رواية عطر الخيانة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم داليا الكومي


ويدبرها الله ..

المجهول دائمًا مخيفًا لأنه يفتح المجال لكل الاحتمالات ..

لكن الخوف على الاخرين  والرغبة في حمايتهم من هذا المجهول لا يعني أبدًا الانتحار.. ربما هو يرفض تحميل أحدهم عواقب قرارته لكنه أيضًا ليس غبيًا أو متهورًا ليلقي بنفسه إلى التهلكة..

كل قرار اتخذه كان بعد دراسة وتفكير ووزن لكل الامور حتى قرار زواجه الكارثي,, لكن على الرغم من كل الدراسة والتأني والذكاء هناك رجالًا كتب عليهم الشقاء من أجل الاخرين .. هذا هو قدره ومن يستطيع الهرب من قدره ..

وكانت لحظاته المسروقة من عمر الزمن مع زبيدة قبيل رحيله هي التي  تحييه وتعطيه الطاقة ليواصل ما بدأه .. ورؤيتها في خطر زلزلت كيانه وأصبح ممزقًا بينها وبين تحقيق هدفه وكان حقًا سيتخلى عن كل شيء لأجلها لولا الحاح معتصم عليه الذى كان وكأنه التقط الشعلة منه ..

وقالت " لن اموت لأجلك مجددًا " هل نجح في مسعاه وجعلها تحبه أقل لتتقبل غيابه ؟؟!!

وعلى الرغم من الألم الحارق لمجرد الفكرة لكن كانت تلك النتيجة التي يرجوها لأجلها ..

وذكرى شفتيها على شفتيه تلهمه .. وامتنع عن الطعام والشراب ليكون طعم فمها هو اخر طعم يتذكره ..

لو كان فقط يستطيع لكان ردها لعصمته لتكون زوجته لأخر عمره حتى دونًا عن ارادتها لكنه حقًا لا يستطيع فعل ذلك بها .. مع أنه يعلم أنها مازالت تحبه نفس الحب لكن أحيانًا الحب وحده لا يكفي للمواصلة ..

امنحيني اربعة وعشرون ساعة فقط يا زبيدة ولو بعدها كنت ما زلت اتنفس فسأقضي عمري كله في محاولة استعادتكِ ..

مقتل مطاوع لم يكن صدفة بل كان بناءً على ترتيب وتخطيط والفاعل مازال طليقًا .. صحيح فادي اخبره أن الرصاصة اطلقت من منزل ماهر بعد تحديد وجهتها من القسم الجنائي لكن هذا لا يدينه ويستطيع تلبيسها لأي رجل من رجاله أو اعتبارها طلقة طائشة ..

وهذا لا يشفي غليله ..

وبدأ عقله في التفكير .. وترك هاتفه في منزله بعدما قطع الكهرباء متعمدًا وارسل رسالة لزبيدة يودعها فيها ومع اتفاق مع حد رجاله على اعادة الكهرباء في ساعة معينة فسيعود الاتصال بالإنترنت وستصلها الرسالة ,, وكان حتميًا ترك هاتفه فربما يكون مراقبًا أو متتبعًا بأي طريقة واشتري خط وهاتف أخرين ليتمكن من الاتصال وتسيير أموره ..

وكان الطف جزء من خطته .. الكل يتوقع عودة غالب في سيارته الهامر المميزة لكن ركب من القاهرة اتوبيس نقل عام يصله للموقف في المنيا ومن المنيا ركب في سيارة ربع نقل في صندوقها مع المسافرين الاخرين وهو يرتدي جلباب ويخفي وجهه بلثام ..

عذرًا معتصم لأنى اخلفت وعدى لك لأول مرة في حياتي لكن لا أحد سيدفع ثمن قرارتي .. ربما فكرة مجلس العشر فكرة سديدة لكن لتتحقق عليه الوصول حيًا للبلدة وفي نفس الوقت لم يكن ليسمح بتعريض حياة بريئة للموت بسببه ..

المدافع الأليه لن تفرق في الأجساد وستحصد الجميع من علو وهذا امر لم يكن يسمح بحدوثه مطلقًا على الرغم من استعداد معتصم التام للحرب ..

لن ييأس ماهر أو يهدأ حتى يصل هو إما سالمًا أو قتيلًا ويتعشم أن يصل سالمًا ..

ووضع صورة زبيدة نصب عينيه حتى اقترب من النجع فنطق الشهادتين وتشجع .. كان يتعمد عدم مراقبة الوجوه طوال رحلته كى لا يلفت إليه الانتباه لكنه كان يتأكد من صوب قراره من مراقبتهم في الخفاء  .. أنها مجرد وجوه لأناس من حوله .. وجوه  لفحتها الشمس من شدة الحرارة وظهرت عليها معالم التعب من شدة الارهاق والجري وراء لقمة العيش وفي النهاية نظير غلطة غير مقصودة قد يحاكمون ويقتلون ويدفنون وكأنهم حيوانات نافقة لا بشر ..

في قديم الزمان جدهم الأكبر كان هو أول من اسس للظلم وربما معتصم قاومه بتعقل لكنه تنحى حينما اكتشف أن روح العدل أهم من تطبيق العدل لمجرد أنه العدل وأن الظواهر ليست هي الحقيقة دائمًا وأن الدخان قد يتصاعد بدون نار ..

واخر جزء في خطته .. كان عليه استفزاز هدى لتظهر كل ما لديها ..

لأيام كان يتجاهل اتصالاتها ولا يجيب ليستفزها ثم في نفس توقيت الرسالة التي وصلت لزبيدة وصلت لهدى أخرى تقول .. " ستعود زبيدة معي لمنزلها كزوجة أساسية للشيخ أما أنتِ فاعلمي مكانتكِ منعًا للخلاف والجدال .. أنتِ ستظلين الزوجة الثانية وحقوقكِ محفوظة "...

وانتظر ليرى النتائج .. لم يحدد وقت لعودتها معه وبالتالي وقت لعودته لكنه حدد حدث هام واختبار  .. عشر دقائق وسيصل لقلب النجع وستكون هدى استلمت رسالته وتصرفت بالصورة التي ينتظرها أن تتصرف بها وتمرر الخبر لماهر ..

لا أحد كان يعلم بسفره المفاجئ للقاهرة سوى هي واقسم بالله يا هدى لو كنت مسؤولة بأي شكل عن موت مطاوع فستعرفين غالب على حقيقته ..

                                         **

صرخت بقهر وهى تلقي بهاتفها على الفراش .. 
- الخنزير الغبي  ..
لقد تورطت في زواج لعين ..لا امتيازات علي الاطلاق سوى الطعام والشراب ..
أصبحت مسجونة في مضيفة من غرفتين وصالة لا أموال ولا هدايا  ولا خروج ولا فسح وسفر..
ثيابها الجميلة اعتلاها التراب من عدم الاستعمال  ..
وتأملتهم بحسرة  ..
لقد منعها غالب من الخروج حتى  عودته والا ستكون طالقًا ولو حدث واضطرت للخروج فعليها اصطحاب ذلك الضخم الواقف على الباب معها   ..
لم تأخذ من الزواج من غالب سوى الحسرة والندامة  ..وهي كانت تعتقده سهل الانقياد وستحكم هي ..
وعادت للصراخ بقهر ..
لقد فازت زبيدة عليها وستأخذ كل شيء  ..
لا ليس كل شيء والتقطت الهاتف واتصلت بماهر ..
ستضع حدًا لكل ما يحدث وإن فلت من الموت مرة فلن يفلت مجددًا ..

                                         **

واغلق ماهر الخط ثم صرخ بغضب هادر ..

- الحقير سيعيد زوجته للنجع معه .. نبه على الرجال احكام التصويب عليه لا اريد اصابة زبيدة..

وعلى الرغم من غضبه حاول يونس التظاهر بالهدوء ..

- وكيف علمت سيدي ..؟؟ ربما تكون خدعة للتمويه ..

وابتسم بانتصار ..

- معلوماتي مؤكدة من داخل فراش غالب نفسه ..

تصريحه المتبجح الفخور بالزنا لا يقبل الشك ..

إذًا هدى تخون غالب وتمرر الأخبار لماهر .. هكذا علم عن سفر غالب للقاهرة وهكذا قُتل مطاوع ..

كان يحتاج للأخذ بالثأر لكنه لو فعل ستصبح كل الأحلام في خبر كان ..

وكل الحديث عن التغيير سيكون مزيفًا ,, طالما لا يستطيع الانسان البدء بنفسه اذًا لا أمل ..

الصبر جميل وعشمه في غالب يزداد وايمانه بالقضية يترسخ ويتعمق مما منحه الهدوء الظاهري الذي يتمناه ..

غالب لن يتخلى عنهم مطلقًا وسيعود للمجلس غدًا ليلغيه كما وعد واتصال مفاجئ من سيد مرافق غالب في القاهرة جعله يصدم .. 

أه ألم اخبرك يا سيد ألا تتصل بي مطلقًا ..؟؟ أنت تغامر بكشفي ..

ووجهه الذي احمر جعل ماهر يقول ..

- اتصال من سيدة ..!! الهذا تبدو مرتبكًا ..؟؟

وصمته جعله يقول ..

- هل هي متزوجة لذلك تخشبت ..؟؟

وربت على كتفه ..

- تكلم بحريتك يا رجل أنا يهمني سعادة رجالي من جميع النواحي ..

وتنفس يونس الصعداء وهو يتنحى جانبًا ويجيب ..

- ألم اخبركِ ألا تتصلي بي مطلقًا ..

واجابة سيد صدمته ..

- السيد غالب اختفى من القاهرة وارسل رسالة لزوجته منذ عشر دقائق يخبرها فيها أنه على اعتاب النجع سأخبرك لاحقًا كيف علمت لكن المهم الآن أن تتصرف هو غالبًا في النجع الآن أو على وشك الوصول  ..

ومن بعيد راقبه ماهر وهو يتحدث في هاتفه بتوتر ملحوظ  وامر رجله بمكر ..

- هناك امر لا يريحني بخصوصه .. ضع عينيك عليه ولا تدعه يغيب عن نظرك .. سنرى ماذا تخفي يا يونس ..؟؟

                                          **

وتخشب وحبس انفاسه وانتظر رحيل رجال زكي .. لم يكن يتوقع أنه سيخرج حيًا من ذلك الوكر..

كم كان غبيًا ليعمى بأموال غسان وينخدع كالغر الساذج وينفذ ما ارده تمامًا..

سترى يا غسان الكلب ..

وابتسم بتشفي  وهو يتخلص من قيود يديه ويحاول شق طريق للخروج من خارج مكب النفايات الذي القوه فيه رجال زكى ويستعد لإيصال الرسالة لغسان بتشفي حتى سمع انين وتأوهات تصدر من جواره ..

وازاح القمامة ليجد جسد انثي عاريًا وغارقًا في الدماء ومشوهً بطريقة بشعة فابتعد برعب وهو يصرخ من الصدمة ..

وعلى صرخاته تجمع العديد من الأشخاص والتقطوهما خارجًا وهما يرددون لا حول ولا قوة إلا بالله,, لا حول ولا قوة إلا بالله ..

 ولمح  نصف وجهها السليم اثناء اخراجها وعلم من هي ..

ودفع منقذيه بعنف وركض ليهرب بجلده ..

                                       **

- غسان جدت أمور,, غالب رحل بمفرده وأنا سأرحل فورًا .. لن تخذلني اليس كذلك ..؟؟

- لا معتصم لن افعل .. لكن اليس خطيرًا أن ترحل بمفردك ..؟

- لا تخشي علي أنا سأرحل مع حراستي وحراسة زوجتي ومن الأساس لم اكن أنا المعنى بالأمر..

- لكنك رأس الافعى معتصم صدقني,, بدونك غالب لن يفعل شيئًا ..

- أنت تبخسه حقه .. كلًا منا له طريقته .. لكل شيخ طريقته كما يقولون .. عدني غسان لم يعد أمامي وقت ..

- اعدك معتصم سأكون هناك  في الموعد ..

- إلى اللقاء غسان أنا اثق في حكمتك الآن لديك وسيلة للتكفير عن كل ذنوبك .. خير الناس أنفعهم للناس تذكر ذلك ..

ربما يحتاج فقط أن يكفرعن ذنوبه تجاه آريام ..

منذ ذلك اليوم والعلاقة بينهما شبه معدومة .. كان يريدها في فراشه لتعلم أنها زوجته وتتأكد من مكانتها كزوجة لا خادمة وحينما انتهى كان يعتقد أن الكراهية ستختفي وضمها رغمًا عن كل مقاومتها ومحاولتها للفرار وهو يقول ..

- الخادمة لا تكون في فراشي آريام ..

وفاجأته وقالت بكراهية ..

- لكن الجارية تفعل .. عدد غسان خادمة, جارية ,عاهرة  كلهم صفاتي الحالية وأنت من حولتني لهم ..

وثبت عينيها لتواجه عينيه ..

- لا تنكري آريام .. للحظات اختفت الكراهية .. للحظات شعرت بعذوبتكِ ووصلت لقاعكِ بدون دروعكِ الشائكة التي ترتديها دائمًا .. للحظات اختفى حتى خوفكِ مني واندمجنا لنصير شيئًا واحدًا ..

- لا توهم نفسك غسان بما لم يحدث .. لكن ماذا تتوقع من مغتصب .. ؟؟ أنت لا تهتم سوى لشهواتك ورغباتك ولا تتوقف حتى للتفكير فيما اريده وفي كل مرة تلمسني فيها سيكون اسمه اغتصاب ..

 - هل هذا رأيكِ في حقًا آريام ..؟؟

- لا مخطىء هذا فقط جزء صغيرمما اعتقده فيك ..

وقفز من الفراش ليداري رغبته في الصراخ .. لا امل مطلقًا في اصلاح الأمور بينهما ..

هي تفكيرها كله سوداوي مفعمًا بالكراهية  وهو اقترب من الاعتراف الأخير .. هذه المشاعر المربكة الجامحة التى يشعر بها لا تفسير له سوى أنه اصبح عاشقًا للنخاع ولو فقط يتجرأ ويقول " آريام أنا احبكِ " ..

لكن اعترافه الأخير ذاك سيكون النصل الذي ستغرزه في قلبه قبل أن تشرب نخب انتصارها ..

                                         **

وضمتها بحنان غامر ..

- دعينى اتأمل بطنكِ حبيبتي ..

لم تكبر بعد يا أمي ..

وضمتها مجددًا ..

- أمي .. يسلم فمكِ حبيبتي .. طالما تمنيت أن تكون لي ابنة جميلة مثلكِ ..

وشددت هبة من ضمها .. الصبر جميل حقًا ..

صبرها كان له ثمن .. كان ثمنه عائلة ..

- كيف حال ولدي معكِ ..؟؟

وابتسمت هبة بإحراج ..

- يبدو عليكما حبيبتي .. لكنى احب سماعها منكِ ..

- يكفي أن اخبركِ أنى سعيدة بسبب نصائحكِ .. شكرًا لكِ أمي ..

كانت اخبرتها حرفيًا .." شعليليه " ..

- اتمنى من الله أن يسعدكما للأبد وأن اعيش لأري حفيدي الصغير .. شكرًا لكِ أنتِ يا هبة على منحي حفيدًا لولاكِ حبيبتي ما كان أدهم تزوج من الأساس ..

- اطال الله في عمركِ وبارك فيه .. ستزوجين حفيدكِ عن شاء الله وتفرحين به ..

وابتسمت نجية بفخر ..

- هل علمتما أنه صبي ..؟؟

- لا مازال باكرًا لكنى اشعر بذلك .. أنا اريد أطفال عدة صبيان وبنات,, اريد عزوة تجعلني اعوض وحدتي لكني ارغب بصبي اولًا .. لطالما تمنيت أن يكون لي شقيق أكبر مني .. كنت اشعر بالضياع حتى دخل أدهم حياتي ولونها بكل الوان الطيف ..

وفجأة شعرت بادهم يجذبها ويعتذر لوالدته ..

- أمي اريد هبة بضعة دقائق ..

كان يبدو متوترًا للغاية وشعرت بالرعب .. لأول مرة تراه هكذا ..

- أدهم ما بك ..؟؟

وشدد ضغطه علي كفيها ..

- هبة أنا سأغادر غدًا صباحًا للمنيا وسأعود في اقرب وقت لن اغيب وأنتِ ستبقين هنا وعديني لا تحاولي الخروج خارج المنزل حتى اعود .. لا تجعليني اموت رعبًا هبة,, أنا التزمت بوعد ولا استطيع خرقه فريحيني وعديني بعدم الحركة ..

واصفر وجهها من الرعب وباتت على وشك فقدان الوعى ..

- أدهم ارجوك اخبرني ما يحدث .. أنا لن اسمح لك بالسفر بدوني ..

- هبة الأمر جدًا جدي .. هل تتذكرين عبده البلطجي ..؟؟ لقد خرج من السجن لا اعلم كيف فهو كان محكومًا بالمؤبد ويهدد بإيذائكِ إذا لم ادفع له الأموال ..

وضمها بقوة ..

- هبة أموال العالم مجتمعة لا تعنيني لكنى اخش أن يؤذيكِ علي ىالرغم من الدفع لذلك ارجوكِ لا تخرجي حتى اعود من المنيا وأتولى هذا الأمر ..

وهزت رأسها بعناد ..

- لا أدهم لن تسافر بدوني .. سأرافقك ..

- هبة ارجوكِ ..

- مستحيل أدهم إما أن ارافقك وإلا لن تسافر ..

وأمام الحاحها اتصل بمعتصم .. لا يستطيع مطلقًا رفض أي امر لها ..

للأسف لا يستطيع ..

وقال بلهفة ..

 - معتصم أنا في ورطة .. هناك من يهدد بإيذاء زوجتي لو لم ادفع له الأموال وهي تصر على الحضور معي ولا استطيع رفض طلبها وإلا لن تسمح لي بالسفر  فهل اعتمد عليك بأن المكان سيكون مؤمنًا ..؟؟

والحديث جذب انتباهه بشدة هل من المعقول أن تكون صدفة ..؟؟

هناك من يتتبع زوجات الأثرياء ويهدد بإيذائهن .. لقد اخبره غسان نفس الكلام منذ ما يقرب من دقيقتين ..

ماذا يحدث بالضبط ؟؟

آه لا شيرويت .. لكن من يتجرأ فقط في التفكير بالمساس بها فسيمزقه بيديه العارتين ..

- لا تخشى شيئًا المكان سيكون آمنا إن شاء الله وبعد أن ننتهي من مهمتنا سنجعل هؤلاء الأوغاد يندمون على اليوم الذي ولدوا فيه ثق بي واطمئن ..

                                             **

وتأكيدات مصيلحي وعيسى وجابر تجعله يجن ..

هناك شيء غير مفهوم حدث ..

سيارة غالب لم تمر من المنيا حتى وإلا لكان مصيلحى شاهداها ..

هل من المعقول أنه اتى بدون سيارته ؟؟

وعاد للاتصال بجابر ..

- جابر هل أنت أكيدًا من انك لم ترى سيارة السيد غالب ..؟؟

- بالطبع يا يونس لم يمر سوى سيارة ربع نقل في خلال الساعة الأخيرة ..

- ماذا ..؟؟ عد للنجع فورًا .. السيد غالب في خطر لقد أصبح بالداخل بالفعل.. منذ متى مرت عليك السيارة ؟؟

- من عشر دقائق تقريبًا ..

حينما قال على أعتاب النجع .. اذًا أمامه عشر دقائق أخرى على الأكثر وربما يكون بالداخل بالفعل هو يضع في حسابه كل الاحتمالات  ..

كان يركض ليكسب الوقت ويتصل بكل الرجال لإعطاء اشارة البدء .. مع وقت الغروب المشاعل ستبقي النور .. لن يذهب النور اليوم .. سيضيئون شموسًا صغيرة .. ستكون ثلاثمائة شمس مشرقة ..

سيجدون غالب قبل ماهر الحلم لن يموت أبدًا ..

                                          **

- اقتربنا يا ماهر .. حتى ولو لم يمت ذلك اللعين .. لقد تمكنت من كل كبار العشائر .. غدًا سنخلع غالب من منصبه وستكون أنت الأقرب صدقني ..

- اشعر بالتوتر أبي .. هل تعتمد فقط على هؤلاء العجائز .. ؟؟

- ربما هم حفنة من العجائز لكنهم قوة لا يستهان بها .. لن يتمكن غالب من الصمود ..

- ومعتصم ..

وابتسم بشماتة ..

- معتصم انتهى .. لقد افلح فالح حقًا في تدميره .. لم يتجاوز بعد صدمة وفاة ابنة واصبح النجع وكل ما فيه لا يشغلوا باله .. اطمئن من ناحيته ..

- وعائلة الشامي ..؟؟ اليسوا هم الاحق بالمنصب ..؟؟!!

- اخبرتك العجائز معي وراضي وفادي من نفس عينة غالب ومعتصم وكانت عينة فاسدة متمردة تدعو لدين جديد أما نحن فمن الطينة القديمة ,, صدقني نحن أيضًا سمالوطية حتى ولو درجة ثانية..

- لن ارتاح حتى يسقط غالب جثة هامدة .. إلي متى أبي سنظل سمالوطيه درجة ثانية ..؟؟

ونجح في استفزاز والده .. كان يضغط بكل قوة ..  كان يضغط حيث يعلم أين يكون الضغط لتنفيذ ما يريد ..

 - سنكون درجة أولى بأي ثمن ماهر اعدك بذلك .. اختفي أنت حتى الغد .. لا اريد أن اراك تتجول في العلن  حتى انعقاد المجلس فالاحتياط واجب واترك لي كل شيء .. الهلالية والبهنساوية في جيبي الصغير والباقيين في الطريق اطمئن .. غدًا سنعيد المجلس بشيخ جديد وستكون أنت هو ذلك الشيخ ..

واغمض ماهر عينيه وهو يحلم ب غدًا ..  اأخيرًا حلم السنوات يتحقق ..

                                        **

 -اه يا معتصم يبدو أن فالح لم يقبل عرضي لا اعلم ماذا تفعل تلك الافعى لتأكل عقول الرجال ..؟؟
- ليس كلهم حلوتي لو اقتربت منى ستعلم من أنا ..
- اه صحيح نسيت أنت تتزوج برغبتك لا برغبة أحد اخر  ..
وضرب مقود السيارة بغضب ..

- لا تفوتين فرصة للانتقام صحيح ..؟؟ حتى على الرغم من انى اعلم انكِ سامحتينى لكن كيف تمررين هذه الفرصة ؟؟  لن تكوني شيرويت إذا لم تفعلي .. عامة توتري اليوم يجعلني فظًا فلا تستفزيني .. سيكون أمامنا عمرًا بحاله للعتاب شيرويت لكن لمصلحة البشرية حقًا تجنبي استفزازي اليوم,, أنا احتاجكِ الآن شيرويت " المرأة الحديدية " لتدعمني فنتجاوز هذه المحنة لا شيرويت الضعيفة العادية التي هربت من المواجهة  .. ايلامنا لبعضنا اليوم فكرة غير صائبة على الاطلاق ..

جملتها حقًا لم تكن في محلها أبدًا اليوم والأعصاب مشدودة على اخرها حتى باتت أقرب للتمزق الكامل ولا تحتمل تقليب الماضي حتى ولو علي سبيل المزاح اللئيم الذي يعكر الدم  ..

والقت نظرة للتأكد من نوم ريان وحمزة .. لا يجوز حتى سماعهما لهذا الحوار حتى في نومهما .. اخفقتِ بالفعل شيرويت ..

- حسنًا حسنًا .. معك حق بالطبع سنؤجل العتاب للاحقًا معتصم ..

وبذكاء ادارت دفة الحديث ..

- هل سفر زبيدة آمنا لها ..؟؟ هي لم تتعافى بعد ..

- وهل كانت هناك قوة على وجه الأرض ستثنيها عن السفر ..؟؟ مصير غالب مجهولًا ونحن كان علينا اللحاق به في دقائق بدون ترتيب .. حتى سيارة مستشفى البسطاويسي التي كانت ستحضر في الفجر لم استطع انتظارها لتحضر فورًا  وتقلها كما اتفقنا .. لكن بفضلكِ شيرويت وبفضل الطريق الذي اصلحتيه سيكون الطريق آمنًا بلا مطبات أو عراقيل وهي  تسترخي في المقعد الخلفي للسيارة الأخرى فلا تقلقي عليها,, هي اقوى مما تظهر ..

- ماذا سنفعل معتصم ..؟؟

- حقًا لا اعلم أنا احاول انقاذ ما يمكن انقاذه .. غالب ترك سيارته والاحتمال الأكبر أنه يتنقل متخفيًا وهذا يفيده ويمنحه الوقت حتى نصل ..  يقول الله تعالى .. " أنا عند ظن عبدي بي " وكلي حسن ظن بالله .. سيدبرها الله من حيث لا ندري ..

                                      **

كان لا يعلم الصواب .. هل يخبرها بما علمه للتو أم لا ..؟؟

في حياته لم يكن أبدًا مرتبكًا متخبطًا هكذا .. منذ دخولها لحياته وهو يتصرف برعونة وتخبط ويفشل في التفكير المنطقي السليم الذى اعتاد عليه..

كان يتوقع حقًا أن يؤذي زكي نشوى لكنه شعر بسوء بالغ حينما حدث هذا الجزاء من جنس العمل هذا واقع لكن أحيانًا أعمالنا البشعة لا تظهر بشاعتها إلا حينما نجبر على الدفع بالمثل  ..

وكان من الممكن حقًا أن تكون آريام هي من تواجه ذاك المصير البشع ..

هو اذاها بالفعل لكنه حماها من مصائب عدة كانت قد ورطت نفسها فيها ..

في النهاية هي مجرد طفلة طائشة متهورة وحينما لسعت بالنار تبدل حالها وعلمت انها تريد لنفسها أفضل من ذلك المستنقع الذي كانت تهرول اليه ..

- آريام .. أنا..

ونظرت للجهة الأخرى من الطريق ..

وتوقف عن الكلام .. كانت تصده بكل الطريق وكأنه حينما اجبرها على العلاقة الزوجية مجددًا قطع كل طريق كان يصله بها .. لقد انطفئت روحها حقًا هذه المرة ..

في الأيام السابقة وقبل موقعة الفراش الأخيرة كانت قد استعادت جزء من طاقتها وكانت على الرغم من حزنها تزدهر لكن بما فعله اطفيء روحها بالكامل وفقدها حقًا هذه المرة ..

كان يريد الحديث لكن وجود إياد معهما يمنعه ..

ولم يعد أمامه سوى اخبارها عن نشوى فربما يخترق حاجز الضباب الذي وضعته حولها ..

- آريام  .. نشوى في المستشفى في حالة خطيرة ..

وانتبهت وعادت للنظر اليه بدهشة .. هو لا يطيق سماع اسمها و الآن يخبرها عن مرضها بكل بساطة وكأنها صديقتها ويهتم حقًا لأمرها لأنها هي تهتم فيخبرها عن اخر أخبارها ..

 وعجزت عن الفهم .. وسألته بعدم فهم ..

- وكيف علمت ..؟؟ وماذا بها ..؟

- علمت لأني تسببت فيما حدث لها آريام واجابة سؤالكِ الثاني هي نفسها اجابة سؤالك الأول ..

والتفت لإياد واعطاه سماعات اذن ليكمل مشاهدة فيلمه المفضل ..

وبكلمات مقتضبة اخبرها بكل ما حدث .. واكتشف انها المرة الأولى التي يتحدث فيها معها ويخبرها عما فعله .. حديث فيه متحدث ومستمع ..

كان بحاجة لإخبارها عن الكاميرات وعن اشرف وعن باهى وعن كل شيء..

كان يخبرها بما فعله لأجلها .. كان يحتاج لذلك ليقلل من كراهيتها له .. وكانت تستمع بصمت لكنها شهقت بارتياع حينما اخبرها عن الجزء الخاص بماء النار ..

وانهمرت دموعها غضبًا ورعبًا واشفاقًا وحيرة  ..

غضب من غسان ومن نشوى ومن زكي ورعب من زكي واشفاقًا على نشوى ..

مشاعر لا منطقية تجعلها تذبذب بين القبول والرفض .. بين الثناء والذم ..

هل غسان بطل مغوار أم نذلًا وجبان وعديم الرحمة ..؟؟

وهتف بها غسان بلا رحمة ..

- كنتِ إما أنتِ أو هي ,, لم يكن هناك بديل .. هل كنتِ تفضلين أن تكوني مكانها .. ؟؟ هي جلبت الخراب والدمار وتذوقتهما  آريام .. لو لم افعل ذلك فما كانت ستتوقف عن اذيتكِ وتهديدكِ .. كنتِ ستعيشين في رعب وربما كنت اخفق في حمايتكِ فتتأذين وأنا لا استطيع تحمل هذه المخاطرة وما لا تعرفينه أن الحقير زكي  مازال يهدد بتشويهكِ إن لم ادفع له مليون جنية .. هل ما زلتِ تشفقين عليها ..؟؟

                                         **

ووصلت السيارة أخيرًا لمرساها .. وجهته معلومة ومحددة ..

التنوير ..

محاربة الظلام بالنور مقاومة الجهل والظلم والأمراض ..

توفير حياة كريمة لكل الناس .. لا شروط لا تنازلات فقط حياة كريمة مستحقة للجميع ..

وترجل من السيارة في الموقف المزدحم المكتظ بالبشر .. كان موقف سيارات مجمع لعدة نجوع قريبة لكن كان هذا افضل حل توصل له ليصل النجع أو قريبًا منه بالأصح  بدون أن يكشف عن نفسه ..

سيارات مميزة باللون الأبيض والأزرق تقف بعشوائية وعوادم خانقة تعبئ الجو الصيفي الحار وتجلب الظلام قبل موعد حلوله الرسمي من سماكة دخانها الكثيف ..

كلًا يحمل همومه وحموله واوجاعه ويسير ليعمر الأرض ..

أنت يا هذا شاركني حملك وأنت ما بك لماذا تسير محني الظهر هكذا ..؟؟

لأجلكم اعمل .. نية خالصة لوجه الله بدون أي رياء ..
وبدأ في السير في اتجاه النجع من جهة الطريق الترابي .. هما فقط بضع من الكيلومترات البسيطة تفصلاه عن مدخل النجع وسيكون في المواجهة ..

وعلى جانبي الطريق كانت تقع أرضه التي ورثها من والده ..

كانت مزدهرة بزراعات نضرة والوان مبهجة للعين ..

أرض اولاده من بعده ويريد أن يريح ضميره من أي شبهة حرمانيه فيما يملك برد المظالم حتى ولو لم يكن هو فاعلها وحتى ولو لا يملك دليلًا قاطعًا على كيفية حصول جده على تلك الأراضي لكن عليه التحري جيدًا  وسابقًا كان يملك العقل فقط أما اليوم فهو يملك العقل والعزيمة والاصرار..

حالة النجع تحسنت لن ينكر بأموال شيرويت التي ضختها لخدمته وبمساندة معتصم لها فلم يتبقى له دور سوى هذا الدور الذى وجد نفسه يلعبه ..    " التنوير " ..

 تحرير العقول للاستفادة من الامكانات التي تستطيع شيرويت تقديمها .. هي  تستخدم كل نصيب أكرم حكيم  الهائل في أعمال الخير ولتنجح تمامًا عليه محاربة الفساد ..

وأفكاره تشعبت حتى أنه لم ينتبه للرجلين اللذان ظهرا أمامه من العدم ..

وتمالك نفسه وحاول عدم التركيز معهما كيلا يلفت انتباههما إليه لكن ليس من المألوف أن يقابل ملثمين يتجولان في طريق النجع ويحملان الأسلحة ..

بالتأكيد هما من رجال ماهر ..

واقترب منه الرجلين واحاطاه  بصورة مريبة وشهر كل منهما سلاحه في وجهه ..

ليته حمل سلاحه معه لكنه كان من المستحيل التنقل في وسائل النقل العام مسلحًا حتى ولو بسلاح مرخص ..

والشك عادة يحسب لصالح الشخص لكن في حالته سيقتلونه أولًا ثم يتأكدون من هويته لاحقًا ..

لو حانت النهاية لن يموت جبانًا ملثمًا .. سيكشف عن وجهه وسينظر في عينيهما بتحدي ..

وازاح اللثام بثبات ..

وتوتر الرجلين من ثباته .. وشعرا بالخوف لتنقلب الآية ويخاف المسلح من الاعزل ..

هذا الرجل لا يهاب حتى الموت وارتعشت كفوفهما على أسلحتهما ..

وبأصابع مهزوزة لامست الزناد ونوت على القتل .. ليتك ظللت ملثمًا لتجنبنا تلك الرهبة ..

واتجهت أفكار غالب لزبيدة وللأرض التي يراها من حوله .. لنزهتهما في الماضي هنا وبالتحديد في هذا المكان" في أرضه التى يفخر بها " ويحميها بحياته وبنفس درجة حمايته لزبيدة فهي أيضًا عرضه .. وزبيدة كانت تجلس معه بسعادة في نزهة بسيطة لشي الذرة وشم الهواء ..

وسمعها تهتف بخجل " أنا أيضًا احبك غالب "

أنتِ معي حبيبتي .. هنا في قلبي ..

وسمع الطلقات تدوى بجواره فاغلق عينيه واستحضر الشهادتين  ..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات