رواية فارس بلا مأوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ولاء محمد رفعت


عاد من معركة دامت لأكثر من ساعتين ما بين طلقات نارية متبادلة وهجوم ودفاع ريثما أسترجع كل بضاعته من أسلحة ومخدرات وخسارة الكثير من رجاله، بينما هو أُصيب بطلقة من حُسن حظه ليست خطيرة حيث أستقرت في  عضده الأيسر.

أصطفت السيارات أمام المنزل الحجري، ترجل مسرعاً فألحق به إحدي رجاله ليحذره:  
_ أنتظر سيدي،  عليك بالذهاب إلي الطبيب لإخراج الرصاصة من زراعك.

ألتفت له وبنظرة مرعبة يحدقه وبغضب عارم هدر به:  
_ أغُرب عن وجهي، وهاتف الطبيب چوزيف ليأتي.

أومأ له بخضوع:  
_ أمرك سيدي.

تركه سليم و ولج إلي الداخل متجهاً إلي غرفة مكتبه لكنه تفاجأ بخروج أنيتا الخادمة،  تترنح وتمسك برأسها المحاوطة بشاش قطني وينبلج الألم علي ملامحها. 
أتسعت قاتمتيه المظلمتين بشدة،  دلف إلي الغرفة سريعاً فلم يجد لها أثراً، نادي علي الخادمة بصوت أهتزت له الجدران:  
_ أنيتا.

ركضت إليه ترتجف بخوف،  تخشي أن يعلم بما حدث فكما أخبرها هي المسئولة أمامه يا ويلتها!

_ نعم سيدي. 
تنظر لأسفل متحاشية النظر في تلك الجمرتين المشتعلتين، أزدردت ريقها. 
_ ماذا حدث هنا؟.

أجابت بتردد و وجل:  
_ زينب،  أقصد مدام زينب، هي من قامت بضربي علي رأسي وفقدت الوعي،  وريثما أستيقظت لم أجدها.

دفعها من أمامه كالثور الهائج،  وذهب خلف المكتب وفتح الدرج باحثاً عن حاسوبه، لكن لم يجده، قام بفتح درج تلو الآخر بدون فائدة، حتي توقف أمام درج موصد، ألتفت خلفه ليأخذ كتاب من بين الكتب المتراصة،  قام بفتحه وأخذ المفتاح المخبأ بين صفحاته ثم فتح به الدرج وأخذ منه لوح ألكتروني، وضع سبابته في مكان البصمة فأضاء، اخذ يلمس عدة مرات حتي وصل إلي مقاطع فيديو مُسجلة عبر الكاميرات الموضوعة في الغرفة هنا وفي خارج المنزل بالحديقة.
ضغط علي أول مقطع في التوقيت الذي غادر المنزل فيه ليجد ما حدث بين زينب والخادمة، يشاهد ويضغط علي قبضته حتي أتت لحظة إستيلائها علي حاسوبه، ضرب سطح المكتب بقبضته فأهتز كل ما فوقه.
تذكر عندما كان يقرأ بيانتها سابقاً، فكانت تعمل مهندسة برمجيات وبإمتلاكها لحاسوبه هذا لايعني سوي شيئاً واحد، سوف تستخدم كل ما عليه من ملفات صفقات وعقود ألكترونية بينه وبين رجال المافيا كل هذا ضده و ربما لتتخلص منه تُبلغ عنه السلطات وتقدم إليهم كل ما يدينه.

صرخ بصوت يشبه زئير الليث وكاد يحطم اللوح الذي بيده لكنه توقف عند لحظة، فضغط ليسترجعها ويمعن النظر مُكبراً الشاشة في تلك اللقطة، زينب تمسك ببطاقة ورقية، لم يستطع قراءة محتواها لكن مالفت إنتباهه هو شعار يألفه جيداً، أخذ يتذكر أين رأي ذلك الشعار.
(مشهد سابق)
_ في حفلة الشواء بعدما عادت ساندرا من المرحاض أصتدمت به فوقعت من يدها حقيبتها وأنفتحت وتدحرجت محتوياتها علي الأرض، دنا ليلملم معها متعلقاتها فلاحظ عدة بطاقات مدون عليها إسمها وأرقامها وشعار مركز التدليك الخاص بها.

عاد من ذاكرته فتحولت ملامحه ليصبح كالوحش الضاري الذي يريد الفتك بعدوه، ليتمتم بتوعد: 
_ بتتحديني وتهربي مني وكمان سرقتي اللاب، شكلك يا زينب نسيتي متجوزة من مين، أنتي الي أخترتي مصيرك وبتكتبيه بأيدك، والي عملته معاكي قبل كده كوم والي هاعملو فيكي أول ما ألاقيكي كوم تاني خالص!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  
_ يشعر بالألم في أنحاء جسده لاسيما وجهه المليئ بالكدمات أثر لكمات أكرم له صباحاً، ولج إلي غرفته وهو يخلع ثيابه ثم ذهب إلي المرحاض،  فتح صنبور حوض الإستحمام ليتمدد أسفله بإسترخاء لعل الماء تخفف آلام جسده لكن هناك ماهو أشد ألماً كلما أُعيدت ذكرياته معها وكأنها فيلم سينمائي يُعرض أمامه كما يلي...

تمسك طبق الحساء بين يديها وتطعمه منه بالملعقة،  امتعضت ملامحه غير راغب لتناول المزيد:  
_ كفايه مش قادر.

مدت الملعقة إلي فمه وبإصرار قالت: 
_ لازم تخلص الطبق كله عشان لسه هتاخد مضاد حيوي شديد ولا أنت مش  عايز تخف؟.

إبتسم والوهن يكسو ملامحه و يتصبب العرق فوق جبهته، هز رأسه بالرفض مازحاً: 
_ لاء، مش عايز أخف،  تعرفي ليه؟.

دست الملعقه في فمه وقالت:  
_ شكلك حبيت الدلع طبعاً  من حقك ما أنت لاقي الي تأكلك في بوقك وتشربك وتصورلك المحاضرات الي فاتتك من زمايلك،  ناقص أي تاني أعملهولك!.

أمسك بيدها ليخلل أنامله بين أناملها الرقيقة ورفعها وأستند عليهم بوجنته، فأغمض عينيه قائلاً:  
_ عايزك تفضلي جمبي كده علي طول،  تكوني زي ضلي ماتفارقنيش ولا لحظة.

أختلجها شعور قوي بالتوتر، سحبت يدها برفق ثم وضعتها علي جبهته، تتهرب من حديثه ونظراته:  
_ الحمدلله السخنية شكلها راحت وجسمك عمال يعرق،  هاقوم أجيب لك كوباية مايه تاخد بيها المضاد.

أوقفها منادياً بهمس وكأن قلبه من يناديها وليس لسانه:  
_ ندي؟.

وقفت تحدجه في صمت فأردف:  
_ ليه كل ما أعبرلك عن مشاعري وحبي ليكي تتهربي مني!، علي فكرة مشاعرك الي بتحاولي تخبيها مني كل مرة ببقي قاريها في عينيكي.

اطلقت زفرة بتأفف وأجابت بإنكار:  
_ علي أرجوك متحاولش تضغط عليا أكتر من كده، أنا أتفقت معاك من الأول الي بينا علاقة أتنين أصحاب مش أكتر.

نهض من فوق الأريكة ليقف أمامها يحدجها بكل مشاعر الحب والغرام:  
_ أنتي الي قولتي،  لكن أنا لاء، أول ماعرفتك كانت بداية مرحلة إعجاب ولما قربنا من بعض أتطور الإعجاب جوايا لحب ودلوقتي عديت مرحلة الحب بكتير.

كادت تبتعد فأوقفها مرة أخري،  واضعاً يديه علي كتفيها:  
_ أنتي واثقه أن كل كلمة قولتها دلوقت صح، قربك مني دي مش مجرد صحوبيه زي ما قولتي، أنتي بتبادليني نفس المشاعر بس جواكي حاجز مانعك،  نفسي أعرف أي هو،  مش عايزه تصارحيني ليه كل مابسألك فيه حد تاني في حياتك علي طول تقوليلي لاء.

ما كان منها سوي أن تنظر ولا تتحدث ، لاتريد البوح له بأن تربطها علاقة خطبة برجل آخر حتي  لاينظر لها بإزدراء ويحتقرها، يكفيها شعور جلد الذات الملازم لها طوال الوقت،  وتتهرب منه بشتي الطرق.

_ ساكته ليه ما تجاوبي علي سؤالي؟. 
لم يمهلها الإجابة فأردف بنظرات توسل:  
_ أوعي تكوني بتضحكي عليا، متعرفيش أنتي بقيتي أي بالنسبه لي، أنا بعشقك أوي يا ندي،  و مستني أخلص الدراسة بفارغ الصبر وأشتغل وأجي أطلب أيدك من أهلك،  والي هيطلبوه مني أنا تحت أمرهم، أنا أي نعم علي أد حالي بس الحمدلله بابا الله يرحمه كان شاري شقة صغيرة في دار السلام، هانبتدي فيها حياتنا مؤقتاً لحد ماربنا يكرمني ونشتري شقة أكبر في حدايق المعادي وياعالم ربنا يكرمني من وسع ونشتري في التجمع أو زايد، المهم نكون مع بعض ،  و دورك بقي لحد ما أجيلكو البيت أنك ترفضي أي حد هيتقدملك من بره بره.

رأت في عينيه توسل ورجاء أكثر من كونه طلب، وقعت في حيرة لاتريد أن تحطم فؤاده وفي ذات الوقت لا تريد أن تُعطِ له أملاً واهياً ، وبالنهاية هزت رأسها بتلقائية كدليل علي الموافقة. 
تهللت أساريره وألتمعت عسليتيه التي تنضح بسعادة عارمة، لم يصدق ما رآه للتو،  سألها بللهفة:  
_ بجد موافقة؟.

أزدردت ريقها في تردد، فأجابت:  
_ مش هاقدر أديلك إجابة نهائية،  لسه الأول لما أشوف بابا وماما ورأيهم أي.

_ أهم حاجة أنتي،  لو موافقة هم كمان هيوافقو حتي لو أعترضو دورك هنا تقنعيهم،  أتفقنا؟.

ردت بهمس وكأنها مُغيبة:  
_ أتفقنا.

وما أن تفوهت بها غمرته سعادة وصلت لعنان السماء، باغتها بمعانقة قوية كعناق المغترب عند رؤية أحبائه وكإحتضان النجوم للسماء وكالقاء عاشقين بعد طول فراق. 
أخذ يردد علي سمعها فيض مشاعره:  
_ بحبك،  بحبك أوي.

وكلما يخبرها كلما يشتد عانقه لها، أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها الشاردة، تجرع ريقه قبل أن يقدم علي تلك الخطوة، تلك المرة الأولي في تقاربه الجسدي مع من سلبت لبه، فعشقه لها يهيمن علي حواسه ليجد شفاه تنجذب لخاصتها،  يختبر معها أول قبلة وأول عناق، سار بها ومازال يقبلها نحو الأريكة، بينما هي كانت في أشد لحظات ضعفها لم تفق منها سوي عندما وجدت نفسها تمدت علي الأريكة وهو يعتليها ملتصقاً بها  ... 
صدح رنين جرس المنزل بشكل متكرر ليجعله يعود من حقيبة ذكرياته معها،  فنهض من الحوض وتناول منشفة قطنية قام بتجفيف جسده بعشوائية فتناول منشفة أخري علي عجاله يلفها حول خصره ليسرع ويري من الزائر!.

و ما أن فتح باب الشقة، أصابته دهشة، لم يصدق تلك التي تقف أمامه:
_ أنتي!، ليكي عين توريني وشك بعد الي عملتيه معايا في المكتب!.

نظرت لأسفل بخجل من هيئته،  ولم تعقب علي كلماته سوي بسؤال ترجوه: 
_ ممكن أخد من وقتك عشر دقايق؟.

رفع جانب فمه فأجاب علي مضض مشيراً إليها للداخل: 
_ أتفضلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولجت وهي تختلس بعض النظرات إليه، كم يغمرها الشوق والحنين لكن كلما تذكرت رفضه المُستميت وأهانته لها يختلجها شعور الإنتقام والثأر لكرامتها.

_ أدخلي أستنيني في الليڤنج روم عقبال ما ألبس هدومي و أجي لك. 
كان يشير لها إلي الغرفة و ذهب إلي غرفته،  بينما هي دخلت تتأمل كل ما يحيط بها،  تمنت لو كان هذا منزل الزوجية الذي يجمعها بالرجل الوحيد الذي أحبته ولا تريد سواه.

وبعد دقائق قليلة دلف إليها قائلاً: 
_ تحبي تشربي عصير ولا كوفي؟.

رفعت عينيها لتجده أرتدي قميص وبنطال قطني يظهران عضلات جسده الرياضي، غرت فاهها عندما رأت تلك الكدمات المتفرقة علي أنحاء وجهه وشريط لاصق علي أنفه.
لاحظ تحديقها في معالم وجهه المصابة، زفر بنفاذ صبر وقال متأففاً: 
_ هتفضلي مبحلقه فيا كده كتير!.

أنتبهت إليه وملامحه الممتعضة من عدم ردها علي سؤاله: 
_ ماتتعبش نفسك وتعالي أقعد، أنا مش جاية أتضايف.

تنهد من أعماقه الدفينه وجلس مقابلها: 
_ خير؟.

لم تعرف من أين تبدأ، كان لديها الكثير من الأحاديث علي لسانها، لكنها شعرت وكأن هناك  من يلجمه، هيهات وشرعت في الحديث متصنعة الحزن من أجله: 
_ أولاً ألف حمدالله على سلامتك.

تفوهت بها ثم صمتت لثوان، بينما هو قد نفذ صبره وأنتفخت أوادجه، فسألها بصوت به بعض الحدية: 
_ عرفنا خلاص أولاً وبقولك الله يسلمك وشكراً علي إهتمامك، ثانياً أي بقي عشان مش فاضي ومعنديش وقت؟.

أبتلعت غصتها بعدما شعرت بعدم رغبته في الجلوس أو التحدث معها، أجابت بخفوت: 
_ أنا هربت من بيتنا بقالي كام يوم وماينفعش أرجع خالص.

إبتسامة هاكمة لاحت علي ثغره: 
_ و جاية عشان تستخبي عندي ولا أي بالظبط؟.

رفعت إحدي حاجبيها تنتظر ردة فعله علي ما ستلقيه عليه: 
_ لاء يا خفيف، أنا هربت عشان ماما وأخويا عايزين يجوزوني بالعافيه.

أدرك ما ترنو إليه، نهض يحدقها بغضب، يطلق زفرة إستعداداً لما سيلقنها إياه من حديث قاسي: 
_ وحضرتك جايه لي طبعاً عشان تقوليلي الكلمتين بتوع المرة الي فاتت، وأنا بقولك لاء يا مروة مش هاتجوزك، ريحي نفسك بقي وحافظي علي كرامتك ل.......

وقفت لتقاطعه بإندفاع: 
_ أنا حامل.

وقعت الكلمة علي سمعه جعلته يصمت غير مصدق لما تفوهت به، رد بإنكار: 
_ كدابة، بتقولي كده عشان ترغميني علي الجواز منك.

أمسكت حقيبة يدها وأخرجت منها ورقة مطوية، قامت بفردها لتعطيها له: 
_ ده نتيجة تحليل الدم الي لسه عملاه قبل ما أجي لك، طلع Positive.

أختطف منها الورقة ليقرأ مابها، فأردفت: 
_ ولو عايز تتأكد من كلامي إسم وعنوان المعمل عندك في الورقة.

جحظت عينيه وظلت مُسلطة علي كلمة إيجابي بالإنجليزية.
_ إزاي ده حصل؟.

صاحت بتعجب وسخط علي قوله: 
_ نعم يا حبيبي!، أومال كنت فاكر نتيجة الي هببته معايا ده هيبقي أي إن شاء الله!.

ألقي الورقة جانباً وهدر بها: 
_ الي حصل مابينا  مكنش مقصود أبداً، أنتي الي أستغليتي الحالة الي أنا كنت فيها وقربتي مني وأنا سكران، ليه ما أتمنعتيش وقتها وبعدتي!،ليه أتجاوبتي معايا وسلمت لي نفسك وعارفة إن شايفك في لحظتها هي!.

كانت تكبت عبراتها ريثما لا تضعف أمامه مرة أخري ويري مدي هشاشتها، فقد فاض بها حتي أجهشت بالبكاء وهي تجلس علي أقرب كرسي: 
_ ما أتمنعتش عشان كنت في أشد لحظات ضعفي وأنا في حضنك، ما بعدتش برغم إن عارفة أنك فاكرني هي لكن قلبي كان محتاج يحس ولو بلمسة حنان منك حتي لو مكنتش ليا، قلبي هو الي أستسلم لك لأن عقلي كان مُغيب، وللأسف فوقت بعد ما ضعت وياريت خسرت حاجة واحدة، ده أنا خسرت قلبي و شرفي ونفسي، خلاص أنا ضعت والفرصة الأخيرة ليا هو أنت،  أنت الأمل الوحيد الي ممكن أتراجع عن كل الي عملته وهاعمله وأبدأ حياتي من جديد.

نهضت لتقف أمامه وأمسكت يده بين يديها تتوسله:  
_ أرجوك يا علي متتخلاش عني،  أدي لقلبك فرصة مع الي بتحبك والي هتخلي حياتك جنة،  وتتمني رضاك،  أنا الي بحبك وبعشق التراب الي بتمشي عليه، لكن هي مابتحبكش، سيب نفسك ليا وأنا هنسيهالك وهاتكتشف أنك كنت مخدوع كل السنين الي فاتت، أنا هافضل معاك مهما حصل وعمري ما هتخلي عنك.

ينظر في عينيها الباكية التي ذكرته بحاله منذ سنوات، كم كان هو حينها كالجريح يحتاج إلي من يداويه ويحتويه، تركته من عشقها وهو في أشد الإحتياج إليها، وأكثر ما جعله كالذبيح الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة عندما علم بزواجها من آخر، تباً لهذا الحب الذي يجعل صاحبه ذليلاً مقهوراً.

شعر بذنب نحو التي أمامه، كيف له أن يجعلها تصل إلي تلك الحالة التي كلما يتذكر حالته عندما كان بمكانها يكره قلبه ويلعن نفسه، يا لسخرية القدر، فقلبه آسير صديقتها وقلبها آسير له، لما لاتسير الأمور كما نريد، لماذا لا نملك أمر أفئدتنا بدلاً من جعلها هي التي تملكنا!.

أنحني قليلاً إليها ليعانقها، وأخذ يمسد ظهرها لتهدأتها: 
_ خلاص، بطلي عياط، وكل الي أنتي عيزاه هيحصل.

أنتفضت كمن لدغها عقرب لم تصدق أذنها: 
_ بتتكلم بجد، هاتتجوزني؟.

أومأ لها بالإيجاب قائلاً: 
_ مفيش حل للي أنتي فيه غير كده، بس....

صمت ليفكر فيما سيخبرها به وهو أن قلبه ملك الأخري وليس هي، تلك الحقيقة التي لم تتغير بتاً ، لكنه ترأف بحالتها التي كانت كالغريق الذي يتعلق بقشة لتنقذه من الموت المحتوم.
أردف بإبتسامة مصتنعة: 
_ بس كده، ولا أنتي ليكي رأي تاني؟.

أنبلجت السعادة علي وجهها بعدما أفتقدتها لسنين منصرمة، تتمني أن ما قاله يكن واقعاً وليس أحلاماً كالتي تراها في منامها يومياً، عانقته بقوة صارخه بفرح عارم: 
_ موافقة طبعاً، ده رأيي من وقت ماقلبي دق لك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تسير في رواق طويل تتفرع منه الغرف الخاصة بعمل التدليك، حتي توقفت أمام آخر غرفة وطرقت الباب فأتاها صوتها من الداخل:  
_ تفضلِ ساندرا.

ولجت لتجدها مازالت تجلس علي الكرسي والطعام المتراص أمامها لم يؤكل منه شيئاً:  
_ ما هذا زينب!، لما لاتأكلِ؟.

_ لا أريد شيئاً سوي أن أرحل من هنا بأسرع وقت. 
قالتها وأحتضنت حقيبتها، ردت الأخري وبسمة لمعت علي شفاها:  
_ أطمأنِ،  سوف ترحلين في خلال ساعة من الآن.

أتسعت عينيها في ترقب لمعرفة السبب:  
_ كيف؟.

أخرجت من الجيب الخلفي لبنطالها جواز سفر و وضعته أمامها علي الطاولة:  
_ تفضلِ.

جذبته الأخري علي الفور، قامت بفتحه تنظر إلي بياناته، عقدت مابين حاجبيها وقالت:  
_ من بالصورة ليست أنا، هي تُشبهني بالفعل وكذلك أيضاً الأسم وتاريخ الميلاد وجميع البيانات مُزيفة.

وضعت ساق فوق الأخري، فأشعلت سيجارة لتزفر دخانها في الهواء:  
_ أعلم، أمراً بديهياً زينب،  كيف سأخرج لكِ جواز سفر بصورتك وبياناتك الحقيقية و في كل المطارات تجد أعين لسليم وشركائه،  أم نسيتِ من هو زوجك ِ!.

تجمعت عبراتها لتحجب ذهبيتيها عن الرؤية كلما تتذكر نظراته المخيفة و وعيده عندما ترتكب ما يغضبه والآن فعلت ما هو أسوأ علي الإطلاق، الفرار من عرينه وليس فقط بل وأخذت حاسوبه!.
ناولتها ساندرا علبة المحارم الورقية لتجفف تلك العبرة التي أنسدلت للتو:  
_ لايفيدك البكاء الآن يا فتاة، عليكِ التحلي بالقوة و الشجاعة ريثما تعودِ لموطنك. 
أنحنت للأمام لتربت علي فخذها، أخذت زينب محرمة لتجفف عبراتها و أرتسمت إبتسامة، فأخبرتها بإمتنان:  
_ شكراً لكِ ساندرا،  كنتُ خائفة للغاية عندما عرضتِ علي مساعدتك،  خشيت أن تخبرين سليم.

دست ماتبقي من سيجارتها في المنفضة الصدفية وقالت:  
_ العفو عزيزتي، أنا لا أخون أبداً من يلجأ إلي،  كما إنه مررت سابقاً وتعرضت مثل ما حدث معكِ تماماً، بل الأسوأ.

توقفت عن الحديث لتخلع سترتها و يليها كنزتها تحت نظرات زينب المندهشة لما تفعله تلك المرأه المتصابية،  حتي أدركت سبب خلع ملابسها عندما ولت إليها ظهرها فشهقت و وضعت كفها علي فمها. 
ظهر الأخري مليئ بعلامات جلد وحروق قديمة وأثر لجروح تمت خيطتها بشكل غير تجميلي مما تركت آثار مشوهة. 
_ أنظرِ زينب وتمعنِ جيداً في تلك العلامات، جميعها نتيجة جلد بالسوط أو عصا جلدية حادة،  والحروق المتفرقة كانت آثار لإطفاء العديد من السجائر الخاصة باللعين داغر العقبي،  بينما آثار الجروح كانت بفعل نصل سكين ، كان يغرزها في ظهري حتي تسيل دمائي فيلعقها هذا المعتوه وكأنه يتجرع كأس من النبيذ.

أوصدت عينيها من فرط بشاعة المنظر، فتذكرت حينما ألقي بها سليم في البناء المخيف خلف المنزل، كان يُقبلها بعنف حتي جرح شفاها وأنسدلت منها الدماء فقام بلعقها.

فتحت عينيها فجاءة ً وأستعادت رباطة جأشها وقوتها وإصرارها، لن تتراجع عن قرار فرارها إلي مصر،  فهي لم تتحمل أن يفعل بها مثل ما حدث من أبيه لساندرا، فالموت أكثر رحمة من ذلك العذاب. 
نهضت وحملت الحقيبة علي ظهرها

_ عذراً ساندرا،  أريد الذهاب إلي المرحاض.

أرتدت الأخري كنزتها وسترتها ثم أشارت لتتبعها:  
_ سأوصلك،  ولاتنسِ خلع وشاحك،  فصاحبة الصورة لم ترتدي وشاحاً.

أوقفتها زينب لتقول بإصرار:  
_ أنتظري، لا أستطيع خلع وشاحي قط، ماذا أفعل؟.

نظرت ساندرا لهيئتها ريثما أتتها فكرة جيدة:  
_ لا تقلقِ،  هناك حل.

وبعد قليل خرجت زينب من المرحاض ترتدي قلنصوة قد أعتطها إياها ساندرا لتخفي أسفلها جميع خصلاتها بدلاً من وشاحها وكنزة ذات رقبة طويلة تغطي عنقها بالكامل.

رمقتها بإنبهار قائلة: 
_ يا ألهي، أصبحتِ مثل يوستينا تماماً، هيا بنا فلقد أعددت سيارة لتقلك إلي المطار.
مدت يدها إليها بظرف سميك وأردفت: 
_ خذِ هذا الظرف ،  أنتِ بحاجة إلي المال عند عودتكِ إلي بلدك .

رمقتها بسعادة وعينيها لاتخلو من الدمع غير مصدقة إنها وجدت يد العون والمساعدة في تلك البلد الغريب، عانقتها بقوة: 
_ لا أعلم كيف أشكركِ علي مساعدتك و وقوفك بجانبي.

ربتت عليها الأخري ثم أبتعدت لتنظر لها: 
_ كفاكِ بكاءً، لو تردين شكري حقاً هاتفيني عند عودتكِ لأطمأن عليكِ.

أومأت لها وقالت: 
_ بالطبع، سأكون علي إتصال بكِ.

صدح رنين هاتفها: 
_ أنتظرِ لحظة.

أجابت علي المتصل: 
_ ألو، ماذا هناك؟.
............

جحظت عينيها والرعب يختلج ملامحها: 
_ حسناً، حاولو إلهاءه ريثما ترحل من هنا، هيا.

أغلقت المكالمة لتمسك بيد زينب التي أرتجفت فسألتها وقلبها يخفق وجلاً: 
_ هل علم بوجودي لديك؟.

_  بسرعة زينب، سليم و رجاله بالأسفل، هيا لترحلِ عبر الباب الخلفي!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  
_ يلتقط أنفاسه بعدما صعد الدرج و وصل أمام شقة الحاج نعمان،  ألقي نظرة علي العنوان المدون في الورقة والذي أخذه من حمودة  . 
ضغط علي زر الجرس،  وبعد ثوان أنفتح الباب و وجد نعمان الذي تهللت أساريره رغماً من حزنه علي ماحدث لأبنته. 
_ يا مرحب،  يا مرحب،  ده أي المفاجاءة الحلوة دي.

دلف فارس و وضع ما جلبه من فواكه وعصائر فوق الطاولة بالردهة:  
_ آسف يا حاچ أني چيت من غير ميعاد، كنت عتصل عليك ولاجيت تليفونك مجفول.

رد الآخر بعدما أشار له بالجلوس علي الكرسي: 
_ أتفضل يابني،  ده بيتك ومطرحك وأهلاً  بيك في أي وقت،  وأنا فعلاً قافل تليفوني مش عايز كل شويه حد يتصل بيا ويرغي ويستفسر،  عاملين نفسهم زعلانين علي بنتي وهم من جواهم شمتانين وفرحانين،  حسبي الله ونعم الوكيل  في كل الي ظلمها و عملها الفيديوهات المهببة دي.

أنبلج علي محياه إبتسامة تعجب لها نعمان حتي قال:  
_ أني چيت لأچل أطمن علي حضرتك والآنسه شهد وكمان لأچل أجولك إن خلاص خابرنا من ورا الحكاية وسوي الفيديوهات.

تجلت الدهشة علي ملامح الآخر في تأهب لمعرفة من أرتكب في حق إبنته ذلك الفعل الفاجر والمشين.

(مشهد سابق)

أخذت تنظر من حولها فلم تجده، تنفست الصعداء وعادت لتذهب إلي منزلها، وما أن خطت قدمها فناء البناء ذو الرائحة العطنة أصتدمت به وأطلقت صرخة مدوية.
دفعها علي الجدار أسفل الدرج مكمماً فاها ويمسك بزراعها فأخبرها بتحذير:  
_ هاشيل يدي دلوق لو صرختي أو سويتي حركة إكده ولا إكده هاكون مخلص عليكي بالخنچر الي معاي.

همهمت بصوت مكتوم وهزت رأسها بالموافقة علي حديثه،  فأزاح يده وسألها:  
_ أنتي الي ورا موضوع الفيديوهات؟.

ردت بإنكار ولوع:  
_ فيديوهات أي وأنت مين وعايز مني أي؟.

هزها بعنف ويزجرها برماديتيه بنظرة مقصودة لإخافتها:  
_ بت أنتي، لو ما ردتيش علي سؤالي دلوق لأخلي الدكاتره تحتار كيف تخيط وشك.

وضع يده علي جيب بنطاله وكأنه سيخرج الخنجر،  فأوقفته بتوسل:  
_ خلاص خلاص،  هقولك علي كل حاجة،  بس بالله عليك متأذنيش ولا تجيب سيرتي،  عشان ممدوح لو عرف هيأذيني ويعمل حاجة في أمي العيانة.

طيف إبتسامة علي ثغره عندما تأكد من حدسه الذي لايخطأ بتاً:  
_ جولي و ليكي الأمان.

رمقته بتوتر وخوف،  تتردد في إخباره بالحقيقة، رفع إحدي حاجبيه وأردف:  
_ لساتك عتفكري،  ما تنطجي وإلا...

قاطعته وأمسكت بيده لتمنعه بإخراج الخنجر:  
_ ممدوح هو الي خلاني أروح أعمل حوار علي شهد إن أعمل مكالمة من عندها وفي نفس الوقت أشغلها فطلبت منها تجيب لي ميه ساقعه وعقبال ماراحت وجت كنت ناقله شوية صور ليها من تليفونها علي تليفوني عن طريق البلوتوث.

أبتلعت لعابها لتسطرد:  
_ بعدها روحت لممدوح وبعتله الصور ولما سألته هايعمل بيها أي قالي ملكيش فيه ولو نطقت بحرف لحد هايسلط ناس عليا أنا وأمي و ده جبروت وما بيهموش.

حك ذقنه ليفكر بالأمر،  فسألها مرة أخري:  
_ ولما أنتي خابره إنه بالأخلاق الشين دي، ليه ساعدتيه وچبتي له الصور؟.

أسبلت جفونها بخجل من نفسها،  أجابت بخفوت:  
_ الحوجه والفقر الي خلوني أعمل كده، أمي تعبانه ومحتاجة علاج غالي ومرتبي الي باخدو من صاحب المحل الي بشتغل فيه يا دوب بيسد فواتير الكهربا والميه وأكلنا وشربنا،  معاش أبويا مبيكملش لنص الشهر وبفضل أستلف من هنا ومن هنا،  فلما لاقيت ممدوح عرض عليا الموضوع وهيديني ألفين جنيه، أدالي منهم متين عربون وجيت أطالبه بالباقي عمل الي شوفته قدام محله.

جز علي أسنانه بغضب من هذا الممدوح و ود لو يراه أمامه لكان لقنه لكمات في وجهه وركلات في معدته. 
أطلق تنهيدة من أعماقه وقال:  
_ ماشي يا سماح، إسمك سماح برضك ولا أني غلطان؟.

أومأت له:  
_ أيوه، أنا قولتلك علي كل الي أعرفه،  بس والله مليش دعوة بالفيديوهات الي عملها ممدوح.

_ ما خلاص يا سماح، أنتي جولتيلي علي الي كنت رايد أعرفه، خابره لو كنتي روحتي للحاچ نعمان وجصدتيه يعطيكي فلوس لأچل والدتك العيانة مكنش هيجولك لاء وكان وجف وياكي،  لكن أنتي أختارتي الطريق التاني الي كله أذي وشر وأديكي أهه خسرانه ولا طولتي الفلوس وأرتكبتي ذنب عظيم أتمني تتوبي عنه وتروحي لشهد لأچل تسامحك.

ردت بصوت حزين وشعور بالذنب يسيطر عليها:  _ ربنا يسامحني ويارب شهد تسامحني.

_ هتسامحك لو برأتيها قدام الناس وخابرو الحقيقة.

سألته بتوجس تخشي ما تفكر به للتو: 
_ عايزني أعمل أي؟.

_ تروحي ويا الحاچ نعمان القسم وهو عيقدم بلاغ كيف تكوني شاهده بدل ما تكوني متهمة.

صاحت برفض للأمر: 
_ إستحالة، بقولك لو عرف هيأذيني.

مسح شفاه السفلي بإبهامه ثم أخرج هاتفه من جيب قميصه ليضغط علي زر مكبر الصوت: 
_ أيو يا صاحبي عاتسمعني؟.

رد جنيدي:
_ معاك يا صاحبي ومسچل كل حاچة جالتها الأخت سماح.

إبتسم فارس بإنتصار قائلاً: 
_ تمام يا صاحبي، سلام.

وضع هاتفه في جيبه ومازال مبتسماً إليها وبتهديد جلي يُخيرها: 
_ ها يا سماح هتسوي الي جولتلك عليه ولا أجول لصاحبي يسمع التسچيل لممدوح ويروح يقدمو في القسم علي أنك شريكة في العملة المهببة الي سوتوها أنتي والكلب التاني.

هزت رأسها علي الفور بدون أن تتريث أو تفكر: 
_ موافقة.

كان نعمان يستمع ويضرب كفه بالآخر: 
_ كل ده يطلع من الحيوان الي إسمه ممدوح!، والله لأربيه قبل ما أسلمه للحكومة، هخلي الرجالة يأدبوه.

_ أني من رأيي يا حاچ تهمله للحكومة وهم هيتصرفو وياه، دي ممكن يستغل الي هاتسويه فيه وهو الي يقدم فيك بلاغ بالتعدي،وإكده يبجي ضيعت حق بتك.

ظل يفكر في حديثه لثوان، ويبدو أنه أقتنع به فقال: 
_ عندك حق يابني، والله ما عارف أشكرك إزاي علي وقفتك جمبي أنا وبنتي، كان ليا نظرة فيك عمري ما خيبت وأنا أتأكدت بنفسي إنك إبن حلال وإبن أصول، وإن الي خلف ممامتش.

أنتفض فارس من ما تفوه به الآخر للتو، ماذا يقصد بحديثه الأخير!،وهل يعلم بحقيقته!.

أخفي دهشته ونهض ليهم بالمغادرة:
_ ما تجولش إكده يا حاچ، أني الي عشكرك علي وجفتك معاي،و لو رايد أي حاچة أسويهالك أني تحت أمرك.

قام بمفاجأته مجدداً: 
_ أقعد يا فارس، واقف ليه؟.

جحظت رماديتيه وتصنم في مكانه، فأردف: 
_ ما تستغربش أنت أول ما رجلك خطت المنطقة وشوفتك عرفت أنت مين وحكايتك أي.

وبقليل من التفكير وسرعة بديهة أدرك من أخبره هويته الحقيقة: 
_ عم عربي الي جالك؟.

أومأ له قائلاً: 
_ أقعد بس وهافهمك.

جلس فارس والوجوم يكسو ملامحه، فأردف الآخر: 
_ أنا يابني راجل تاجر، أتعاملت مع كل صنف ولون والحلو والوحش، وأنا أول ماشوفتك لما أمين شوقي ماسكك أنت والتاني الي معاك عشان معكمش بطايق، بعدها بعت وراكم واحد عرف إنكم تبع عربي المسئول عن تسكين الشباب الي جايين يشتغلو وملهمش مسكن، كلمته بأمانة مرضاش يقولي في الأول وبعد ما ضغطت عليه قالي علي حكايتك أنت وجنيدي.

كان متردداً لايعلم كيف يخبره إنه أمر يطول شرحه، لكنه تعجب لشئ تذكره لوهلة، كيف لرجل بمكانته يطلب من متهم هارب من العدالة العمل لديه والزواج من إبنته!
كانت نظراته كفيلة ليدركها نعمان الذي أردف: 
_ طبعاً زمانك بتسأل طالما عارف حقيقتك أي الي خلاني أشغلك عندي وأعرض عليك تتجوز بنتي.

أندهش أكثر لفطنة هذا الرجل الذي يذكره بوالده دائماً، فقال: 
_ و ده فعلاً صوح الي عيدور في دماغي.

إبتسم الآخر ليجيب عليه: 
_ لما عرفت إسمك بالكامل وقتها رجعت دماغي لأيام خدمتي في الجيش، كان والدك قاسم القناوي من أعز أصدقائي، ياما وقف جمبي وكان ديماً في ضهري وبعد ما خلصنا خدمة فضلنا علي وصال مع بعض، وكل واحد فينا أتجوز وأتلهي في حياته، سبحان الله يدور بينا الزمن وليا نصيب أقابل إبنه.

أطلق زفيراً من عمق أحزانه الدفينة وقال: 
_ الله يرحمه، كل الي كان يعرفه يحبه، مكنش ليا غيره .

نهض ليجلس بجواره وربت علي كتفه قائلاً: 
_  متقلقش يا فارس هساعدك لحد ما تظهر براءتك، بس أخلص الأول من موضوع شهد.

_ إن شاء الله يا حاچ.
نهض وأردف: 
_ أستأذن أني بجي.

فقال الآخر: 
_ أستني يا فارس.

تركه ودلف للداخل وبعد دقيقة خرج له وفي يده مجموعة من المفاتيح: 
_ خلي المفاتيح دي معاك، عايزك تفتح المحل وتاخد بالك منه لحد مابنتي تروق وتبقي كويسه.

رد برفض قائلاً: 
_ معلش يا حاچ أعفيني م.....

قاطعه الآخر: 
_ عرفت الي عملته شهد معاك، وأنا بقولك حقك عليا، هي دماغها صغيره وعقلها مش فيها بس قلبها طيب وغلبانه وعيت علي الدنيا من غير أم، أمها الله يرحمها ماتت وهي عندها تلات شهور جالها غيبوبة سكر وكنت مش موجود، ومحدش لحقها وعقبال ماجيت كان السر الآلهي طلع.

عقب علي حديثه:  
_ لا حول ولاقوة إلا بالله  ربنا يرحمها ويرحم جميع موتانا.

_ آمين يارب ، فكل الي طلبه منك ترجع المحل وتاخد بالك من الشغل.

زفر بسأم ثم قال:  
_ حاضر ياحاچ الي رايده هيكون.

تناول المفاتيح من يده ثم نظر إلي ساعة هاتفه فقال:  
_ يا دوب أروح ألحج أفتح،  رايد مني حاچة تانيه يا حاچ.

رد برفض وإمتنان:  
_ لاء يابني،  شكراً.

_ العفو،  سلام عليكم. 
ردد عليه نعمان التحية وقام بإيصاله إلي الباب. 
وبعد مغادرة فارس،  أراد أن يدخل لإبنته ويطمأن عليها فتفاجأ بها تقف علي باب غرفتها!. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ يقف أمام المرآه يمشط خصلاته الفحمية ويهندم ثيابه الجديدة، فدلفت بُغتةً وتفاجأت بمظهره يرتدي بنطال وقميص،  يمسك بزجاجة العطر ويضغط المكبس لتتناثر ذرات هذا العطر ذو الرائحة الفجة،  أنتابها السعال ولم تتحمل الرائحة. 
نظر لها عبر المرآه وقال بمزاح ثقيل:  
_ مالك عتموتي إياك!.

حدجته بإبتسامة صفراء وأجابت:  
_ بعد الشر عليا،  إن شاء الله الي يكرهني ويظلمني ويچي عليا.

ألتفت وسار نحوها فدفعها في كتفها بمرفقه: 
_ عتدعي علي حالك ليه يا بت خالتي.

جلس علي الأريكة ليرتدي حذائه الأسود اللامع 
أمسكت كتفها تتحسس موضع الألم فقالت:  
_ أني فعلاً كرهت نفسي يوم ما وافجت وأتچوزتك،  وظلمت نفسي لما كملت وياك وأتحملت كل الي عاتسويه معاي من إهانة وحرجة دم، وآخرتها رايح تتچوز عليا وعمال تظبط حالك وجلعت الچلابيه ولابس بنطلون وقميص ولا كأنك أول مرة رايح تتچوز.

لم يكترث بتاً لأي حرف تفوهت به،  عقد رباط حذائه ونهض مبتسماً بسخرية،  أقترب منها ودنا بالقرب من سمعها قائلاً: 
_ أني فعلاً  كأني رايح أتچوز أول مرة، وأحمدي ربنا إنك لساتك علي ذمتي،  لولا الي في بطنك كنت طلجتك وأرتاحت من خلجتك الفقر يا وليه يا بومة.

ألقي بكلماته الفظة القاسية في وجهها وغادر الغرفة،  تركها لنيران قلبها تحرقها فأنخرطت في البكاء بنحيب. 
وبالخارج بحث عن والدته ليجدها تجلس أمام التلفاز. 
_ أي ياماه،  لساتك جاعده قدام المخروب وما غيرتيش خلچاتك لأچل تيچي معاي.

أطفأت التلفاز لترمقه بنظرة سخط:  
_ ومين جالك أني هاچي معاك!،  أني مهملاك تسوي الي رايده لأني خابره مهما جولتلك ولا مانعتك حديتي ملهوش عزا حداك يا ولدي.

أمتعضت ملامح وجهه فقال هاكماً:  
_ بجي إكده!، كل ده لأچل خاطر بت خايتك،  و ولدك ملهوش عندك أي خاطر!  .

نهضت و وقفت أمامه بتحدي:  
_ ولا كانت مارتك بت حد غريب برضك مكنتش روحت وياك، لأنها ماجصرتش في حقك حتي موضوع الحمل الحمدلله ربنا كرمكم وبجت حبلي،  وبدل ماتفرح وتفرحها وتجف چارها، رايح تقهرها وتحرج جلبها وتتچوز عليها، ما كفكش الي سويته في خايتك الي ماعرفش عنها حاچة لحد دلوق، طول عمرك جلبك كيف الحچر.

_ عموماً يا أماه مكنتش منتظر منكم حاچة غير وچودك معاي، أبوي يتهرب مني وأنتي تجوليلي لاء، مادام كل واحد عيسوي الي بدو هملوني بجي أسوي الي علي كيفي و ماحدش يبجي يلومني عاد. 
تفوه بكلماته ثم ذهب والغضب رفيقه، يعلم أن ما سيفعله ظلم لزوجته لكنه كمن كان ينتظر تلك الفرصة علي أحر من الجمر،  وها هي قُدمت إليه علي طبق من ذهب وعليه أن يغتنمها ويفوز بها.

وبعد قليل...  خرجت من غرفتها لم تستطع البقاء أكثر من ذلك فكل شئ هنا يجعلها تشعر بالضيق والإختناق ولاسيما رائحة عطره كانت تخترق رئتيها وكأنها غاز سام وليس مجرد عطر.

وبمجرد خروجها من باب المنزل وقف أمامها دبيكي كالجدار العازل قائلاً:  
_ ممنوع يا ست نوارة.

عقدت مابين حاجبيها وقالت بحنق:  
_ هو أي الي ممنوع يا غفير الغبرة،  غور من خلجتي أحسنلك.

أنعطفت من أمامه فأوقفها مانعاً إياها مرة أخري: _ دي أوامر رافع بيه،  إنك ماتخرچيش واصل.

صاحت بغضب مستعر كنيران متأججة :  
_  أوامره علي نفسه مش عليا.

_أجصري الشر و أدخلي چوه. 
كانت جملته تهديداً جلياً أكثر من كونه رجاءً،  توقفت لوهلة ترمقه لتفسر نظراته المستتره لها:  
_ قصدك أي بأني أجصر الشر!  .

تنهد مضيقاً عينيه الحادتين،  فأجاب عليها: 
_ قصدي أنتي فهماه يا ست نوارة.

تراجعت خطوتين للوراء، تفوهت بخفوت:  
_ أنت كنت سامعنا أني وأمي؟.

رفع جانب فمه ذو الشارب الكث بزواية:  
_ أيوه، ولو ما دخلتيش چوه لأروح دلوق لرافع بيه وأجوله علي كل حاچة.

أزدردت ريقها ودب الرعب في قلبها، هربت الدماء من أوردتها والشحوب يختلج وجهها،  تشعر بالجفاف في حلقها،  هيهات ريثما تستعيد قوتها الزائفة حتي لاتصبح لقمة سائغة في فم هذا الصرصور ذو الشوارب. 
_ كيف تتحدت إكده وياي يا راس البهيمة، أنت ما خابرش تتحدت ويا مين!.

أتسع فمه بإبتسامة ثعلب ماكر مما أزادها وجلاً:  
_ لع،  خابر وخابر سر الي في بطنك،  بأمارة الراچل النصاب الي جبضو عليه في البلد علي البر التاني لأچل عيضحك علي النسوان الي رايده تحبل،  يخدرهم ويسوي عملته منها يتكيف ومنها لو حبلت الوليه فيهم يبجي إكده أتعالچت و تچيب له زباين كتير،  و أهو ده الي صار وياكي يا مرات رافع بيه، حبلي من راچل غير چوزك.

_ أكتم يا كلب. 
لطمة قوية هبطت بها علي وجنته المنتفخة، شعرت وكأنها علي حافة بركان تتأجج حممه التي علي وشك الإنفجار. 
_ أسمعني زين يا جلوص الطين،  يوم ما شيطانك يوزك وتروح تبلغ البيه بتاعك بكلمة،  لأكون جايله له إنك كداب وعتداري علي الي سويته فيا،  وهو إنك أتهچمت عليا،  تخيل بجي رافع هيصدج مين!  .

جز علي أسنانه و أدخنة النيران تنبعث من أذنيه كفوهة المراجل،  فأردفت :  
_كتك البلا في خلقتك.

عادت أدراجها،  وما أن فتحت باب المنزل لتدلف أصتدمت في خالتها التي أفزعتها قائلة:  
_ أي الي أني سمعته دلوق يابت خايتي!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

_ تنظر عبرة نافذة السيارة إلي الطريق المؤدي إلي مسكنها،  كم أشتاقت لمنزلها والأكثر إليه،  كيف له أن يصدق بخيانتها له ونعتها بهذا الوصف المُشين، تعترف حقاً إنها مخطأه لما فعلته عندما ذهبت إلي منزل علي، و ودت لو قام بمعاقبتها بأي عقاب آخر إلا الطلاق،  فهذا بمثابة وكأنه يحكم عليها بالإعدام بدون حق الدفاع أو المرافعة، كان قاضيها وجلادها في آن واحد.

_ نزلني هنا لو سمحت.
توقف السائق أمام البناء، فنزلت من السيارة وقبل أن تخطو إلي داخل الفناء أوقفها عم خضر: 
_ حمدلله علي سلامتك يا مدام ندي.

ردت علي عجالة: 
_ الله يسلمك يا عم خضر.

كادت تدلف إلي المصعد ليوقفها مجدداً: 
_ معلش يا مدام ندي، ممكن أعرف حضراتكم هاتبيعو الشقة بالعفش ولا من غير العفش.

وكأن أصابها البرق، فسألته لتتأكد من حدسها للتو: 
_ شقة أي وعفش مين يا راجل يا خرفان أنت؟.

أومأ لها بمعاتبة: 
_ الله يسامحك يا هانم، دي أوامر أكرم بيه الي قالي أدور له علي بيعة لشقتكم و إمبارح جم ناس شافوها وعاجبتهم أوي وسألوني ممكن يشتروها بالعفش ولا لاء، أتصلت علي أكرم بيه ما بيردش عليا.

تستمع إليه غير مصدقة،هل وصل الأمر لبيع منزلهما بدون علمها!.
وبعدما أفاقت من شرودها لم تجب علي خضر بل تركته وأسرعت لتستقل سيارة أجرة التي وقفت ودخلت قائلة: 
_ شارع 14 لو سمحت.

وبعد دقائق كانت أمام منزل عائلة زوجها والتي تقطن فيه حماتها السيدة كوثر وبرفقتها سيدة أخري من أقاربهم تقيم معها للعناية بها.
ضغطت علي زر الجرس، فتحت لها تلك السيدة وأتاها صوت والدة أكرم من الداخل:
_ مين يا فوزية؟.

دلفت ندي وهي تخلع حذائها وسارت إلي الداخل: 
_ أنا يا ماما كوثر.

نهضت وتستند علي عكازها المعدني لتبتسم لها بحفاوة وترحاب: 
_ أهلاً أهلاً يا حبيبتي.
صافحتها بعناق وأردفت: 
_ أخيراً جيتي تزوريني، ولا أكرم كلمك وقالك تعالي عشان ماما زعلانه إنك مبتجيش تزوريها؟.

شعرت بإحراج فقالت: 
_ والله يا ماما كنت مشغوله وشوية ظروف كده ربنا يعديها علي خير. 
ربتت علي ظهرها بحنانها الفياض:  
_ أقعدي خدي نفسك عقبال ما أخلي فوزية تحضرلنا الغدا.

_ مفيش داعي،  أنا لسه متغديه قبل ما أجي.

_ كده عايزة تكسفيني،  ما واحشكيش  أكل حماتك!.
سألتها بمزاح، ردت الأخري بإبتسامة: 
_ لا أبداً والله يا حبيبتي، بس حضرتك عرفاني أكلتي قليلة مابقدرش أكل كتير.

أشرأبت السيدة كوثر بعنقها باحثة بعينيها عن شئ ما بالخارج: 
_ هي لارا مش معاكي ولا أي؟.

أدركت ندي من حديث وأسئلة حماتها إنها لاتعلم بشئ، يبدو أكرم لم يخبرها، تنفست الصعداء وأجابت: 
_ لارا ماما خدتها وراحت بيها النادي عندها تمارين السباحة وأنا بقالي كتير موديتهاش.

أومأت لها كوثر بتفهم: 
_ امم، بما إنك مش هتتغدي تحبي تشربي أي؟.

_ يا حبيبتي ماتتع.....

_ السلام عليكم يا أمي.
قاطعها صوته الذي جعلها أنتفضت بفزع حيث عاد من عمله للتو، كم تريد أن تنهض وترتمي بين زراعيه وتخبره إنها مشتاقة إليه.
نهضت وألتفتت له بحذر تخشي ردة فعله: 
_ أزيك يا أكرم؟.

يحدقها برماديتيه وفي نظراته آلاف الكلمات التي لو تفوه بها لجعلها تود أن يقتلها ولا يسمعها إياها.
_ مالك يابني واقف عندك كده ليه، تعالي شوف مراتك الي مش عايزه تتغدي ولا تشرب حاجة.

رد عليها وعينيه لاتحيد عن تلك التي تتوسله بنظراتها طالبة العفو والسماح: 
_ عن أذنك يا أمي أنا داخل هاغير هدومي.

تعجبت والدته وشعرت بأن هناك خطب ما يخبأه ولدها و زوجته عليها.
وقبل أن يذهب لغرفته أشار لندي بعينيه أن تتبعه وبدون أن تلاحظ والدته هذا.

دخلت وراءه ليباغتها بقبضته العنيفة علي رسغها وأوصد الباب، قال من بين أسنانه وبدون أن يعلو صوته: 
_ أي الي جابك هنا، أمي ماتعرفش حاجة إياكي تكوني أتكلمتي معاها، دي مريضة قلب وماتستحملش ولو جرالها حاجة مش هارحمك.

لم تستطع منع نفسها من البكاء: 
_ مقولتلهاش حاجة.

ترك يدها و زفر بضيق من قسوته المبالغ بها عليها: 
_ أومال أي الي جابك هنا؟،مش رميت عليكي اليمين قدام أهلك!.

أبتلعت غصتها بمرارة العلقم، ثم أجابت بتهدج: 
_ أنا روحتلك علي شقتنا لاقيت عم خضر بيسألني هتبيعو الشقة بالعفش ولا من غيره، أنت هتبيع شقتنا يا أكرم؟.

برغم نظرات الحزن والإنكسار التي تنضج من عينيها ترضي غروره وكبريائه كرجل لكن قلبه ينهره ليكف عن قسوته عليها، مازالت عبراتها تألمه لا يتحمل رؤيتها هكذا، بينما عقله يوبخه علي ضعفه ويُعيد عليه ما أقترفته من وراءه فيرتدي من جديد قناع الجمود.

_ آه هبيعها، مبقتش طايقها ولا طايق العمارة كلها، وأطمني حقوقك محفوظه نفقتك والمؤخر وكل حاجتك هتاخديها وبالنسبه للشقه هاشتري لك شقة في حته تانيه وإحتمال تكون في نفس العمارة الي ساكنين فيها أهلك.

أندفعت نحوه وتشبثت في زراعه: 
_ بس أنا مش عايزة حاجة غيرك أنت، أنا مبقتش أعرف أنام ولا أكل ولا أشرب وأنت بعيد عني.

تمعن النظر في وجهها ليري صدق كلامها فالإرهاق والتعب يكسو ملامحها وبعض الهالات السوداء بدأت تنبلج أسفل عينيها المليئة بالإحمرار أثر البكاء وقلة النوم.
ولي إليها ظهره وبتعنت قال لها:
_ أنتي الي عملتي في نفسك كده، فمتجيش تلوميني.
ألتفت لتقف أمامه لمواجهته: 
_ أنا مخنتكش، بعترف أن غلطت وكنت غبية لما داريت عليك الرسالة وماتعظتش من آخر مشكلة، لو عايز تعاقبني أعمل فيا الي أنت عايزه خاصمني أضربني لكن طلاق لاء.

أغمض عينيه لايريد النظر إليها حتي لايضعف أمامها، يجب عليه أن يعلمها أن ما فعلته ليس بهين، فتح رماديتيه وقبض علي ساعديها: 
_ كان فين عقلك وأنتي داخله له شقته!، عارفه يعني أي واحدة داخله لواحد شقته ومش أي واحد، ده الي بيحبها وعايزها تطلق من جوزها عشان يتجوزها هو!.

ردت بتوسل وتأكيد علي توبيخه لها: 
_ عندك حق في كل كلمة، عشان كده جيت لك تسامحني، أنا آسفة وأوعدك هاعمل كل الي هتقولي عليه، وموافقة تبيع الشقه وناخد في أي حته تانيه، المهم نكون مع بعض.

صراع ناشب في داخله بين قلبه وعقله، لم يقو علي تحمله ليفرغ تلك الطاقة الكامنة ويصب غضبه العارم عليها، هدر بها ويدفعها علي الكرسي أمامه: 
_ أنتي وصلتني لمرحلة مبقاش عندي ثقة في حد، كنتي في حضني وجوايا نار لما كدبتي عليا وأنكرتي أنك مش مخبيه حاجة، كل مرة تثبيت لي إني مغفل بيتضحك عليه بكلمتين، لاء يا ندي، لازم أقهر قلبك وأحرقه زي ما قهرتيني وجرحتيني، هقولك علي حاجة أنا طلقت شفوي و هاردك دلوقت.

كادت بسمة فرح تظهر علي شفاها وسرعان ما تلاشت حينما أردف: 
_ وهانرجع نعيش مع بعض بس علي شرط.

قالت بإندفاع كعادتها: 
_ وأنا موافقة علي أي شرط المهم تسامحني ونرجع لبعض.

إبتسم بسخرية من ساذجتها: 
_ مش لما تعرفي أي هو الشرط الأول.

رمقته بتوجس وتردد فقالت: 
_ أي هو؟.

دنا منها ليخبرها بحزم وجدية : 
_ هاتجوز عليكي!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تمكث في غرفتها وتوصدها من الداخل بعدما علمت بقدوم رافع ليأخذها إلي الصائغ وشراء مصوغات لها ثم يذهبا إلي المشفي من أجل تحاليل وفحوصات ماقبل الزواج. 
طرقات علي الباب فصاحت بالطارق:  
_ جولت مافتحاش.

فقالت قمر بصوتها الناعم:  
_ أني قمر يا فاطمة،  ممكن نجعدو مع بعض هبابة.

نهضت وفتحت إليها الباب علي مهل:  
_ أتفضلي.

دلفت قمر ومن بعدها أغلقت فاطمة الباب من الداخل،  فقالت لها الأخري:  
_ إكده يا فاطمة،  جافلة عليكي الباب وما ريداش تتحدتي ولا تشوفي حد حتي أني!.

شعرت بخجل فقامت بتبرير مافعلت:  
_ حجك علي يا قمر، أديكي زي ماسمعتي بودانك من هبابة،  المخفي أتصل علي أبوي لأچل نروحو نشترو الشبكة وبعدها نروح المستشفي لأچل الفحوصات والتحاليل.

نظرت لها مبتسمة مما أثار حنقها فسألتها:  
_ عتضحكي علي أي شيفاني بجول نكت إياك!  .

_ أصل الي يشوف أفعالك ورفضك للچواز منه مايشوفش الي چوه عنيكي.

كانت كلماتها في مقتل،  كالمرآه العاكسه لمن ينظر إليها،  أشاحت وجهها بعد أن أصابها التوتر:  _ و چوه عينيا هيكون أي عاد؟.

ضيقت فيروزتيها بمكر فأجابت: 
_ والله أنتي أدري بحالك يا بطته.

ألتفتت إليها فاطمة تزجرها: 
_ لو معوزاش تخسريني ماتجوليش الإسم ده تاني.

ضحكت رغماً عنها: 
_ حاضر، شوفتي بجي نستيني كنت عوزاكي في أي.

كانت علي وشك أن تخبرها شيئاً ما فقاطعتها طرقات عنيفة علي الباب وتبعها صوت جليلة: 
_ أفتحي بدل وأيمانات المسلمين لأكون مدشملة الباب علي راسك.

فتدخل واصف قائلاً: 
_ وطي حسك يا چليلة وعيب الي عاتسويه، بكفاينا فضايح عاد.

_ أكتم أنت يا أبو زكريا وخليك في حالك.

فقال رافع الذي جاء منذ قليل: 
_ أصبري يا عمتي هي هتطلع لوحدها، أني خابر دماغها زين.

وبالداخل، كانت تجول الغرفة ذهاباً وإياباً، فقالت قمر: 
_ أخرچي لهم وخلاص، ماعدش فايدة من جفلتك علي حالك.

خرجت فاطمة أخيراً بعدما أرتدت وشاحها وعندما رفعت وجهها تلاقت لؤلؤتيها بسوادويتيه الحادتين، تشعر برجيف فؤادها.
_ أنتي لسه ما لبستيش يا أخرة صبري!.
صاحت بها والدتها

_ ما أني لابسة خلچاتي أهه رايدين مني أي تاني!.

رمقها من أخمص قدميها إلي رأسها فكبت ضحكته علي مظهرها، ضربت جليلة بكفها علي صدرها: 
_ نعم يا روح خالتك، لابسه لي عبايه سوده وحچاب أسود، رايحة تعزي إياك!.

صرخت بإصرار وعند: 
_ و الله ده الي عندي ولا معاچبكيش أرچع أوضتي ومحدش ليه دعوة بيا واصل.

_ بتعلي حسك علي يا بت ال...

كادت تهوي بكفها علي وجنتها لكنه وقف حائل بينهما ممسكاً بيد عمته وأنزلها: 
_ خلاص يا عمتي، فاطمة مهما لبست خلچات سواء ملونة أو سوده فهي في أي حاچة كيف القمر.

قالها وألتفت ليحدجها بهيام لكنها بادلته بنظرة إزدراء قائلة: 
_ مالكش صالح أكون قمر ولا كيف القرد، خليك في حالك.

وبالنهاية خرج الجميع  فكلا من رافع وعمته جليلة والشيخ واصف وفاطمة معه في سيارته ،بينما بكر وقمر وعمر الصغير في سيارة زكريا الذي أستأجرها، وقبل أن ينطلق كان ينظر إليها عبر المرآه فلاحظت هي تحديقه بها، أشاحت وجهها تنظر إلي الخارج عبر النافذة.
أنطلقت السيارتان حتي وصل الجميع أمام متجر المصوغات، ترجل رافع من السيارة ليفتح الباب لها ومد إليها يده: 
_ أنزلي يلا يا عروسة.
ترجلت وهي تدفعه في كتفه ثم ألتفت إليه تحذره بسبابتها في وجهه: 
_ يكون في علمك چوازي منك علي ورج أكتر من إكده ماتحلمش.

إبتسم وقال بتريث وهدوء عكس صفاته: 
_ الي رايداه هو الي هيكون يا بطتي.

أستشاطت غيظاً من هدوءه الإستفزازي فكانت ستوبخه لكن ما حدث جعلها شهقت بفزع بل جميعهم حيث أنتفض جسده أمامها بعدما أستقر به رصاصة أنطلقت للتو!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات