رواية ومنك اكتفيت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم داليا الكومي


كل من عليها فان

بعد يومين ..

سرادق العزاء الذ اقيم على أنقاض المنزل كان الأكبر في تاريخ الصعيد بكامله .. سرادق امتد من الشرق للغرب وعلى كل مساحة الحريق ..

ولم يكن السرادق مقامًا لتلقي العزاء فيه بقدر ما كان شاهدًا على الجريمة النكراء التي حدثت فيه وازهقت العديد من الأرواح .. وحتى أن أرواح الموتى لن تهدأ قبل القصاص ..

على امتداد البصر كان السرادق ممتدًا يتحدى الرماد الذي صبغ أحذية المعزين بالسواد ولكن لم يكن أحدهم يهتم .. لا لحذائه الفاخر الذي سوف يتلف ولا بملابسه التي سوف تصبغ فماذا يهم اكثر من معرفتهم أنهم ربما يقفون علي مكان ازهقت فيه روح قابلت خالقها بأبشع طريقة للموت ألا وهي الحرق حيًا .. حتى الحيوانات التي حرقت ربما تقف أرواحها شاهدة الآن  على العزاء وشاهدة على بشاعة الحدث فحينما يكون الحريق مفتعلًا ويكتب في تقرير النيابة بفعل فاعل يكون العزاء لتأبين الانسانية كلها لا فقط الموتى .. 

النيران التي ظلت مشتعلة لقرابة العشرين ساعة اتت على المنزل بكل ما فيه لتحصد الكثير من الأرواح في ذلك اليوم ..

وآيات الذكر الحكيم التي كانت تتردد عبر مكبرات الصوت  كان تعادل رهبة الموقف وتلقي بعض الطمأنينة في القلوب فالموت له رهبته وله احترامه ..

والأيام التي تتغير تغير .. فاليوم ليس أشبه بالبارحة ليقف كلًا من غالب وراضي ليتلقيا العزاء ويحاولا التماسك فما حدث هز الجميع داخليًا وخارجيًا ..

والمصيبة التي حدثت جعلتهما يعجزان عن الكلام ويخيم الحزن على عائلة السمالوطي بكاملها بل ليعشش بداخلها بطريقة لن يمحيها حتى الزمن ..

 ولم يهتما حتى بكبار رجال الدولة الذين حضرا للعزاء وانتبها على صوت المأمور وهو يطلب مقابلتهما على انفراد ..

- اعلم أن الوقت غير مناسب سيد غالب لكنى اردت تنبيهك كيلا تفاجأ‘ لكن وصلني الخبر الآن .. ثبت بالدليل القاطع تورط ابن عمك فالح في حادث الحريق وتم استصدار مذكرة من النيابة للقبض عليه منذ ساعة واعتقد أن رجال الشرطة سيقبضون عليه الآن من وسط السرادق ..

الثلاثة أيام الماضية كانت حافلة بالمفاجئات والاعترافات ..

المصائب لا تأتي فرادى .. فالح ومعتصم كليهما ابن عمه لكن الفارق بينهما كبير ..

 الحسرة التي يشعر بها في قلبه لأجل معتصم تفوق التخيل ولدهشته لم يحزن لأجل فالح بمقدار ذرة .. ومع أنه لم يكن يتوقع أن يصل الغل بفالح لدرجة القتل الجماعي إلا أنه لم يدهش سوى من رغبته في القصاص من فالح .. ربما لو كان معتصم متواجدًا في منصبه لكان تصرف بطريقة أخرى لكنه وبحكم منصبه الحالي كشيخ للنجع بالإنابة لم يجد أمامه سوى الموافقة على تقديم فالح للمحاكمة ..

 جريمته أكبر من أن تحل حتى بالمجلس العرفي بعد جلسة عرفية يحكم فيها عليه .. جريمته نكراء شنعاء ولا يكفيه فيها حتى القتل بل يجب أن يطبق عليه حد الحرابة ..

قال تعالى: (إنّما جزاءُ الذينَ يُحاربون اللهَ ورَسولَه ويَسعونَ في الأرضِ فَسادًا أن يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبًوا أوْ تُقَطَّعَ أَيديهِم وأَرجُلُهم مِنْ خِلافٍ أوْ يُنْفَوا مِن الأرْضِ) ..

ولمرة أخرى دهشته تفاقمت من نفسه لسيطرته على أعصابه وهو يقول بغل ..

- بل احرص على تنفيذ ذلك بنفسك سيدي ولك مني كل الدعم .. لو تورط فالح فعلًا في تلك الجريمة فأي عقاب سيناله لن يكون كافيًا ..

ليهز المأمور رأسه برضا ..

- كنت اعلم أن خليفة السيد معتصم لن يكون سوى شخصًا حكيمًا,, أحسنت سيد غالب وصدق حدسي الذي كان ينبئني أن تغير الشيخ لن يغير من استقرار النجع .. اشكرك على تحكيمك لعقلك وعدم ترك الأمور للثأر وما شابه .. أو الأسوء انك لربما كنت تداري على جريمته بحكم امتداد لقبه ..

وكان دور راضي ليعلق بصرامة ..

- هذا الفالح لا يمثل عائلة السمالوطي .. حينما يفسد فرع فلا عتب على الجذر سيدي .. غالب لا يختلف عن معتصم حينما يتعلق الأمر بالحق والعدل وستسير الأمور وكأن معتصم مازال معنا .. ثم هل نسيت تعاونه معكم في القضاء على المطاريد؟؟  منذ متى نتجاوز سلطة القضاء أو أحكامه؟؟

والآن نحن نتكلم عن الموت والقتل العمد فأي راحة كانت ستغشى الأموات لو تركنا قاتلهم طليق .. غالب معتصم لا فارق .. نفذ مهمتك سيدي ولا تقلق من توتر الأوضاع .. ما وصلنا اليوم إليه فاق أي توتر وصبغ النجع بكامله بالسواد ..

- ليرحم الله الأموات جميعًا .. شكرًا لكما لتفهكما الوضع .. واعدكما أن القاتل سيلقى عقوبة تناسب أفعاله.. ها قد وصل رجال الشرطة لاصطحابه وعذرًا مجددًا لاقتحام  رجال الشرطة عزاكم لكن ربما كان ليسمع عن الأمر فيحاول الهرب  ..

وحانت لحظة القصاص ..

التفت كلا من غالب وراضي بنفس الغل ليجدا العديد من رجال الشرطة يقتحمون السرادق ويتوجهون لحيث يجلس فالح وهو يظن أنه انتصر ..

لم يحترم حتى حرمة الموت وهو يعجز عن اخفاء سروره ..

كان يجلس منتفخًا كالطاووس ويجهز نفسه لمنصبه القادم بعدما ازاح معتصم من طريقه .. اليوم سينصب نفسه خلفًا لمعتصم فغالب خصم سهل سيهزمه بسهولة لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه وبعدما احتفل بانتصاره رفع رأسه  ليجد رجال الشرطة يحيطون به من كل جانب وعلى وجههم نظرة لا تبشر بالخير ويجذب أحدهم الاصفاد من جيبه ويكبله بها وسط ذهوله والآخر يستخرج ورقة كتب فيها بالخط العريض آمر القبض على فالح السمالوطي بتهمة التحريض على القتل  ..

                                         ***

قبل يومين..

في حضرة الموت ..

بين الموت والحياة شعرة رفيعة حينما تنقطع تتوقف الحياة وارادة الخالق الأوحد تسود فيكتب الوصل لمن يشاء يكتب القطع على من يشاء ..

حينما لامت حسام لعدم حضوره كانت وقتها لا تعلم أنه سيأتي لقدره ..

 لماذا اتيت يا حسام ..؟؟

لكنه ضرب بكل التحذيرات عرض الحائط ونال في النهاية نصيبه ..

طلق ناري غادر تلقاه نيابة عنها ليكفر القليل من سيئاته .. ليكون شاهدًا على تطهيره من تهمة الخيانة وجريمة الزنا ..

حينما خانها كان يقتل كل خيط  يربطه بها والآن دمائه التي اغرقتها تطلب منها السماح لكن هل تكفي؟؟

اللحظات التي تلت جريمة عامر كانت الأكثر رعبًا على الاطلاق .. عامر كان قد فقد عقله بالكامل ومحاولته السابقة للسيطرة على مرضه النفسي فشلت ليظهر كل العنف الذى بداخله .. هو كان مريضًا بالفصام وضلالاته وهلاوسه استفحلت حتى بات من الصعب اخفائها  ولسنوات عانت هي من اثار مرضه والآن حسام يعاني بسببها..

لا في الواقع هما يعانيان بسببه لولا خيانته لما كانت تركته وتزوجت من ذلك المجنون .. لا أحد ينال سوى عقابه العادل لكن ما كان ذنبها في الواقع سوى حب حسام ..؟؟ هل الحب البريء محرمًا لذلك هي تعاقب ..؟؟!!

والأبشع أن عامر حينما فشل في قتلها وجه سلاحه لرأسه واطلقه لينفجر رأسه في مشهد لن تنساه مهما حييت ..

ذهبت لطلب الطلاق لتعود أرملة ويحملها ذنبه ما تبقى من العمر .. كان يصرخ قبل اطلاق الرصاص على رأسه ويقول .." أنتِ السبب " .. هل فعلًا هي السبب .. ؟؟

لا لماذا سيقنعها هو بذلك ؟؟

لماذا ستتحمل هلاوسه وجنونه وهي لم تفعل يوما ما يستفزه .. حتى حبها لحسام كان في الخفاء وفي داخل قلبها فقط ولم تستخدمه كذريعة للافصاح عن كراهيتها لزوجها .. كانت كأي زوجة مطيعة مخلصة وحاولت بناء منزل على أساس سليم لكنها عوقبت على شيء لم ترتكبه وفي النهاية هي بريئة من كل ظنونه وسيذهب لقبره حاملًا أوهامه وهو يتهمها بالخيانة ..

يظلمها حتى بموته ويظل يعتقد ولو بالباطل أنها خائنة وتدفع هي بالغالي ثمنا لجرم لم ترتكبه من راحة بالها وسلامها النفسي ..

- سارة .. حسام لن ينجو ..

كانت تبكي بحرقة بين أحضان صديقتها التى ربتت علي كتفها بلطف ..     

- الحياة بيد الخالق عز وجل وحده ولكن اراد له الموت المؤكد لكان تحت الثرى الآن .. مجرد أنه في العمليات هذا يعطينا الأمل والعشم في وجه الله لا ينقطع .. تفائلي بالخير حبيبتي ..

- كم اتمنى هذا لكني فقدت أي أمل .. لقد امضى أربعة عشر ساعة في العمليات ونزف الكثير من الدماء.. أنا السبب سارة .. أنا السبب كل من يقترب مني يموت ..

نهرتها بغضب ..

- لا ترددي مثل هذا الهراء .. الاعمار بيد الله وحسام لم يمت بعد ..

 - لقد تلقى الطلق الناري نيابة عني يا سارة .. وهبني حياته راضيًا وأنا لا استحق عطية بهذا الحجم ..

- ها قد نطقتيها بلسانك .. وهبك حياته راضيًا وبإرادته وهو فقط الذي يحدد أولوياته وما يرضيه وما يحتاجه وربما يكفر عن خيانتك بدمائك ليثبت لك مقدار حبه لكِ .. لقد عاش راهبًا كل سنوات غيابك كلها والحياة بدونكِ ربما لا تفرق عن الموت .. كانت مخاطرة إما أن يربح كل شيء أو يخسر كل شيء فاهو قد اكتفى من أنصاف الحلول .. كل ما يجب عليك فعله الآن هو الدعاء فوجهي قلبكِ للسماء وسيستجيب ..

- يــــــــــــــــــــــــــا رب ..

كانت تدعس بحرقة قلب مكلوم استوى من شدة الألم واهترئ ..

ولم تكن في حمل دخلة خالد المرعبة وبالطريقة المخيفة التي اقتحم بها غرفة الاستراحة حيث ينتظران .. وما كان منها إلا أن تنطق برعب .. - هل خسرناه ؟؟

واجابته كانت أصعب ما يكون وهو يهز رأسه بأسى ..

- لا سلمى مصيبة جديدة لكن بعيدًا عن حسام .. تماسكا يا فتيات فما سأقوله  فظيع بكل المقاييس .. بلغني الآن نبأ حريق مدمر سوى منزل معتصم في النجع بالأرض وهناك أنباء عن وجود اصابات وقتلى..

هذا كثير فعليًا .. شيرويت وابنها وزوجها في خطر ناهيك عن باقي قاطني المنزل الذين هم أرواح بشرية ربما تكون تواجه الموت ..

ربما معتصم لا يستحق الشفقة من وجهة النظر العامة لكن على كل حال إذا حل الموت جبت الشماتة وفي حضرة الموت تأدب حتى وإن كان الميت مذنبًا وربما بعد تفكير ثان اعطيناه بعض حتى ولو كان واهيًا ليبرر البعض تصرفاته اللاعقلانية التي كانت تحت مسمى الحب والغيرة ..

ربما شيرويت لم تفصح عن الكثير في علاقتهما وسبب هذا الدمار الشامل لكن من المراقبة اللصيقة لهما تبين أن الغلط في علاقتهما كان سببه شدة تشابهما .. نفس الدماء التي تجعل معتصم حاميًا كانت تجعلها هي الأخرى بنفس الحمو وظاهريًا بنت السفير الثرية كانت حياتها داعيًا للحسد لكن في الحقيقة حياتها كانت ومازالت سلسلة من الكوارث والخيبات ..

 عانت في حياتها كثيرًا وحتى حينما اطمأنت قليلًا على وضعها مع زوجها وبعد عودة خالد من النجع الذي خبرها بعدها باستقرار الأوضاع واقتراب خمود البركان حدثت الفاجعة لتبدأ دورة القلق من جديد للمرة التي لا تعلم عددها .. منحوسة تلك الفتاة من يومها أم فقط كل ما يحدث لها بسبب سوء الاختيار من البداية ..

ثم انتبهت بفزع .. خالد كان في المنزل المحترق ..؟؟؟

في الواقع كل يغني على ليلاه ..

خالد غادر النجع قبل الكارثة بساعات .. ماذا لو كان الحريق حدث وهو هناك ؟؟ الرحمة يا إلهي .. لا تتحمل حتى التفكير في الأمر ..

وعاد ليتفاجأ بنبأ اصابة حسام ثم توالت الكوارث ..

وكأنه اشفق عليهما من الاستنتاج ليقول بسرعة تحمل نبرة الندم ..

- لا اعلم من اصيب ومن نجى لكن اعدكما سأعلم بكل شيء في خلال دقائق ..

كان يؤنب نفسه لتهوره .. كان  يجب عليه الانتظار حتى يتأكد لكن لكل بشر طاقته وهو استنزفت طاقته بعد اصابة صديق عمره ..

وسلمى تنفست الصعداء فحسام ما زال حيًا ولم يصل لمسامع خالد نبًأ مؤكدًا عن وفاة او اصابة خطيرة وكما قالت سارة الأمل في وجه الله لا ينقطع ..

وتوحدت قلوبهم على كلمة يا رب ..

                                       **

كانت تسعل بشدة وهى تستعيد وعيها وفورًا عادت ذكرى الحريق والدخان لعقلها الذي يحارب ضبابه لتصيح بارتياع ..." ريـــــــــــــــــــــــــان "..

هل هناك ألم يفوق ألم أم تفقد طفلها أمام عينيها ..؟؟

آخر عهدها بالدنيا كان رؤيتها لمعتصم والنار تشعل يديه بالكامل لتكتشف كم هي تحبه .. اللحظات التي تعرض فيها للخطر مسحت سنوات الكراهية السابقة .. كانت تحبه بنفس قدر محبتها لريان وتعرضهما للخطر كان له نفس التأثير عليها ..

وكأن مرافقيها كانوا يعلمون أنها ستستيقظ مهتاجة فكان ريان ينام عند قدميها وكأنه ينتظر استفاقتها لتهتف بارتياح " الحمد لله " ثم تعود لتصيح بنفس الذعر .." أين معتصم؟؟ "

هذه المرة لم تجده في الجوار ولم ترى في عيون زبيدة وليال سوى الدموع

والغصة التي جعلت نفسها يتوقف انبئتها.. " معتصم اصابه مكروه ومن الواضح أن ما أصابه ليس هينًا"..

عادت لتردد بهلع أكبر بعدما انتبهت للون ملابس زبيدة وليال ..

- أين معتصم؟؟ أين ريان؟؟

لا وضعها أسوء كثيرا ألم ترى ريان منذ لحظة وعلمت أنه بخير؟؟

ثم بدأت في الصراخ بطريقة هستيرية وريان كان يصرخ لصراخها ويقول.. - أمي ما بكِ..؟

لكن انهيارها غطى على أصوات الجميع وظلت تصرخ حتى تم حقنها بجرعة مهدئة تراقصت معها دموع الجمع المحاط بها ولمحت سارة تدخل لغرفتها ثم غابت عن الوعي..

                                              **

عودة لقبل الكارثة بساعات  ..

- ريان .. أنا أريد مشاهدة تلك السيارة العجيبة التي قدمتم بها .. هل تأتي معي؟

تلفت ريان حوله بتوتر ..

- لكن أمي وضعتنا في الفراش وتوقعت نومنا .. اخاف أن تغضب منا يا حمزة ..

- لا تخشى شيئًا .. أبي لا يعاقبنا مطلقًا طالما لا نسيء الحديث وخصوصًا أننا لن نصطحب سليم معنا فهو صغير وقد يتسبب بالأذى لنفسه .. هيا لن نغيب .. وسليم نائم ولن يصر على اصطحابنا ..

وحسم أمره ..

 بعض المغامرة أمرًا جيدًا .. الحياة الجديدة التي اصبحت له الآن بها المزيد من الحرية نالها مع ظهور والد قوي في حياته ..

فلم تعد والدته تضع عليه القيود السابقة وفترة اقامتها في المستشفى دربه والده فيها على المزيد من الاعتماد على النفس ..

- حسنًا حمزة دعنا نذهب ..

وتسللا كالصوص .. حمزة كان يعلم أماكن تواجد الحراسة والخدم فتسللا بينهم بكل سلاسة ليصلا للحديقة ومنها للسيارة وفور اغلاق بابها عليهما صاح بتعجب ..

- ريان انظر بها مبرد كبير وكاسات زجاجية ..

 - نعم اعلم .. أنها لأمي ..

- ريان .. هل ستوافق أمك وتكون أمي أنا الآخر ..

والدتنا أنا وسليم توفت .. أنا كنت احبها كثيرًا وحزنت لموتها لكن والدنا اخبرنا أنها ذهبت إلى السماء في مكان أفضل من هذا العالم وأنا ارى والدتك تحبك وتدللك كثيرًا أكثر مما كانت والدتنا تفعله لنا ..

هل تطلب منها أن تكون أمًا لنا نحن أيضًا ؟؟

 ألسنا اشقاء ؟؟

- بالطبع يا غبي .. والدك أصبح والدي لذلك والدتي ستصبح والدتكما أيضًا وسنعيش سويًا للأبد  .. أنت لا تعلم كم أنا سعيد بحياتي الجديدة ..

وبابتسامة رضا وسعادة تعبر عن سعادته هو الآخر بالترتيبات الجديدة قفز حمزة خلف المقود وفتح الزجاج الفاصل بين المقصورة والصالون ليقول بنبرة جدية ..

- إلى أين تريد الذهاب سيدي؟؟

وبدون تردد اجابه ريان .. 
- إلى مدينة الملاهي بالطبع ..

حياة جديدة وحرية أكبر ومساحة أكبر للتنفس .. وسيستغلها لأقصى درجة ولم يهتم لبرودة الجو من حوله وواصل اللهو مع شقيقه المضاف لحياته مؤخرًا حتى غلبهما النوم بداخل السيارة من شدة الارهاق والاثارة ...                                                                                                      

                                                   **

ما يشعر به يفوق الغيرة بمراحل .. والأسوء أنه مرتبط بوعد .. وعد بالحماية ..

كيف يكون غبيًا هكذا ويتحمل هذا العذاب لمجرد الوعد لكنه وعدها .. سيكون متواجدا لأجلها للأبد ..

انزوى في سيارته بعيدًا وترك الرجال يتسامرون وهو يتخيل ما يحدث بين حبيته وزوجها ويغلي ..

وفجأة لمح حركة غريبة تأتي من وراء الاشجار خارج المنزل وبحركة سريعة التقط المنظار المعظم فلمح بعض الرجال يحملون جسم مشتعل ويلقونه في اتجاه المنزل مع التقاط أنفه الحساسة لرائحة دخان ..

يا للهول لقد اهمل في مهامه وهو منغمس فى رثاء نفسه وجعل حبيبته التي يتحمل الألم لأجلها في خطر حقيقي .. لقد أصبحت لا تصلح لتلك المهام يا جاريد وجعلك الحب مجرد أخرق .. لكنه على الرغم من تراخيه السابق..

وفي لحظات قليلة كان فكر وقرر فاتصل برجاله ومرهم بالدخول للمنزل على الفور  واخلائه واتجه هو لانقاذ ما ينقذ انقاذ بعدما جعل رجال معتصم ينتشرون لمحاصرة الجناة ..

كان مذعورًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقلبه يدق بعنف بطريقة لم يختبرها من قبل وأصبح كل همه انقاذ زارا وطفلها حتى ولأجل رجل آخر لكن الأهم أن يراها بخير وتتنفس وفي طريقه لمح حركة غريبة بداخل السيارة التي استأجرها لها فاستل سلاحه وهجم عليها وفي نيته القضاء على المجرم المتورط في الحريق الذي ربما يكون يختبىء بداخل السيارة وبحركة قوية فتح الباب ليصدم بوجود ريان وشقيقه حمزة يغطان في نوم عميق ..

يا الله .. ماذا يفعلان هنا؟؟

لا وقت للتفكير وبحركة قوية حمل الطفلان بذراعه اليمنى واعاد سلاحه لجيبه بيده الأخرى واتجه لسيارته ووضعهما بداخلها واشار لأحد رجال معتصم لاخراجها من محيط الحريق وكان يدعو الله أن يكون رجاله نفذوا تعليماته بحذافيرها وحملوا طفايات الحريق واقتحموا المنزل وتمنكنوا من انقاذ شيرويت في خلال الوقت الذي استغرقه في انقاذ الأطفال ..

                                                             **

الصوت المميز لسيارات الاسعاف والذي كان يوقظ كل النجع من تواليه وحدته توقف فور مغادرتهما للمنزل مما يعني أنهم بلغوا هدفهم قبلهم " المنزل المحترق بالطبع " ..

ربما  وجود تلك السيارات هو مجرد اجراء روتيني وقائي يتخذ عند البلاغ عن أي حريق لكن النيران المشتعلة بضراوة والتي كانت تلون الافق  بلون برتقالي والدخان يتصاعد بلون اسود كثيف ويتجه مع رياح نسمات الفجر الأولى يعلنان بصراحة كئيبة عن حدوث توابع ..
كل زلزال له توابع وحريق المنزل الكبير أكبر زلزال شهداه في حياتهم ويجعلهما فاقدي النطق بالكامل..
ثم دوى الانفجار الذي كان من القوة بحيث وصل صوته لحيث يتواجدان ربما علي بعد الكيلومترين أو أكثر قليلًا ..
الانفجار يؤيد فكرة الضحايا والمصابين ويجعل الأمل في وجود أحياء يتناقص  ..
وأخيرا لاح المنزل لناظريهما ..لا للتصحيح ..لاحت أسوار المنزل لناظريهما فقط بدون المنزل .. لم يعد هناك ما يسمى بالمنزل من الأساس .. 
كل ما كان متواجدًا هو دخان أسود كثيف يحجب الرؤيا وسيارات اسعاف تقف بالقرب من السور وتضيء كشافاتها لتنير القليل وتفتح مجال الرؤيا ومسعفين يحملون مصابين ويحملون على نقالتهم جثامين غلفوا بأكياس  سوداء واختفوا في سيارات اغلقت أبوابها عليهم وانصرفت على الفور ونقالة عليها جسد مشوه بلا حراك يشبه  معتصم لكن بحروق امتدت لمعظم جسده وبالأخص لذراعيه ..
ياللهول ... صرخت بانهيار ...

- معتصم  ..
ماذا سيقول ..؟؟ " تماسكي ليال "   ..

جملة في غير محلها .. إذا كان هو نفسه غير متماسك وعلى وشك الانهيار لرؤيته لحالة صديق عمره لكن على الأقل هو لم يغلف في كيس أسود كالباقين .. لتكمل بانهيار ..

 -  راضي .. هل هو حي ..؟؟ من هؤلاء المغلفين في أكياس؟؟ أين أمى والأطفال وشيرويت؟

صراخها يمزق قلبه وبدون وعي ضمها إليه بدون أن يضع في حسابه الانتقادات التي ستوجه إليه .. الكارثة أكبر من أي كلام .. كانت ترتجف كورقة شجر في مهب الريح وشهقاتها تمزق نياط قلبه ..

- اسرعوا به  للمستشفى .. هيا ..

وكأن جملته كانت الفيصل وتكهرب الجو بعدها وفور نطقها فوجئوا برجال الاسعاف يضعونه أرضًا ويتكاتفون عليه بذعر ويقومون بعمل انعاش قلبي رئوي له وهم يصرخون ..." نحن نخسر المصاب "..

وبحركة متهورة فلتت من حضن راضي لتلقي بنفسها فوق معتصم وهي تصرخ ..

- معتصم ارجوك شقيقي تماسك ..

ولرحمة الرب العظيم فلحت محاولات الانقاذ ليعود قلبه للانتظام وتظهر علامات الارتياح على رجال الاسعاف فيكفي ما نقلوه من جثث لليوم ..

                                       **

- أطفئ جهاز التسجيل .. تلك الأغنية البائسة توترني ..

لم يكن يتوقع يومًا أن يواجه هكذا موقف وضع نفسه فيه .. خيانة حبيبته كانت ضربة قاصمة له قبلها ..

ضربة كشفت وجهه الحقيقي وزيف مبادئه .. ضربة صدمته في نفسه وجعلته يحتقرها .. هو يستحق ساقطة كياسمينا التي حتى لم يهتم أن يعرف اسمها الحقيقي ..

واصل تجاهلها وكأنها غير موجودة وهو يستمع لأغنية جورج مايكل        ((carless whisper  ..

وهى فشلت في كسر قناع الجمود الذي يضعه على وجهه وحتى على الرغم من نجاحها في جعله يرافقها للطبيب إلا أنها لم تجنى أي فارق يذكر في معاملته لها وحتى حينما شاهدت لمحة الفرحة في عينيه وهو يستمع لنبضات قلب الجنين عبر الجهاز إلا أنه ظل على وقاحته معها ..

أه لو يعلم ما فعلته .. سيقتلها بالتأكيد لذلك لا يجب أن يعلم عن تلك الليلة مطلقًا ويكفيه ما يعلمه وما هو اكيدًا منه .. الشهرة والأموال والمكانة الاجتماعية حظيت بهم فلا يضرها القليل من الاحتقار ..

الامتيازات تلك جاءت كونها زوجة علنية لياسين الرفاعي وكانت تفوق أحلامها وبخطة غاية في البساطة..

وفي خطة ذكية غيرت لهجتها للضعف وهى تقول بخبث ..

- ارجوك ياسين أطفأ التسجيل الصوت يزعج الجنين .. لقد انهيت شهري السابع وبدأت في الثامن كما قال الطبيب وأصبح ياسين الصغير يتفاعل مع محيطه الخارجي .. شكرًا حبيبي انك اتيت معي لنحتفل بتلك اللحظة المميزة سويًا .. ادعوني للعشاء في افخم مطعم في القاهرة بهذه المناسبة ..

يداه التي تصلبت علي المقود اخبرتاها عن بالغ تأثره .. لسنوات عاش محرومًا من الانجاب والآن هي تقدم له حلمه على طبق من ذهب .. لكنه لخيبة أملها لم يبدي أي ردة فعل .. وتجاهل حتى طلبها للاحتفال..

وبحركة عصبية مدت يدها واطفئت الأغنية التي تجعلها تغلي من الغيرة ومن  الغضب ..

ليوقف السيارة بحركة عنيفة جعلتها على وشك الاغماء .. ثم يعيد تشغيلها بعدما رمقها بنظرة احتقار وانطلق في طريقه وهو يقول ..

 - احذري من رفع سقف تطلعاتك .. لقد اتيت معكِ فقط لسؤال الطبيب عن امكانية سحب عينة للتأكد من الحامض النووي دون الاضرار بالجنين أما أنتِ فلا تعنيني في أي شيء ..

ستحرق دمائه كما حرق دمائها ..

- حبيبي ستعتاد فكرة التعامل مع الحوامل بالتدريج .. اعطيك العذر فقد عشت لسنوات مع عاقر ..

 استفزازها له بلغ الحد .. كان فعليًا لا يطيقها وصوتها بالخصوص يجعله على وشك التقيؤ ..

- لماذا لا تبيع منزلك السابق فلربما تفكر تلك اللعينة في استخدامه ..

- احفظي لسانك يا ساقطة ولا تحاولي حتى لفظ اسمها .. هي ستظل سيدتك طوال العمر ..

واخفت غيظها لتقول بلهجة يتدفق منها السم ..

- لا تقلق حبيبي ستنساها مع مرور الوقت .. وبالتأكيد ستتزوج قريبًا لقد انتهت فترة العدة رسميًا اليوم ..

ذكرها لانتهاء فترة العدة جعل السواد يحيط به .. لقد فقدها للأبد وكان يحاول عدم حساب الوقت الذى بمقتضاه يقطع آخر خيط بينهما .. بل وربما تتزوج ويمتلكها آخر ..

كان في أقصى درجات غضبه وسخطه وغيرته ..

التفت إليها بعينين يقدحان بالشر ..

- حذرتك من قبل من ذكرها على لسانك .. أنت هي اللعينة و ـــــــــ ..

قاطعته برعب وهى تشير أمامها ..

 - ياسين احترس .. شاحنـــــ ..

والشاحنة التي ظهرت من المنحنى وهي تسير بسرعة عالية لم تمهلها الفرصة لإنهاء جملتها وتحذيره فاصطدمت بسيارتهما بشراسة جعلت الصاج ينصهر كالزبد الساخن وتدخل السيارة بالكامل تحت الشاحنة التي استقرت فوقها وعجلاتها تدور في الهواء ..

                                                      **

الأيام التي قضتها معها في المزرعة قربت بينهما .. ربما بحكم كونها مرت بتجربة غاية في الألم فذلك جعلها أكثر حساسية لمشاكل الناس وربما سلمى وهي يتشابهان فكليهما تعرض للخيانة وكسر القلب ممن كانا يظنان أنهما ماء الحياة بالنسبة لهما ..

لن تنكر أنها أفضل الآن بعدما استاطعت تجاوز حرقة القلب لكن يتبقى السؤال الذي يجعلها تعجز عن التنفس هل هو سعيدًا في حياته الجديدة ..؟؟

- سلمى ...

- أه يا شيماء .. أرأيتِ ما حدث .. ؟؟

- حبيبتى سينجو إن شاء الله .. هذا المستشفي مشهورًا بكفائته وبنسبة عالية للشفاء صدقيني .. يوجد هنا أمهر الأطباء ..

- اتعشم ذلك .. الله على كل شيء قدير ..

- صدقيني يا سلمى هذا المستشفي لم يكتسب سمعته من الفراغ وتكاليفه الخيالية تسمح لهم باستقدام أطباء من الدول المتقدمة ..

- يارب سلمها ..    

- سلمى بالمناسبة خالد غادر للمنيا مع سارة وطلب مني الاهتمام بحساب المستشفى فلا تقلقي ..

- مسكين حسام .. عاش بلا عائلة  طوال عمره ولو توفى الآن سينقطع كل اثره من الدنيا ..

- لا تقولي هذا .. سيتحسن وسيخرج من هنا في أقرب وقت وخالد بمثابة شقيق له .. لا تعلمي كم هو مخلص خالد لأصدقائه حتى الذين لا يستحقون ..

بالطبع تعني زوجها السابق .. فهمتها من غرغرة الدموع في عينيها.. - اعذريني سلمى سأذهب للحسابات الآن ..

من كان يتخيل أن يصبح ياسين الجزء الأساسي من حياتهم مجرد غريب .. اليوم انفصلت عنه رسميًا ليصبح كأي غريب لا يحق له حتى النظر إليها ..

كانت قد اقتربت من غرفة المحاسب بمسافة كافية واستمعت لصوت أشبه  بالعراك يأتي من داخلها ..

- للأسف سيدي عليك اصطحابه لمستشفي آخر أو الدفع .. لقد فعلنا كل ما يمكنا فعله .. وبصوت عبر عن غضب هادر ..

- كيف هذا أين الرحمة .. ؟؟ أين مبادىء مهنة الطب السامية اقسم بالله لو كنت امتلك الأموال لكنت دفعت وأنتم تمتلكون الملايين وتبخلون,, الأحرى كان أن تسموا سفاحين لا ملائكة رحمة .. قبحكم الله ..

- اهدأ  يا سيدي واخفض صوتك وإلا طلبت لك الأمن ..

- عن أي هدوء تتحدث وأنا اراكم تلقون بمريض خارجًا لأجل الأموال التي تملكون منها التلال ..؟؟ هل أنتم بشر مثلنا .. لعنة الله عليكم ..

وبضغطة زر استدعى له  المحاسب رجال الآمن ليهجموا عليه بغباء  وفي نيتهم القائه هو ومريضه خارجًا ..

-  توقفوا عن ذلك فورا ..

كانت تصرخ بصوت جهوري أنهى النزاع علي الفور ..

- عذرًا سيدتي .. هذه مشاكل بسيطة وستحل حالاً عفوًا على الازعاج 

نظرت إليه بقرف وهى تقول باحتقار ..

- تعتذر منى علي الازعاج ولا تعتذر لرجل  تفكر في طرد قريبه خارجًا لعدم تمكنه الدفع .. أي مستشفى أنتم ..؟؟

- مستشفى استثماري سيدتي ..

الجدال معه لا فائدة منه ..

- اضف أي تكاليف خاصة بذلك المريض مهما أن كانت وأشدد مهما أن كانت حتى لو تخطت مئات الألوف على حساب خالد يسري  ..

ونظرات الامتنان في وجه الرجل اراحتها ..

- شكرًا سيدتي .. لقد ارسلك الله من السماء لذلك المسكين الذي كان سيموت بلا شك .. هو في غيبوبة تامة وفشلنا في التعرف على شخصيته ..

 - لا تشكرني .. الله يسخر من يشاء لخدمة من يشاء ..

- ونعم بالله لكن هذا لا يمنع أن لكِ قلبًا من ذهب ..

عن أي قلب يتحدث ..؟؟ لقد أصبحت بلا قلب من الأساس ..

- حسنًا سيدتي .. تمت اضافة حساب هذا المريض لحساب السيد خالد الخاص بعلاج السيد حسام ..

القت بعجرفة ببطاقة الصراف الخاصة بها ..

- اخصم من الحساب ما تشاء وعامل المريض كأى شخص هام  في مشفاكم واياكم من الاهمال في متابعته فساتابعه بنفسي ..

 - كما تقولين سيدتي .. كما تقولين ... والطفل ..؟؟

- عن أي طفل تتحدث ؟؟

- طفل المريض .. لقد توفت زوجته وتركت طفلًا بحاجة لحضانة لفترة طويلة..

- الحساب يغطي كل شيء .. قوموا بعمل اللازم ..

- سنفعل لا تقلقي ..

فعلًا .. (( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ))

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات