رواية ومنك اكتفيت الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم داليا الكومي
فوق التراب تراب
كانت في أقصى درجات توترها .. لا توتر يفوق ما تشعر به حاليًا .. التعذيب في أنقى صوره حينما تكون قضيتها في نهاية الرول .. الأخيرة بمعنى آخر بعدما يكون القاضي قد تشبع من المشاكل ومن الكلام ولم يعد يستطيع السماع وتكون هي انتفخت من التوتر وباتت على وشك الانفجار ومن حسن حظها أن المحامي تمكن من توفير غرفة صغيرة تختبئ فيها بعيدًا عن عيون عامر المجنون الذي بالتأكيد ردة فعله لم تكن لتكون متوقعة وتشبعت من حضن والدتها الذي افتقدته ..
زواجها كان محنة خرجت منها محطمة وعودة حسام لحياتها تربكها وتجعلها أضعف ..
- لقد نادى الحاجب على قضيتنا سيدتي ..
نهضت وركبتيها تصطدم ببعضيهما من الرعب,, بعد شهور ستواجه عامر الذي اختمر الغضب بداخله ليصبح بحجم مرعب ..
العودة للقاهرة تعني الكشف عن مكانها ووضعها تحت رحمة عامر الذي ربما يكسب القضية ويحتجزها وكان ندمها مضاعفًا بقدر غيظها لامتثال حسام لطلبها العقلاني وعدم الحضور ..
شعورها بالأمان في حضوره يجعلها تشعر بالغيظ فلماذا تشعر بالأمان مع من سبق بالغدر .. ذكرى ساقطته مازالت حية وهي تلحق به وتنظر لها بتشفي .. أن يخونها مع أخرى كانت صدمة كادت تقتلها من الغيرة ومن القهر ومن القرف ..
لذلك بالفعل لماذا الآن تشعر بحاجتها لأمانه الكاذب وعللت لنفسها أن ذلك الشعور نبع من منطلق رغبتها في استغلاله لا عودتها لحبه لكنها كانت تعلم أنها تكذب فهي من الاساس لم تتوقف عن حبه ..
وهوى قلبها بين قدميها من الرعب لرؤيته .. كان ينظر لها بطريقة لم ينظر لها بها من قبل .. كان اشعث الشعر طويل الذقن وكأنه لم ينظر لنفسه في المرآة منذ شهور ويضم قبضتيه بتحفز ويتمسك به محاميه بقوة من ذراعه وكأنه يمنعه من مهاجمتها ..
ثم أصبحت الأحداث وكأنها لا تعنيها وكلمات القاضي كانت كالطلاسم واسئلته لا تعلم حتى بماذا اجابتها وكل تفكيرها ينحصر في ايجاد طريقة للفرار فمهما حكم به القاضي سيكون وبالًا عليها ..
لا لن تعود لمعتقله بعدما استنشقت الهواء .. لن تعود لتحمل تعذيبه وساديته ورغباته المريضة ..
شك وغيرة لدرجة الجنون بل هو الجنون بعينه ذلك الذي جعله يحتجزها في المنزل لسنوات لم ترى فيهم الشارع ..
عنف يحطم عظامها ويترك ندوبه على كل جسدها .. وعلاقات زوجية مرضية مقززة كلها كانت تتم بالاغتصاب والضرب المبرح ..
ساعدني يا الله ..
ثم فجأة ساد الصمت وتحولت القاعة للهدوء التام فحاولت التركيز لمعرفة السبب ومع نطق القاضي لكلماته القاضية تجاوزت عن سبب صمتهم وانتبهت إليه بكل كيانها كان يقول بصوت حاسم ..
" وإذا فرق الحاكم بينهما فهو فسخ لا رجعة فيه وقد بين القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 اذا ادعت الزوجة اضرار الزوج بها بما لا يستطيع معه دوام العشرة واثبتت دعواها وتكررت معها الشكوى وبعد ارسال حكمين عادلين من أهلها وفشلهما في المصالحة أو اثبات ضرر بالغ كما في هذه الحالة تقرر التفريق بينهما بطلقة بائنة بحكم القاضي والله ولي التوفيق .. رفعت الجلسة .. "
الصمت السابق تحول لضجيج ثم صرخات فزع انتبهت لصوتها المميز ومن بين دموع الشكر ودموع الخوف التي غشيتها بسبب الصرخات وفداحة حدث الطلاق الذي تعلم عواقبه شاهدت عامر يسحب سلاحًا ناريًا ويوجهه تجاهها ..
لم يكن لديها حتى الوقت لنطق الشهادتين لكن إن كان الموت يعني الخلاص منه فأهلًا به واغمضت عينيها وانتظرت الموت برعب فائق وفجأة وجدت نفسها تطير من على الأرض وصوت اطلاق نيران يدوي في الجوار حتى أنها شعرت بصاروخ نار يمر قرب اذنها قبل أن يتكوم جسد ثقيل فوقها يثبتها أرضًا ويحجب عنها الرؤيا وشعورها بسائل دافئ يتسلل لكل ملابسها وصوت عامر يصيح بجنون .. " الزانية والزاني "..
إذا هي مازالت على قيد الحياة ولفجعتها وحينما تمكنت من استعادة الرؤيا اكتشفت أن الجسد فوقها هو لحسام والطلق الناري الذي شعرت بمروره سابقًا مستقر في ظهره ودمائه تغرقها حتى أنها صبغت معه بالحمار ..
**
" وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب وإذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب "..
انتصارها الذي سعت إليه والذي جعله يهبط من عليائه ويتذلل تحت قدميها كان منقوصًا ..
كان منقوصًا لأنها استسلمت بكل كيانها وذابت عشقًا بين ذراعيه .. لم يكن يحتاج منها لتصريح شفوي يعلن عن خضوعها والأهم علاقة جديدة جعلتها تنتمي إليه بصورة أو بأخرى والنتيجة كانت صمت وحيرة بعدما انفصلا وفقط صوت لهاثهما يسود ..
لكن من يتجرأ ويتحدث الآن,, رهبة اللحظة تطغي عليهما وهي انتظرت المرحلة التالية بعدما تنتهي الاثارة أن يتبدل كما فعل سابقًا .. نظرات الاحتقار والاهانة (ربما ),, كالمرة السابقة تمامًا ..
وهو لم يكن يحتاج لإثبات ولم تكن بقعة الدماء تلك الدليل على طهارتها فهو مهما انكر لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أنها لن تسلم نفسها لرجل غيره وهذا ليس غرورًا ولكنه يعلم أنها تحبه وحبها من النوع الصعب كحبه حب يؤلم لكنه يسري مع الدماء ولا ينتهي سوى بالموت ..
شيرويت لن تكون سوى له حتى ولو انكرت والبراءة التي اختبرها بنفسه لا يمكن أن يخطأ فيها وعذريتها كانت في كل جسدها .. في خجلها منه ومن صدمتها لما يفعله فالتجربة الأولى لم تكتمل لمنحها الخبرة اللازمة ..
والنشوة التي يشعر بها الآن نتجت من اللذة مع الاكتفاء فحينما تحقق أخيرًا ما حلمت به لسنوات تشعر بسعادة مكتملة ..
رغبته التي حاول ترويضها لسنوات فلتت من سيطرته وتحررت وليس هذا فقط بل قوبلت بنفس اللهفة ونفس الرغبة .. يكفي أنه تأكد من أنها مازالت تثق به فحينما حاول امتلاكها وتألمت وحاولت الهروب ثبتها بعزم وهو يقول .." اهدئي شيرويت وثقي بي " ولدهشته هدأت ووثقت به بعد كل ما كان ..
وفهم أخيرًا .. فهم ما حدث في الماضي وكيف أن تلامسهما يلغي العقل فلا تعود شيرويت شيرويت ولا يعود هو هو ..
حالة من النشوة تطغى وتسيطر وتفرض نفسها ..
وجفلت بشدة وتشنجت حينما حاول ضمها وكأنه فهم ردة فعلها ...
" لكن اطمني حبيبتي هذه المرة تختلف .. أنا اختلف,, الظروف تختلف .. لكن الحب كما هو نفسه " ..
ووجدته يرفع قدمها ويقبلها بشغف ويقول بصوت ينم عن الألم ..
- حبيبتي .. اريد أن اراكِ بالحنة السوداء على اظافرك مجددًا ..
لماذا يعيد ذكريات ذلك اليوم ..؟؟!!
هزت رأسها بعدم تصديق وارادت دفعه عنها لكنها كانت تشعر وكأنها رخوة وخلت من العظام وتشعر بآلام شديدة في كل جسدها وكأنها صدمتها شاحنة مسرعة ..
وتخشب ساقيها من الألم الشديد منعها من استعادة قدمها التي احتجزت أمام شفتيه ..
ولدهشتها تطورت القبلات ورحلت للأعلى في سيمفونية جريئة زادت من تخشبها وخجلها حتى أنها كانت تجذب الشرشف لتداري نفسها وهو القى به بعيدًا ونظراتها لا تفارقه فمصير هذا الشرشف هام جدًا والدماء التي تغطيه تفضح علاقتهما لكنه لم يعطيها الفرصة لتتابعه وامتلكها مجددًا بشغف أكبر من المرة الأولى وبحنان طاغي ..
والتعب بلغ منه الحد فضمها بحركة متملكة اعلن بها أنه يرفض تمردها على القواعد الجديدة التي يفرضها بدء ً من الآن ..
" الخضوع بالحب لا بالقوة "
اليوم هو بداية لمرحلة جديدة وكان يجرب معتصم فيها كل شيء حتى النوم سويًا متلاصقين ..
عليهما الشعور بالأمان واغلاق عينيهما في حضن الأخر.. استعادة الشعور بالأمان أول طريق استعادة الثقة,, فأنا لن انم ملئ العينين وأنا اشعر بالتهديد .. ونامــــــــــــــــــــــا أخيرًا ..
من فيهما يستطيع فهم ما يحدث .. كيف لشخصين أن يحبا بعضيهما كل هذا الحب ويفشل الحب في التقريب بينهما .. صدق معتصم حينما قال. " أنتِ جزء نافر مني يا شيرويت.. جزء أعجز عن السيطرة عليه لكنه يظل جزئي الذي يؤلمني " ..
ربما السبب في صراعهما أنهما متشابهان لدرجة كبيرة ..
من قال أن المتشابهين هما الثنائي الأنجح .. مطلقًا ربما لوكان مختلفين كالماء والنار لأفلحا لكن نار ضد نار يزداد وقتها التوهج ويكون التصادم هائل وينتج عنه طاقة مدمرة..
وحيرته لم تكن أقل من حيرتها بل زادت وغطت حينما يفشل الانسان في فهم نفسه فكيف يطالب الآخرين بفهمه بل وبتقبله ..
أتعبتني يا ابنة العم لكنك خلقتي من ضلعي العنيد .. وظلا على هذا الوضع ليستيقظا على رنين هاتفها الذي انبعث من مكان ما من وسط ملابسها الملقاة على الأرض ولتجد لنفسها حجة للانفصال نهضت لتجيب وعندما وجدت المتصل مجرد رقم ترددت لكنها اجابت لتجد المتصل يقول بصوت يحمل نبرة تشفي ..
- أنا رضوان البهنساوي سيدتي,,, اكاد اجزم اني اعلم سبب طلبك التواصل معي ..
والحيرة اجتاحتها .. هل تريد مواصلة الحرب أم اعلنت راية السلم والاستسلام ثم مفاجأة اتصاله أمام معتصم في حد ذاتها اربكتها بزيادة وتوقف عقلها عن التفكير وكأن معتصم شعر بحيرتها ورجفتها وعدم تمالكها لكفها المهتز فظهر القلق قليلًا علي وجهه قبل أن يتناول الهاتف من يدها ليستمع لصوت رضوان عبر الأسلاك وهو يزيد في التأكيد ..
- مشروع البوابات الالكترونية لضرب معتصم في مقتل أليس كذلك ؟؟
وكانت صدمته كفيلة ليعيد لها الهاتف ويتشنج ..
وهي سمعت ما قاله فصوت رضوان الجهوري كان مسموعًا حتى لها فاجابت بصوت مهزوز ..
- البوابات لخدمة النجع كجزء من مشروعاتي الخيرية ..
فعاد ليعلق بخبث ..
- اعلم بالطبع .. اقدر عدم تمكنك من الكلام وهو بجوارك لكنى فهمت ما تريدين اعتبريني حليفك ثم اغلق الخط ..
ومع أنه انهى المكالمة لكنها ظلت تضع يدها بالهاتف على اذنها وربما ظلت هكذا لساعات لا تعلم بالتحديد لكن يدها تيبست من الألم وانتبهت على صوت معتصم يقول بلوم بعدما تمكن أخيرًا من تجاوز صدمته ..
- لماذا شيرويت ؟؟ الخسة لم تكن من طبعك يومًا ..
الخسة ..؟؟!!
كلمته استفزتها لتصيح بثبات ..
- الويل لك معتصم وتوقع أي شيء حينما اخرجك من قلبي لأضعك في رأسي .. أنت بدأت الحرب فلا تلومني الآن ..
كان مازال متشنجًا وليتسأل بصوت متهدج ..
- هل حقًا اخرجتينى من قلبك شيرويت .. لا اصدقك ؟؟ هل كان جسدك يكذب ويفتعل الحب طوال الساعات الماضية ؟؟
- لا تخلط الأمور معتصم وتحاول التدليس .. ألم نتفق على وجوب حدوث العلاقة الزوجية كي لا ينكشف أمر ريان .. رأيي لم يتغير معتصم .. ربما كانت تجربة جديدة واعجبتني ليس إلا,, لذلك لا تمنح لنفسك ميزات ليست لك في الواقع ..
ابتسم ابتسامة صفراء ليتراجع للخلف ..
- ما زلت وستظلين للأبد كما أنتِ.. لن تتغيري شيرويت وستظلين مهما حييتِ غبية لعينة تجيد الضرب تحت الحزام وتبثين السم من لسانك .. لكن هل تعلمين للأسف حتى بسمك هذا تليقين بي .. من سواكِ كان سيناسبني أكثر منك ..؟؟
- الطيور على اشكالها تقع .. ومن الجيد أنك علمت مع من تعبث ..
- لماذا لا تريدين التصديق ؟؟ ألم اخبرك مرارًا أني تغيرت .. أنا انسحبت من الحرب .. سئمتها ومللت منها واخبرتك سنعيش لبعض الوقت حتى ولو لأيام إلي أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا حياة الأزواج العادية الروتينية المملة ..
اشتاقت نفسي للملل شيرويت لذلك لا تتحججى بي لتواصلي الحرب .. أنا رفعت راية الاستسلام منذ أن علمت بوجود ريان ..
وسأكررها حتى تملين منها " أنا لم اتوقف يومًا عن حبك شيرويت" ,, بالتأكيد اردت عقابك لكن كان مع كل يوم تغيبين فيه عنى كان يتزايد اشتياقي لكِ ليدمرني .. وسأعيد عليكِ كلمتك .." أنتِ بدأتِ الحرب فلا تلوميني الآن .. "
هل فعلًا سُحر له ..؟؟ هل ستعلق الآن اخطائه عل شماعة الدجالين لتجد لنفسها سببًا للغفران يحفظ ماء وجهها ..
كانت تجيبه بصوت مهزوز امتلأ بالشك ..
- من منا بدأ الحرب معتصم ..؟؟
- خلاصة ما توصلت إليه,, أنا بدأت بالخطأ فبدأتِ أنتِ الحرب وحينما تعادلنا وأجرمتِ في حقي بزواجك من أكرم كان دوري أنا لأكمل الحرب ومن وقتها ونحن نبذل قصارى جهدنا لإيلام أحدنا الأخر مع أنه في الواقع أنا لا اتحمل حتى النسيم الذي ربما يجعل شعرك يتطاير أو ذرات التراب التي من الممكن أن تجرح صفاء عينيكِ ..الندم لم يكن يومًا من طبعي لكني ندمت على القسوة التي اظهرتها لكِ وهي لم تكن ما في قلبي حقيقةً ..
خفت من ضعفي أمامك واحتقرت نفسي وكنت وقتها أضعف من الاعتراف بخطئي فحملته لكِ لكني تغيرت أما أنتِ فأجرمتِ حينما أخفيت عني ريان لماذا لم تقولي لي؟؟
- وهل كنت ستمنحني الفرصة للقول كنت ستقتلني حتى قبل أن أنطق..
- كنت فعلتها لاحقًا حينما وجدتكِ لا تكذبي أنت لم تخافي مني لأنك تعلمين جيدًا في قرارة نفسك انني لن أوذيك مطلًقا أنت أردتِ حرق قلبي.. أنا أخطئت وأنت أيضًا لكن القوة التي اصبحت امتلكها الآن اعطتني الشجاعة للاعتراف والقدرة على تصحيح الخطأ .. من العار التمسك بالقاء تبعية أخطائي على الآخرين وافساد الباقي من حياتي..
ليتني اخفيتك في قلبي منذ سنوات وجعلته ملاذًا لكِ .. لكن هل تقبليه الآن شيرويت ..؟؟ هل هناك أي أمل ..؟
أم هل فات الأوان ..؟؟
الحيرة تنهشها .. إن استسلمت الآن ستكون تخون كرامتها .. كيف تكون على وشك المسامحة بعد كل ما فعله بها .. لكن هل حب العمر كله يمحيه حتى الألم ..؟
وقبل أن تجيب دوى صوت انفجار رهيب يصم الآذان وصوت تكسر زجاج تبعهما نار اشتعلت في الشرشف الملقى على الأرض ..
**
فجأة دفعته عنها وبدأت في البكاء بانهيار مما سبب له التوتر والفزع .. رهبة الاطمئنان على عذريتها مع نشوة الحب تطيران العقل لكنها تحتاج إليه في كامل قواه العقلية الآن ..
- ليال حبيبتي ما بكِ ..؟؟ هل أنتِ بخير .. هل أذيتك ؟؟؟ هل تتألمين ..؟؟ هل تحتاجين لطبيبة نسائية؟
اسئلة مرعبة تلك التي جنح تفكيره إليها فهزت رأسها بالنفي وواصلت انهيارها الذي جعله يكاد يجن .. عاد ليسألها بنفس التوتر ..
- اذًا لماذا تبكين ؟؟
حقًا لماذا تبكى ..؟؟
لا تعلم السبب بالتحديد لكن التجربة كانت هائلة وأنفها واصل احمراره بغباء وعجزت عن السيطرة على بكائها الذي سيفهمه بصورة خاطئة بالتأكيد واعطته عذره حينما تخشب وهو يقول ..
- ليال اجبيني بصراحة هل ندمتِ على اتمامنا الزواج ..؟؟ أنا كنت اريدك حد الجنون لدرجة أنني لم اتوقف للتفكير ..
يا لا غبائها .. مازالت تضع الحواجز بينهما وتتصرف بغباء وهي التي كانت تعيب على معتصم ..
كيف يحب أحدهم كل هذا الحب ويعبر بالنقيض,, جينات قذرة هي تلك المسؤولة عن عنجهيتهم وغبائهم وتفكيرها هذا زادها في البكاء..
وبالتالي نهض بحسرة من الفراش ليرتدي سرواله ويفتح النافذة ويبدأ في التدخين بشراهة .. لم تكن تعلم أنه يدخن من الأساس .. لم تلمحه يستعمل السجائر من قبل لكنها كانت متواجدة بالقرب منه وحصل عليها بسهولة مما يعني أنه يدخن باستمرار ..
غبية !!
لكن التصرف الصحيح الوحيد حينما نجرح من نحب أن نصلح ما فعلناه .. أن ندهس كبريائنا الأهوج وننهض لنعتذر ..
ما فعله راضي لأجلها لا يوصف ولا تكفيه المجلدات لتدوينه لذلك عليها التعامل معه بالمثل .. من اليوم وصاعدًا عليها أن تثبت أنها جديرة بكل هذا الحب ..
ولفت الشرشف حول جسدها المهزوز ونهضت بصمت حتى وصلت إليه ولمست جلد ظهره العاري بأطراف اصابعها الباردة مما جعله يجفل ويلتفت علي الفور ولم يصدق عينيه حينما وجدها تكاد تلتصق به ..
- ليال الرحمة .. هل تريديني أن أجن ..؟؟
وتجرأت وفعلتها ..
ارتعشت بشدة لمجرد نيتها على التنفيذ لكنها واصلت والتصقت به عن حق ليدفن أنفه في شعرها ..
- ليال .. أنا لن اعتذر عما حدث حتى ولو كنت وعدتك سابقًا بزواج على الورق واخلفت وعدى .. هناك بعض الوعود نفشل في الوفاء بها ..
همست بصوت متقطع ..
- راضي .. راضي أنا لا اريد اعتذار ..
ابعدها قليلًا لينظر في عينيها ..
- إذًا ماذا تريدين ليال ..؟؟
- حبك ..
نظر إليها بدهشة وهو لا يصدق أذنيه ..
- نعم راضي أريد المزيد من حبك ..
ربما هي لا تعني ما قالته لكنه سيخدع نفسه بذلك .. مازال لديه المزيد والمزيد من الحب وسيريها الحب عمليًا حتى لو كان فهم ما تقوله بالخطأ لكن لو كان هناك أمل ولو ضئيل سيتبعه لآخر الكون ..
وبقوة رفعها من على الأرض وحملها للفراش مجددًا ليرقدها فوقه بلطف وينضم إليها وربما سيحتاج لعملية في اذنيه قريبًا لأنه فور ضمه لها سمعها تقول ..
- أحبك ..
**
منذ دقائق سابقة ..
تلفت حوله بانتباه مضاعف وهو يتسلل لداخل الحظيرة حاملًا للجالونات التي سوف تحيل الليل لنهار .. كان من المفترض أن ينفذ في تمام الثانية صباحًا لكن رجال الشيخ ظلوا لقرابة الثالثة يتسامرون في الحديقة بجوار تلك السيارة العجيبة التي لم يروا مثلها من قبل ولذلك اتفقوا على التأجيل .. الرابعة إلا ربع هي ساعة الصفر الأن بعد الاتفاق النهائي مع رجال غندور ويتبقى عليها دقائق فقط ..
الحظيرة مؤمنة بالكامل لتمنع سرقة البهائم لكنها مؤمنة لتمنع خروج البهائم لا مؤمنة ضد التسلل فنفذ المتسلل بجسده الضئيل من فتحة التهوية في الجدار التي بالتأكيد لا تسمح بمرور عجول بخلافه الذي مر منها بسلاسة مع جالوناته الخطيرة وابتسم بتشفي ..
اشعال النيران متعة لا يعلمها سوى من قام بها من قبل ..
والحظيرة تلتصق بالحديقة من جهة وبمخازن الغلال من جهة اخرى مما يعنى أن النيران ستمتد للخارج وستمنع هروب الناس من المنزل بعدما يشتعل هو الأخر وتسد عليهم الطريق وسيحاصرون في منزل مشتعل ..
وفي كل الأركان بدء بسكب الوقود على هيئة خط متصل حتى تشتعل الحظيرة بالكامل في نفس الوقت وفي النهاية أكمل خط الوقود حتى الفتحة التي نفذ منها قبل أن يعتليها مجددًا ويلقي بعود الثقاب المشتعل ويقفز للخارج ومن خلف الجدار شاهد السنة اللهب ترتفع وعلم أن مهمته تمت بنجاح فرحل ليختفي من حيث اتى ..
وفي اثناء انسحابه اشار بعلامة النصر لرفيقه الثاني الذي استلم الاشارة منه وقبض علي زجاجة المولوتوف بقوة قبل أن يشعلها ويقذفها بكل قوته مستغلًا مهارته في النيشان لتصل للنافذة التي اختارها تمامًا ..
وتوالت القذائف وتوالت الانتصارات وكل زجاجة مشتعلة تناولها من رفيقه القى بها بقوة وغل لتشعل مكان آخر ..
النيران تشتعل في كل مكان وصوت الصراخات يصل له عبر المسافات ليمنحه نشوة .. نشوة الشر ..
**
حينما يتحول الليل في غمضة عين لنهار فهذا يعنى أنها القيامة وإن لم تكن القيامة الكبرى ونهاية الدنيا فهي نهايته هو ..
الانفجارات المتتالية ورائحة الحريق التي تتصاعد وربما تحمل رائحة شواء اللحم البشري معها جعلاه يتخلص من صدمته سريعًا ويحاول انقاذ ما يمكن انقاذه ..
وكان انقاذ الأطفال أول ما جال في خاطره مع والدته المقعدة التي لم تسعفه النيران المستعرة والتي كانت من الشدة بحيث احالت المنزل لقدر ضخم يغلي جميع من فيه الوقت اللازم للتخطيط حتى أنه شعر بالعجز مع صرخة شيرويت التي حملت كل رعب الدنيا .. كان كل تفكيرها منحصر في ريان والنيران التي لا ترحم ..
- معتـــــــــــــصــــــــم ..
لا هي قوية ولن تنهار الآن وعليه الحديث معها بشدة لتتمالك نفسها ..
كان يهزها بقوة وهو يقول بصوت صارم ..
- شيرويت أنتِ قوية بقدري وربما اقوى .. نحن فقط من نستطيع المساعدة في الداخل تذكري حالة والدتي والأطفال .. ارتدي ملابسك علي الفور ودعينا نخرج من هنا .. لن استطيع فعل أي شيء بمفردي أنا احتاج لمساعدتك ..
كلماتها اعادت لها بعض صوابها وفي لحظات كانت مرتدية لكامل ثيابها أما معتصم ففي نفس اللحظات كان قد ارتدى ثيابه واتصل بمأمور المركز يبلغه واتصل برجاله في الخارج وبدء في تقييم الوضع وهو يقودها بعيدًا عن الغرفة التي تشتعل بسرعة البرق ..
الغرف التي لها نوافذ علي الحديقة اشتعلت بالكامل والحديقة حوصرت بالنيران من جهة الحظيرة التي بدأت تفر منها الحيوانات لدرجة أنهم حطموا الباب من ضغطهم عليه وفر الباقي مشتعلًا ينشر النيران في زرع الحديقة ومبانيها وحتى للمنزل نفسه ويصرخ من الألم كالبشر تمامًا ..
كانا يسابقان الوقت ويركضان في المنزل المشتعل الذي بدأت تتساقط بعض الألواح من سقفه بقوة لتصيب صاحب النصيب وفجأة وجدت نفسها تطير بفعل قبضة معتصم ليسقط لوح خشبي ضخم مشتعل في المكان الذي كانت تحتله منذ جزء من الثانية فقط ..
المنزل تحول لسيرك والجميع يحاول الخلاص بروحه ولم يتوقف أحدهم للتفكير أو للمساعدة " يا روحما بعدك روح " ..
فحالة الاختناق من الدخان وصلت لذروتها وبدؤا جميعًا في السعال ومع صياح معتصم بصوت عالي وهو يجذب غطاء رأسها ويصب فوقه الماء ويحكمه حول أنفها ..
- ضعوا مناشف مبللة على انوفكم وازحفوا على ركبكم‘‘ الدخان يتصاعد عاليًا أولًا ..
وسمعها تصرخ بيأس ..
- ريان وسليم وحمزة ...
يا الله من أصعب لحظات حياته .. المسافة حتى غرفة الأطفال لا تتجاوز الأمتار لكنها كانت كالأميال مع حالة الاختناق والحرارة الرهيبة التي تصهر المنزل بأكمله .. اخراج ثلاثة من الاطفال مسؤولية مخيفة لذلك هتف بها بصرامة وهما يهبطان الدرج حتى غرفة الأطفال في الطابق الأسفل ..
- شيرويت اسمعينى جيدًا ..انتظري خارج الغرفة واحملي ريان حينما اسلمه لكِ وابتعدا عن المنزل بأقصى سرعة ولا تنظري للوراء مهما حدث هل تفهمين؟؟
هتفت بارتياع ..
- والطفلين ؟؟ وأنتم ؟؟
- أنا سأخرج الطفلين ثم أمي ثم جدي .. لا تخافي فقط استمعِ إلي‘‘ لا مجال للعند اليوم شيرويت ..
انتظرت كما اخبرها على باب غرفة الأطفال التي حينما فتحه معتصم شاهدتها مشتعلة بالكامل فقد ساهمت الستائر التي كانت تحيط بأسرة الاطفال في تحويل الغرفة لجحيم لا يبدو أن أحدهم سينجو منه ..
ولم ينتظر معتصم للحظة بل اقتحم الجحيم بنفسه لاخراج اطفاله وقلبه يخبره أن أحدهم لم ينجو من الحريق ..
وبدأت تشعر بضيق شديد في النفس حينما تبعته لدخول الغرفة على الرغم من تحذيراته ورؤيتها لمعتصم يحمل سليم مشتعلًا بالكامل والنيران تمتد لذراعيه بسرعة رهيبة قضت على الباقي من وعيها وصوته وهو يصرخ بانهيار ..
" سليــــــــــــــــــم" قضى على آخر درجة في وعيها الذي كانت تحارب للحفاظ عليه لإنقاذ ريان ..
**
الحمد لله .. لا يعلم أي هاجس ايقظه من نومه ليجعله يقفز من فراشه مذعورًا ويغادر منزله بملابس النوم بدون حتى التفسير لزبيدة المدهوشة عن السبب ويتجه للمنزل الكبير كالمسحور ليفاجأ من بعيد بالنيران تضئ الليل وتحوله لنهار ..
يا الله الطف بنا,, ومع فرار الجميع للخارج كان هو الوحيد الذي يتجه للداخل ليلمح حارس شيرويت الضخم يتفحص السيارة العجيبة لكنه لم يتوقف لتوبيخه .. لماذا لا تدخل للمساعدة أليست تلك وظيفتك؟؟ وأين باقي الرجال ربما هم في الداخل لكنه واصل طريقه واقتحم المنزل ليجد شيرويت تحاول التماسك على باب غرفة الأطفال لكنها تهتز خطواتها وتسقط فاقدة للوع علي بىاب الغرفة ووجد هنية تصيح بذعر..
- سيد غالب النجدة .. السيدة عديلة تحترق ..
كان في حيرة من أمره بين شيرويت التي اختنقت وفقدت وعيها وبين زوجة عمه المقعدة وحسم أمره ليصيح بهنية بصوت حاسم ..
- هنية .. ساعدي السيدة شيرويت وأنا سأدخل لنجدة زوجة عمى ..
ولم تكن لتنتظر توجيهاته .. صحيح فر كل الخدم بدون عرض المساعدة على أهل المنزل لكنها تختلف ..
كانت تسحبها للخارج بكل قوتها بعدما اختفى غالب في الغرفة المشتعلة وحمدت الله حينما شاهدت رجال السيدة الذين حضروا معهم من القاهرة يقتحمون المنزل وهم يحملون العديد من طفايات الحريق وعندما قيموا الوضع حمل أحدهم شيرويت على كتفه واشار لها بتتبعه وذهب الآخران للمساعدة ..
وكان آخر ما سمعته من داخل المنزل صوت السيد غالب المنهار ..
- لا حول ولا قوة إلا بالله ‘‘ لقد تفحمت زوجة عمي بالكامل .. البقاء والدوام لله وحده ..
وصوت أحد رجال الحراسة وهو يناضل مع صراخ السيد معتصم الذي كان يرفض مغادرة غرفة أبنائه..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية