رواية ومنك اكتفيت الفصل الثامن والعشرون والاخير 28 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم داليا الكومي


ولكل بداية نهاية نختارها نحن .. فاحسن البدايات لِتحْسُن النهايات ..

أرض العشرة الاف بحيرة ..

مينيسوتا أرض البحيرات ...

 المنزل الذي استأجره دي ماري لأجلهما يقع على منطقة البحيرات مباشرة ويبعد فقط دقائق عن مايو كلينك حيث حجز معتصم لأسبوع كامل طبقوا فيه على جلده تقنية حديثة لإعادة بناء الأوعية الدموية التالفة ومنحوه فترة أربعة اسابيع  للتقييم قبل تحديد مدى عملية ترقيع الجلد ..

أكثر اصاباته كانت في الذراعين والصدر والرقبة لذلك كانت مساحة ظهره الكبيرة مزرعة غنية لأخذ الجلد منها واستخدامه في عملية الترقيع ..

- انظر معتصم لقد عاد شعري طويلًا ووصل لكتفاي ..

وكأن جملتها قلبت عليه المواجع واعطته اشارة البدء,, فأشاح بوجهه بعيدًا وهو يقول بأسى واضح  ..

- لم اندم يومًا في حياتي على شيء بقدر حلاقة شعركِ لكني كنت اغلي من الغيرة وأنا اظنك زوجة لسواي .. شيرويت لسنوات لم اتجرأ على قولها أو التفكير فيها لكن انتهى الأمر .. لو تعلمين كم يلزمني من مجهود لنطقها الآن لكنى لم اعد اصلح لكِ أو بالأحرى لم اكن اصلح لكِ منذ البداية أنت تستحقين شخصًا أفضل مني بكثير .. شيرويت أنتِ طااااالــــــــــــ

صرخت بغضب عارم وهي تقاطعه بصوت يصم الآذان ..

- توقف ,, اياك أن تتجرأ وتنطقها ..

كزت على اسنانها بغيظ كاد يحطمها وهى تكمل ..

- مجددًا معتصم,, مجددًا لم تتعلم من الماضي وتتخذ القرارات دون الرجوع إلي ,, حياتنا تخصني بنفس القدر وأنا لا اوكلك للتصرف في شئوني .. أنا بالغة بالقدر الكافي الذي يمكنني من اتخاذ القرار ,, لو كنت اريد الطلاق كنت سأطلبه  بنفسي ولن احتاجك لتقرر عني أو حتى كنت استمريت في اجراءات الطلاق عبر المحكمة ..  معتصم أنا اكتفيت من غبائك ..

- أنا اقرر الآن نيابة عنكِ لمصلحتكِ شيرويت .. ربما في الماضي كانت قراراتي كلها مدفوعة بالحب لكن كانت الغيرة تسيطر علي وتتحكم في لدرجة تفقدني عقلي ,, كنت اعشقك لدرجة تجعلني مجنونًا حقيقيًا واليوم ارتفعت مرتبة عشقي لكِ شيرويت وتجردت من الأنانية وحب الذات وبات حبي مجردًا من أي غرض حتى لمسك ,, حب لأجل الحب ,, انا لم اعد اصلح لكِ بأي حال ..

وتغرغرت عيناها بالدموع ..

- معتصم,, طوال عمري كنت أعانى من الضعف أمامك حتى ظننت انى ضعيفة بطبيعتي ولم تكن تعلم أن ضعفي كان بسببك أنت ولك فقط وحينما لم تفهم أنت هذا الضعف كان لزامًا علي مواجهتك لأريك قوتي الحقيقية ,, حينما كنت أحاربك كنت أحبك وحينما قبلت انتسابي لرجل آخر قبلت لإيلامك وانتظرت اللحظة التي سوف تعلم فيها لأري الألم في عينيك ليعادل القليل من الألم الذي كنت اعانيه وأنت معها في نفس الغرفة وعلى نفس الفراش واتخيلك تلمسها بنفس الشغف الذي كنت تلمسني به  لكن في الحقيقة ومهما حاولنا ايذاء بعضنا إلا أنا لا استطيع أن افعل في حياتي سوي حبك حتى لو كنت كومة عظام في مقطف كما يقولون ,, حبنا معتصم لا هو بيدي ولا بيدك بل هو قدر,, لسنوات كان وبالًا علينا لكن هل تعلم ..؟؟ انقضت السبع العجاف حقًا وربما يكون هذا هو عام الفرج ..

 أنا لم اذكر شعري الآن لأؤنبك .. مطلقًا .. أنت حلقت شعري من شدة غيرتك وأما أنا فكنت افكر في أشياء تفوق ذلك بكثير حينما كنت اتخيلك مع زوجتك رحمها الله ابسطها جعلك لا تصلح للزواج مرة اخري لا مني ولا من غيري .. أنا اخبرك بذلك الآن  لأنى اكتشفت أن كل الجسد يتجدد معتصم مع الوقت وجلدك سيتجدد ان شاء الله .. تذكر نفسك منذ خمسة أسابيع وانظر لنفسك اليوم وغدًا بعد عملية الترقيع سيتحسن الوضع كثيرًا ..

حمدًا لله لم تصب بالتليفات والعناية الطبية الجيدة  في مصر جعلتك في حالة أفضل مما يتوقعون ثم كلما نظرت لندوبك سأتذكر انك اصبت بهم وأنت تحاول انقاذ طفلي فيمحو هذا كل خطاياك تمامًا كما محيت خطاياي حينما انقذت طفلك من السقوط .. وتذكر لقد جعلتك تحلق شاربك معتصم ولمعلوماتك لقد  ندمت على ذلك .. اطلق شاربك مجددًا يثيرني ملمسه على جلدى ..

لمعت عيناه بالدموع ..

- شيرويت,, أنا اعتبر هذا عقابًا من الله لي وتكفيرًا عن ذنوبي ولا اعترض على حكمته لكن علي العقاب بها وحدي دونك .. في الواقع الحروق لا تؤلم بقدر الم قلبي وحزني على سليم .. آه لو تعلمين عن مقدار النار التي مازالت مشتعلة في قلبي لفقدانه,, قلبي يحترق بالفعل ..

- اعلم معتصم واقدر,, أنا أم وجربت فقدان الضنى ولو لساعات واعلم مقدار الألم الذى تشعر به بل في الواقع أنا أيضًا اشعر به وكأني فقدت طفل من أطفالي .. ومقدمة الحديث عن  شعري كانت تمهيدًا مني ..

أريد ان اخبرك عن أمر ما .. في الماضي لم تسنح لي الفرصة لأخبرك ونتشارك في اللحظات المميزة .. لكن هناك سليم صغير سيشرفنا عما قريب  ..

استند على عصاه الآبنوسية وهو يستدير ليخفي انهمار دموعه ..

- حقًا شيرويت .. هل تحملين طفلًا ..؟؟

- نعم معتصم .. سليم الصغير .. اسمح لي باستخدام اسمه مجددًا ..

وانهار باكيًا .. مهما أن بلغت الجبال طولًا فستظل تبكي كالأطفال حينما تفقد طفل .. فقدان طفل المه لا يحتمل ينخر في القلب ويمزقه لفتات ..    

  - شيرويت أنا لا استحقك ,, بعد كل ما فعلته لا تتخلين عني وتقدمين لي الحب اللامحدود واللا مشروط يكفي أنك أخرجتي ريان من المدرسة وتركت والدتك بمفردها في مصر وقدمتما معي في انتظار المجهول ..

لكن يظل عذري في كل ما فعلته هو حبك الجنوني اللامعقول .. ليتني احببتك اأقل فوقتها لم تكني لتعانين هكذا ..

- هي شروة واحدة معتصم .. كما يقول الانجليز ..

  Take it or leave it " " وأنا قررت اخذها على بعضها بحلوها ومرها وريان طفلك كما هو طفلي وعلى الأسرة كلها مساندة بعضها في السراء والضراء وريان مازال في المرحلة التمهيدية هي ليست الثانوية العامة لتقلق بشأنها,, نستطيع تعويض أي شيء ما دمنا معًا ووالدتي ستتحسن حينما ترانا جميعًا بخير ومستقرين في الوطن .. ستتحسن حينما اعيدها للنجع لتستنشق رائحة والدي في ترابه .. ستتحسن حينما تراك بخير معتصم فأنت تذكرها به ..

كان صوته يخبو ويتلاشى وهو يقول بألم ..

- الفرصة الثانية رفاهية لا تتاح للجميع شيرويت ولا اعتقد اني من أولئك المرفهين .. ارحلي شيرويت وسأظل ادعمك حتى بطاقتي القليلة المتبقية وسأحميكِ قدراستطاعتى .. ارحلي ودعينى احترق في صمت..

وضعه الجديد يفرض عليه الاستسلام ,, بعد سنوات العنفوان والوسامة والجسد الرياضي الذي يحسد عليه أصبح من الضعف ومن التشوه بحيث يعجز عن المشي بطريقة سليمة وتشوهات ذراعيه وكفيه ممتدة بطريقة مخيفة وربما لن يتعافى منها مطلقًا..

سألت عن الحب أهل الهـــــوى
سقاة الدموع ندامى الجــــــوى
فقالو حنانك من شجـــــــــــوه
ومن جده بك او لهــــــــــــــوه
ومن كدر الليل أو صفـــــــــوه
سلى الطير أن شئت عن شدوه
ففى شدوه همسات الهـــــــوى
وبرح الحنين وشرح الجــــوى

أهل الهوى .. أفضل تعبير عن حالتهما ..  العشق يؤلم وكلما زادت درجة العشق كلما زاد الألم لكن..؟؟!!!!!!

البداية الجديدة متاحة لكليهما  لكنها صعبة ,,

لو تخاذلت الآن ستخسر كل شيء معتصم حاليًا صفحة بيضاء تستطيع تشكيلها وملئها بما تريد ..

-  معتصم تشوهاتك غير واضحة للعيان ,, اعنى  أنها توجد  في أماكن أنا فقط استطيع رؤيتها ,, انت ما زلت نفس الوسيم الذي خطف قلبي منذ ان عرفت ماذا يعني الحب  وهناك الكثير من التقنيات ستستخدم لإصلاح التشوهات كما قال الاطباء مثل استخدام الليزر والترقيع وجلد السمك مما يعنى تحسن شكل الجلد الذي لا يفرق معي من الأساس بصورة كبيرة ولكن كلامك هذا يجعلني اتسأل.. " هل لو احترقت أنا كنت ستتركني ...؟ "

هل تحبني لأنى جميلة ..؟؟هل بعدما أكبر في السن وامتلىء بالتجاعيد ستتركني لأجل فتاة أجمل وأصغر..؟؟

- احب غيركِ ؟؟!! اذًا انت لم تستوعبي بعد مقدار حبك  ..  احبك منذ اللحظة الأولى التي ولدتِ فيها وتمنيت استنشاق عبير أنفاسكِ وحينما  سنحت لي الفرصة كنت كالمخمور .. يومها كنت سكرانًا بعبير أنفاسك ورؤيتى للحنة السوداء على أظافرك سلبتني كل عقلي اردتك شيرويت هل تعلمين معنى هذه الجملة ؟؟  اردتك لدرجة أنا نفسي لم افهمها أو استطيع السيطرة عليها ..      

وأي تصرف فعلته يومها كنت غير واعيًا  كنت ممسوسًا بمس من النار‘‘  لكن هذه لا يعفيني من المسؤولية كان واجبًا علي حمايتك حتى من نفسي لكنى أنا من اذيتك كما قال الشاعر تمامًا ..    

" هذه الأزهــــار كيف تسقيهــا وساقيهــــا بهــــــا مخمــور كيف يــا صاح " .. أنا عجزت عن ري زهرتي لأنى كنت مخمورًا فذبلت بسببي بها وتسألين الآن عن أي سبب يجعلني اتوقف عن حبك يومًا ..

 قد تظنيني مختلًا لكني اردت تشويهك عامدًا كي لا ينظر غيري اليكِ ..

حلاقتي لشعرك كنت للحد من جمالك الطاغي ومع ذلك ظللت اراكِ رائعة الجمال حتى بدونه ,, أنا احب روحك ,, رائحة أنفاسك ,, صوتك رائحة جسدك لا رائحة العطور اعني رائحتك,, أنتِ تثيرين في كل المشاعر الممكنة العشق, الغيرة, الغضب شيرويت ما اقوله الآن يستوجب مراجعتي لطبيب نفسي هذا ما اكتشفته حقًا,, فحينما احبك بشكل اعجز عن التعبير عنه ولا تجدين مني سوى القسوة على عكس مشاعري الحقيقية اذا أنا لدى مشكلة خطيرة .. مشكلة سببها الرغبة والعشق .. رغبتي فيكِ شيرويت كانت تؤلم ومازالت تؤلم بنفس القدر وتجعلني غير سوي والسبب صراعى الخاسر بين ما تربيت عليه وبين ما افعله فعليًا حينما اراكِ .. والأسوء كان حينما تذوقت عسلك واختفيت عني لسنوات كنت اجن من الغضب ومن الرغبة لذلك ما فعلته كان النتيجة الحتمية لكبت وغضب السنوات..

- وكأنك تتحدث عني تمامًا .. اخبرتك من قبل أنا خلقت من ضلعك واشبهك فلا داعي للتبرير,, على كلينا أن يتغير لمصلحة أطفالنا أولًا حتى قبل مصلحتنا الشخصية .. لا أريد لأطفالي الثلاثة أن يعيشوا في جو فاسد مشحون واعتقد انه لدينا من الحب ما يكفي فقط نتوقف عن الغباء وسيظهر ..

تهدج صوته حتى اختفى تمامًا وهو يقول ..

- ثلاثة ..؟؟!!! 

- نعم معتصم ثلاثة .. حمزة جزء منك ومن ريان وبالتالي أصبح جزءً مني أنا أيضًا ..

- ماذا فعلت لاستحقك ؟؟

- فقط جعلتني احبك ولم يهتز مقدار حبي رغم كل ما كان .. بسؤالك اذًا انت لا تعلم ماذا تستطيع أن تفعل المرأة العاشقة حينما تعشق حقًا ..

                                       **

- حسام سيعود لاستكمال فترة نقاهته في المزرعة كما نصحته .. علي التوقف عن زيارته لقد تحسن وسمعتي ستسوء أكثر .. لقد كتبت عني وعنه  كل جرائد الفضائح ..

- اذًا لماذا رفضتِ عرض الزواج يا سلمى ..؟؟ كنت تستطعين بكلمة منكِ خرس كل الألسنة ..

- أنا لا زلت في فترة العدة يا سارة ولا استطيع حتى النطق بالموافقة .. كنت لجواره حينما احتاجني ولقد تعافى واستطاعت رئته المقاومة والصمود وأنا احتاج الآن لفترة هدنة .. فترة اراجع فيها تصرفاتى " ما لي وما علي " اراجع الأخطاء التى اقترفتها في الماضى لأتفادها مجددًا ..              

 - علي الأقل امنحيه الأمل ..                                                                   

- أنا احبه سارة لا خلاف في ذلك لكن الحب أحيانًا لا يكفي .. حاليًا أنا لا استطيع أن اكون طرفًا في أي علاقة تتطلب العطاء لقد استنزفت ولم يعد لدى أي شيء لأمنحه له أو لغيره ..  اريد  اعادة بناء دواخلي أولًا .. اريد استعادة الثقة في نفسي وفي جنس البشر .. اريد السلام ..

- ستجدينه سلمى ثقى من ذلك .. من يبحث عن السلام يجده ويتمتع به .. خذى كل وقتك حبيبتي ونحن هنا من أجلكِ ..

- الخطوة الأولى سأستأنف دراستي .. سأعود للكلية وسأحاول انهاء السنة النهائية التي حرمني عامر منها  ..

- خبر رائع .. توكلي على الله وامضي في هذا الأمر .. ليت شيرويت أيضًا تفعل مثلك ..

- لقد أصبحت سيدة أعمال ولديها مئات الملايين ولا اعتقد انها تريد شهادة وحياتها الحالية مليئة بالزخم ..

- فعلًا لكل منكما ظروفها الخاصة ..

- سأغادر الآن وهو نائم ..

كانت تعلم انه مع رحيلها سيغدو وحيدًا لذلك اقنعته بالخروج من المستشفى علي المزرعة فهناك صفية الرائعة التي ستخدمه بعينيها .. وحينما وافق لم يكن يعلم انها لن ترافقه إلى هناك .. عذرًا حسام علي ايجاد نفسي  أولًا ..

                                           **

افتتاح مشروع معتصم السمالوطي لخدمة النجع ..

عشرات السيارات التي كانت تحمل مكبرات صوت جالت النجع معلنة عن افتتاح مشروع البوابات الالكترونية التي ستوزع المياه أوتوماتيكيًا  وبالتساوي على كل الأراضي .. خدمة الكترونية بالكامل ولا دخل للتحكم البشري فيه حتى لا تعود تتحكم فيها الأهواء والمصالح .. وتزامن مع افتتاح المدرسة والمشفى الخيري الذي كان العمل ساريًا فيهم على قدم وساق ويتحدى الزمن ..

كانت فكرتها بالكامل اهداء انجاز البوابات إليه .. ارادت اذيته بشدة وسبحان مغير الأحوال تنقلب اذيته لنقطة لصالحه سيظل النجع يتحدث عنها إلى ما لا نهاية هي والغاء المجلس العرفي الخطوة الصادمة التي قام بها غالب  ..

تطورات عجيبة تثبت أن الدوام لله وحده والسلطة والنفوذ لا يدومان ..

لكن تتبقى القاعدة الثابتة .." صنائع المعروف تقي مصارع السوء " والخير الذي تقدمه يلحقك .. وهو قدم الخير مقدمًـا ..

أما البيت الذي احترق بالكامل فلم يجرؤ احدهم على اعادة بنائه .. من سيستطيع الاقامة فوق أرواح ماتت معذبة وتتألم لذلك خصص غالب جزء منفصل أشبه بملحق في منزله لإقامة معتصم وشيرويت بعدما عادا من الولايات المتحدة لاستكمال نقاهته وسط أرضه ..

- استلم مهامك معتصم .. مقعد الشيخ ينتظرك ..

العصا الآبنوسية  التي كان يستند عليها معتصم هي الوحيدة التي نجت من كل المنزل .. بقت وسط الرماد لامعة وكأنها تتحدى النار ..

ودقق معتصم النظر إليها وهو يقول ..

 - هل تعلم يا غالب من أين تحصلت علي هذه العصى ..؟؟

بالطبع لا .. ولسنوات ظلت تشغل باله ويقتله الفضول ليعلم من أين تحصل عليها .. فهز رأسه في صمت وانتظر ..

كان معتصم يشرد ببصره بعيدًا ويقول ..

- في لحظان جنون المراهقة اقتحمنا مقبرة وفجأة وجدت تلك العصا في يدي ولا استطيع تركها ومن شدة ذعري ركضت وتركت المقبرة وأخفيتها في الصندرة في البيت الكبير ولأيام ظللت أعاني من الكوابيس بسببها ومع الوقت نسيتها حتى وجدتها صدفة بعدما أصبحت الشيخ وطلبت وقتها ترجمة نقوشها المحفورة على مقدمتها فكانت النتيجة  تلك الجملة التي تجعل الأبدان تقشعر ... " أنا سند القوي لخدمة الضعيف " ..

شعر بقشعريرة فعلية  تنتاب جسده ..

- معتصم .. لا تماطل .. استلم مهامك أنا اكتفيت ..

- لا غالب .. أنت الشيخ الحقيقي وتستحق العصا.. قرارك بإلغاء المجلس العرفي كان قرارًا يستحق الاشادة والتقدير ..

ماذا يظل شيخًا للنجع للأبد لا لفترة مؤقتة ..

ويحمل تلك العصا المخيفة ..؟؟

وبكل تصميم وضع كفيه على كفي معتصم اللذين يتعافيان ببطء وهو يقول بحزم ..

- العصا لن يحملها غيرك .. أنا حتى اخشى لمسها ومن اليوم وكما الغيت المجلس العرفي لن يكون هناك شيخًا للنجع .. سنبني البيت الكبير مجددًا لكن فوق الأرض الغربية وسيكون مفتوحًا للجميع وستظل عائلة السمالوطي في خدمة أهالي النجع بدون سيادة وبدون مجلس عرفي  .. ولا تنسى أن راضي الشامي اضافة هائلة للعائلة ودعمه لا محدود .. نستطيع التغيير من الباطن وهدم الأسس البالية التي نشئنا عليها ..

وحضر راضي ليدعم قوله .. الكفوف التي اتحدت اعلنت رفع راية التغيير للأفضل بعون الله

                                          **

التوتر بلغ حدة .. هل يجب عليه اخبارها ..؟ بماذا سيخبر شيماء ..؟؟ ياسين اختفى عن الدنيا لأجل أخرى يغرق معها في العسل ؟؟أم يخبرها بشكوكه في احتمال اصابته بسوء ويجعلها تموت من الخوف عليه .. مهما حاولت الانكار والظهور بمظهر القوية لكن هي مازالت تحبه وأنفاسها مازالت تحمل عطر خيانته..

- خالد ما بك ..؟؟ أنت لست بخير على الاطلاق ..

- بالتأكيد يا سارة اختفاء ياسين يقتلني .. لا اعلم لماذا لا استطيع التصديق أنه اختفى هكذا مع زوجته لقضاء شهر عسل بدون حتى اخبار والدته .. هذا ليس من طبعه على الاطلاق ..

 - هذا كان ياسين القديم أما الجديد فتوقع منه أي شيء ..

- لا سارة لا اعتقد .. هو لا يجرؤ على حرق قلبه والدته بهذه الطريقة .. ربما انفصل عن شيماء لأسباب معينة لكنه لم يكن عاقًا يومًا وعلاقته بزوجته تختلف عن علاقته بوالدته وأشقائه ..

- ألم يقطع علاقته بك وأنت كنت له أكثر من شقيق .. فلماذا العجب الآن ؟؟ يبدو أن سيدته الجديدة غسلت دماغه بالكامل ..الجرائد تتحدث عن تسريبها لخبر سفرهما قبل اختفائهما بساعات للولايات المتحدة لقضاء شهر ولإعطاء الجنسية الامريكية لطفلهما حين يولد .. يبدو أنه سعيدًا بالطفل لدرجة لا نتخيلها ..

- لا استطيع التصديق وقلبي يخبرني أن مكروهًا قد حدث له وهذا نفس شعور والدته ..

- اخفي شعورك هذا عن شيماء .. أنها بالكاد تتماسك .. وبالتأكيد علمت أنه رحل لجهة غير معلومة مع زوجته  ليحبها بعيدًا عن الانظار ..

- لا املك سوى هذا في الوقت الراهن عسى أن يفرجها الله من حيث لا نعلم .. شعور قاسي أن تقرأ ما يكتب في الجرائد وتعلم أن زوجها وحبيب عمرها قد أحب اخرى لدرجة فقدان العقل ..

- خالد هل من الممكن أن تفعلها ..؟؟ هل من الممكن أن استيقظ يومًا لأجدك تحب غيري وبنفس الشغف..؟

ضمها إليه بقوة ..

 - التعويذة السحرية التي القيتها علي سارة ستسحرني للأبد .. الجنية ذات الشعر الطويل التي دقت بابي في الليل انتزعت قلبي من مكانه وتقبض عليه في كفها لن تجعل لسواها مكان في حياتي ..

وبشغف قبل أطراف أصابعها وهو يكمل ..

- وهو يستمتع حيث هو حبيبتي ويرجوكِ لأحكام قبضتك عليه  ..

                                       **

كل الجراح بالوقت تندمل إلا جراح القلب بالحب فقط تشفى ..

- هل تعلمين شيرويت ..؟ قتلتني حقًا معرفتي أن عمي علم بما فعلته في منزله..

احنت رأسها بحزن ..

- والدي رحمة الله كان يعتبرك ابن له معتصم .. وكان مشوشًا ولا يستطيع القرار لأنه كان يحبني بجنون.. في الواقع كان ممزقًا بين رغبته في حبي بطريقته وبين حمايتي بطريقة أجداده وفي النهاية استسلم لطريقة أجداده علي أمل أن ينتصر الحب بيننا وهذا كان يحمل في طياته جزءً كبيرًا من الثقة بك فلا تحزن وفي نفس الوقت جعل أكرم والأموال التي تركها لي معه خطة بديلة استخدمها حين يفشل الحب ..

- لم يفشل الحب حبيبتي  بل افشلنا العند .. وحينما استطعنا قتله ظهر الحب .. لكن في النهاية نحن فقط نجني ما نزرعه..

- اوافقك تمامًا لذلك من اليوم لن ازرع سوى الحب ..

وكلمة الزرع اثارت حفيظته .. على الرغم من أن النتيجة الحالية لحالة جلده ليست مخيفة بالكامل كما يعتقد لكنه يظل مشوهًا بكل المقاييس .. لقد رفضته حينما كان في كامل وسامته وعادت إليه بكل قلبها وهو مشوه فقط حينما شعرت بحبه .. حينما ازال غلاف قسوته ,, خلقت من ضلعه كما قالت وتشاركا في نفس الدم .. وليزداد نزيف قلبه سيالًا عندما حضر حمزة ليسأله بنفس الحزن الدفين في عينيه ..

- هل حقًا لن ارى سليم مجددًا ..؟؟

                                         **

من يستحق بداية جديدة ..؟؟ ومتى نستحقها ..؟ وهل عذاب الحريق وفقدان طفل كافيًا ..؟؟

القلب الذي ذاق مرارة الفقد تبدل ولان وذابت القسوة تحت حرارة الحريق فلم يتبقى سوى الحب ..

- معتصم حبيبي لقد حضر صديقك الطبيب غسان لرؤيتك ..

غسان الهلالي .. الصعيدي الشارد  كما يسمونه .. واحد  من أمهر جراحي التجميل في العالم  وصديق معتصم وراضي منذ الطفولة وكانت تسمع دائمًا  عنه وتتابع انجازاته فكان اسمه مثالًا لنجاح الطبيب المصري الصعيدي في الغرب ..

واستقبلا بعضيهما بالأحضان الحارة  ..

- غسان حمدًا لله علي سلامتك .. أخيرًا تذكرت النجع ..

- الحق يقال معتصم اصابتك هي ما اعادتني للوطن .. حينما سمعت من الأهل عن خبر الحريق انهيت ارتباطاتي في المانيا وحضرت عل الفور لرؤيتك .. كيف حالك يا صديقي العجوز ..؟؟

وبنظرة خبيرة قيم غسان جروح  معتصم الواضحة على كفيه والتي كانت متعافية بصورة جيدة في بعض الأماكن وغير جيدة في أماكن أخرى ليقول على الفور .. 

- التدخل الذي تم لكفيك سابقًا كان جيدًا جدًا واعطى نتيجة مبهرة من  الجراحة الأولى  فقط لكنه مازال يحتاج للكثير من العمل ربما ثلاث عمليات أخرى بعد  لا استطيع التحديد .. سأبقى في القاهرة كل الفترة اللازمة لاصلاح جلدك تمامًا  وسنبدأ العمل على الفور ..

وكانت شيرويت هي من تدخلت ..

- شكرًا لك دكتور غسان .. رتب الأمرعلى الفور ..

-  لا يكفي هذا أنا اكتفيت من المستشفيات ..

- لا معتصم .. صديقك يرى انك مازلت بحاجة  لعمليات تجميل وهذا تخصصه سنكتفي فقط حينما يخبرنا الأطباء انه لم يعد هناك المزيد لنفعله ..

وأمام اصرارها اذعن,, صدقت حينما اخبرته انها ستتولى كل مقاليد الأمور من الآن ..  بعد سنوات من الحرب وصلا أخيرًا لمرحلة السلام وارتاح حينما وجدها من القوة بحيث يعتمد عليها وهو يعلم أنها ستتصرف مثله تمامًا وهذا يعني بداية جديدة .. 

البدايات الجديدة قد تنجح حينما تكون على أساس جديد وقوي .. حينما يكون اساسها الحب مع الرغبة في الاصلاح .. حينما نتعلم من أخطائنا ونجعلها تقويمًا لتصرفاتنا اللاحقة .. حينما نضع حب الذات جانبًا ونحب الآخرين أكثر ..

الحب موجود  ونراه حينما نريد رؤيته .. غسان صاحب أكبر مركز تجميلي في العالم عاد بنفسه ليعرض عليه المساعدة مدفوعًا فقط بالحب والعشرة .. لم ينسى أيام الشباب ولا صداقة مقاعد الدراسة .. الامتنان بداخله يتعاظم .. في الفترة الأخيرة كان يهدي الكل القسوة لكن لسبب يجهله اعاد له الجميع هديته بالحب.. منذ متى لم يسأل عن صديق عمره بانتظام وانشغل في البحث عن شيرويت حتى انقطع عن الجميع ...

-  كيف حال زوجتك وطفلك غسان  ..؟؟

وباشارة مبهمة من رأسه اجاب بلا مبالاة ..

- بخير ..

 - من الجيد حضورك اليوم .. اليوم لدينا عرس ..  ابقى لحضوره .. اليوم زفاف شريك دي ماري واصر على اقامته هنا في النجع ,, سيقومان بالاجراءات  الدينية في كنيسة بني مزار ثم سيحضرون للاحتفال معنا .. زفاف بسيط فقط يجمع  الناس نظرًا لظروف الحداد  التي لدينا لكني ادعوك لحضوره .. اعتقد أنك نسيت النجع وأهله وعلينا تذكيرك بالناس ..

ومع نهاية جملته حضر العروسان  في  سيارة يقودها جاريد .. فستان سيلينا الأبيض البسيط كان ملفتًا للنظر على الرغم من بساطته واحتشامه .. وحتى فستان شيرويت الأسود كان أنيقًا بسيطًا محتشمًا  يليق بالحداد  ويليق بالزفاف في مفارقة عجيبة ..

والوليمة الصعيدية امتدت تكريمًا للضيوف وواصل معتصم ضرب التقاليد في مقتل ومدعومًا بغالب وراضي..

الوليمة في منزل غالب كانت مشتركة .. لم تكن هناك سفرة للرجال وأخرى للنساء بل جلس الأزواج  الأربعة كلا مقابل زوجته يتشاركون نفس الطاولة تحت انظار الخدم المذهولة لكن طالما يطبق ذلك في القاهرة اذًا ما الضيرأن يطبقها هنا .. الحرام يختلف عن التقاليد وطالما لا توجد حرمانية في المشاركة ويفعل ذلك خارج النجع فليفعلها هنا أيضًا .. التمرد على التقاليد فقط تلك التقاليد التي لا تمت للشرع وفقط تحرم أشياء بناء على نظرة المجتمع لا على حرمنيتها أو جوازها .. وفقط غسان كان يجلس بمفرده بدون شريك لكنه كان يبدو مرتاحًا تمامًا ..

وصوت مذهول قطع أفكاره .. كانت سيلينا تهتف بارتياع ..

- ما هذه الرائحة ..؟؟

لقد فعلها معتصم .. للمرة التي لا تعلم عددها  يخرق التقاليد لأجلها ,, لأجل اثبات تغيره  للأفضل .. لأجل أن يريها أنه لم يعد  المتصلب ذو العقل المتحجر بل اصبح  يميل للريح كلما دعت الضرورة لذلك ويتقبل الاختلاف طالما لا يفعل حرامًا .. لتبتسم شيرويت باحراج ..

- ملوحة ..

- ماذا تكون ..؟؟ رائحتها بشعة ..

زبيدة وليال اخفيا ابتسامتهما أمام نظرات الاذبهلال المرتسمة على وجوه الرجال بخلاف معتصم .. كيف تتجرأ شيرويت وتضع الملوحة على طاولة عشاء زفاف وفي وجود أجانب وفي نفس الوقت ضيفي شرف الوليمة ..

لكنها اجابت ببساطة ..

- أنه الوحم اللعين ..!  في ريان قطعت الأكل وكنت اتمنى قطعة منها ,,أنها تجعلني اتمكن من الأكل لذلك أصبح معتصم يضيفها لكل وجبة ..

نظرت إليها سيلينا بشك ..

- هل تعنين أن طعمها يختلف عن رائحتها وستحفز شهيتي للأكل ..؟؟

ونظرات التأكيد  في عيني شيرويت جعلتها تقدم على التجربة .. زارا حكيم بنفسها أو النسخة المصرية الأصلية شيرويت السمالوطي تأكل منها باستمتاع  اذًا فلتجربها ..

وليهتف غسان بمرح ..

- احذري من ارتفاع الضغط مع الحمل وتابعيه باستمرار وهنيئًا لكِ لقد جعلتي البريطانية تأكل ملوحة ..

وليعلق ميجيل بنفس المرح  ..

- والأسباني ايضًا ..

القيود التي نضعها على أنفسنا بأنفسنا تقيدنا وتكبلنا وحينما نرفعها نرى الأمور بصورة أوضح ..

وبعد انتهاء الوليمة صعد العروسان للغرفة التي اعدها غالب لاستقبالهما وفوجأ معتصم بزيارة جماعية من كل أخواله وخالته الوحيدة التي لم تقوى على الكلام وظهر عليها الهم وكبرت عشرات السنوات بعد وفاة ابنتها بتلك الطريقة والفضيحة التي تورطت فيها ..

لكن الزيارة تحمل مغزى وإن كان لم يعلن .. المغزى التبرء من التصرفات الفردية المشينة التي تحمل في طياتها الغدر وفتح صفحة جديدة بدءً من الآن  ..

                                          **

كلموني تاني عنك فكروني فكروني

صحوا نار الشوق فى قلبي وفى عيون

رجعوا لي الماضي بنعيمه وهناوته

وبحلاوته وبعذابه وبشقاوته

وافتكرت فرحت وياك قد ايه

وافتكرت فرحت وياك قد ايه

وافتكرت كمان ياروحى بعدنا ليه

بعدما صدقت اني قدرت انسى

بعد ما قلبي قدر يسلاك ويقسى

جم بهمسه وغيروني كانوا ليه بيفكروني

بعدما تعودت بعدك غضب عني

بعدما نسيت الأماني والتمني

كلمتين اتقالوا اتقالوا شالوا الصبر مني

صحوا فى عنيه حنين لابتسامتك

وابتدا قلبي يدوبني بآهته بآهتة ..

 ليكمل معتصم من خلفها  ..

- وابتدى الليل يبقى أطول من ساعاته .. في غيابك شيرويت الساعة كانت بألف سنة لكن سماعكِ للأغنية الآن هل هو اقرار بالندم على مغفرتكِ ومسامحتكِ لي بعد كل ما فعلته  ..؟؟

- أنا لم انسى ليذكرني أحدهم معتصم .. طوال سنوات غربتي كنت اتساءل ماذا أخرك كل هذا الوقت ..؟؟

- اجدتي الاختفاء حبيبتي .. صدقيني لم اهدء يومًا .. سافرت ماليزيا لأنها كانت الخيط الوحيد الذي وجدته وظللت فيها لأسابيع عسى أجد أثرًا يقودني اليكِ وحينما فشلت  كنت كالمجنون وكنت كلما اجد خيطًا يتبخر اثرك ..

-  ربما لأني كنت اعلم مقدار قوتك كنت اتحداك لتجدني .. كنت اريدك أن تجدن لكن اردتك أن تجدي قوية " ندًا لك "..

 - لن تكوني ندًا لي أبدًا شيرويت .. أنتِ تسيطرين علي بالكامل  وتتحكمين في كما تريدين ومنذ مولدكِ لأصبح عبدًا خاضعًا لعينيكِ  فهل يمكن لأسير أن يكون ندًا في يوم من الأيام لسيده ؟؟!!

                                      **

- سيدتي لقد فعلنا كل ما في وسعنا لأجله ولم يستجيب .. علينا فصل جهاز التنفس الصناعي انتهى الأمر..
شعرت بغصة الدموع تخنقها على الرغم من أنها لا تعرفه لكن على مدار ستون يومًا كاملة اهتمت بأخباره وتابعت حالته ومن الصعب عليها الموافقة على هكذا قرار .. من يعطي شخص الحق بإنهاء حياة بشرية تحت أي مسمى ..؟
-  هل هذا قرار لجنة طبية أم ماذا ؟؟ لو الأمر يتعلق بالدفع إذًا لا تفعلوا ذلك سأظل ادفع للابد ..
هز الطبيب رأسه بتأكيد ..

 -  مطلقًا سيدتي .. هذا قرار طبي مدروس .. المريض لا يبدي أي تحسن وكأنه لا يريد الحياة .. يبدو أنه لا يتشبث بهذه الدنيا أبدًا ..
والدموع التي حبستها عجزت عن السيطرة عليها فتدفقت كشلال .. - محاولة أخرى بعد .. لا يمكن أن ننهى حياة شخص بتلك البساطة ..              

- صدقيني سيدتي لقد حاولنا مرارًا ولم نتخذ هذا القرار إلا بعد تقييم حالته عدة مرات .. المريض لا يستجيب .. هو أشبه بجثة على فراش وفقط نحتفظ بنبض قلبه ..

- ربما أنا لست طبيبة لكني اسمع عن حالات مثل تلك اعني موت جذع المخ أو ما شابه .. هل تلك هي حالته ..؟

 - امم من الصعب اجابتك .. الاصابات التي حصرناها فيه كانت لا تشمل الدماغ,, اعني كان مصابًا بتهتك في الطحال وكسر في عظمتي الفخذ ونزيف داخلي وكسر في معظم الضلوع واحدهم اخترق رئته اليمنى ليخرقها ويجعلها تنهار والمدهش أن لا قلبه ولا دماغه اصيبتا ومع ذلك دخل في غيبوبة وكأنه يعنيها .. لا تفسير طبي لها لذلك لا داعي لبقائه على الأجهزة  فماذا سيجد ؟؟
 - اذًا انتظروا أسبوعًا أخرًا ..
هز رأسه بتأكيد  ..
 - لن يفيد .. صدقيني .. 
اكملت انهيارها لتسأله ..
-  هل يوجد أدنى أمل ؟؟
وهزته الخفيفة لرأسه جعلتها هي تفقد الأمل .. ليرحمنا الله جميعا ..
 - حسنا افعلوا ما تريدون ..
وتدخلت ممرضة شابة في الحوار ..
-  سيدتي لقد كان صنيعك محور حديث المستشفى لأسابيع وسينجيك الله من أي شر نظير فعلتك تلك لكن ألا ترغبين في القاء نظرة عليه ..؟؟

 أنتِ لم تريه مطلقًا .. ربما تريدين التأكد من حالته ليرتاح قلبك الذهبي تمامًا ..
أطرقت برأسها أرضًا وهي ترتعد .. هل فعلًا تستطيع رؤيته ..؟؟!!

 وليكمل الطبيب ..

 - فعلًا الممرضة معها كل الحق ربما لو رأيته سيطمئن قلبك لقرارنا وتتأكدي من عدم وجود ذرة أمل  ..
وأمام الحاحهما وافقت .. ستودع مجهولًا حاولت مساعدته وستقرأ الفاتحة على روحه ..

الحوادث البشعة  تحصد الأرواح وحادثته ضيعت ملامح سيارته ولوحاتها وحتى أغراضهما الشخصية احترقت أو سرقت في المعمعة .. فقط كل المتواجد كان جثة لا مراءة وشبه جثة لرجل ..

لا أوراق ثبوتية أو معلومات أو حتى خيط,, وكان الأمل الوحيد أن يسأل احدهم عن قريب غائب في المستشفى بعد الحادث ..

لكن لا أحد فعلها..

وبخطوات مرتجفة استندت على يد الممرضة التي قادتها بلطف لغرفة المجهول الذي ستحوله بيدها ليحظى بلقب " مرحوم" ..

كانت قد اقتربت بصورة كافية حينما سمعت الممرضة تقول ..

 - والطفل سيدتي ..؟؟ ماذا ستفعلين معه ..؟؟ لقد أصبح قويًا وبصحة جيدة ويمكن اخراجه من الحضانة ولو لم يستلمه احد اقاربه فسيكون عليهم تسليمه لدار أيتام .. لو رأيتِ كم هو جميل هذا الطفل .. سبحان من صوره صديقتي تعمل بقسم الحضانة وعندما اذهب لزيارتها يخطف قلبي كما يفعل بكل الطاقم هناك..

شهقت بارتياع ..

- يضعونه في دار أيتام؟؟

هزت رأسها بأسف ..

- هذا الاجراء المتابع للأسف وكانوا يحتفظون به هنا على أمل تحسن حالة والده ومن ثم استلامه لكن برفع الأجهزة عنه تنقطع صلتنا بالطفل..

أي معضلة غرزت نفسها فيها..؟ في يوم عادي كأي يوم تدمرت أسرة بالكامل  بسبب حادث ,, طفل سيربى في ملجأ وأمهات انفطر قلبهن وهن يبحثن عن أولاهن المفقودين .. رحمتك يا إلهي ..

وهذا البريء سيربى في دار أيتام مع أنه لديه أب وأم توفيا وهما ينتظرونه بفارغ الصبر لكن لم يمهلهما القدر الفرصة لذلك  ..

تدابير الله لا اعتراض عليها لكن حينما تكون قاسية لهذه الدرجة فبالتأكيد ذلك قُدر لحكمة معينة وادركتها الآن  ..

كانتا قد  اقتربتا من فراش المريض حينما هتفت بتصميم  ..

-  أنا سأتبنى الطفل ..

فغرت الممرضة فاها ببلاهة ..

 - سيدتي هذا يفوق التخيل .. لا يمكن أن تكوني بشر من لحم ودم مثلنا أنت ملاكًا من النور يمشي على الأرض ..  

- لا مطلقًا ..أنا مجرد امرأة عادية ولو تعلمين في الواقع  أنا أكثر امرأة بائسة على وجه الأرض .. وارسل الله ذلك الطفل لي ليعوضني القليل..

بالتأكيد الممرضة لا تستوعب كيف أنها بكل أموالها أكثر امرأة بائسة على وجه الأرض لكن المظاهر خادعة ..

على كل حال بعد تكفلها بعلاج المصاب وابنه لأسابيع وبمبالغ خرافية لم يعد هناك شيئًا مستبعدًا على تلك الملاك وتعلم أنها طالما قررت تبنيه فهي لا تتحدث عبثًا وستفعلها حقًا..

- ودعي المريض فسيزيلون عنه الأجهزة حالًا ..

والصدمة التي لا تعادلها صدمة .. صدمة جعلت روحها تنسحب وقلبها يتوقف عن الخفقان وأطرافها تصبح ببرودة القطبين .. الصدمة كانت حينما وجدت المريض الذي سيتوفى حالًا وبموافقتها  ويصبح مجرد ذكرى هو ياسين الرفاعي زوجها السابق ..

                                             **

ومنك اكتفيت لكن القدر له تدابيره وأنت تشاء وأنا أشاء والله يفعل ما يشاء ..

                                                                   تمت بحمد الله

لقراءة ومتابعة روابات جديده وحصريه  اضغط هنا 

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات