار ولاجو شنطة مخدرات في أوضتي.

صاح الآخر بصدمة: 
_ مخدرات!، كيف دي؟.

_ كيف ما سمعت، وإحساسي بيجولي إن فيه الي ماصدج أبوي مات وجال يتخلص مني.

نظر له منصور يفكر في أمر ما: 
_ عجولك وتصدجني؟.

رفع وجهه ونظر إليه بترقب: 
_ أنت عارف حاچة؟.

أبتلع لعابه ثم قال: 
_ عجولك، بس بالله عليك ما تچيب سيرتي واصل.

أومأ له فارس وقال: 
_ ما تخافش أوعدك ما هاچيب سيرتك.

_ في ليلة كنا سهرانين قدام المخازن أنا وزكريا، وچه رافع واد عمك وجعد ويانا وشربو سچاير حشيش لحد ما تسطلو، زكريا كان بيتحدت وياه عنك أنت وأبوك، فجاله رافع أنه محضرلك مصيبة واعرة عتوديك ورا عين الشمس، ومستني إنك ترچع من بره، ولما حسو بيا وأنا جاعد وياهم هددني رافع وجالي لو چيبت سيرة لحد ما عيطلع عليا نهار أنا وأمي، وأنت خابر إحنا غلابة ومالينا غير ربنا، ورافع واد عمك الشر بيچري في دمه.

عاد بظهره إلي الحائط في صمت يعلم ما قيل له ليس كذباً أو إفتراءً، طالما رافع يكرهه ويكيد له المصائب منذ الصغر، وعندما سأله في مرة لما هذا كل الحقد والكراهية، أجابه الآخر لأنه إبن قاسم، لم يفهم مغذي إجابته إلا عندما كبر وعلم من الخالة هنادي بأن عمه وعمته أشقاء والده من الأب فقط حيث والدتهما الزوجة الأولي و والده من الزوجة الثانية التي تزوجها جده الحاج قناوي عندما سافر إلي المنصورة ورآها هناك في حفل زفاف إحدي معارفه، كانت شديدة الجمال والصبا، لم تتجاوز الخامسة عشر آنذاك ، وبعدما تزوجها أنجبت قاسم الذي ورث معظم صفات والده وملامحه، فكان قناوي ظالماً لزوجته الأولي تركها بمفردها تربي نجلهما وأكتفي بإرسال المال فقط لهم وحرمهم من حنانه وعطفه الذي كرسه لقاسم فقط و والدته، وعندما كبر قاسم كان والده يريد تزويجه من بنات العائلة لكنه أحب إبنة خالته التي تشبه والدته كثيراً، تزوجها بعدما أنتهي من قضاء خدمته العسكرية في الجيش وأنجبت له فارس، كان الحفيد المفضل كوالده لدي جده الذي أوصي بأن العُمدية سيتوارثها فارس من بعد والده مما أثار ضغينة خميس وولده وكذلك أيضاً جليلة التي حُرمت من حنان والدها ولم تتلق سوي قساوة وحقد أمها من ما فعله والدها معها من ظلم وأنانية.
فلم يتعجب فارس عندما يعلم بأن من زج به إلي السجن رافع الذي ورث الكراهية والضغينة من والده وجدته.

_ فارس قاسم القناوي.
نادي بها العسكري الذي دلف للتو، لكزه منصور عندما لم يجب: 
_ كلم يا فارس، بينادم عليك.

أنتبه فارس وصاح: 
_ أيوه.

أشار له الآخر: 
_ جوم يا ولدي، عبد المچيد المحامي مستنيك في مكتب المأمور.

نهض فارس وذهب معه، داعياً ربه بأن يظهر براءته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تجلس خلف القضبان الحديدية التي قام بوضعها شقيقها علي نافذة غرفتها بعدما علم كيفية هروبها، تنظر إلي السماء و الكروان يحلق مُغرداً وكأنه يطمأن قلبها علي من يتلوع ألماً من القلق عليه، رفعت كفيها لأعلي وقالت: 
_ يارب نچيه كما نچيت سيدنا يونس من بطن الحوت، فارس غلبان وملهوش غيرك وأنا، وأني ما رايدشي غيره يكون زوچي وأبو عيالي.

طرقات علي الباب يتبعه صوت زوجة أخيها: 
_ زينب أنتي صاحية؟.

_ ما واكلشي يا نوارة، رچعي الصينية المطبخ.

فتحت نوارة الباب ودلفت تحمل صينية الطعام وضعتها علي المنضدة القريبة من التخت، ثم ذهبت وجلست بجوارها قائلة: 
_ أني حاسه بيكي وبالنار الي في جلبك وجلجك علي فارس، أصلي زيك إكده عاشجة لكن الفرج الي بينتنا إن الي بتحبيه بيحبك ويمكن أكتر كمان، لكن أني الي بحبه جلبه كيف الحچر جاسي، يمكن الحچر حنين عنيه.

تنهدت زينب وقالت: 
_ رافع أبوي ملي جلبه جسوه ومن إحنا لسه عيال صغيرين، غرس چواه إن الحب ده للنسواين والي جلبهم ضعيف لكن الراچل لازم يكون جلبه جوي وميهزوش حاچة واصل.

_ إكده كيف الي معندوش جلب عاد.

_ وطالما أني معنديش جلب، أتچوزتيني ليه؟.
أنتفضت نوارة تنظر إلي صاحب الصوت، فوجدته واقفاً يرمقها بنظرة توعد، أزدردت ريقها بخوف، وقالت بتوتر: 
_ أني، أني كنت بحط الواكل لزينب.

لم تجد مبرر لجملتها التي سمعها، فغادرت الغرفة تحت نظراته، زفر بملل وهو ينظر إلي الطعام الذي لايمس فقال: 
_ إحمدي ربك إني كنت ماسك نفسي عنيكي، لولا أمك حلفتني أني ما أچيش چمبك كان زمانك مرميه في المشتشفي بين الحياه والموت.

رمقته بإبتسامة ساخره وقالت: 
_ الي عيسمعك ميشوفش وأنت حابسني في أوضتي وحاطط حديد علي الشُباك وموجف رچالتك بره كمان.

تقدم عدة خطوات حتي وقف أمامها وبكل قسوة وجبروت ينظر لعينيها التي تتجمع بها عبراتها، فتحدث بفحيح : 
_ عتبكي عليه!، وفري دموعك لأن عخليكي تجري الفاتحة علي روحه وتبكي بدل الدموع دم.

جزت علي فكها تحاول أن تتماسك، تشد علي قبضتها حتي أبيضت مفاصل أناملها: 
_ ياه، للدرچدي!، حارجك جوي وعايز تجتله!، سوي فيك أي عشان تكرهه إكده؟، ده أنت حتي ماشوفتش منيه غير كل خير، ياما وجف وياك لما كان أبوي بيجسي عليك ويطردك بره الدار من غير خلچات، كان بياخدك علي دارهم ويعطيك خلچاته وينيمك في فرشته، نسيت كل ده يا ولد أبوي؟.

لم تلمس كلماتها قلبه بل زادته حقداً ، كشر عن أنيابه بملامح مخيفة، قبض علي عضدها بقوة ومن بين أسنانه زمجر قائلاً: 
_ بكرهه لأنه السبب في كل الي چرالي علي يد أبوي، أيوه مانسيتش وجفته چمبي لكن مانسيتش أني كنت بتضرب وبتطرد بسببه، عشان أكون كيف فارس ولد زهرة متعلم و بجي مهندس وأني الچاهل الفاشل، عرفتي بكرهه ليه!.

حاولت جذب عضدها من قبضته لكنها فشلت بسبب قوته، فلاحظ علي ملامحها الألم، ترك زراعها.
_ ما أنت بجيت تاچر حديد كبير في السوج وعنديك مصنع ماشاء الله من أكبر المصانع في جنا كليتها.

صاح بإمتعاض: 
_ خردة، جصدك تاچر خردة، الحاچة الوحيدة الي فلحت فيها بعد ما كل البيبان أتجفلت في وشي، حتي البنت الوحيدة الي كنت رايدها ما أتچوزتهاش.

_ ومالها الخردة، مش عيب ولا حرام، وبالنسبة لحبك الجديم فاطمة، أنت الي خسرتها لما مشيت ورا أخوها الفلتان زكريا وتروحو تسهرو ويا الغوازي وبنات الليل، فاكر بعد ما تعيش دنيتك في الحرام عتوافج تتچوزك !، أني لو منيها كنت عاعمل زيها وأكتر، لأن دي إسمها خيانة.

شعر بغليان دماءه في عروقه عندما واجهته بالحقيقة التي ينكرها دائماً، فأراد أن يقلب دفة الحديث عليها، قال: 
_ ومين جالك إن حبيب الجلب ماكنش عايش حياته ويا الخواچات هناك في البلد الي كان فيها!، معجول عيشوف حريم من غير خلچات وخمر كيف الرز و ما عيغلطش!، ملاك نازل من السما إياك .

نظرت له بتحدي وقالت بثقة تُحسد عليها: 
_ فارس ما عيملش إكده واصل، خابر ليه؟، لأنه راچل و چدع وما يجبلش الحرام ولا يجرب له، وعارف ربنا وبيخافه، مش كيف واحد كان عايش وغرجان في الحرام.
أمسك برسغها يعنفها قائلاً: 
_ أسمعي يابت أنتي، لو سمعتك تچيبي سيرته تاني علي لسانك، عخليكي تحصليه ولا يهمني حد واصل.

أستشفت من كلماته إنه بالفعل ينوي التخلص منه، أتسعت عينيها بخوف، كاد يذهب من الغرفة فأوقفته: 
_ رافع؟.

ألتفت إليها قائلاً: 
_ أي؟.

أقتربت منه وتنظر له بتوسل ورجاء تثنيه عن ما ينوي عليه من شر نحو فارس، أمسكت يده وبترجي قالت : 
_ لو ليا عنديك خاطر أبوس يدك هملو لحاله، ماتچيش چمبه، كفايه المصيبة الي واجع فيها، غير موت عمي الي ملحجش ياخد عزاه.

ظل صامتاً يحدق في داخل عينيها ويري صورة ألد أعدائه، ومدي خوفها وحبها له، قال لها: 
_ موافج.

تنفست الصعداء ولكنه أكمل قائلاً: 
_ بشرط تنسيه واصل.

رمقته بصدمة وقالت: 
_ كيف أنساه؟.

بسمة دهاء أعتلت شفتيه ولم تصل لعينيه، أجاب:
_ تنسي خطوبتك منيه.

أرادت أن تساير طلبه المجنون هذا، فهو أكثر الأشخاص يعلم بمدي حبها إلي فارس قلبها، فكيف يطالبها بنسيانه!.

_ أني موافجة.

_ وعتثبيتي لي موافجتك دي بالفعل مش بالجول، أني مش عيل صغير تتضحكي عليه.

خفق قلبها بخوف، فتساءلت:
_ وعايزني أثبتلك كيف يعني؟.

أمسك طرف ذقنها يرمقها بنظرة زادت من خوفها أكثر: 
_ عاتعرفي لما تبدلي خلچاتك وتيچي وياي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ كيف يا عبد المچيد الي عتجوله ديه؟ . 
قالها فارس بغضبٍ، فأجاب عليه محاميه قائلاً : 
_ إهدي بس يا فارس بيه وأسمعني، دلوقتي أطلعت علي المحضر بالكامل مكتوب فيه ضبط شنطة المخدرات من أوضتك ومن تحت سريرك وكمية مش هينه، ده حوالي عشر كيلو كوكايين بودرة، يعني أقلها تأبيدة والمصيبة إن فيه تلاته من المساجين الي تهمتهم حيازة مخدرات شهدوا إنك بتاجر فيها وبيتعاملو معاك بقالهم أكتر من سنة، وعشان أقدر أطلعك من كل البلاوي دي أقلها شهر، ده غير المفروض إعلان الوراثة بتاع الحاج قاسم الله يرحمه وكونك وريثه.

زفر فارس وقال بصوت مختنق : 
_ خد كل الفلوس بس خرچني من إهنه، ده أني ملحجتش أخد عزا أبوي، ملحجتش أبكي عليه.

حدجه بنظرة شفقة لايدري ماذا يفعل، قال: 
_ وحد الله يا فارس يابني، دي إبتلاءات من ربك إستغفره وأدعي يفك كربك ونلاقي مخرج من القضية الصعبة دي.

ردد الإستغفار بصوت منخفض، و جلس علي أقرب كرسي له يزفر مابين كفيه.

_ عايز أعرف الي عيحوصل دلوق؟ .

أجاب الآخر بقلة حيلة: 
_ دلوقت هاتفضل محبوس لحد ما تترحل علي النيابة، يعني حوالي عشرة ل 15 يوم.

_ نيابة!.
ردد الكلمة غير مصدق و زم شفتيه يشعر بالألم، ليس ألم جسدي بل نفسي معنوي، وكأن روحه تزهق من الشعور بالظلم وحزنه علي والده، الآن أصبح وحيداً شريداً، فماذا تخبئ له الأيام من مصائب جماً. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ عاد من عمله بعد غياب يومين، فتوقف بسيارته أسفل بناء مسكنه الذي يقع في حي المعادي، نزل من السيارة يحمل أكياس مليئة بالطعام الجاهز والفاكهة، أستقبله حارس العقار بترحاب يحيه: 
_ حمدالله علي السلامة يا أكرم باشا، هات عنك. 
وحمل منه الأكياس، فأجاب الآخر: 
_ تسلم يا عم خضر.

و ولج إلي داخل الفناء، سبقه الحارس وفتح له باب المصعد ليدلف بداخله وتبعه بالدخول معه قائلاً: 
_ الحاجة كوثر عاملة أي، أمانة عليك سلملي عليها كتير.

أبتسم أكرم وقال: 
_ الحمدلله بخير وبتسألني عليك ديماً.

_ الله يبارك لها ويديها الصحة والعافية يارب.

ربت أكرم عليه وقال: 
_ الله يخليك، هات الحاجه بقي خلاص وصلت.

توقف المصعد فخرج كليهما، قال خضر: 
_ عيب ياباشا. والله لهوصلهم لك لحد الشقه.

ضغط زر جرس منزله ثم وضع المفتاح وقام بفتح الباب، فقال له الحارس: 
_ أي خدمات يا باشا؟ .

هم بأخذ الأكياس منه وقال: 
_شكراً ياعم خضر. 
وأخرج من جيب بنطاله مبلغ من المال و وضعه في جيب قميص الآخر: 
_ حاجة بسيطة كده للأولاد.

أرتسمت سعادة عارمه علي ملامح الرجل البسيط، فهلل بفرح: 
_ الله يباركلك ويعمر بيتك يارب، وأشوفك لواء أد الدنيا.

رحل الرجل، و دلف أكرم إلي الداخل، وضع الأكياس علي الطاولة الرخامية المطلة علي الردهة الشاسعة، يبحث عن زوجته وإبنته الصغيرة، فأخذ ينادي علي صغيرته: 
_ لارا ، لارا.

ذهب إلي غرفتها و دخل فوجدها تغط في النوم ويبدو من ثيابها كانت مع والدتها بالخارج في مناسبة أو حفل زفاف، دثرها جيداً وقام بتقبيل وجنتها، ثم غادر الغرفة وذهب نحو غرفة النوم فوجدها تخرج من باب المرحاض المجاور للغرفة ترتدي معطف قطني، أنتفضت حين رأته ولكن تجاهلته وتابعت سيرها نحو غرفتهما، دلفت و وقفت أمام مرآة الزينة، أمسكت بفرشاة الشعر لتصفف خصلاتها الكستنائية.
تبعها و وقف خلفها محاوطاً خصرها ويضمها إلي صدره، ذقنه فوق كتفها، ينظر إليها عبر المرآة قائلاً بنبرة إشتياق ولهفة: 
_ وحشاني أوي.

تركت الفرشاة علي الطاولة وأبعدت يديه بتأفف قائلة: 
_ لو سمحت يا أكرم إبعد عني.

جز علي أسنانه يحاول أن لايغضب كعادته معها ويفسد محاولة إعتذاره لها، فقال: 
_ والله كان غصب عني يا حبيبتي، كانت مهمة صعبة أوي ومينفعش نأجلها عشان دي تعليمات من الوزارة نفسها.

رمقته بإمتعاض وقالت: 
_ وأيه الجديد! ، من ساعة ما أتجوزنا هو يا دوب أسبوع أجازة وقضيناه نستقبل فيه الي جاي يبارك و كنا لسه هنسافر نقضي الهني مون زي أي أتنين عرسان يجيلك تليفون من الشغل تقوم فاصل أجازتك وترميني باليومين والتلاته لوحدي من غير ما تتصل حتي تطمن عليا.

يبدو أن كلماتها لم ترق إليه فزفر بملل كالمعتاد، جلس علي طرف التخت وقال: 
_ والله يابنت الناس أنا قبل ما أتجوزك وحكي لك ظروف شغلي وإن وقتي مش ملكي وأنتي عارفه ده من أيام الخطوبة، فملهاش لازمة أسطوانة كل مرة أرجع فيها من مهمة ولا مأمورية بدل ما تخففي عني تعب الشغل وأرفه، تزودي عليا هم أكتر، الواحد فيه الي مكفيه ومش ناقص أرف.

ألتفتت له وبصدمة صاحت: 
_ أنا أرف يا أكرم! .

_ أستغفر الله العظيم، مش هنخلص. 
قالها بصوت منخفض، ثم أردف بآخر مسموع: 
_ ممكن أفهم دلوقتي أي سبب زعلك ولاويه بوزك عليا كأن قتلت لك قتيل؟.

أجابت بحدية: 
_ فيه إن يا حضرة الرائد قايله لك ومأكده عليك علي خطوبة نرمين بنت عمتي من قبلها بشهر، وأتصل عليك من الصبح وقافل موبايلك والكل عمال يسألني فين جوزك.

_ والله أهلك عارفين طبيعة شغلي، مش جديد عليهم، و لعلمك أنا كلمت باباكي الصبح وباركت له وأعتذرت ليه إن مش جاي بسبب ظروفي والراجل أحترم وقدر ده.

_ أوك براحتك. 
وأستدارت لتكمل تمشيط شعرها، فنهض وأقترب منها، أمسك من يدها الفرشاة وتركها علي طاولة الزينة، فعانقها بحنين وعشق يهمس علي عنقها ويقبله بشغف: 
_ مش عايزك تزعلي مني أبداً ، أنا بعشقك أوي يا ندا.

رفع وجهه ليحدق بزرقاوتيه في عينيها ذات لون حبات القهوة، ثم أنزل بصره ليهم بإرتشاف قطرات العسل من شفتيها الوردية، لكن غضبها منه كان مسيطراً علي مشاعرها، قامت بدفعه في صدره وقالت بتأفف: 
_ هو أنت مفيش عندك غير الموضوع ده تصالحني بيه كل ما تيجي تزعلني! .

تعالت أنفاسه بغضب، فصاح بصوت مرعب: 
_ أنا أبقي إبن.... لو عبرتك تاني، و من هنا ورايح مش هاتشوفي مني غير معاملة زي الزفت.

أخذ دثار و وسادة وترك الغرفة، وهي جلست علي الكرسي أمام المرآة وأجهشت في البكاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وصل بسيارته الفارهة أمام مقر الشركة التي يعمل محامياً لدي صاحبها وليس هذا فقط بل هو صديقه وشاهد علي كل ما يقترفه، ترجل من سيارته ودلف إلي الداخل، يبتسم لكل الموظفين والموظفات كعادته، ولج إلي المصعد و ضغط علي الزر، وصل بعد عدة طوابق، وسار في رواق طويل ثم دلف غرفة كبيرة فأستقبلته تلك الحسناء ذات الشعر الأحمر الناري وعدسات لاصقة باللون السماء: 
_ أهلاً وسهلاً يا صلاح بيه، عاش من شافك.

بادلها بإبتسامة ماكرة و أنحني إليها يتفوه بنبرة لعوب: 
_ أي؟ ، وحشتك يا ماجي؟.

ضحكت بدلال سافر وقالت: 
_ الي يسمعك وأنت بتقولي أنك وحشتني، يفتكرني واحدة من عشيقاتك.

مد يده بخفة ممسكاً بإحدي خصلاتها وقال: 
_ وافقي بس وأنا هعيشك معايا أجمل أيام حياتك.

_ ما لسه بدري يا متر!. 
صاح بها صديقه بعد أن فتح باب مكتبه الداخلي، أبتعد صلاح عنها وأبتسم له قائلاً : 
_ ديماً بتيجي في الوقت الغلط.

رمقه الآخر بنظرة تحذيرية بدون أن يتفوه، فقال صلاح قبل أن يذهب إليه: 
_ عن إذنك يا My Love. 
وغمز بعينه إليها و دلف إلي الداخل، فوجده ينتظره بملامج متجهمة قائلاً : 
_ لآخر مرة بحذرك ياصلاح، حركاتك السخيفة دي أنت حر تعملها برة الشركه لكن جوه الشركة لاء.

جلس في الكرسي المقابل له وأجاب بتهكم : 
_ أوامرك دي تروح تقولها لواحدة من خاضعاتك يا سليم باشا.

ضرب سليم سطح المكتب بقبضته: 
_ أنا مش بهزر ياصلاح.

أجاب الآخر بصياح أيضاً : 
_ ولا أنا كمان بهزر ياسليم.

تمالك سليم أعصابه وتظاهر بالبرود فهو يعلم صديقه جيداً ، يستمتع بإثارة غضب الآخرين خاصة هو. 
فقال بهدوء مضاد ما بداخله: 
_ عملت الي قولتلك عليه؟ .

وقبل أن يجيب عليه، تناول علبة السيجار المصنوعة من خشب الأبنوس ومرصعة بالأحجار الكريمة، قام بفتحها وألتقط منها واحدة وأشعلها، يسحب نفساً عميقاً ثم زفره لأعلي في الهواء: 
_ عايزك بس طول ما أنت قاعد تشكر ربنا إنه رزقك بصاحب ومحامي زيي، يقدر يجبلك أي معلومة عن أي مخلوق حتي لو كان عايش في قلب المحيط.

زفر بنفاذ صبر وقال: 
_ إنجز ياصلاح.

أخرج من جيب سترته علبة مخملية وقدمها إليه، رمقه الآخر بإستفهام، فأخبره: 
_ أفتحها وهاتعرف.

قام بأخذها من يدها وفتحها فنظر لما تحتوي قائلاً : 
_ للدرجدي الجربوع ده عامل لي فلاشه! .

قهقه صلاح وهو يزفر دخان السيجار: 
_ الجربوع ده صاحب مصنع أكبر مخازن خردة في الصعيد وده الظاهر، إنما الي في الخفاء وعرفته بمصادري السرية، عنده مصنع في الجبل لإنتاج السلاح بس ده غير يملك حوالي فدان بيحول يزرعو كوكايين لكن الحكومة كل مرة تيحي تعمل كبسة علي الأرض وتحرقها ويخلي واحد من رجالته يقول إنه صاحبها ويشيل الليلة، يعني من الآخر أدامك خصم مش سهل.

_ ولما هو طلع شبح وجامد أوي كده، أي الي خلاه يسرق شحنة الكوكايين من المينا؟ .

رفع كتفيه دليلاً علي عدم معرفته: 
_ السؤال ده بقي تسأله ليه، بس بعد ما تعزيه في عمه العمدة الي مات. 
زفر بأريحية ثم دفس السيجار في المنفضة، نهض وقال: 
_ دلوقتي مهمتي أنتهت، أسيبك أنا عشان عندي ميعاد مهم مع عميلة أهم. 
و أنهي جملته بغمزة من عينه، عادة ملازمة له.

وبعد مغادرته، فتح سليم حاسوبه الخاص وأدخل الجهاز الألكتروني في الفتحة الخاصة به، أرتدي نظارة طبية وبدأ في تصفح المعلومات ليجد في أول صفحة صورة لرجل ذو ملامح صارمة برغم وسامته، بشرته تميل إلي قليل من السمرة وعينين حادتين يعلوها حاجبان كثيفان، وأنف مستقيم حاد كصحابه، يمتلك شارب ولحية مشذبان وخصلات شعرها سوداء كثيفه. 
بجوار الصورة مدون: 
_ رافع خميس القناوي. 
_ ٣٣سنة. 
_ حاصل علي شهادة الإعدادية. 
_ متزوج من إبنة خالته وليس لديه أبناء.
_ مقيم في محافظة قنا بنجع الشيخ نور الدين. 
أخذ يقرأ بقية المعلومات و وجدها كما أخبره صديقه، وظل يكمل قراءة باقي الصفحات حتي توقف لدي صورة فتاة محجبة ذات بشرة حنطية و وجه ملائكي مستدير وعينيها بللون الذهب، ملامحها المنمقة تجعل كل من يراها يقع أسير سحر جمالها برغم بساطته، وما زادها جاذبية ذلك الحجاب الذي يخفي خصلاتها، مما أثار فضوله علي معرفة كيف يكون شكلها بدون هذا الوشاح.

ذهب ببصره نحو المعلومات المدونة بجوار الصورة. 
_ زينب خميس القناوي. 
_ ٢٦ سنة. 
_ خريجة نظم وحاسبات. 
_ تعمل في مركز تكنولوجيا المعلومات التابع لمحافظة قنا. 
_ مخطوبة لإبن عمها فارس قاسم القناوي.

ظل يقرأ تلك الجملة ويرددها مراراً وتكراراً، ونظرات عينيه الحادة مليئة بالغموض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ كيفك يا ست الحسن رچعتي في إتفاجك إياك؟ . 
قالها رافع بسخرية، فألقت نظرة علي واجهة المخفر ثم نظرت إلي شقيقها بتوسل قائلة: 
_ أنا أفديه بعمري كله، لكن الي عتطلبه مني وكأنك بتعطيني سكينة وتجولي أدبحي نفسك.

رفع زواية فمه بسخرية وقال: 
_ ما أنتي لو ما نفذتيشي الي جولتلك عليه بالحرف الواحد، عيكون هو الدبيحة يا جلب أخوكي.

_ حسبي الله ونعم الوكيل.

قالتها بقهر وألم وهي تكتم عبراتها، أخرج من جيب جلبابه سلاحاً نارياً وأشهره في وجهها قائلاً: 
_ كلمة كمان وعفرغ رصاص الفيرفر ده في دماغك، جومي فزي وأنزلي، خلينا نُخلصو بدل ما عخلصلك عليه.

أذعنت لأمره القاتل، فترجلت من السيارة و ولجت إلي داخل المخفر برفقة هذا الشيطان.

وبعد أن أخبرو مأمور المخفر بمقابلة فارس لأمر هام، ذهب العسكري لجلبه من الزنزانة، بينما هي تجلس أمام المكتب تنظر إلي خاتم الخطبة المحاوط بنصرها في يدها اليمني، تتأمله لآخر مرة قبل أن تقترف ما أمرها به شقيقها بتهديد.

دلف العسكري أولاً وقدم التحية إلي المأمور وقال: 
_ تمام يافندم.
ثم ذهب بعد إشارة من الآخر، و دخل فارس ليتفاجئ بمن ينتظرانه، فكان رافع يرمقه بإبتسامة نصر وكأنه يخبره بكل وقاحة إنه المسئول الأول عن ما يحدث معه، لكنه توقف فجاءة في مكانه عندما رآها ورفعت وجهها لتنظر له بعينيها الذابلتين من كثرة البكاء، وكأنها شمس أصابها خسوف كلي جعلها معتمة فقدت بريقها الذهبي فأصبحت كظلام الليل الحالك.

_ طيب أستأذنكو ربع ساعة مش أكتر و ده عشان خاطرك يا رافع بيه.
قالها المأمور وهم بالذهاب، فأجاب رافع بإمتنان: 
_ الله يباركلك يا حضرة المأمور، چميلك علي دماغي من فوج.

وبمجرد مغادرة المأمور أنحني نحو شقيقته يهمس إليها بصوت لايسمعه سواها: 
_ أچمدي إكده وأعملي كيف ما جولتلك إلا وقسماً بالله ما عخليه يطلع عليه صبح واصل.

وبعدما أنتهي من همسه نظر إلي فارس الذي مازال واقفاً في مكانه يبدو علي مظهره التعب، ولحيته كبرت قليلاً مما جعلت ملامحه أكثر بؤساً.

_ كيفك يا باشمهندس؟.
قالها رافع بسخرية، فرمقه الآخر بإمتعاض وقليل من الإزدراء قائلاً بتهكم: 
_ كيف ما أنت شايف بعينيك، ولد حرام حب يتخلص مني راح لفج لي تهمة إن بتاچر في المخدرات، لكن جريب جوي عظهر براءتي و عخرچ لأچل أطلع روحه في يدي.

قهقه رافع بإستهزاء وقال: 
_ وأني أوعدك أول ما عتلاجيه عطخوهولك عيارين، واحد في جلبه والتاني في راسه.

رمقه فارس بسخط بعدما تفهم مغذي كلماته فقال له: 
_ متشكرين يا واد عمي، خلي سلاحك يمكن ينفعك وجت زنجة.

وقف الآخر أمامه يحدجه بتحدي وبنبرة أقرب إلي تهديد: 
_ ماتخافش يا أبو الفوارس، عيندي سلاح وذخيرة يجضو علي بلد بحالها.

زفر فارس في وجهه وقال: 
_ مش ناوي تجولي أي سبب زيارتك؟.

نظر رافع نحو شقيقته ثم إلي فارس وقال: 
_ زينب الي چايه لك، رايده تتحدت وياك في موضوع مهم جوي، صوح يا بت أبوي؟.

لم ترد بل كانت عينيها معلقة بمن تهواه، فصاح بها أخيها: 
_ زينب؟.

ألتفتت له بذعر فأردف وهو ينظر إليها بتحذير: 
_ أني خارچ برة عستناكي، ما تتأخريش.

نهض وظل ينظر إلي فارس لثوان ثم قال: 
_ مع السلامة يا ولد قاسم القناوي.

غادر ولم يأبه فارس إلي كلماته قدر ما بداخله من مئات الأسئلة، يريد أن يلقيها علي التي تنظر له بصمت، ألقي بكل هذا خلف ظهره ولم يتمني سوي شئ واحد، أقترب منها فنهضت تتمني الهروب من تلك اللحظة المقبلة، لكنه أوقفها بإمساكها من ساعديها وسألها بصوته الحاني كعادته عندما يتحدث معها: 
_ علي فين يا جلب فارس؟.

وفي تلك اللحظة لم تستطع التمسك أكثر من ذلك فأرتمت علي صدره وتشبثت في جذعه وأخذت تبكي، رفع وجهها وحاوطه بين كفيه، ينظر لعينيها الباكيتين: 
_ كفياكي بُكي أبوس يدك، السچن عيندي أهون مليون مرة عن أني أشوف دموعك.

تفوهت بصوت مبحوح من البكاء: 
_ مجدراشي، لو كان بيدي كنت خطفتك من إهنيه وهروبت أني وأنت علي أي مطرح.

أحتضنها بقوة وقال: 
_ خابر يا جلبي، وخابر كمان الي عايزه تجوليه وما جدراشي تنطجيه.

أبتعدت عن صدره و خدجته بصدمة، فأردف وهو يمسح عبراتها بإبهاميه: 
_ إسمعي كلام أخوكي هو رايد مصلحتك، دلوق كيف ما أنتي خابره الله أعلم عيُحصل أي معاي، المحامي جالي الجضية واعرة وكلها كام يوم ويرحلوني علي النيابة، ومن هناك علي المحكمه، وحكم بالسچن لسنين ربي الي عالم كيف عتمر عليا لحد ما أظهر براءتي، فأني الي بجولهالك يا زينب، شوفي حالك يا بت عمي بعيد عني.

أتسعت عينيها لم تصدق ما يقوله: 
_ أنت خابر بتجول أي؟.

أومأ لها وأعتصر عينيه بألم وقلبه ينزف بحور من الدماء، يشعر بروحه وهي معلقه في حلقه عندما قال لها ذلك.

_ خابر ومش بيدي، ملكيش ذنب تبجي علي ذمة واحد في نظر الجانون والناس مچرم و يا عالم هجضي كم سنة في السچن.

صاحت به: 
_ وأني راضية وعستناك حتي لو عيحكمو عليك العمر كله في السچن، أني ماريداشي غيرك يا واد عمي، أنا عيوني فتحت عليك، ما عرفتش يعني أي حب غير علي يدك، كيف بتطلب مني أباعد عنيك!.

كلماتها كانت كالسياط الذي يهوي علي قلبه، يشعر وكأنه وقع بين شقي الرحي، الأول السجن الذي لايعلم إلي متي سيستمر وكيف يظهر براءته، والآخر هو لايريد أن ينال الأذي محبوبته، فهو يعلم جيداً ماذا يفعل معها شقيقها من المؤكد يضغط عليها بكل السبل لتركه، فمنذ البداية غير راضياً عن خطبتهما وطالما قرأ هذا في عينيه التي تمقته وتكرهه بشدة.

أخذ يربت عليها بحنان لتهدأ وتكف عن البكاء، فقال لها بنبرة عاشق متيم الموت له هين عن البعد عن التي تسكن قلبه وروحه: 
_ وأني كمان ما عرفتش الحب غير علي يدك، جلبي مدجش غير ليكي، لما ببص في عيونك ببجي رايد أخبيكي چوه حضني عن عيون الناس، بعشجك يا زينب وعاشج كل حاچة فيكي ومنِكي، حتي النفس الي عتتنفسيه بعشجه، خابره أنا نفسي في أي دلوق يا جلبي؟.

أزدرد ريقه وهو يحدق في شفتيها التي ترتجف من البكاء، رفع عينيه لينظر بداخل ذهبيتيها، فأدركت مايريده، أمسكت بيده و وضعتها علي وجنتها تمسدها في كفه وأخذت تقبل باطنه، ترمقه بدعوة إلي تحقيق أمنيته حتي لو كانت تخالف مبدأها فطالما كانت تقول له دائماً إنها ليست خطيبته فقط بل زوجته أمام الله.
تعالت أنفاسه وهو يميل بوجهه وشفاه تقترب نحو خاصتها، وأخذهما في قبلة عميقة كانت الأولي لهما فأخبره قلبه ربما تكون الأخيرة، فأحتضنها بقوة وكأنه يريد أن يدخلها بين ضلوعه، وما زال يقبلها بنهم وكأنها قُبلة المحياه التي ستجعله قادراً علي مواجهة الصعاب والشدائد.
بينما هي كانت غارقة في محيط عشقه، توقف الزمان لديها في تلك اللحظة، وحين تذكرت إتفاق شقيقها وهو البعد عنه أم قتله، أنتفضت وأبتعدت تلتقط أنفاسها.

رمقها بإعتذار وصدره يعلو ويهبط: 
_ آسف يا زينب، غصب عني ماجدرتش أ....

قاطعته بوضع سبابتها علي شفتيه: 
_ ما تعتذرش يا فارس، أني الي آسفه.

نظرت نحو خاتم الخطبة في بنصرها، فأنسدلت من عينها دمعة سقطت فوق الخاتم، تقوم بخلعه ببطئ وكأنها تنزع قلبها.
قالت بصوت مختنق:
_ عمري ما خلعته من وجت خطوبتنا، عمري ما تخيلت يچي الوجت الي عخلعه غصب عني.

_ اللي بينتنا يا زينب مش مچرد خاتم، الي بيني وبينك أكبر من إكده، الي كيف أخوكي ما عيفهمه ولا خابرو، و عايزك تعرفي عمري ما عنساكي واصل مهما حوصل لأنك أهنيه.
أشار نحو قلبه وأردف مشيراً مرة أخري نحو رأسه: 
_ وإهنه.

قاطعهم طرق علي الباب يليه دخول المأمور ومعه رافع، فكان ينظر إليهما بتفحص حتي زفر بأريحية عندما رأي إصبعها خالي من الخاتم، و عينيها المنتفخة من البكاء أكبر دليل إنها نفذت مطلبه.

قاطع أفكاره المأمور قائلاً: 
_ أي خدمات يا رافع بيه؟.

أجاب الآخر وهو ينظر إلي فارس بتشفي: 
_ مُتشكر ياحضرة المأمور ما نچيلكش في حاچة عفشه واصل، يلا يا زينب.

هم بالمغادرة وتتبعه وعينيها لاتبرح عيون فارسها الذي كان يرمقها بنظرات بل بآلاف الكلمات لايفهمها سواهما.

صاح المأمور منادياً: 
_ يا عسكري طُلبه.

دلف وقال: 
_ أمرك يا باشا.

_ خد فارس ورجعه الزنزانه.

خرج فارس مع العسكري وكان إتجاه سيره عكس إتجاه سير زينب الممسك بزراعها رافع ويدفعها بعنف عندما رأي تنظر خلفها، قائلاً: 
_ بُصي قدامك.
وقبل أن تنعطف ألقت نظرة أخيرة عليه وهو يختفي في نهاية الرواق، فجذبها رافع بقوة من رسغها إلي الخارج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات