رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثاني 2 - بقلم نور سيف
في عالم آدم الصياد كل شيء محسوب بالورقة والقلم
لا مجال للخطأ
لا مكان للمشاعر
والابتسامة جريمة يُعاقب عليها قانون كبريائه
ولكن ماذا يحدث حين يقرر القدر أن يجمعه بتلك الفتاة المجنونة في قلب الصحراء
خلف أسوار الجليد
الفصل الثاني
للكاتبه نور سيف
لم تنم نور تلك الليلة
ظلت تتقلب في فراشها الضيق داخل شقتها المتواضعة في حي الدقي
ظلت تعيد شريط ذلك اليوم المجنون في رأسها مرة تلو الأخرى
وكلما أغمضت عينيها رأت وجهه
تلك الابتسامة الجانبية الساخرة
وتلك العينان اللتان نظرتا إليها وكأنها حشرة صغيرة تسللت إلى قصره بالخطأ
قلّبت وسادتها للجانب الآخر وتمتمت بضيق
يا نور يا بنت الإيه
من كل البشر اللي في مصر تروحي تقولي على صاحب الشركة مغرور
في وشه تقريبًا
ثم أضافت بصوت أعلى وهي تضرب الوسادة
وكمان قلتي ريحته حلوة
ريحته حلوة يا نور
إنتِ رايحة تشتغلي مش رايحة تتجوزي يا مجنونة
سمعت صوت طرقات خفيفة على الحائط المشترك
ثم صوت جارتها أم كريم الأجش النعسان
يا بنتي هو إنتى بتتخانقي مع مين الساعة تلاتة الصبح
دفنت نور وجهها في الوسادة وردت بصوت مكتوم
مع نفسي يا طنط
مع نفسي
في الصباح التالي
الساعة السادسة والنصف تحديدًا
كانت نور تقف أمام مرآة الحمام الصغيرة تضع لمسات أخيرة على مظهرها
ربطت شعرها الأسود الكثيف في كعكة محكمة
وارتدت بلوزة زرقاء داكنة أنيقة مع بنطلون رسمي أسود
ثم نظرت لانعكاسها في المرآة وقالت بحزم
اسمعي يا نور جمال عبد الحميد
إنتي النهاردة داخلة ساحة حرب
الراجل ده عايزك تغلطي عشان يمشّيكي
فإنتي هتكوني مثالية
لا فوق المثالية
هتكوني آلة شغل ألمانية
ارتدت حذاءها المسطح المريح
لأنها تعلمت من أمها أن البنت الشاطرة تلبس الحذاء الذي يخليها تجري بيه لو الدنيا ضاقت
وانطلقت
وصلت إلى مقر الشركة قبل موعد العمل الرسمي بنصف ساعة كاملة
كان المبنى شبه خالٍ
صعدت إلى الطابق الثالث حيث مكتب قسم الإرشاد السياحي
وجدت المكان فارغًا تمامًا إلا من شاب نحيف بنظارة طبية سميكة يجلس خلف مكتب مكتظ بالأوراق
يحتسي قهوته وعيناه مغروستان في شاشة الكمبيوتر
رفع رأسه حين سمع خطواتها
ثم ابتسم ابتسامة عريضة ودودة كشفت عن غمازتين عميقتين
أهلًا أهلًا
إنتي لازم تكوني نور
المرشدة الجديدة اللي قلبت الشركة رأسًا على عقب إمبارح
رمشت نور بارتباك
قلبت الشركة
أنا عملت إيه بالظبط
ضحك الشاب ومدّ يده لمصافحتها
أنا كريم
كريم ذكي مسؤول تنسيق الرحلات
ومن إمبارح الشركة كلها بتتكلم عن البنت اللي اقتحمت المبنى وخلّت آدم باشا يوافق يعيّن أنثى لأول مرة في تاريخ قسم الإرشاد الميداني
جلست نور على المكتب المقابل وقالت بحذر
كلامك ده المفروض يفرّحني ولا يخوّفني
أمال كريم رأسه وكأنه يفكر بجدية ثم أجاب
الاتنين بصراحة
بس عشان أكون صريح معاكي
آدم باشا مش بني آدم عادي
هو من النوع اللي لو زعل منك مش هيزعق فيكي
لا
هيبصلك بس
بصّة واحدة كده تخليكي تحسي إنك مديونة للكون بالاعتذار
ابتلعت نور ريقها
طب وإيه الأخبار بتاعة النهاردة
إيه المطلوب مني
فتح كريم ملفًا أمامه وبدأ يقرا
الوفد الإسباني
عشرين شخص
عندهم جدول مزدحم
النهارده
الأول جولة في منطقة الأهرامات وسقارة
بكره المتحف المصري الكبير
وبعدها بيومين الرحلة الكبيرة سفاري في الصحرا الغربية خمس أيام كاملين
توقف كريم ونظر لها بتعاطف
والمفاجأة
آدم باشا قرر يحضر الرحلة دي بنفسه
عشان الوفد ده مهم جدًا لصفقة شراكة مع شركة سياحة إسبانية كبيرة
شعرت نور بمعدتها تنقلب
يعني هيكون معايا في الصحرا خمس أيام
هزّ كريم رأسه ببطء
وعيناه تلمعان بمزيج من التعاطف والفضول
خمس أيام كاملين يا ستي
إنتي وهو والرمل والنجوم
رومانسي مش كده 😂
حدّقت فيه نور بنظرة قاتلة
كريم
رفع يديه مستسلمًا
ماشي ماشي
أنا ساكت
الساعة التاسعة صباحًا
تجمّع الوفد الإسباني في بهو فندق النيل ريتز كارلتون حيث يقيمون
وكانت نور هناك قبلهم بربع ساعة
راجعت ملاحظاتها للمرة العاشرة
حفظت أسماء كل عضو في الوفد وتفضيلاته ومعلوماته الشخصية
من أرشيف الشركة الذي قضت الليلة في دراسته
ثم استقبلتهم بابتسامة مشرقة وبتحية إسبانية محلية
Buenos días a todos
Listos para un viaje al corazón de la historia
صباح الخير جميعاً
هل أنتم مستعدون لرحلة إلى قلب التاريخ
انبهر رئيس الوفد السيد كارلوس مونتيرو
رجل أعمال في الخمسينيات بشعر فضي ولحية مشذبة بعناية
وقال لها بإسبانية سريعة
Dios mío
Hablas como si fueras de Barcelona
يا إلهي
تتحدث وكأنك من برشلونة
أجابته نور بلهجة كتالونية مثالية أذهلته
Gràcies senyor Montero
He estudiat molt per poder hablar amb vostè en la seva llengua
شكراً لك يا سيد مونتيرو
لقد درست كثيراً لأتمكن من التحدث معك بنفس اللغة
صفّق كارلوس بحماس
والتفت لأعضاء وفده قائلًا بالإسبانية
هذه الشابة تتحدث الكتالونية
الشركة هذه تعرف ما تفعل
لم تلحظ نور أن سيارة سوداء فاخرة كانت متوقفة على بعد أمتار
وأن آدم الصياد يجلس في المقعد الخلفي يراقب المشهد من خلف زجاجها الداكن
أمسك هاتفه واتصل بسيف
المرشدة الجديدة عملت إيه
ردّ سيف بحماس
يا باشا البنت دي كنز والله
الوفد مبسوط أوي منها
والسيد كارلوس شخصيًا أثنى عليها
صمت آدم لثوانٍ
ثم قال بصوت لا يحمل أي انطباع
لسه بدري ان نحكم
الكلام في الفنادق سهل
أنا عايز أشوفها وهي في الصحرا تحت الشمس لما الأمور تبقى صعبة بجد
أغلق الهاتف وأمر سائقه بالتحرك
لكن عينيه ظلتا معلقتين في المرآة الجانبية تراقب تلك الفتاة الصغيرة التي تتحدث وتضحك وسط الإسبان وكأنها واحدة منهم
هزّ رأسه بحركة بطيئة غامضة وتمتم بصوت لم يسمعه أحد
Interesting
مثير للاهتمام
مرّت الجولة الأولى في منطقة الأهرامات بسلاسة تفوق كل التوقعات
نور لم تكن مجرد مرشدة تقليدية تسرد معلومات جافة عن عدد الأحجار وارتفاع الهرم
كانت تحكي التاريخ وكأنه رواية مشوقة
تربط بين الحضارة المصرية والحضارة الإسبانية بطريقة أبهرت الوفد
وقفت أمام الهرم الأكبر
والشمس تغمر وجهها بالذهب
وقالت بصوت درامي بالإسبانية
تخيلوا
في نفس الوقت الذي كان فيه المصريون يبنون هذا الصرح العظيم
كانت شبه الجزيرة الإيبيرية لا تزال في عصور ما قبل التاريخ
لكن لاحقًا
حين جاء المسلمون إلى الأندلس
التقت الحضارتان
المصرية والإسبانية
في واحدة من أجمل قصص التاريخ
تقدم منها كارلوس وعيناه تلمعان
أنتي مؤرخة أم مرشدة سياحية يا سيدتي
ابتسمت نور بخجل
أنا مجرد شخص يحب أن يروي القصص يا سيد كارلوس
في تلك اللحظة كان هاتف سيف يرن باستمرار
آدم يطلب تقريرًا كل ساعة
سيف بدأ يشعر أنه مراسل حربي وليس مدير مكتب
ردّ سيف بتوتر
أيوه يا باشا
إيه آخر تطورات الوفد
كل حاجة ممتازة يا باشا
السيد كارلوس عزم نور على الغدا مع الوفد في مطعم إيطالي
صمت آدم لحظة
ثم قال بنبرة لا تخلو من حدة مبطنة
عزمها على الغدا
هي رايحة تشتغل ولا رايحة سهرة
ابتلع سيف ريقه
يا باشا ده جزء من العلاقات العامة
البنت بتعمل شغلها
أنا مش محتاج حد يعلمني شغلي يا سيف
أغلق الخط
جلس آدم في مكتبه ينظر للسقف بتلك العادة التي تنتابه حين يفكر بعمق
شيء في تلك الفتاة يثير فضوله رغمًا عنه
ليس إعجابًا
لا سمح الله
آدم الصياد لا يُعجب بموظفة
لكنه فضول من نوع آخر
كيف لشخص بهذا الحجم الصغير أن يحمل كل هذه الجرأة
فتح درج مكتبه وأخرج ملفها الوظيفي الذي طلبه من قسم الموارد البشرية
بدأ يقرأ
نور جمال عبد الحميد
العمر ٢٥ سنة
الحالة الاجتماعية آنسة
المؤهل ليسانس ألسن
قسم اللغات الإسبانية والإيطالية
جامعة عين شمس
تقدير امتياز مع مرتبة الشرف
دبلومة في الإرشاد السياحي والآثار المصرية
المجلس الأعلى للآثار
خبرة سابقة
مرشدة حرة لمدة سنتين
حالة الأب
متوفى
الأم
ربة منزل
عدد الإخوة
ثلاثة
هي أكبرهم
أغلق الملف ببطء
أكبرهم
تلك الكلمة وحدها رسمت صورة كاملة في ذهنه
فتاة تحمل على كتفيها عبء عائلة بأكملها
هذا يفسر إصرارها وعنادها ودخولها للشركة
لكن آدم الصياد لم يكن من النوع الذي يتأثر بالقصص الحزينة
أقفل الملف ووضعه جانبًا وقال لنفسه ببرود
مش مشكلتي
المهم تشتغل صح
اليوم الثاني
المتحف المصري الكبير
جولة أخرى ناجحة
نور أبدعت في شرح قاعة توت عنخ آمون بطريقة جعلت سيدة إسبانية كبيرة في السن تذرف الدموع تأثرًا
لكن المشكلة الحقيقية بدأت في نهاية اليوم
عادت نور للشركة لتسلّم تقريرها اليومي
أحد الشروط الصارمة التي وضعها آدم لكل مرشد
ووجدت سيف ينتظرها بوجه شاحب
نور
آدم باشا عايز يشوفك في مكتبه
يشوفني ليه
في مشكلة
هزّ سيف كتفيه بعجز
مش عارف والله
بس لما آدم باشا يقول
عايز أشوف فلان
ده معناه يا ترقية يا إعدام
ابتلعت نور ريقها ومشت نحو المصعد
وقفت أمام الباب الخشبي الضخم لمكتب رئيس مجلس الإدارة
استنشقت نفسًا عميقًا ثم طرقت ثلاث طرقات هادئة
اتفضلي
جاء صوته عميقًا ومحايدًا كقاعة محكمة فارغة
دخلت
المكتب كان أكبر مما تخيلت
جدار زجاجي كامل يطل على نيل القاهرة في ساعة الغروب
والسماء بالخارج مشتعلة بالبرتقالي
مكتب ضخم من الخشب الداكن
عليه شاشة واحدة
وقلم واحد
وكوب قهوة واحد
كل شيء واحد
كأن صاحب المكتب يكره التعدد والفوضى
وهو
كان جالسًا خلف مكتبه بسترة رمادية فاتحة بدون ربطة عنق
الزر الأول من قميصه الأبيض مفتوح
شعره الأسود مسرّح بعناية هادئة
ووجهه حاد الملامح كأنه منحوت من حجر بارد
رفع عينيه إليها ببطء
وتلك اللحظة
تلك الثانية التي التقت فيها عيناه العسليتان بعينيها السوداوين
شعرت نور بشيء غريب في صدرها
شيء أشبه بصعقة كهربائية خفيفة أنكرتها فورًا
اتفضلي اقعدي
جلست على حافة الكرسي كمن يجلس على جمر
صمت آدم لعشر ثوانٍ كاملة
عشر ثوانٍ شعرت فيها نور أنها عاشت عمرًا كاملًا
ثم فتح ملفًا أمامه وقال
التقرير اليومي بتاعك
أيوه
سلمته لسيف ب
أنا قريته
قاطعها بهدوء ثم أكمل
أنتِ كتبتي في التقرير إن السيد كارلوس طلب تعديل في جدول رحلة الصحرا
عايز يزور واحة سيوة بدل الفرافرة
وإنتي وافقتي
أيوه
لأن سيوة أغنى تاريخيًا و
رفع يده بهدوء فسكتت فورًا
كان هناك شيء في طريقة رفعه ليده يجعل الكلمات تتجمد في الحناجر
مين قالك إن من حقك تغيّري الجدول بدون إذني
أنا ما غيرتش حاجة رسمية
أنا بس قلتله إن الفكرة ممتازة وهنشوف لو
هنشوف
يعني إنتي بتاخدي قرارات نيابة عن الشركة
بالنيابة عني
من غير ما ترجعيلي
كانت نبرته هادئة مرعبة
لا صراخ
لا انفعال
مجرد كلمات محسوبة تسقط كقطرات حمض على جلدها
شعرت نور بالدم يغلي في عروقها
كانت تعرف أنه على حق جزئيًا
لكنه يبالغ في ردة فعله
الموقف كان بسيطًا وحلّه أبسط
لكنه يعامله كأنه كارثة دولية
لكنها كتمت غضبها واختارت كلماتها بعناية
معاك حق يا أستاذ آدم
كان المفروض أرجعلك الأول
بس أنا ما اتخذتش قرار نهائي
أنا بس فتحت باب النقاش مع العميل عشان يحس إننا مرنين
نظر لها بتمعن
شيء ما في عينيه تغيّر
لمعة خاطفة اختفت قبل أن تستطيع نور تحديد طبيعتها
المرونة حلوة يا آنسة نور
بس في فرق بين المرونة والفوضى
وأنا في شركتي مفيش فوضى
ثم أضاف وهو يميل للأمام قليلًا بطريقة جعلت رائحة عطره تصل لأنفها
لعنة
نفس الريحة الحلوة
القاعدة الأولى والأخيرة
أي قرار
أي تعديل
أي وعد للعميل
بيعدّي عليا الأول
مفيش استثناءات
واضح
واضح
حلو
ممكن تمشي
نهضت نور ومشت نحو الباب وقلبها يدق بعنف
لكن قبل أن تفتحه سمعت صوته مرة أخرى
آه
وبالمناسبة
التفتت إليه
كان لا يزال ينظر لأوراقه ولم يرفع رأسه
وهو يقول بنبرة لا تعرف إن كانت جدية أم ساخرة
أداءك في الجولتين كان مقبول
مقبول
بذلت نور كل قوتها لتمنع نفسها من الانفجار
كل تلك الجهود
كل ذلك الإبداع
أداء مقبول
لكنها ابتسمت ابتسامة مهذبة مصطنعة
شكرًا يا أستاذ آدم
كلامك شهادة أعتز بيها
وخرجت
أغلقت الباب خلفها ومشت في الممر بخطوات سريعة حتى وصلت للمصعد
وما إن أُغلق الباب الحديدي عليها حتى انفجرت
مقبول
مقبووووول
الراجل ده قلبه حجر
لا حجر إيه
الحجر على الأقل بيتأثر بالمية والزمن
ده قلبه تيتانيوم
ثم أضافت وهي تشير بإصبعها لسقف المصعد
بس أنا هوريك يا آدم الصياد
وهتقول على أدائي ممتاز غصب عنك
لم تكن تعلم أن كاميرا المصعد تعمل
وأن حارس الأمن في الطابق الأرضي يشاهدها وهو يأكل ساندويتش فول ويضحك حتى دمعت عيناه
اليوم الثالث
يوم الاستعداد لرحلة الصحراء
حضرت نور لمقر الشركة مبكرًا كعادتها
ووجدت كريم ينتظرها بملف سميك
صباح الخير يا كابتن نور
دي تفاصيل الرحلة
خمس أيام في الصحراء الغربية
المبيت في مخيمات
مسار الرحلة
القاهرة
الواحات البحرية
الصحراء البيضاء
وبعدين سيوة
سيوة
يعني آدم باشا وافق على تعديل الجدول
ابتسم كريم
أيوه
وافق إمبارح بالليل
بس طبعًا مستحيل يقولك إنه أخد بكلامك
هيموت ومش هيعترف
ابتسمت نور ابتسامة انتصار صغيرة
ثم قرأت باقي التفاصيل
الفريق المرافق
سائقين صحراويين
طباخ
مسعف ميداني
ومرافق أمني
والمشرف العام على الرحلة آدم الصياد شخصيًا
أغلقت الملف ونظرت لكريم بجدية
كريم أنا محتاجة أسألك سؤال مهم
اتفضلي
آدم باشا ده
ليه كده
يعني ليه كل البرود ده
ليه مفيش ولا ابتسامة واحدة حقيقية
هو اتخانق مع الحياة ولا الحياة اتخانقت معاه
تغيّر وجه كريم
نظر حوله بحذر
ثم خفض صوته
نور أنا شغال هنا من أربع سنين
وفي حاجات أعرفها وحاجات لأ
بس اللي أعرفه إن آدم باشا مكنش كده دايمًا
يعني إيه
يعني من كام سنة كده حصلت حاجة غيرته خالص
حاجة كبيرة
محدش بيتكلم فيها
لأن اللي اتكلم فيها قبل كده اتمشّى من الشركة
حاجة إيه
هزّ كريم رأسه
مش وقته يا نور
بس نصيحتي ليكي لا تحاولي تفهميه دلوقتي
خلّيكي في شغلك
الراجل ده زي الصحرا بالظبط
من بره جاف وقاسي
بس لو حفرتي عميق ممكن تلاقي مية
أو ممكن ألاقي عقرب
ضحك كريم بصوت عالٍ
أو عقرب
آه ده وارد جدًا
اليوم الرابع
يوم الرحيل
الساعة الخامسة فجرًا
تجمّع الجميع أمام البوابة الرئيسية للفندق
ثلاث سيارات حراسة ضخمة مصطفة بعناية
والسائقون البدو يتبادلون أطراف الحديث بينما يُحمّلون المعدات
كان الوفد الإسباني متحمسًا كأطفال في رحلة مدرسية
السيد كارلوس يرتدي قبعة صحراوية وسترة كاكي
وكأنه ذاهب لتصوير فيلم وثائقي عن ناشونال جيوغرافيك
وقفت نور بجانب السيارة الأولى تراجع قائمة المعدات
حين سمعت صوت محرك سيارة أخرى
سيارة مختلفة
رانج روفر سوداء لامعة توقفت بهدوء مهيب
فُتح الباب ونزل آدم الصياد
لم يكن يرتدي بذلته الرسمية المعتادة
كان يرتدي قميصًا كتانيًا أبيض بأكمام مرفوعة حتى المرفقين
وبنطلونًا داكنًا
وحذاء صحراويًا ثقيلًا
على كتفه حقيبة ظهر واحدة
وفي يده نظارته الشمسية
نظرت نور إليه
ثم نظرت مرة أخرى
ثم أدارت وجهها بسرعة وتظاهرت بقراءة القائمة
بينما قلبها يعزف سيمفونية مجنونة بلا إذن من عقلها
اقترب آدم بخطوات واسعة
وتوجه مباشرة لسيف الذي كان ينسق الأمور
تبادلا بضع كلمات
ثم مشى آدم نحو الوفد ليحييهم
وهنا حدث شيء لم تتوقعه نور
تحدث آدم مع كارلوس بالإسبانية
ليست إسبانية مثالية كإسبانيتها
لكنها إسبانية جيدة بلكنة عربية ساحرة جعلت كارلوس يضحك بإعجاب
فغرت نور فاها
مال كريم
الذي ظهر من لا مكان
وهمس لها
فاكرة لما قلتلك إن آدم باشا مش بني آدم عادي
الراجل ده بيتكلم خمس لغات
إنجليزي وفرنساوي وإسباني وإيطالي وألماني
درس في لندن وعاش في إسبانيا سنتين
طب ما هو لو كان بيتكلم إسباني
ليه احتاج مرشدة
لأن مستواه conversational مش professional
يعني يعرف يسولف بس مش يشرح تاريخ
ده غير إنه مش هيفضل لازق في الوفد ٢٤ ساعة
عنده شغل تاني
إنتِ اللي هتكوني معاهم طول الوقت
انطلق الموكب
نور في السيارة الأولى مع كارلوس وثلاثة من أعضاء الوفد
آدم في السيارة الثانية بمفرده مع سائقه
والباقون في السيارة الثالثة
الطريق إلى الواحات البحرية يستغرق حوالي أربع ساعات
كانت نور في قمة حماسها وهي تشرح للوفد جغرافية الصحراء الغربية
وتشير للنوافذ كلما ظهر شيء مثير على جانب الطريق
بعد ساعتين توقف الموكب في استراحة على الطريق الصحراوي
نزل الجميع لتمديد أرجلهم
نور اشترت زجاجة مياه من بائع بدوي صغير وأخذت تشرب بعطش
الترجمة الحرفية لكلمة واحة في اللغة القبطية القديمة هي المكان السكنى
جاء الصوت من خلفها عميق هادئ بارد
استدارت لتجد آدم يقف على بعد خطوتين منها
يحمل كوب قهوة في يده وينظر للأفق البعيد
عارفه
ومن اللغة الأمازيغية تعني منبع الماء
التفت إليها ببطء
كان الضوء يسقط على وجهه بزاوية جعلت عينيه العسليتين تبدوان كالعسل
ذهبيتان شفافتان
بتعرفي أمازيغي كمان
لأ
بس بابا
الله يرحمه
كان مهتم بالثقافات الأمازيغية
كان عنده مكتبة كاملة عنهم
لم تدرِ لماذا أخبرته عن أبيها
الكلمات خرجت وحدها
كأن شيئًا فيه سحب هذا الاعتراف منها دون إذنها
لاحظت أن شيئًا ما تغيّر في نظرته
خفقة سريعة كجناح فراشة مرّت على وجهه الحجري ثم اختفت
أبوكي كان أستاذ جامعة
لأ
كان سائق تاكسي
قالتها بثبات وبكبرياء هادئ
ورأسها مرفوع
لم تخجل و لم تبرر و لم تُزيّن
نظر لها آدم نظرة طويلة
أطول مما ينبغي لرئيس يتحدث مع موظفة
ثم قال بصوت مختلف
أقل حدة
أقل برودة
بدرجة واحدة فقط
سائق تاكسي بمكتبة عن الأمازيغ
ده راجل كان يستاهل كل الاحترام
ثم استدار ومشى نحو سيارته دون أن يضيف كلمة واحدة
وقفت نور مكانها لثوانٍ بقلب يرتجف
لم تفهم لماذا هذه الجملة البسيطة عن أبيها من فم هذا الرجل البارد
أثرت فيها أكثر من أي عزاء سمعته في حياتها
مسحت عينيها بسرعة قبل أن يراها أحد وعادت للسيارة
وصلوا الواحات البحرية مع غروب الشمس
المخيم كان معدًّا بعناية
خيام بيضاء واسعة مزينة بالسجاد البدوي و أضواء خافتة تتدلى بين الأعمدة الخشبية ورائحة اللحم المشوي تملأ المكان
انبهر الوفد الإسباني
كارلوس اعتبر المكان أجمل من أي فندق خمس نجوم وبدأ يلتقط الصور بجنون
بعد العشاء جلس الجميع حول نار المخيم الكبيرة
السماء فوقهم كانت مذهلة
ملايين النجوم تتلألأ بوضوح لا تراه عيون أهل المدن أبدًا
طلب كارلوس من نور أن تحكي لهم عن الصحراء
وقفت نور أمام النار وبدأت تتحدث بالإسبانية بصوت دافئ هادئ
يقول البدو إن الصحراء لا تكذب أبدًا
في المدينة تستطيع أن تختبئ خلف ملابسك خلف سيارتك خلف منصبك
لكن في الصحراء أنت عارٍ أمام الحقيقة
الرمال لا تهتم إن كنت غنيًا أو فقيرًا
الشمس لا تفرّق بين ملك ومتسول
هنا
الإنسان يواجه نفسه
كانت كلماتها تطفو في الهواء الصحراوي البارد وتمتزج بصوت طقطقة النار
لم تلحظ أن آدم كان جالسًا في بعد عدة أمتار
يشرب قهوته ويستمع
لم تلحظ أنه وضع الكوب جانبًا وأن عينيه لم تتركا وجهها وهي تتحدث
لم تلحظ أنه حين قالت الإنسان يواجه نفسه
شدّ على فكّه بقوة وأدار وجهه بعيدًا وكأن الكلمات لسعته
انتهت السهرة
ذهب الجميع لخيامهم
كانت خيمة نور منفصلة عن خيام الوفد
في الجانب المخصص لفريق العمل
غيّرت ملابسها وارتدت بيجامتها واستلقت على الفراش الأرضي المريح تحدّق في سقف الخيمة القماشي
كانت مرهقة لكن سعيدة
اليوم كان ناجحًا بكل المقاييس
فجأة سمعت صوتًا غريبًا من خارج الخيمة حفيف
ثم خطوات
جلست ببطء وقلبها يتسارع مدّت يدها نحو الكشاف وأشعلته ثم فتحت سحّاب الخيمة بحذر
لم تجد شيئًا
ظلام مطلق صمت كوني لا يقطعه إلا صوت الريح
مفيش حاجة يا نور
إنتي بتتوهمي
أعادت إغلاق الخيمة واستلقت مجددًا
بعد عشر دقائق سمعت الصوت مرة أخرى
هذه المرة أوضح
حركة قريبة جدًا من خيمتها
قفزت من مكانها ومسكت أول شيء وقع تحت يدها
مقلاة صغيرة كانت بجانب أغراض الطهي
وخرجت من الخيمة كالإعصار
مين هنا
صاحت بصوت أقوى مما نوت
ومن خلف خيمتها مباشرة ظهر ظل طويل تبيّن أنه
آدم
يقف ممسكًا بهاتفه وضوء الشاشة يضيء ملامحه الحادة
نظر للمقلاة في يدها ثم نظر لوجهها المرعوب ثم عاد ينظر للمقلاة
ولأول مرة
أول مرة بالمعنى الحرفي
رأت نور شيئًا على وجهه يشبه الابتسامة
لم تكن ابتسامة كاملة بل ارتعاشة خفيفة في زاوية فمه اليمنى سرعان ما قمعها بيد من حديد
كنتِ ناوية تضربيني بمقلاة
شعرت نور بالحرارة تسري في وجهها حتى أذنيها
خبّأت المقلاة خلف ظهرها بسرعة
أنا
أنا سمعت صوت وافتكرت في حد
أنا
حضرتك بتعمل إيه هنا أصلًا
أعاد وجهه لطبيعته الجليدية وقال بهدوء
بتفقد المخيم
مسؤوليتي إن كل حاجة تكون آمنة
وإنتي المفروض تكوني نايمة مش بتطبخي في نص الصحرا
أنا مش بطبخ
أنا بدافع عن نفسي
بمقلاة
هي اللي كانت تحت إيدي
طب لو كان تحت إيدك ملعقة كنتي هتعملي إيه
تطعميه شوربة
وقبل أن تستطيع نور أن تردّ استدار آدم ومشى بعيدًا في الظلام وهو يقول دون أن يلتفت
نامي يا آنسة نور بكره يوم طويل
وقفت نور في مكانها مذهولة
هل آدم الصياد بيعرف يهزر
هل الجبل الجليدي ده فيه فعلاً ذرة دم
ابتسمت رغمًا عنها ابتسامة عريضة لم تستطع كتمها
تطعميه شوربة يا خبر
ده عنده حس فكاهي
ثم دخلت خيمتها وهي تضحك بصوت خافت
واحتضنت المقلاة كأنها دبدوب وتمتمت قبل أن يغلبها النوم
يا نور يا بنتي إنتي داخلة في حتة صعبة أوي
وبعيدًا في خيمته الخاصة على الجانب الآخر من المخيم
كان آدم مستلقيًا على ظهره يحدّق في السقف
أحد ذراعيه تحت رأسه والآخر على صدره
حاول أن ينام
لكن وجهها وهي تمسك المقلاة بشعرها المنكوش وعينيها المفزوعتين ظل يطفو أمام عينيه
شعر بزاوية فمه ترتعش مرة أخرى
أطبق على فكّه بقوة ليمنع الابتسامة
لأ
قالها لنفسه بصرامة
تقلّب على جانبه وأغمض عينيه بإصرار
لكن الابتسامة
تلك الابتسامة التي حاربها بكل ما أوتي من قوة
تسللت في الظلام وارتسمت على شفتيه وهو ينزلق في النوم
ابتسامة أولى منذ زمن طويل جدًا
ابتسامة لم يرها أحد
ابتسامة سرقتها فتاة بمقلاة
•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية