رواية عطر الخيانة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم داليا الكومي


عطر الحب

 وركضت لغرفتها واغلقت الباب خلفها بالمفتاح ما حدث جنون ولا يمكن أن تسمح له بالتكرار ..

وسيؤكد لغسان نظرته فيها .. لقد اشتراها اليوم بالهاتف الثمين الذي قبلته بكل سهولة ..

لكن الرعب مع الصدمة شكلا حاجزًا  جعلها تتخشب وفسر تخشبها على انه موافقة ..

هل كانت موافقة حقًا أم تخشبها كان رعبًا وخوفًا منه ..؟؟

ليفهمها غسان عليها هي فهم نفسها أولًا ..

واختبئت تحت العديد من الأغطية والعديد من الوسائد لتخفي نفسها عنه وعن الدنيا والأهم عن نفسها وتأنيبها لضميرها .. لماذا لم تقاومه ؟؟

وظلت ترتعد حتى غلبها النوم وحتى الظهيرة ظلت تغلق عليها الباب واحترم غسان خلوتها ولم يطلبها لاعداد الفطور عليه أن يعلم أنها ليست الخادمة وليجعل طليقته تعد الفطور لهم ..

ومجرد الفكرة اعادت اليها الألم لكنها قاومت وظلت تحت الوسائد حتى بعد الظهيرة بفترة كبيرة وسمعت طرقات على الباب وصوت غسان يقول ..

- آريام هل أنتِ بخير ..؟؟ تأخرتِ في النوم وضيفاتكِ سيصلن بعد المغرب مباشرة .. لا تشغلي بالك بتحضير أي شيء لهن سأطلب كل ما ترغبين بالهاتف ..

أوه يا الهي الضيفات وهبت مفزوعة .. كل خططها أصبحت معرضة للفشل وفي لحظة واحدة كانت تفتح الباب ووجدته مازال يقف هناك وحاولت عدم النظر إليه ومرت بجواره لكنه جذبها من ذراعها بلطافة ليسألها باهتمام ..

- هل أنتِ بخير ؟؟ 

- لا ودعني أمر من فضلك ..

- حسنًا آريام سأترككِ الآن لأني مرتبط بموعد بعد نصف ساعة مع هيلين وإياد وعلي الاستعداد للخروج لكن عند عودتي سيكون لنا لقاء .. والآن هل تريدين أن اطلب لكِ أي شيء بالهاتف ..؟؟

- لا ..

- فقط لا .. لا شرح ..

- لا تشغل بالك سيد غسان الجواري يستطعن العمل بسرعة وتحت أي ضغط ..

وعاد ليجذبها أكثر برفق ..

- كانت غسان فقط بالأمس ..

وأشاحت بوجهها ..

وحررها فاتجهت للمطبخ بسرعة الصاروخ .. لن تنكر هناك الم دفين ينبض في معدتها ولا تعرف السبب الحقيقي له ..

                                       **

لأول مرة تشعر انها سيدة منزل وتستقبل الضيوف بلا تأفف من والدتها وبلا حسرة  من منظر بيتها المتواضع .. لكن الحق يقال شتان بين نشوى وبين أولئك النسوة الأنيقات المثقفات الراقيات الثريات ..

واستقبلتهن في مجلس الضيوف المنفصل ليكن على راحتهن ..

ولأول مرة في حياتها  أيضًا تري تؤام متماثل لهذه الدرجة,, احداهن  تالا وعلمتها بفستانها الأسود وبطنها الصغيرة المكورة لتفرقها عن سارة شقيقتها التي كانت ترتدي الأصفر الزاهي وبجسد رائع ممشوق وبالطبع الثالثة تكون شيرويت وبطنها تبدو واضحة وتكبر في كل مرة تراها فيها عن المرة السابقة .. 

أما هي فقد ارتدت سروال من الجينز مع بلوزة زهرية اللون بأكمام من الدانتيل  وحذاء زهري أيضًا بسيط بدون كعب اشبه بحذاء راقصة البالية لتتمكن من الحركة بحرية وتقديم المأكولات لهن وتركت شعرها حر طليق فظهرت تموجاته الناعمة ووضعت لأول مرة في حياتها زينة وجه واضحة ربما لتشعر بالثقة والأنواع الباهظة التي أصبحت تملكها لم تظهرها مبتذلة بالعكس اظهرتها غامضة وتشكر الله أنها تمكنت من انجاز كل ما تريد في ساعات معدودة وتظهر بصورة لائقة أمامهن  ..

- أنتِ ممتازة آريام في الطهو الم تفكري من قبل في فتح مشروع للطهو المنزلي أو الاستفادة من موهبتكِ تلك ؟؟ أنا لم اتذوق محشي بطعامة ذلك من قبل ..

واجابتها آريام بحماس ..

- أنا درست الثانوي الفني الزراعي قسم تصنيع غذائي ولدى خبرة في الطهو لكنها ابدًا لم ترقى لمرحلة الاحتراف ..

وهنا علقت تالا بتشجيع ..

- إذًا فكري مرة أخرى قبل الحديث عن الاحتراف,, المعجنات رائعة وآه من البسبوسة كيف فعلتيها هكذا ..؟؟

وعادت شيرويت لتقول ..

- لا عجب أن غسان ترك ألمانيا وعاد لمصر بصراحة طهوكِ يستحق أن يمكث في المنزل أربعة وعشرين ساعة متواصلة ..

واحمر وجهها بشدة فما قالته شيرويت ذكرها بما فعله غسان في الليلة السابقة ..

واشفقت عليها تالا من احراجها لتقول بجدية ..

- آريام الأصعب هو اكتشاف الموهبة أما الباقي فسهل جدًا وفقط يحتاج للدعم والتدريب واكتساب الخبرات المناسبة لصقل الموهبة فتتحول لمرحلة الاحتراف  .. مبدئيًا ما رأيك بالعمل معي في دار الأيتام ..؟؟

وصعقت آريام وقالت بتلعثم ..

- ولكني لا املك أي مال لأتبرع للدار .. ثم أني اعتقد أن غسان لن يوافق..

- ومن قال نحن بحاجة للمال ؟؟ في البداية الدار كانت قائمة بخالد زوج سارة فقط وكنت اسعى لجمع التبرعات أما ومن بعد عودة حازم وشيرويت أصبحت الأموال فائضة وتحتاج لمن يستخدمها ويوظفها بصورة صحيحة لخدمة الأطفال ولمعلوماتكِ آريام الشق الأسهل هو التبرع بالمال أما الشق الأصعب واعتقد أنه الأكثر ثوابًا هو التبرع بالمجهود والوقت .. استخدمي موهبتكِ وضحي بالقليل من وقتكِ لإسعاد الأطفال والطهو لهم يوميًا بصورة مبهجة كما تفعلين وبخصوص موافقة غسان لا اعتقد أنه سيرفض وعلى كل حال سيكون عليكِ اخذ رأيه لنعرف بصورة مؤكدة ..

ربما غسان حقًا لن يوافق .. العلاقة بينهما محيرة للغاية حتى لها .. ما الذي يجعل غسان يجبر فتاة كآريام على زواج لا تريده وفي النهاية تكون بكل هذا الحزن ولا حتى تستمع بالترف ..؟؟ وما الذي يجعل غسان المتحضر يمد يده على فتاة مستكينة مثل آريام .. من خبرتها تستطيع تحديد السيدات الطامعات الخبيثات أمثلة عبلة وهدى وآريام لا تنتمي لهن بأي صورة ولا تقترب حتى.. كل ما يربطها بهن انها فقط من طبقة متواضعة ماديًا لكن بالتأكيد ليست متواضعة أخلاقيًا ..

- حسنًا آريام لو رفض غسان خروجكِ فربما تستطيعين العمل من المنزل.. جهزي ما تستطيعين عمله وسأرسل لكِ السائق لينقل المخبوزات للدار كلما استطعتِ .. البداية التدريجية ليست سيئة بأي حال المهم أن يكون لكِ حياة خاصة بعيدة عنه .. والأهم أن يكون لكِ هدف .. واعدكِ آريام لو تحسنت الأحوال في النجع واستقرت الأمور سأعلمكِ أنا اللغة الانجليزية لكن التعليم يكون مرحلة لاحقة لمرحلة بناء الشخصية وهذا ما اريدكِ أن تكتسبيه من تالا .. بدون شخصية متوازنة  سوية فلا فائدة من التعليم ..

في البداية كانت متهيبة من الحديث .. ربما تنطق كلمة بلهجة بلدي تثير سخريتهم منها وظلت متحفظة لبعض الوقت لكن مع مرور الوقت بدأت تتصرف على طبيعتها ولا تبالي لأي كلمة غريبة تخرج منها فشيرويت شخصيًا كانت أحيانًا تستخدم اللهجة الصعيدي ولا تخجل منها ..

ومع انها لا تعرف سلمى تلك لكن الأحاديث عنها شيقة ..

- ينقصنا سلمى لنعيد الذكريات ..

- دعيها اعتقد انها الآن مشغولة بتربية حسام واعادة تأهيله .. المجنون اختطفها من الشارع .. لو رأيتها يومها كانت تخرج الدخان من اذنيها وحسام يبدو لجوارها كطفل مذنب ..

- كنت سأتشفى فيه لو فوجئ بإحضارهم له بسيدة أخرى والأفضل لو كانت عجوز ..

- ذكرتينى بالفيلم سأموت من الضحك ..

وانتبهت شيرويت ..

- أريام سلمى تلك صديقتنا الحميمة وكانت ترفض الزواج من حسام صديق خالد زوج سارة لظروف صعبة وقاسية مرت بها فماذا تتوقعين أنه فعل ..؟؟ لقد اختطفها من الشارع وارسل في طلب أهلها والمأذون وتزوجها.. كم كان الأمر رومانسيًا !!

الحب يفقد الرجال لعقولهم ..

آه يا شيرويت لو تعلمين ماذا فعل غسان؟؟ تقريبًا فعلها هو الآخر لكن لم تكن هناك أي رومانسية في الأمر فقط ضرب واغتصاب واهانة وذل  ..

ولن تستطيع البوح بما فعله لأي احد وستتحمل بمفردها جريمته والتستر عليه أيضًا ..

وعلى الرغم من كل مخاوفها من ارتفاع  المستوى الاجتماعي لضيفاتها لكن جلستهم كانت بسيطة محببة لتقضي على أي مخاوف لديها ..

كلما زاد رقي الانسان كلما زادت بساطته ونقائه واتسعت نظرته للأمور لتتغاضى عن توافه الأمور فيهتم بالجوهر ويترك المظهر ..

ببساطة قد تتمكن من الوصول لمرحلة الصداقة معهن إذا ما فقط استحقت ذلك ..

التواجد في مجتمع يحتاج للمشاركة والصداقة مجتمع صغير ولتنضم له سيكون عليها اثبات استحقاقها للمكان وجدارتها به ..

لا يفرق معهم أصلها البسيط ولا تعليمها المتواضع ما سيحدد علاقتهم بهم هو تفكيرها ونقاء سريرتها .. كل شيء قابل للإصلاح ما عدا السريرة فلو صلحت صلح كل شيء ولو فسدت فسد كل شيء ..

وانتبهت من أفكارها على سارة وهي تريها صورة لتؤامها عل هاتفها فابتسمت بشغف .. لمرتين في يوم واحد تريى تؤام متماثلة ولكن تالا لا يبدو عليها انها حامل في تؤام فبطنها صغيرة للغاية.. وايضًا ابناء شيرويت غير متشابهين على الاطلاق ربما نفس الدم والخفة لكن الشكل يختلف ريان أقرب في الشكل لأبيه من حمزة ..

وسألت آريام شيرويت بفضول ..

- إذًا ريان وحمزة تؤام غير متماثل ..؟؟

                                        **

- لقد تغاضيت عن افزاعكِ لإياد بالأمس فلا تتمادي هيلين ..

- إياد هو من طلب البقاء معي في هذه الليلة ولم اتمكن من احباطه .. تذكر أنا لم اطلب منك حضوره للمبيت معي .. ثم لما كل هذا الغضب ..؟؟ هل قاطع إياد شيئًا ما ..؟؟

- اهتمي لشؤنكِ الخاصة هيلين ولا تحاولي حتى مجرد التفكير في التدخل في حياتي ..

- انهم فقط بضع ساعات وسأغادر ولن ترى وجهى بعدها فاحتملني ..

- الم تلاحظي انكِ اهتميتِ بمظهركِ اليوم بصورة كبيرة ..؟؟ أنتِ ملفته حقًا هيلين .. وبعد الطلاق تحررتِ من سلطتي وتخطيتِ الحدود المقبولة في لباسكِ ..

وسألته بابتسامة مبتورة ...

- هل تغار حبيبي ..؟؟

- لا هيلين أنتِ لا تنتمين لي لأغار عليكِ لكن لا أفضل الخروج مع امرأة والعيون كلها مركزة عليها أما لو كانت لي فلم اكن لأسمح لها بالخروج هكذا وأنت تعلمين هذا ..

- لا تتحدث كثيرًا هلالي ودعني استمتع باللحظة,, الحاحك المستفز يفسد علي سعادتي وانظر كم هو سعيد إياد ويبتسم لنا بحب ويستمتع بالألعاب التي اختارها.. ولأطمئنك طائرتي في الفجر وسأرحل ولن اضايقك بعدها مطلقًا .. هيا دعنا نطلب الطعام أريد الهمبرجر الدسم مع الكثير من صلصة الطماطم وإياد أيضًا يفضله هكذا ..

                                      **

- آريام لقد عدنا ..

فوجئت بإياد يلقي نفسه بين ذراعيها بحب ويقول بنبرة اعتذار ..

- أنتِ لست حزينة لأنكِ لم تخرجي معنا صحيح ..؟؟ وقبلته بحب ..

- لا حبيبي لست حزينة ,, هل قضيت وقتًا جيدًا ..

- للغاية آريام .. كان وقتًا رائعًا ..

- حسنًا إياد عليك غسل أسنانك وارتداء ملابس النوم وعلى الفراش مباشرة ..

وعلق إياد بخيبة أمل ..

- آريام والدي طلب مني العودة للنوم في غرفتي ..

- ماذا ..؟؟ وأنت ماذا تريد .. الن تشعر بالخوف ؟؟

- أنا رجل كبير الآن وعلي النوم في غرفتي ..

وفجأة تدخل غسان في الحديث .. متى انضم اليهما..؟؟ لم تشعر به مطلقاً.. - بل أنت بطل كبير ولا شيء في المنزل يخيف إياد ..

- نعم أبي معك حق ليلة سعيدة واختفى في غرفته على الفور ..

والآن اصبحت تشعر انها وقعت في فخ .. حتى الحماية التي كان يوفرها لها اياد اختفت فشعرت بالاختناق .. وسمعته يسألها ..

- كيف كانت أمسيتكِ ..؟

- جيدة ..

- اممم .. اشم رائحة مأكولات شهية .. الن تقدمي لي منها ..؟

بهتت بشدة وتلعثمت وقالت بارتباك ..

- اعتقدتك ستأكل في الخارج ..

- لا آريام لم اتناول أي شيء .. كنت اعلم أن المنزل سيكون عامرًا بالمأكولات الشهية لذلك انتظرت لاكل من يدكِ.. هل ستخيبين ظني وتخبريني انكِ لم تضعيني في حساباتكِ وتحجزي لي البعض ..؟؟

وزادت حيرتها وزاد ارتباكها وقالت بأدب ..

- بالطبع لا,, يوجد المزيد ..

وتمسك بكفها ليسألها بفضول ..

- لكنى لم اكن في بالكِ وأنتِ تقدمين الطعام اليس كذلك ..؟؟ لم تحفظي البعض لي عن عمد ؟؟

وحينما تجنبت الاجابة اطلق سراحها .. فركضت للمطبخ لتحضر له الطعام .. ماذا تريد غسان..؟؟

واعدت له السفرة ثم همست ..

- الطعام جاهز ؟؟

- صحنًا واحدًا ؟؟!! الن تشاركيني؟؟ .. أنا لا احب الأكل بمفردي ..

- لا أنا اكلت في وقت سابق ..

- شاركينى آريام هذا أول طلب اطلبه منكِ فهل ستخذلينني ..؟؟

وعلى مضض احضرت لها صحنًا وفي نيتها عدم المشاركة الفعلية لكنها حقًا مستنزفة وغير مستعدة للجدال ولا للعراك ..

- المعجنات جيدة جدًا والكفتة رائعة أما السلطات فتفتح النفس وتشهي.. ماذا كان رأي ضيفاتكِ في السفرة والتقديم ..؟

سؤاله الهب حماسها فهتفت بحماس ..

- اعجبوا بالأكل جدًا حتى أن تالا طلبت مني صنع المأكولات لأطفال الدار كعمل تطوعي ..

وهربت منها الكلمات قبل أن تستطيع ايقافها,, الآن سيجن جنونه وستعاني هي ..

وانتظرت عواقب فعلتها لكنه أكمل أكله بتمزج أدهشها ليقول بنبرة لم تفهمها ..

- أنتِ تستحقين المرتبة الأولى في صنع محشي ورق العنب لقد ملكتِ قلبي به..  على كل حال آريام ربما لاحقًا تستطيعين لكن حاليًا لا يمكن لأنه من المتوقع سفرنا للنجع في غضون أيام ولا اعلم متى سنعود ..؟؟

- حقا ..؟؟!!

- حقًا ماذا ..؟؟ حقًا تستطيعين أم حقًا سنسافر النجع ..؟

وحقًا حقًا لا اجابة لديها .. صحيح هو لم يوافق بصورة قاطعة لكنه لم يرفض أو يتعصب ويغضب .. هو يأجل الأمور لبعد عودتهم من النجع ..

هناك شيئًا ما تغير في غسان .. ليس فقط في معاملته لها بل في حدة احتقاره وكراهيته لها .. منذ يوم زيارة نشوى وهو تغير وكأنه حينما سحق عظامها يومها تخلص من شحنة الغضب " فش غله فيها " كما يقولون وبدأت تتمتع بجانبه المتحضر هي الأخرى مثلها مثل الناس ..

وفي الحقيقة هي لا ترحب بهذا التغيير .. التغيير الآن يقلل من شعورها بالحقد والكراهية الذي تشعر به يهرب من بين ايديها ويتضآل .. كل دقيقة تمر يمحي غسان سيئة من سيئاته على حساب كرامتها ..

وشغلت نفسها في لم السفرة وسألته هل تريد القهوة فأجاب بالنفي وقال.. - آريام ..

كان يبدو أنه يريد شيئًا أخرًا وبصورة أكثر الحاحًا من القهوة ..

- لقد ارسلت إياد للنوم في غرفته ..

ماذا تريد غسان ؟؟ وخفق قلبها بجنون وفهمت تلميحه المستتر ..

- آريام سأستعير كلماتكِ المتزوجين قديمًا ينامون سويًا ونحن تزوجنا منذ فترة واعتدنا على بعض ..

هزت رأسها بعدم تصديق ..

- هذه كانت فقط حجة تبريرية لإياد ..

- لإياد ولوالد إياد .. آريام أنا اريدكِ الآن .. ستنامين في فراشي بدأ من اليوم ..

                                 **

- غالب لا تهدم ما افعله وما بنيته أنت بشجاعتك.. أنت اشعلت شرارة الثورة فلا تتركها تخبو صحيح زبيدة لم تقتنع لكن مرارتها خفتت كثيرًا .. يومًا ما اتهمني كلاكما بالتخاذل والآن احاول اتخاذ القرار نيابة عنكما لكني لا اجد منكما تفاعل  ..
ولم يعد هناك مجالًا للتراجع فأنا اكتشفت أن تنازلي عن الشياخة لك لا يعفيني من المسألة أمام الله واكتشفت أن التغيير مهما أن كان صعبًا وطريقه محفوفًا بالمهالك لكن ليس مستحيلًا بل وممكنًا،،، اذًا فلننجح في التغيير أو لنمت في سبيل ذلك ..

- كل هذا كان حلمي وكنت أحارب وحدى وتحملت كل شيء وكنت سأتحمل أضعاف لكني في طريق الثورة والتغيير تسببت بضرر بالغ لزبيدة ولأحققه علي أن اضحي لا فقط بعلاقتي بزبيدة بل بكل حياتها وصحتها .. الحالة الطبية التي كانت فيها خطيرة حقًا معتصم .. ضع نفسك مكاني واخبرني ماذا كنت ستفعل ؟؟

- اذًا اترك لي ادارة هذا الأمر .. الثورة ليست زرًا تضغطه لتشعلها ثم تعود وتطفئه .. الثورة حماسة والهاب للمشاعر,, الثورة أمل منحته للبعض ولو حرمتهم منهم ستكون قاتلًا حتى ولو من غير سلاح ..

أنا تحدثت مع زبيدة بالفعل وانتظر منها ردًا ربما هي مجروحة لكنها لن تتحمل وزر المئات ولا دم مطاوع .. للآن غالب هي لم تعطيني ردًا مباشرًا لما طلبته منها لكن حتى لو رفضت فأبشرك انها اصبحت تتفهم موقفك وهذا سيجعلها بخير  ..

- وكأني لا اريد معتصم .. وكأني لم احلم واقتربت من الحلم .. ؟؟

- إذًا واصل غالب بالأمس كنت بمفردك وكنت أنا حقًا متخاذل واليوم أصبحنا كلنا معك والله مع الجماعة ولا تنسى الحرب خدعة ثم هدى حاليًا ليست زوجتك بل أصبحت من الأعداء وخداعها سيكون حلالًا ..                

- لا افهمك ..

- شيرويت ذهبت لزيارة فالح في محبسه واخبرها أن هدى شريكته في الجريمة وكانت تخطط معه خطوة بخطوة وعلى علم بكل خططه وتوافق عليها فقامت بالتفاوض معه ليعترف عليها ..

ولمعت عينا غالب ببريق الأمل ..

- حقًا سيفعل ..

- لأكون صريحًا معك حينما علمت غضبت منها بشدة ولم اسألها عن التفاصيل لكن حينما هدأت وفكرت بعقلي علمت أن بعض التضحيات الشخصية طالما ستخدم الصالح العام لن تكون بلا ثمن وادركت انك محقًا تمامًا .. جميعنا عليه التخلي عن جزء من أنانيته وحبه للذات في مقابل الصالح العام أنا اتنازل عن حقي في اعدام غالب والقصاص منه لقتله ابني وأمي وجدي  وزبيدة تتحمل جرحها وأنت تتحمل الزواج من عقربة جميعنا عليه المشاركة حتى يتحقق الهدف .. أنت كنت مصيبًا غالب لكن استلزمنا الأمر بعض الوقت حتى نتقبل الفكرة .. فكرة العطاء والتضحية لأجل الغير .. فكرة التضحية بأكثر شيء تحبه وتتحمل الألم في مقابل هدف سامي  ..

" لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون " وكانت تضحيتك بزبيدة اثبات لا يحتمل الشك صدقني غالب ستنال البر وادعوا الله أن يكون لنا مكان لجوارك..

                                       **

وانهال عليها بالصفعات غير عابئًا لكونها تحمل طفله ..

صفعات غاضبة وركلات ولكمات ربما لا يتذكر حتى والسبب انها استفزته ..

وحينما تكومت أرضًا جثا على ركبتيه ليهتف بهلع ..

- فاتن حبيبتي هل أنتِ بخير ..؟؟ فاتن اجبيني ..

لكنها اغمضت عينيها ولا تجيب ..

واصبح يركض في المنزل كالمجنون واتصل بالإسعاف وعاد اليها يحتويها بين ذراعيه ويقبل جبينها ..

- فاتن ارجوكِ افتحي عينيكِ واجبينى .. أنا حقًا اسف لن اضربكِ مجددًا وأنتِ لا تستفزيني مجددًا,, أنتِ تعلمين اني احبكِ بل اعشقكِ بجنون,, تجنبي الحديث معي حينما اكون ثائرًا .. سامحني حبيبتي اليوم كنت غاضبًا وأنتِ استفزتني واعلم انى ضربتكِ بقسوة اليوم لكنك تعلمين اني احبكِ اليس كذلك وستسامحينني ككل مرة اليس كذلك ؟؟

وبدء يشعر بسائل ساخن يغمره ..

الرحمة يا إلهي انها تنزف من بين ساقيها ..

لقد جعلها تجهض حملها وتخسر الجنين ..

وبدء هو في البكاء بانهيار وحملها بين ذراعيه وخرج ليحاول انقاذ ما يمكن انقاذه ..

                                   **

- سارة ..

- مرحبًا شيماء .. افتقدتكِ للغاية العفريت الصغير يشغل كل وقتكِ ..         

- انظري كم كبر سارة ..

- حقًا شيماء لقد كبر وأصبح رائع الجمال ..

- هل تتذكرين اليوم الأول الذى جاءني فيه؟؟  كان صغيرًا جدًا لكنه يحب الرضاعة حقًا .. سارة لليوم لم اشكرك  لكن حقًا شكرًا لكِ ..

وتلعثمت سارة وهى تسألها ..

- ولماذا الشكر ..؟؟

- لا تحاولي التقليل من قيمة ما فعلتيه وانكار الفضل لنفسكِ .. لقد أخبرتني والدة ياسين بكل شيء.. حقًا شكرًا لكِ فلولا تفكيركِ في منحي نور ما كنت صمدت .. كنت سأموت ألمًا حقًا وعودة الحياة في جسدي اعادتها لياسين فصمد هو الآخر وصمد نور ليكبر ويصبح أجمل طفل على وجه الأرض .. كانت فكرة بسيطة منكِ يا سارة لكنها افلحت وانقذت حياة ثلاثة اشخاص ..

ودمعت عينا سارة ..

- لم استطع مراقبتكِ تموتين حزنًا واقف عاجزة وكنت اعلم أن والدة ياسين لا تستطيع الاعتناء بنور بمفردها لأسباب عدة أهمها اكتشافها لصدمة وجود ابنها بين الحياة والموت فوجدتني افكر في منحكِ نور وحينما رأيته علمت انكِ ستعشقينه فحقًا كان قطعة من والده بالإضافة كان رضيعًا ملائكيًا ولم يعلم أي أم سواكِ وأنتِ بداخلكِ حنان وأمومة تكفي الجميع وتفيض واختبرتها مع تؤامي بنفسي وتأكدت من انكِ لو رأيته ستعشقينه وستقبلين العناية به فتعمدنا تركه بمفرده بجوار غرفتكِ وصدق كل حدسنا .. الأمومة شعوري فطري وانجذبتِ لنور وانجذب لكِ .. استمتعي به شيماء أنتِ تستحقينه وتأكدي أنه لكِ حقًا فالحمل أسهل مرحلة في الأمومة .. الأصعب منح الحب والحنان  والأمان ..

هناك أشخاص خلقهم الله لنشر الحب والدعم وسارة احدهم ..

مهما حاولت شكرها لن تفيها حقها لكنها تعلم انها لا تريد الشكر بالكلمات فأمثال سارة وأمثالها يستمدون سعادتهم من سعادة الغير ..

وتنحنحت بإحراج ..

- والآن سارة اريد منكِ خدمة أخرى ..؟؟ مهمة انتحارية جديدة ربما .. اريد استعارة عطر من عطوركِ..

وجذبتها سارة لغرفتها واشارت لطاولة الزينة ..

- اختاري ما تريدين ..

- ونظرت لعطر جادور بضيق ..

- هذا لا .. لدى منه العشرات .. انه سبب مأساتي ..

- توجد أنواع عدة اختبريهم لتقرري ..
واختبرتهم شيماء جميعًا وهتفت بحيرة ..

- لا استطيع الاختيار,, أنا كنت تقليدية في عطري ..

وناولتها سارة قنينة عطر من نوع " جوي " .. 

- جادور يعشقه الجميع شيماء لكن هذا الأفضل على الاطلاق وعن تجربة,, سيكون له مفعول السحر وهذه المرة انتظر شكرًا وافيًا ..

ستغير عطر الخيانة بعطر سارة الذي تسميه عطر الحب ..

ستمسح هي بعطر الحب كل جسدها وتبتهل أن يهبها الله القوة لتهبها لياسين كما اعتادا ..

                                   **

مجلس بسيط ومتواضع لكن كان من رابع المستحيلات أن يخطو بداخله لولا أن خدمته الظروف وكان مجلس العشر الذي سيحكم المئات أقرب اليه منه  ..
منطقة شعبية وبيت شعبي متهالك وعمال يكدحون من أجل لقمة العيش، لكن كان جلوسه وسطهم كما يجلس الآن يفوق أحلامه حتى حانت لحظة واحدة فارقة ..
كانت لحظة سلم فيها نفسه لشيطان أوصلته للحضيض ولحسن حظه اتت لحظة أخرى منحته فرصة لمحو جزء من ماضيه .. لحظة جعلته يمكن سامي من الحفاظ علي ذراعه فحملها له الأشقاء وحاولوا التظاهر بأن شيء لم يكن لأجل سامي لا لأجله لكن في النهاية ستتبقى دائمًا غصة تقف في الحلق لتذكرهم جميعًا بما مضي وتعلمه أن طريق المغفرة طويلًا جدًا وعليه شقه بمفرده وعلى قدميه  ..

وكان هناك عطرًا دفينًا تنشقه,, أنه عطر الحب الذي يؤلف القلوب وينقيها ويجمعها ..
وتركته آريام مع والدها وشقيقيها وأخذت تتجول في المنزل  ..
المنزل لا يكون جدران وأرضيات وصبة سقف,, المنزل هو الأمان والسند بمن فيه لا بما فيه ..

لماذا على الدروس أن تكون قاسية هكذا ..؟؟ لقد تعلمت درسها لكن بأشد الطرق قساوة وحتى الاغتصاب لم يكن يقارن برؤية أشقائها لها في هذا الوضع وللآن لا تعلم هل كان من الأفضل لها أن يبوح غسان بكل الحقيقة ويخبرهم عن استعدادها للتفريط في شرفها مقابل الأموال أم يمرر الأمر وكأنها لحظة ضعف مرت بهما وأصلحها بالزواج كما فعل ..؟؟

ايهما أخف وطأة على أشقائها ..؟؟ ولتكن محقة ولا تجحف غسان حقه الخيار الثاني هو الأفضل لها بالتأكيد .. كان من الممكن أن يثبت كلامه بكل سهولة وهي لم تكن لتنكر ويتنصل منها ويلقيها هي وأشقائها في الشارع بدون أي التزام والأدلة كانت متوفرة وبكثرة ..

لكن النتيجة النهائية أصبحت زوجته وانقذ ذراع سامي من البتر ..

ربما كان الأمر كله مقدرًا من البداية لأجل سامي ..

حينما كانت تعتقد أن الحياة ليست عادلة كانت تعيش في بؤس والآن اكتشفت انها عادلة جدًا ومنحت سامي ذراعه بمعجزة تسمى غسان ..

واخر ما كانت تتوقعه أن يأتي غسان اليوم ليجلس وسط عائلتها بكل بساطة ليثبت لها نظرية الحيرة ويكفي أنه حينما رفضت النوم في فراشه لم يغضب ومرر الأمر ولأيام لم يطلبها مجددًا وتركها بحرية في غرفتها صحيح غامرت بإغضابه برفضها الحاسم لكن اكتسبت جزء من كرامتها المهدورة عند قدميه ..

ووجدت نفسها تقف أمام غرفة أشقائها حيث يجلس سامي ويرفض الخروج  متعللًا بمرضه وتشجعت وطرقت الباب ودخلت ..

كان يضع ذراعه أمام عينيه يتأملها ورفع رأسه ونظر إليها ولم يتحدث ثم اشاح بوجهه بعيدًا عنها..

واقتربت وهي ترتجف وتتعثر في خطواتها لكنها يجب أن تتحدث اليه ..

حتى أيام مرضه كان يتجنب الحديث معها لكن هذا يؤلم,, يؤلم يا سامي وبشدة ..

- سامي ..

- ماذا تريدين .. ها قد نلتِ كل ما تتمنين لماذا ما زلتِ تعرفينا من الأساس نحن لسنا من مستواكِ الآن .. هيا آريام زوجكِ الثري ينتظر,, ارحلي معه ولا تعودي وسنساكِ نحن أيضًا .. نسيانكِ أفضل علي كل حال ..

وبدأت في البكاء وكانت أكيدة من انه أيضًا دامع العينين وتعلم ايضًا أن حديثه من وراء قلبه لكن ما فعلته لا يمكن غفرانه أو نسيانه ..

- سامي ارجوك اسمعني كل ما تقوله و تفعله سأتحمله إلا أن تغلق قلبك دوني .. أنا احتاجك شقيقي ..

- وهل تذكرتِ أن لكِ شقيق في اللحظة التي نكستِ رأسه فيها وعفرتِ وجهه بالتراب .. لماذا آريام .؟؟ اخبريني ما الذى يجعل فتاتي الصغيرة تتصرف كالعاهرات وتسلم نفسها لرجل ..؟؟ لن اذكركِ بالحلال والحرام ولا بعقاب الله  فأنتِ بالتأكيد تعلمينه لكني سأسألكِ عن كرامتكِ .. أين كانت كرامتكِ وأنتِ وأنتِ..

- كفى سامي ارجوك أنا دفعت كامل الثمن ..

- أي ثمن دفعتيه آريام ..؟؟ أنتِ تزوجتِ طبيب ثري وشهير ولم يعلم أحدهم بفعلتكِ سواي أنا وشقيقاكِ المساكين .. أنتِ تزوجتِ وكرامتكِ محفوظة أمام الناس ونحن كتب علينا الشقاء الأبدي مع ذكرى وجودكِ بين أحضانه .. هل تعلمين شيئًا لو أنا مكان غسان ما كنت تزوجتكِ .. نعم أريام هذه هي الحقيقة لماذا سأتزوج فتاة رخيصة وأنا أخذت منها كل ما اريد .. ؟؟ لذلك على الرغم من كل خسته ونذالته أصبح صاحب فضل علي وستر لي شقيقتي التي حقًا لا تستحق الستر.. تخيلي وضعي وألد اعدائي صاحب فضل علي وزادها بأن انقذ ذراعي ليكبلني بجميله للأبد ..

ونظرت لذراعه المضمدة وسألته ..

- كيف حال ذراعك ..؟

- تؤلم آريام,, تؤلم كرامتي وتؤلم قلبي كلما رأيتها وتذكرني بمن كان السبب في وجودها في مكانها..  أحيانًا افكر بانتزاعها ورميها في القمامة لأتخلص من دينه لكني اعود واشعر بالجبن فلا افعلها .. لكن الحق يقال الذنب الأعظم والخلل الأكبر كان من شقيقتي فلا استطيع لوم ذئب لأكله حمل وهبه نفسه على طبق من ذهب ..

وانهارت في البكاء بطريقة هستيرية .. وشهقاتها ترتفع .. لا أمل في مسامحة سامي لها مهما أن فعلت .. ومع كل غضبه وحزنه وكراهيته سألها ..

- هل يسئ معاملتكِ ؟؟

وهزت رأسها نفيًا ..

حسن معاملته لها جعله يغضب بزيادة,, لو كان يسيء معاملتها كان سيجد الحجة الآن لقتله لكنه لا يفعل .. يغلق عليه كل منافذ الغضب ويكبله أكثر وأكثر .. وحتى قبوله لدعوة اليوم دين جديد يضيفه لرصيده يكفي أنه يعامل والديه باحترام وتبجيل وقبل الانضمام لسفرتهم المتواضعة وأكلاتهم الشعبية التي طفحوا الكوتة حتى يستطيعوا توفيرها وهو المعتاد على اغلى المطاعم وأفخرها ..

وصرخ سامي بغضب ..

- لماذا آريام ..؟؟ عقلي سيتوقف لماذا وضعتِ نفسكِ ووضعيتنا في هذا  المستنقع ..؟؟

- كانت غلطة يا سامي غلطة ولن تتكرر سامحني شقيقي وانسى ..

وقبل أن يجيبها دوت طرقات بسيطة على الباب اعقبها دخول والدهما مع غسان وهو يقول ..

- سامي,, الدكتور غسان يريد الاطمئنان عليك يا ولدي ..

بالتأكيد غسان علم عن مواجهتها مع سامي وحضر لدعمها ..

هل حقًا يفعل ..؟؟ هل يدعمها ؟؟؟

وفتح غسان حقيبته الطبية ووجه حديثه لسامي ..

- دعني القي نظرة على الجرح ؟؟

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات