رواية عطر الخيانة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم داليا الكومي


ألم في القلب ..

هناك لحظات يجب على الانسان فيها تحمل عواقب فعلته مهما أن كانت مؤلمة أو قاسية أو حتى مهينة ومنها هذه اللحظة ..

 كان يعلم أنها تحاسب الآن .. حتى ولم يؤذيها سامي جسديًا لكنها سيكون عليها مواجهة احتقاره ولن يتركها بمفردها تواجه عواقب فعلته ..

والتجأ لحيلة الكشف .. لا فقط من أجل أن ينقذها منه بل ليجد لنفسه مدخلًا له ..

وصدق حدسه كانت تبكي ..

آه يا سامي حاسبني أنا لا هي ..

- دعني القي نظرة على الجرح ..

وحاول عدم النظر في عينيه .. مازال لا يجرؤ على فعلها حتى وهو يحاول بكل قوته لإزالة الفوضى التي احدثها لكنه مازال أقل منه بكثير ليرقي لتلك المرحلة .. مرحلة الرجولة ..

ستكون عيناه مكسورتان تشعران بالخزي والعار ..

وشعر بسامي يتخشب تحت ضغط كفيه فقال دون أن ينظر إليه ..

- هل تشعر بأي ألم ..؟؟

الألم في قلبي دكتور لا في يدى ..

- ليس في يدى علي أي حال ..

يكفي هذا سامي .. لقد استويت .. لم يعد بجسدي ذرة لم تندم أو تتألم أو تطلب الرحمة ..

- هيا سامي أنت بخير لا يصح أن تفوت سفرة الدكتور.. تعالى شاركنا الطعام..

والده يجبره على الخروج وعلى مشاركته لعدوه الطعام .. لكن العدو حينما يعلن استسلامه ويطلب السماح فماذا سيكون عليه أن يفعل ..؟؟

العيش والملح ..

هل لو تشاركنا يا دكتور العيش والملح ستعود وتخون ..؟؟

وسقطت آخر دفاعاته حينما مد غسان له يده ليتكئ عليها وينهض وهو يقول..

- إلى الطعام سويًا صهري.. ليكون بيننا عيش وملح ..

وأكمل في سره " ولا يخون العيش والملح إلا أولاد الحرام فهل ستكون أحدهم دكتور ..؟؟!! "

                                   **

- معتصم ما بك حبيبي ..؟؟ أنت تتألم ..؟؟

- لا أنا بخير شيرويت ..

- معتصم أنا اشعر بك فلا تحاول خداعي ماذا يؤلمك ..؟؟

- حقًا شيرويت  لا شيء هام سأرجئ الشكوى لبعد المجلس ..

وتمسكت بكفيه بحنان ..

- لا معتصم ستخبرني الآن وحالًا ..

وأمام الحاحها لم يستطع التحمل .. كل شيء له حدود حتى القدرة على التحمل والجلد .. وكأنه كان يريدها أن تضغط عليه ليداري ضعفه في حنانها ..

ألم مبرح مع جرعة حنان مضاعفة من شيرويت جعلاه أضعف ما يكون,, ربما تربت عليه بكفها الجميل  فيذهب الألم ..

- رقبتي تؤلمني للغاية شيرويت محل الجرح هي وكتفي منذ اللحظة التي كسرت فيها الباب على زبيدة .. اعتقد هناك تمزقات في محل الجرح ..

- آه معتصم كل هذه الأيام ولا تخبرني وتتحمل ..

ولامت نفسها كيف لم تنتبه .. كانت ترى الجروح شديدة الاحمرار لكنها لم تتوقف للتفكير .. وارجعت ابتعاده عنها لمدة تزيد عن أسبوع على غير عادته إلى قلقه على زبيدة والمشاكل التى لا تنتهي,, والبداية كانت بالمشاجرة المتوقعة يوم أن اخبرته عن زيارتها لفالح فثارت ثورته لكنها وقفت أمامه ولم تهتز مما جعله يهدأ علي الفور ويترك المنزل لبعض الوقت وحينما عاد لم يحدثها عن الموضوع مرة أخرى وتصرف بصورة طبيعية  وتوقعت أن يصالحها بعلاقة ملتهبة ليراضيها لكنه من يومها ولأسبوع لاحق يحتويها فقط بين ذراعيه وينام على الفور ..

حتى الحمل لم يبعدهما ربما فقط  خفف معتصم من شدة لهيبه كي لا يؤذيهما لكن ابدًا الحمل لم يكن عائقًا ..

كان يجب عليها أن تتوقع فحدة مشاعره لا يكسرها سوى الألم الأكثر منها حدة ..

- عليك الاتصال بغسان فورًا ..

- لا شيرويت لن افعل أي شيء قبل المجلس ..

- لا معتصم لن اسمح لك بإيذاء نفسك ..

- لا يهم الألم استطيع تحمله ..

- ولماذا تتحمل حبيبي ..؟؟

- هل تعتقدين أن المجلس سيصمد بدوني ..؟؟ أنا اعلم اني احتاج لجراحة شيرويت وهذا يعني غياب أسابيع ..

- حسنًا على الاقل اتصل بغسان ليعاينه ويتخذ أي خطوات تقلل الألم واجل العملية للاحقًا ..

- لاحقًا شيرويت لاحقا ..

- معتصم إن لم تتصل به سأتصل أنا ..

- شيرويت غسان يريد أي حجة للهروب من المجلس وسيجبرني على عمل العملية الجمعة بعد الصلاة ..

وابتسمت بإشفاق ..

- لا اطمئن معتصم الرجال من شاكلتكم لم يتعودوا على الهرب من مسؤولياتهم ..

وبادرها بالتفافة حادة وامسكها من كتفيها بحزم ليسألها ..

- هل حقًا تثقين بي شيرويت ..؟؟

- سألتك نفس السؤال من أيام معتصم ولم انتظر اجابتك .. أحقًا لا تعلم الاجابة ..؟؟

- احتاج لسماعها .. شيرويت أنا تركت المجلس بسببكِ لم استطع أن اكون منافقًا,, طوال فترة حكمي حكمت بالعدل بين الناس لكن العدل الذي حكمت به كان يجبرني علي قتلكِ وحينما لم استطع تنحيت كي لا اوصم بالظلم وهذا جعلني ضعيفًا واحتاج لقوتكِ كي اواصل .. احتاج لكِ لتدعميني بكل طاقتكِ .... أنا اخترتكِ شيرويت .. والنتيجة غالب يدفع ثمن ضعفي أنا ,, اخترتكِ دونًا عن كل الناس لكني اشعر بالسوء من أجل غالب ومن أجل مطاوع ..  اشعر بألم في قلبي وغصة كلما تذكرت سليم لكن كلما رأيتكِ بخير وبجواري كلما خفت الألم كثيرًا .. أنتِ مازلتِ لم تخبريني  هل ستدعمينى بخصوص ما قررته في المجلس ..؟؟

يكفيها حقًا ولا تريد المزيد .. اخترتكِ دونًا عن كل الناس وأنا ايضًا اخترتك حبيبي .. نحن خلقنا لنكون سويًا معتصم .. نتخبط ونضعف إذا فصلنا لكننا نكون قوة هائلة حينما نتحد وسنتحد للأبد ..

- أنت تعلم معتصم اني ادعمك دائمًا مخطئًا كنت أو مصيبًا,, واحبك بكل عيوبك وهفواتك واحبك بكل قوتك واخلاصك .. ويومًا ما ستتأكد أن اختيارك لي كان في محله تمامًا  .. والآن ماذا قلت هل ستتصل بغسان أم اتصل أنا به ..؟؟

                                      **

لقد فقدت الجنين .. لقد فقدت الجنين ..

لا يكفي هذا ..

لكل شيء نهاية والنهاية كتبت أخيرًا ..

الألم الذى يحتل قلبها لا علاج له سوى الطلاق ..

ورفعت رأسها بضعف لتقول ..

- طلقني طارق .. طلقني أنا لا اريد أن اراك بعد اليوم ..

- لا فاتن ارجوكِ اعدكِ لن اضربكِ مجددًا وسنعوض الجنين ..

وصرخت بهستيرية ..

- نعوض الجنين ..؟؟ الجنين الذي قتلته كان طفلي .. أنت قتلت طفلي الذي كنت احبه واشعر به .. الآن اصبح بيننا دماء ولو كنا في الصعيد لكنت اخذت بثأري  منك لكن حتى قتلك لن يشفي غليلي.. سأتركك طارق ,, سأترك وانقذ نفسي من مستنقعك لقد اكتفيت حقًا أنا اكرهك  .. اخرج خارج غرفتي اخرج فورًا ..

وعلى صوت صراخها دخلت شهيرة مسرعة ورمقته بنظرات احتقار وقرف ..

- اعتقد انك سمعت السيدة ..

وشاهدت انسحابه وشدت على كفها بدعم .. أستنقذ نفسها وستترك ذلك الواطي الحقير الذى يستنزفها ماديًا ومعنويًا وجسديًا ..

فاتن أخيرًا استطاعت الخروج من دائرة ذلك الجبان لكن بالتأكيد بالكثير من الألم في القلب ..

                                        **

حتى هذه اللحظة لم يطلبها ياسين للانتقال لغرفته مع أنه بات يعلم ..

الحاجز النفسي لا يستطيع كسره ومن هنا نبتت فكرتها بتغير عطرها واستمالته ..

ما المانع في استمالته اذا كانت تسامحه حقًا .. هو لم ينوي خيانتها بإرادته وعاقب نفسه بقسوة حتى هي لم تكن لتعاقبها بها ..

لكن البداية عليه أن يرى نور ليرى النور ..

للآن يرفض رؤية نور وكأنه برؤيته سيخونها مجددًا لكنه لو يعلم ..

ترتيب القدر منحها طفلًا وبدون خيانة فعلية فلذلك ستظل ممتنة ليوم وفاتها

 الامتنان بداخلها يغطي على أي شعور اخر ..

- حبيبي هيا أنه وقت الحمام ..

كانت تعلم كم سيكون مبهجًا رؤيته لنور أثناء استحمامه .. العفريت ينثر الماء في كل مكان ويضرب بقدميه كالمعتاد ويطلق ضحكات تذيب اعتى القلوب قساوة وقلب ياسين لا يمكن وصفه بالقاسي أبدًا فقط بالمحتار ..

يتبقى جره لغرفتها وهي تعلم أنه يتجنبها لكن القليل من الحيلة ليس محرمًا أبدًا ..

اتفاق بسيط مع حماتها والخادمة بإخلاء المنزل لساعة واحدة .. ساعة ستكون هي فرصتها لجر قدمه ووضعه مع نور في مواجهة لها رهبتها صحيح لكن نتائجها مذهلة .. أن يرى وجه نور ويعلم ملامحه .. أن يضمه ويستمتع بكامل ابوته,, أن يتنشق رائحته الحقيقية المنعشة  لا رائحة الخيانة فيه .. 

وملئت حوض الاستحمام بالماء  الدافىء لربعه واحضرت المساند الهوائية التي اشترتها مسبقًا ووضعت فقاعات الاستحمام وعادت لنور ونزعت عنه ثيابه وقبلته بحب وهي تقول ..

- لحظة حبيبي وستكون في الماء ..

- ياسين أنا اشعر بدوار شديد ..

وفقط رسالة غامضة ارسلتها لهاتفه وكانت تعلم أنه سيركض لنجدتها كعادته دون حتى تفكير في عاقبة دخوله لغرفتها ..

وابتسمت وهي تعض على شفتها السفلية وحملت نور ووضعته في الماء فاطلق صرخة ابتهاج مدوية ..

                                        **

- ما رأيكِ حبيبتي بالسفر للصعيد ..؟؟

ولمعت عيناها على الفور ..

- حقًا أنت تعلم اني اعشق هناك واعشق والدتك انها اول من احتضني ومنحنتي عائلة في حياتي..

هز رأسه نفيًا بتأكيد ..

- أنتِ مخطئة ليست هي أول من احتضنكِ ..

واحمر وجهها وفهمت تلميحه على الفور ..

- اعتقدته حلمًا رائعًا ..

ورفع ذقنها بلطف لتواجه عينيه وسألها بخبث ..

- وهل كان من المعتاد أن يغزو رجل أحلامكِ بالصورة التي غزوتكِ بيها يومها ..؟ ملمس شفتيكِ مازال على شفتي منذ تلك اللحظة وسيدوم للأبد .. كانت القبلة الأولى حبيبتي ..

وصرخت بخجل ..

- بالطبع لا لكني ارجعت الأمر لهلاوس التخدير ..

- واكتشفتِ ..؟؟!!

- اكتشفت أن الواقع اجمل مليون مرة من أي حلم مهما أن كان رائعًا ..

وضمها برقة كعادته .. دائمًا يخشى عليها وكأنها ستكسر بين ذراعيه فيعاملها برفق زائد وعناية مشددة .. يهتم بكل التفاصيل ويحرص على الحفاظ عليها بتفاصيل تافهة حتى هى لم تكن لتنظر إليها مثل حرصه على نزع ساعته قبل الاقتراب منها كيلا يجرح بشرتها الرقيقة وحرصه على الحلاقة عدة مرات في اليوم ليجنبها خشونة بشرته وحرصه الأهم على الاهتمام برغباتها هي أولًا قبل رغباته ..

انه الحب فعلًا عرفته وعاشت بين تفاصيله تلك ..

- هناك تجربة جديدة ستطبق في الصعيد هبة وأريد أن اكون بالقرب .. سنسافر لمنزل العائلة وبعدها سأصطحبكِ للشمال قليلًا لنشهد ثورة التنوير القادمة  .. سنكون شهودًا على الثورة وداعمين لها واردتكِ أن تكوني جزءً من الأمر .. اردت لأدهم الصغير أن يرى الحرية تنتشر حتى وهو مازال في رحمكِ ليرفض الخضوع ويتعلم أن كل شيء ممكن بالايمان والعمل ..

وانتابها بعض الخوف ..

- أدهم يبدو أن أمرًا خطيرًا على وشك الحدوث .. أنا بدأت اشعر بالقلق عليك ..

-  (( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ((  .. ولو كان هناك قلق فسيكون على رواد التنوير لا علي,, أنا مجرد زائر أما من اشعلوا الشرارة فهم من سيكونون في خطر فعلي طالما الصراع بين الحق والباطل مازال موجودًا ..

وهزت رأسها بعناد ..

- ولو لن ادعك تسافر ..

وضمها بشدة أكبر ..

- هل تخافين علي ..؟؟

- الرعب هو الكلمة الصحيحة أدهم .. لا توجع قلبي من قلقي عليك ..

- لا تخافي هبة الأعمار بيد الله ثم اني حقًا لن اكون طرفًا في أي خطط فقط اراقب وادعم الحق حتى ولو بالتواجد .. لو تخاذل الجميع من سيتبقى لنصرة الحق .. وللمرة العاشرة اطمئنكِ أنا لست طرفًا ولا خصم أنا مجرد شاهد والشهود محميون دائمًا .. محميون بقوة الحق ..

اصراره لا يقبل التفاوض ..

من الجيد أن يؤمن الانسان بفكرة وينفذها على الرغم من كل شيء ..

واستودعته الله في سرها .. على الرغم من تأكيده لكنها كانت حقًا تشعر بالقلق ..

التغيير الذي يتحدث عنه دائمًا لا يأتي سلمًيا والتاريخ يشهد لكنه أيضًا يحاسب المتخاذلين ..

                                         **

كانت لحظات مرعبة وتهدد بكشف المستور تلك التي تلت عرض غسان بمساعدة سامي..

وحمدت الله أن تردده لم يدم طويلًا وحسم أمره وقبل تلك اليد الممدودة بالسلام.. وخرج متحملًا لكل الامه وشاركهم الطعام ومتعكزًا على ذراع غسان الذى كان يهبه يدًا ثالثة لا ثانية فقط  ..

ما هذا  الجمال ..؟؟ الطعام رائع وطعمه يشهي .. لم تستطعم شيئًا في حياتها كما استطعمت الطعام الآن ..

هو نفس الطعام الذي اعتادت اكله ونفس طهو والدتها لكنها اكتشفت له مذاقًا جديدًا اليوم واكتشفت كم هو رائع ..

وكانت تعلم كم عانى والدها وأشقائها ماديًا ليرتبوا سفرة كتلك بها صنفين من اللحوم والعديد من الأطباق التي تحتاج لاستخدام اللحم بداخلها لتظهر السفرة بالصورة المشرفة تلك ..

والمدهش أن شقيقاها الاخران اعتمدا الصمت  وتحفظا في المعاملة مع غسان لكن بذكاء لا يلاحظ ,,فغسان قدم السبت كما يقولون ..

كل دقيقة تمر عليها تجعلها تكتشف انها الطرف الأحقر في كل مكان .. لم تنتبه يومًا لمدى ترابط أسرتهم ولا مدى الحب المدفون بداخله .. وحتى غسان أفضل منها بمراحل ..

وفوجئت به يحمل العديد من الهدايا عند رحيلهما ليدخل على أهلها محملًا والأكثر لمسًا لشغاف قلبها كانت الهدية التي وفرها اهلها لإياد ..

الاكتشافات تتوالي وكلها تعلمها كم كانت أنانية ولم تفكر سوى في نفسها لسنوات مع أن الجميع من حولها يفكر في غيره ويحرص على سعادته وراحته ..

- المنيا قريبة من القاهرة يا عمي فقط ثلاث ساعات وأنت زرتها بنفسك من قبل ..

ماذا ؟؟؟!!!!

ماذا فاتها أثناء تفكيرها ..؟؟

- هناك أرض شاسعة افكر في استغلالها وبناء مصنع .. ولا اعلم كيف تتم ادارته ويوجد منزل مخصص لكم تستطيعون الاقامة فيه .. المصنع يحتاج لمن يفهمه لا لمن يشغله ولا أجد افضل منكم لفهمه .. والورق صنعتكم فلن تكون مهنة بعيدة فقط اعادة هيكلة ..

ونظر الجميع لبعضهم بصمت ووكلوا والدهم للرد الذي هتف بحسم ..

- هذا الكلام سابق لأوانه دكتور.. أنت فرد  منا الآن ولن نخفي عليك أن عرضك قد يكون خلاصًا لنا لكن لنقبله علينا تقديم شيء يماثله لك ..

وبنفس الحسم هتف غسان ..

- لقد سبق وقدمت أكثر  منه يا عمى .. لقد منحنتني آريام ومازلت لم ادفع من مهرها كما نص الشرع,, ربما تأخر قليلًا لكنه سيبقى في ذمتي ليوم الدين .. بالاضافة هذه صفقة عمل وستحدد الاجر المناسب بنفسك,, هو فقط المنزل سيكون هديتي لكم فأنتم تستحقون العيشة بهدوء وسط الزراعات وجمال الطبيعة وتستحقون امتلاك منزل خاص بكم ولو رفضتم هديتي سأعتبر اني لم أصبح حقاً فردًا من العائلة ..

                                    **

خطوات ثقيلة تقترب ..

الفزع المعتاد مع كل صباح ..

الصباح بالنسبة للجميع اشراقة أمل ويوم جديد ومعه يكون قمة الرعب والترقب والانتظار كان يعلم أن عشماوي سيأتي يومًا ما وقريبًا جدًا وفي الصباح الباكر ليأخذه .. انه الفزع النفسي أن تجلس في انتظار الموت وهذا اعدام يومي وابشع من الاعدام الفوري .. حرب نفسية واعلن استسلامه فيها..

ليته يعلم ميعاد الاعدام فيرتاح ويهدأ بدلًا من الموت كل يوم من الرعب ويومًا سيتوقف قلبه مع خطوات الحارس الذي يجلب له ما يسمى بالفطور في زنزانته الانفرادية الغير آدمية اعتقادًا منه أنه عشماوي ..

وتوقفت الخطوات الثقيلة أمام الباب واليوم كانت مميزة ومختلفة عن الأيام السابقة  كانت لأشخاص عدة .. هل حان وقته ..؟؟

وشعر بروحه تسحب منه والام مبرحة في ساقية وانقطع نفسه وشعر بغثيان ملح لدرجة انه تقيأ فعلًا ..

وحينما فُتح الباب تأكد واقترب منه الحراس وكبل أحدهم وثاقه ليضع كفيه خلف ظهره ووضع الاخر كيس ابيض اللون علي رأسه وحاولا اخراجه بالقوة ونظرًا لحالة ساقيه عجز عن الحركة والمشي فسحلوه لخارج زنزانته واتجها للخارج ..

كان يصرخ ويترجى و..

لكنهما تجاهلا صراخه المرتعب وكأن هذا المشهد عاديًا بالنسبة لهما مجرد محكومًا أخرًا لا يساوى  وواصلا جره حتى وصلا لقاعة سوداء كئيبة تفوح منها رائحة الموت على الرغم من الكيس السميك الموضوع على أنفه لكنه اشتمها رائحة الموت لا تخطئ ابدًا ..

ومن شدة صراخه استنزف وخفت صوته واختفى ليتلاشى تمامًا ..

وحانت اللحظة التي كان ينتظرها برعب حتى دون أن يسأله الضابط عن رغبته الأخيرة لينفذها له .. وشعر بالحبل الغليظ يلتف حول رقبته وعشماوي يقول لمساعده ..

- احكم وضع عقدة أنشوطة الحبل على مؤخرة العنق وليس على أي من جوانب الرقبة الأيمن أو الأيسر فذلك يؤدى للوفاة بسرعة ..

القاتل يقتل ولو بعد حين .. وهو قتل أربعة اشخاص ويسمع الآن انينهم لحظة احتضارهم ..

اريد حتى دقيقة .. اريد نطق الشهادة لكني لا استطيع هناك حاجز يعجزه يجعله ينسى حتى كلمات الشهادة وقوة غريبة تلجم لسانه وكأن كل سكان الأرض تعلقوا فيه ..

وبدأ عشماوي يضيق الحبل حتى حبس عنه الهواء وشعر بغمامة سوداء تغشى عينيه والام شديدة في جسده .. أنها لحظة خروج الروح ..

تلك اللحظة القاسية التي سمع عنها كثيرًا ويلطفها الله على من يريد وفي حالته كانت مضاعفة في الألم ..

وشاهد شياطين مخيفة سوداء حمراء العينين يقتربون ويبتسمون بشماتة ..

هل هم زبانية الجحيم .. ومع اقترابهم بدأ الألم يصل لمرحلة غير محتملة وانقطع عنه الهواء تمامًا وبدأ في الحشرجة ..

و....

- استيقظ أيها اللعين ما بك ..؟؟

وعاد للوعي على خبطات عنيفة من مؤخرة سلاح الحارس الذي كان يوقظه ..

الاعدام كان كابوسًا .. الحمد لله لكنه سيحدث ربما الآن وربما غدًا ..

وصرخ بارتياع ...

- اريد الحديث مع المأمور لدى أقوال جديدة اريد اضافتها ..

                                         **

والصوت المميز يعلن عن وصول رسالة جديدة جعله يتناول هاتفه بلهفة ليقرأ..

- العدد الأكيد مائتان لكن قابل للزيادة بالطبع هناك عشرات مازالوا يفكرون في الامر..

- جيد اذًا سأدبر ثلاثمائة مشعل للاحتياط .. صادق اكد على الرجال لا شيء سيكون معهم سوى المشاعل حتى الأسلحة الشخصية المرخصة وكما اتفقنا فليربط الجميع المشاعل بقطع نسيج بيضاء ثورتنا بيضاء وسلمية ..

واعاد هاتفه لمكانه وجلس ينتفض من شدة الاثارة .. مطاوع كان صديقه وخططا سويًا لكنه للأسف لن يكون حاضرًا ليشهد التنفيذ لكن روحه ستكون بالتأكيد ..

كان دوره في الخطة العمل لدى ماهر منذ اللحظة التي الغى فيها غالب المجلس وقبل على الرغم من قذارة سيدة لكنه قبل لتتأكد شكوكه وترقي لمرحلة اليقين وكان مطاوع الأكثر حظًا وعمل لغالب كما الاتفاق .. كان هو يجمع كل الدلائل في صمت عن خسة ماهر ومطاوع يتأكد لهم من استحقاق غالب للتضحية الحقيقية والمسكين اقتنع حتى أنه بدء بنفسه ..

مطاوع كان فردًا من منظومة خفية اسست لدعم العادل ودحض الظالم الخسيس ولم يخب ظنهم في غالب مطلقًا والمنظومة اشتعلت فيها روح الثورة بشرارته التي اطلقها ومع شعورهم بالأمل تحولت الخطط لخطوات فعلية ..

" لعين  ".. وبصق بغضب  ..

كان هذا هو رده على اتصال ماهر .. اللعين يطلبه ..

ووضع قناعه ليجيب .. الحرب تحلل كل الخدع حتى ارتداء الاقنعة ..

- سيد ماهر ..

- اريد رؤيتك الآن فورًا ..

- كما تأمر سيدي ..

أنا كلي لهفة اكثر منك .. أي معلومة الآن ستفيد .. المجلس يقترب والأيام تمر بسرعة الصاروخ وشعاب النجع ستتغير .. ستمتلأ بالمشاعل وبالثورة بعد انعقاد المجلس انتظارًا للنتيجة وفور اعلان ما سيتم اتخاذه سيعلنون هم عن رأيهم ويظهرون .. هذه هي الخطة فقط تبنى بناءً على ثقة في غالب ..

حينما تثق في شخص بدرجة كبيرة تتصرف على أساسها وكأنك اكيدًا مما سيفعله .. هذا هو الايمان ..

لن يخذلهم أبدًا ..

واقترب من ماهر الذي كان يدخن سيجارًا كوبي الصنع وسمع ماهر يأمر رجلين ملثمين يحملان المدافع الالية  ..

- انتظرا في مدخل النجع حتى عودة غالب .. اريده جثة هامدة هذه المرة ..

                                          **

وكالمسحور تتبع الصوت ..

وتوقف عقله عن التفكير وعن الرفض .. هناك جنة عدن خلف هذا الباب وفتحه ودخل .. لقد حرم نفسه منها طويلًا وربما انتهى عقابه ..

واعاد اطلاقها مجددًا وهذه المرة كانت صوتًا وصورة .. لقد رآه أخيرًا ..

مخلوق صغير الحجم وبحجم هرة كبيرة لكنه ممتلئ بالحيوية والصحة والجمال وبال .. النور ..

وكانت تستمع لخطواته وتعلم أنه قادم فبدأت في ملاعبة نور واستفزازه ليزيد من صرخاته المبتهجة ومن ضرب المياه بقدميه الصغيرتين ..

ونجحت خطتها تمام والمسحور سُحر بالكامل وركع لجوارها ووجهه مبتل بالدموع أو بمياه الاستحمام من نور لا تعلم بالتحديد لكن الشيء الوحيد الذي كان لا يُخطئ كانت نظرات الامتنان لها ..

وتشاركا في حمامه في صمت .. هنا حينما يكون الصمت ابلغ من كل القصائد ومن كل دروس البلاغة ..

الصمت قصيدة بمفردها ويستمتعا بها على موسيقى صرخات نور وملغاته لهما ..

نور كان يعرفه بقلبه ولا يعتبره من الغرباء على الرغم من أنه لم يحمله سوى مرة واحدة ..

وحانت اللحظة وهتفت بهمس ..

- احضر المنشفة يا ياسين ..

ونهض متعكزًا علي عكازه ليحضر المنشفة وعاد بلهفة ليفاجئ بشيماء تلتقط نور من المغطس وتضعه على المنشفة التي بين يديه وتغلق يديه عليه..

رائحة منعشة ووجهة ملائكي ومزاج عالي ..

واستكان نور بين يديه وبدأ في التثاؤب ..

- هيا دعنا نقسم العمل أنا سألبسه ملابسه لأنك لا خبرة لك,, وأنت سترضعه ..

وهتف برهبة ..

- أنا ..؟؟!!

وأومئت بابتسامة مريحة ..

وشاهدها وهى تلبسه بمهارة وسرعة وحنان .. الأمومة لا تحتاج لحمل تسعة أشهر ولا حتى لرابط بيولوجي ..

الأمومة فطرة سليمة وقلب معطاء والكثير من الحب ..

ووضعته بين يديه مع رضاعته واطفئت النور ..

ونظرت إليه بتشجيع ..

- شيماء أنا لا استطيع ..

- بلى تستطيع .. الأمر سهل نور مسؤوليتك يا ياسين .. ويحتاجك ..

- مسؤوليتي ..؟؟!!

- ياسين توقف عن ترديد كلامي وانتبه لنور .. لقد بدأ صبره ينفذ والعسل الذي تراه الآن سوف يريك العين الحمراء ..

فعلًا كان نور قد بدأ يزأر كأسد غاضب ..

وفور اقترابه بالرضاعة من فمه التقطها بلهفة ..

الفرص الثانية بالتأكيد تمنح بشروط قاسية وبطريقة محدودة لكنه هو لم يمنح فرصة ثانية فقط بل منح حياة ثانية وكأن الله اراد تعويض شيماء عن صبرها وانقاذه من اثم الخيانة في نفس الوقت ..

حقًا الكريم لا يضام,, بل الكريم يصان ويعوض على كرمه وصبره علي الشدائد ..

والتعويض كان على هيئة رضيع صغير يملأ الدنيا بهجة ويخطف القلوب

وانتبه على صوت ضجه تحت كفه افزعته ونظر لشيماء بارتياع ليتأكد ولكنها أومئت بالإيجاب للمرة الثانية مؤكدة على ما يشك فيه لكن هذه المرة بابتسامة اعتذار ..

لقد فعلها نور عليها والرائحة تدل على أن الحفاض لم يتحمل هذه الضجة وانفجر ..

                                    **

- شكرًا على حضورك بهذه السرعة ..

- لا تشكرني أنا لم افعل شيء لقد كنا بالخارج بالفعل .. كنا عائدين من زيارة لمنزل عائلة آريام حينما اتصلت فأحضرتهما معي ..

- اسعدتونا بالزيارة حقًا .. هيا آريام تعالي نوصل إياد للأولاد ثم نجلس في مجلس منفصل كي تكوني على راحتكِ ..؟؟ هل تحتاج مساعدة مني دكتور في الكشف على جروح معتصم ..

كان يؤلمها فكرة ترك معتصم بمفرده أثناء الكشف ولا تستطيع ترك آريام بمفردها ولا تستطيع جعلها تحضر الكشف " معضلة ".. في الواقع كانت تشعر بالغيرة من فكرة خلع معتصم لقميصه أمام آريام وترى وشمه  وعضلاته  ..

- لا شكرًا استطيع تولي الأمر ..

الشكر لك أنت دكتور,, اعتني به جيدًا لأجلي ..

وهتفت بصمت ورجاء لم يغادر صدرها ..

وفتحت باب غرفة الالعاب ليدخل إياد فهتف ريان بحماس ..

- أهلًا إياد انضم الينا ..

ثم قادت آريام للجلوس بهدوء ظاهري وقلبها معلقًا بالمجلس الآخر ..

وحديث وراء حديث اندمجت مع آريام ..

فتاة لطيفة حقًا واليوم بها شيء مختلف .. أكثر نضارة وحزنًا لكن أقل حقدًا ومرارة .. هل طرق الحب بابها ..؟؟

هو ذلك العجيب الذي يعطى نضارة وحزن في نفس الوقت ويمص المرارة والكراهية ..

بالتأكيد أنه الحب ..

وحضر إياد مسرعًا ليحيط وجه آريام بكفيه الصغيرين ويقول بانبهار .. - آريام آريام هل تصدقين حمزة يقول أن والدته توفت وأن والدته هذه تكون زوجة أبيه .. ؟؟ حمزه وضعه كوضعي تمامًا لكن أنا والدتي تعيش بعيدًا فقط ..

                                          **

 واشار لرجاله في مدخل المستودع وقال ..

- اسمحوا له بالدخول لنرى ماذا يريد ..

ودفعه أحد الرجال بخشونة حتى أنه سقط على ركبتيه من قوة الدفعة ونهض متألمًا وهو يقول ...

- سيد زكي لدى بعض الأخبار التي تهمك لكن كم ستدفع ..؟

وبإشارة أخرى من يده هوى نفس الرجال على مؤخرة عنق أشرف بكوعه بضربة قوية جعلته يشهق ويعود ليجثو على ركبتيه أمامه ..

- زكي لا يساوم يا حقير .. اخبرني بما لديك وإلا حياتك ستكون الثمن .. وشهق أشرف برعب ..

- نشوى تخدعك وتماطل والفتاة المدعوة آريام أبدًا لن تأتي اليك هي من البداية لم تمشي في هذا الطريق وتزوجت الآن من شخصية مرموقة في المجتمع ونشوى تعلم ..

- هكذا إذًا .. كنت أكيدًا من ذلك لكني كنت اعطيها الفرصة الأخيرة .. وأنت ما مصلحتك في اخباري ..؟؟

وارتبك أشرف بشدة وهو يقول ..

- اعتقدت أني سأخرج بمصلحة من وراء هذا الأمر ..

واشارة ثالثة جعلت رجله يعيد الكرة وهذه المرة غامت الدنيا أمام عيني أشرف وانسحبت روحه وسمع زكي يقول ..

- اجابة خاطئة ..

 واشار لرجله بالضرب مرة أخرى فصرخ أشرف بارتياع ..

- لا توقف .. سأخبرك كل شيء ..

- حسنًا أنا انتظر ..

- زوج آريام اعطاني أموال لكي اتي واخبرك ..

- اممم يبدو أنه اعطاك مبلغًا كبيرًا .. كم دفع ..؟؟

وتلكع أشرف في الاجابة فرفع زكي يده  ولكن أشرف هتف على الفور ..  - مائة الف جنية ..

- وكم ستعطيني منهم لا تركك ترحل ..؟؟

وبهت أشرف وخرس لسانه ..

- لا لا,, لا ترفع يدك .. كم تريد ..؟؟

كان يراقب حركة يده واللعين كان على وشك ..

- اجابة خاطئة مجددًا ,, يبدو اني لم اسألك بصورة صحيحة .. " كم ستعطيني منهم كي لا تموت..؟؟ "

وفهم على الفور .. لقد قال انه لا يقبل المساومة فاطرق باستسلام ..

- كل المبلغ ..

وابتسم زكي بانتصار ..

- اجابة صحيحة .. اين هم ..؟؟

- في منزلي ..

- عتريس .. كبله جيدًا والقيه في المخزن حتى تذهب لإحضار النقود ..    

- كما تأمر يا معلم ..

وبحسرة  وقهر تقافزت دموعه لقد خدعه غسان  بذكاء ونال مراده والآن نشوى ستلقى عقاب خداعها لزكي وهو خرج من المولد بلا حمص ..

                                           **

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات