رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ولاء محمد رفعت

عدما أنتهت ليلتهم الشاعرية في مطعم البرج، عاد كليهما إلي المنزل الحجري تركها و دلف إلي غرفة المكتب لمراجعة أعماله علي الحاسوب،  بينما هي صعدت لأعلي يرهقها التفكير في كيفية التخلص منه في أسرع وقت،  فحدسها يخبرها أن تغيره الطارئ ليس سوي تمثيل زائف وما خفيا كان أعظم. 
أطمأنت أن لايوجد في الغرفة سواها فخلعت ثيابها و ولجت إلي المرحاض للإستحمام،  تشعر بالتعب وتريد أخذ قسطاً من الراحة أو تخلد في نوم عميق تهرباً من واقعها المؤسف وعاصفة الأفكار التي تطيح بعقلها المصدوم منذ ليلة زواجها وحتي الآن. 
وبعد أن أنتهت وأرتدت منامتها، سمعت صوت خطوات قادمة إلي الغرفة، وثبت علي الفراش وتصنعت النوم حتي لايكمل معها تلك الليله الملعونة بالنسبة إليها. 
طرقات علي الباب يتبعها صوت أنيتا الخادمة:  
_ سيدتي،  العشاء جاهز بالأسفل.

لم تجب الأخري عليها برغم طرق الخادمة الباب مرة أخري حتي ذهبت،  أطلقت زينب زفرة عميقة ثم تمددت بأريحية علي جانبها،  فأنتبهت لطرقات مرة أخري لكن تبعها فتح الباب،  علمت إنه هو، أغمضت عينيها للتو.

دخل الغرفة و ملامحه يسودها جمرات الغضب العاتية،  صدره يعلو ويهبط، لو أطلق زفرة لتوه لأحرقت كل مايقابلها. 
ألقي نظرة عليها وأقترب منها و أخذ يحملق بها،  ظن إنها تغط في النوم، حاول إلهاء نفسه في تأمل ملامحها البريئة ليبعد تلك الأفكار السوداء والوساوس المميته عن رأسه. 
صدح رنين هاتفه في جيبه فأخرجه ليري المتصل وقبل أن يجيب أطلق سبه بذيئة وأتجه إلي الشرفة المطلة علي الحديقة. 
(الحوار مترجم ) 
المتصل:  _ سيدي لقد كان مختبئ في متجر بيع الخمور الخاص بسيد دانيال. 
أشتد ظلام عينيه وتفوه بنبرة مخيفة لاتنبأ بخير بتاتاً: 
_ حسناً،  أجلبه لي الآن.

أغلق المكالمة ليجري أخري،  ولايشعر بالتي تقف خلفه بمسافة قليلة تسترق السمع.

تحدث في هاتفه مرة أخري:  
_ أطمأن قبضنا علي الرجل الذي سيوصلنا إليهم. 
....... 
_ أعدك بمجرد وصوله سأجعله يخبرنا بكل شئ.

أغلق مكالمته و تنهد بقوة،  ينظر إلي السماء التي تزينها النجوم المتلألأه،  وقبل أن يستدير ويعود للداخل كانت هي عادت إلي مضجعها وأغمضت عينيها،  شعرت بخطواته وهو يذهب إلي المرحاض ليستحم. 
وبعدقليل خرج مرتدياً مأزره القطني ويجفف خصلاته السوداء بالمنشفة وعينيه تجول عليها، خطي نحوها وهو يعلم إنها مستيقظة، لما تتهرب منه بتصنع النوم!. 
جلس بجوارها فوجدها ترتجف عندما شعرت بقربه الشديد منها، تفرقت شفاه وكاد يتحدث لكن قاطعه هاتفه ليجد المتصل إحدي رجاله المتناثرين بالأسفل.
أجاب وقال له الرجل:  
_ نحن في إنتظارك سيدي.

أجاب سليم :  
_ أنا قادم الآن.

نهض من جوارها ليرتدي ثيابه و تناول سيجاره وقداحته ثم غادر الغرفة، قامت علي الفور لتلحق به لديها رغبة لمعرفة ما الذي يحدث بالأسفل،  كم هي حمقاء لاتعلم أن الفضول قد قتل القط!  . 
_ وبالأسفل في ذلك المخزن الملحق خلف المنزل،  يقف هذا المسكين ملتصق بالعمود الخشبي ويقوم رجال سليم بتقيده بالسلاسل والأغلال الحديدية. 
أخذ يصرخ بطلب النجده، فقام إحدي الرجال بلكمه في وجهه ليكف عن الصراخ،  حتي فُتح الباب الحديدي وهنا وقف كل من بالمكان بإحترام لهذا الذي دخل للتو،  رفع ذلك المُكبل رأسه بصعوبه ليري أسوأ ما ينتهي إليه مصيره. 
جحظت عينيه رعباً وكأنه يقف أمام الجحيم ، مَنْ فيهم لايعلم بسليم العقبي المُلقب بالشيطان في عالمهم الأسود، و ألف رثاء علي الذي يقع ضحية بين يديه، فنهايته محتوم أمرها بمجرد ذكر إسم معذبه. 

أطلق سليم صوت صفيراً علي هيئة نغمات كما يفعل كل مرة مع ضحيته، وكأنه سيقوم بعمل فني كالرسم والنحت وليس تعذيب. 
جذب كرسي ليجلس عليه بعكسه،  حيث ظهر الكرسي مقابل لصدره، وكان علي بعد مسافة من  الرجل المقيد كفيلة أن يري ملامح سليم التي دبت الرعب في كل خلايا جسده فأخذ يرتجف بقوة. 
كف الآخر عن الصفير ليسأل بالإنجليزية الأمريكية:  
(الحوار مترجم) 
_ أين البضاعة التي أختطفتموها؟.

أزدرد ريقه و أجاب بإستنكار:  
_ بضاعة ماذا؟.

هز رأسه وأطبق شفتيه، فنهض عن الكرسي:  
_ بضاعة ماذا!  ، أنت الذي حددت ما سأفعله معك لا تشتكي الآن.

أدرك الآخر ما يرمي إليه،  فصرخ لإيقافه عن أي شئ مُقبل عليه: 
_ لا،  لا،  أرجوك سيد سليم دعني وشأني، لا أستطيع الإفصاح عن أي شئ، لو أخبرتك سوف أُقتل.

وبالخارج كانت تتسحب علي أطراف قدميها لتري مصدر تلك الهمهمات والصراخ الآتيه من المكان الذي كانت معاقبة به منذ يومين. 
خفق قلبها وجلاً عندما وصلت إليها صرخات هذا المُعذب بالداخل،  وبدون أن تلفت إليها إنتباه الحراس المتراشقون في كل الأرجاء،  أختفت ما بين الأشجار حتي وصلت إلي المخزن و وقفت تري مايحدث من خلال شق متصدع في الجدار.

وعودة إلي الداخل،  يمسك سليم سلاحاً ذو نصل حاد يغرز سنه المُدبب في صدر الآخر فأطلق صرخة من الألم الغير محتمل،  وقبل أن يبدأ في تشريحه حياً هدر به بصراخ مرعب:  
_ أنطق أيها الغبي بدلاً من أكمل تشريح جلدك و لحمك وأطعمه لك غصباً.

يلتقط أنفاسه بلهاث ولعابه يسيل من فرط الألم غير قادر علي التفوه ولو بحرف مما أثار غوار سليم الذي شرع في تهديده.

شهقت من هول ما تراه فكممت فاهها حتي لايسمع صرختها أحداً، تأكدت للتو إنها متزوجة من رجل سفاح قاتل، يحاول أن يظهر لها بمظهر الرجل ذو المشاعر الرومانسية والقلب الحنون لإستمالة قلبها ومشاعرها نحوه لكن ما حدث الآن كشف لها عن جانبه المظلم الحالك. 
أنتابها الشعور بالغثيان،  تراجعت إلي الوراء لتفرغ ما بجوفها، أرتمت علي الأرض في وضع الجثو لتجهش في البكاء كلما تذكرت أن شقيقها قد باعها لهذا المجرم غير مكترث بحقيقته وماذا يمكن أن يفعل بها من أذي،  تتخيل نفسها مكان هذا الرجل وسليم يغرز السكين في جسدها،  ليتها ما أطلقت لمخيلتها العنان،  فالواقع أسوأ بكثير من الخيال.

وفي تلك اللحظة قد حسمت قرارها عليها تركه أو الهروب منه حتي لا يأتي يوماً وتكون أشلاء علي يديه حينها الموت منتحرة أفضل بكثير.

أفزعها صوته الذي دب الرعب في أوصالها: 
_ بتعملي أي هنا؟.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وفي أرض الكنانة، بداخل إحدي الفنادق الشهيرة في محافظة قنا، يتمدد علي السرير ومازال مرتدياً حُلته السوداء، وهي تجلس بجواره بثوب زفافها، تداوي له جرحه أثر هبوط العصا علي رأسه، تأوه حينما نثرت المطهر علي جرح جبهته، فقالت: 
_ حجك علي يا حبيبي، والله ماكنتش أقصد واصل.

صمت ليرمقها لحظات ثم أمسك بيدها التي تداويه قائلاً: 
_ أنتي قولتي أي؟.

أجابت بعفوية: 
_ مكنتش أقصد.

أنفرج ثغره بإبتسامة: 
_ لاء الكلمه الي قبلها.

فهمت مغذي سؤاله، فأجابت بمكر: 
_ جولت والله ماكنتش أقصد.

زمجر بحنق: 
_ سمية، بطلي لؤم أنتي فاهمة أنا بسألك عن أي كويس.

ضحكت وقالت: 
_ أباه عليك، أني بهزر وياك ماتبجاش مزرزر إكده.

غر فاهه وسألها بتعجب: 
_ أي مزرزر دي كمان؟.

_ يعني بتتنرفز بسرعة، كيف عصبي حداكو في البندر.

نهض بجذعه وحاوط خصرها متفوهاً بهيام: 
_ إحنا هنقضيها تغير علي الجرح وتفسير مصطلحات وتضيع علينا أحلي ليلة في حياتنا.

رمقته بتوتر وخجل وهي تنهض: 
_ رايد نسوي أي يعني؟.

أمسك برسغها لمنعها من الإبتعاد عنه وغمز بعينه مبتسماً: 
_ تعالي هنا رايحة فين، ده أنا ما صدقت إننا أتجوزنا وبقيتي مراتي.

تمتمت بداخل عقلها: 
_ وأني كمان ما مصدقه حالي و الود ودي أترمي في حضنك وأعطيك بوسه كيف بتوع السيما.

أنتبهت علي جذبها إليه ليجلسها علي فخذيه: 
_ ما بترديش ليه كده وواقفه سرحانه؟.

هزت رأسها بإستنكار وبدون أن تنظر في زرقاويتيه قالت: 
_ أني بس أ....

قاطعها و هو يمد يده إلي حجابها في محاولة فكه: 
_ أنا عارف إنك مكسوفة ومتوترة وخايفة زي أي بنوتة في أول ليلة جوازها.

هزت رأسها لتؤكد علي كلماته، و وجنتيها تزداد حمرتها، فأبتسم علي ردة فعلها التي تجعله يشتهيها ويريد نهمها كالفاكهة.
أمسكت بيده لتمنعه عن فك حجابها ورمقته برجاء ولطف: 
_ممكن قبل أي حاچة نقوم نتوضو ونصلي ركعتين لأچل ربنا يبارك بينتنا ويبعد عنا الشيطان؟.

في كل موقف وكل كلمة لها يزداد إعجابه بها، حدجها بإبتسامة تنضح من زرقاويتيه فأجاب بكل ترحاب وقبول لطلبها: 
_ طبعاً بس..

صمت وهو يحك فروة رأسه بحيرة من أمره.
_ بس أي؟.

سألته بعدم فهم فأجاب عليها بخجل:
_ مش هعرف أصلي.

غرت فاهها وقالت بتلقائية وبأسلوب فكاهي: 
_ حداك عذر إياك؟.
وضحكت رغماً عنها، فعقد مابين حاجبيه وأجاب بإمتعاض: 
_ لاء يا ظريفة، أنا قصدي مش هعرف أصلي بيكي أمام، مش متذكر أركان الصلاة أوي وخايف أتلغبط.

أتسع فمها أكثر من التعجب والدهشة فقالت بمزاح ساخر: 
_ هو الوالد والوالدة معلمكش تصلي كيف؟.

أغمض عينيه لثوان وتذكر والده الذي لم يهتم لأمره يوماً ولم يعلمه أمور دينه بل كان والده تاركاً للصلاه.
أومأ علي سؤال زوجته بالنفي و رأت الحزن في عينيه فأرادت تغير الأجواء فاخذت تتمتم مازحة: 
_أبوك معلمكش الصلاة وهملك إكده وأتلاجيت بسليم زعيم كفار قريش وبجيتو أصحاب وحبايب، ياخوفي لتطلع في الآخر مُلحد، يبجي إكده المرار الطافح الي عيشته طول حياتي ختمها بخازوق أزرج كيف لون عينيك.

لم يفهم من حديثها شيئاً: 
_ أنتي عماله تبرطمي بتقولي اي؟.

أمسكت بيده وقالت: 
_ جوم بس الأول وروح أتوضي، عقبال ما أغير الفستان لأچل هتوضي وقبل مانصلي هجولك كيف تصلي وبيا كمان، أتفجنا؟.

أمسك بكفها وطبع بداخل راحته قبلة عاشقة: 
_ أتفقنا يا حياتي.

_ وبعد مرور دقائق وقفت أمام المرآه تغلق مشبك الحجاب بعدما أبدلت ثوبها بإسدال للصلاة وتوضأت، وكذلك هو بعد إنتهاءه من الإستحمام وأرتدي ثياباً قطنية، وقف خلفها يحدق في ملامحها التي تزداد جمالاً وإشراقاً كلما ينظر إليها.
أستدارت إليه لتنتشله من شروده ونظراته التي تخترقها، فقالت: 
_ رايده منك تركز وياي زين جوي، ماشي؟.

أومأ لها قائلاً كتلميذ نجيب: 
_ يحضرلك الخير يا حبيبي.

أتسعت إبتسامته فأزداد وسامة أكثر، صاحت في وجهه:
_ لاء بجي، إكده مينفعش عاد.

حدجها بعدم فهم مندهشاً: 
_ فيه أي؟.

تمتمت بدون أن يسمعها جيداً: 
_ فيه حاچات كتير، أعلمه كيف نصلي وهو عمال يبحلق فيه بعينيه الزُرج دول، أستغفرالله وأتوب إليه.

زفر بنفاذ صبر قائلاً: 
_ أنتي عماله تكلمي نفسك بتقولي أي؟.

ضحكت وأجابت: 
_ بجول يلا نخلصو في ليلتنا الي مافيتاش دي.

وقفت أمامه تخبره وتعلمه كيفية أداء الصلاة، بينما هو كان ينظر إليها ويشعر بأن ما بداخله قد تعدي مرحلة الإعجاب بل الحب أيضاً، تعلقه وشعوره نحوها أصبح تعلق عاشق بمعشوقته، الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما يتمناه، فقربه منها يشعره بالدفء والحنان الذي لم يجدهما حتي في أقرب الناس إليه.

أفاق من شروده علي قولها له: 
_ يلا لأچل تصلي بيا إمام، تعرف ولا ماتعرفش؟.

هز رأسه مبتسماً: 
_ هاعرف إن شاء الله.

تقدمها بخطوة وهي خلفه فرفع صوته: 
_ الله أكبر.
وبدأ بتلاوة آيات سورة الفاتحة في خشوع، يشعر برجفة تسري في عروقه وطمأنينة وسكينة تملأ قلبه كلما نطق لسانه بآيات الذكر الحكيم والقيام بكل ركن كالركوع والسجود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ وصل مبكراً أمام المركز الصحي الخاص بسكان النجع،  ترجل من سيارته وهو يمسك بهاتفه لا يكل ولايمل عن الإتصال عليها ولم يجد إجابة،  يريد الإطمئنان عليها ويخشي الذهاب إلي منزلها ويحدث سوء تفاهم ينتهي بكارثة أو يسبب لها مشكلة مع أسرتها.
ركضت نحوه مساعدته عندما رأته: 
_ صباح الخير يا دكتور.

أغلق شاشة هاتفه و وضعه في جيب بنطاله: 
_ صباح النور يا مديحة، فيه حالات النهاردة؟.

سارت خلفه وهي تجيب عليه: 
_ أيوه يا دكتور، عشر حالات حاچزين تذاكر ومستنين حضرتك.

ألقي نظرة علي ساعة معصمه: 
_ طيب خمس دقايق ودخليلي أول حالة وياريت ماسمعش خناقات زي كل مرة، إحنا مش في طابور عيش.

أومات له:
_ أمرك يا دكتور.

ولج إلي داخل الغرفة وخلع سترته وألتقط مأزره الطبي المعلق علي المشجب ليرتديه، جلس خلف مكتبه وأطلق تنهيدة حارة متمتماً: 
_ ياتري أنتي عاملة إيه يا فاطمة!.

أرتفعت الأصوات بالخارج بين صياح المساعدة و رجل يريد الدخول إلي الطبيب عنوة:
_ لو سمحت يا فندم جولتلك روح اجطع تذكرة بچنيه وأستني دورك.

أجاب الآخر بصياح: 
_ أفندم أي يا أبله شيفاني لابس بدله إياك، بجولك أمي تعبانه ومجدراش تيچي المركز أهنه.

_ والدكتور عنده حالات دلوق ومينفعش يهملهم ويچي وياك.

خرج يحيي ليري ما الأمر: 
_ أي الدوشه دي يا مديحة؟.

وقبل أن تتفوه بكلمة ركض إليه هذا الرجل ذو المظهر الغريب وقال بتوسل وشيك علي البكاء: 
_ أبوس يدك يا دكتور أمي بتموت، مجدراش تاخد نفسها وماعرفش أچيبها أهنه ماتستحملش الحركة واصل.

ربت الآخر عليه ليطمأنه وقال: 
_ أهدي كده إن شاءالله خير، إستناني هادخل أجيب شنطتي وجاي معاك.

رفع يديه لأعلي وأخذ يدعو:
_ الله يباركلك يا دكتور ويخليك لينا قادر يا كريم.

أرتدي سترته وأخذ حقيبة أدواته الطبية وغادر برفقة الرجل ذو الملامح المريبة، وعند وصوله إلي سيارته سأله : 
_ البيت قريب ولا بعيد عن هنا؟.

أجاب الآخر: 
_ قرب المعبد مش بعيد جوي يعني.

فتح باب سيارته وقال: 
_ طيب أركب بسرعة.

وبعد دلوف كليهما إلي السيارة أنطلق بها حتي توقف امام منزل قديم في منطقة نائية عن المنازل الأخري.
_ أيوه هو ده بيتنا يا دكتور.

أشار يحيي إليه لينزل من سيارته: 
_ ممكن تنزل عقبال ما اركن العربية علي جمب وأحصلك.

أرضخ الرجل لطلبه حتي لايشك في أمره وعندما لحق به الآخر، وجد باب المنزل يُفتح من الداخل.
_ أتفضل أدخل يا دكتور.

وبمجرد قدمه تقدمت بخطوة إلي الداخل دفعه الرجل بقوة، وكان يوجد آخر ينتظرهم هبط علي رأسه بعصا غليظة جعلته يفقد وعيه في التو.

_ وفي مكان آخر، أستيقظ بفزع بعدما ألقي علي وجهه دلو من الماء، أرتفع شهيقه ليلتقط انفاسه.

_ أخرچو أنتو يا رچالة، رايد أجعد ويا الدكتور لوحدنا، بينتنا حديت كتير.

قالها رافع الذي وقف أمام يحيي المقيد في الكرسي بأحبال قوية، يحدجه بنظرات نارية قاتلة: 
_ مش هاستغرب من خطفك ليا، مش جديد ولا غريب علي مجرم زيك.

قهقه رافع عائداً برأسه إلي الوراء حتي ظهرت كل أسنانه، تحدث بهدوء مضاد للنيران المندلعة بداخله ود لو أطبق علي عنقه بقبضته حتي تفارق روحه جسده، لكنه لم يفعل ذلك سوي بعد معرفة مكانها أولاً.
_ أني مچرم ويا الي يعاديني ويحاول ياخد حاچة تخصني يا دكتور.

رمقه بعدم فهم ما يشير نحوه بكلماته المبهمة فقال: 
_ تقصد أي بكلامك؟.

كشر الآخر عن أنيابه ليكشف له عن وجهه القبيح، دنا إليه و حدجه بنظرة مخيفة تخبره أن إنكار الأمر ليس في صالحه قط: 
_ فين فاطمة يا يحيي؟.

تجلت الصدمة علي ملامحه، هل هذا الأخرق يتهمه بإختطاف مجبوبته!.

_ ما عرفش.
إجابة مقتضبة، وعينيه تنضح بصدقه، لكن رافع لايريد رؤية ذلك، فكل ما يجول في رأسه أن فاطمته قد هربت بمساعدة هذا المُكبل أمامه.
شبح إبتسامة لاحت علي محياه ولم تصل لقاتمتيه المظلمتين، خلع عبائته و وضعها جانباً ثم رفع أكمام جلبابه لأعلي ليباغته بللكمة قوية وبصياح هادر: 
_ فاطمة فين يا إبن ال........

أطلق صرخة قوية من شدة اللكمة مما جعله يشعر بحطام عظام فكه السفلي وتذوق دماءه بداخل فمه، أخذ يتنفس بلهاث وبتهدج واضح اجاب: 
_ والله.. العظيم.. ما أعرف.. عنها حاجة.

ألتقط أنفاسه بصعوبة بالغة من فرط الألم الذي يداهمه بقوة، فأردف: 
_ من وقت ما كنا في النادي وأنت جيت وأتضايقت مني ومنك وسابتنا ومشيت، قعدت أتصل بيها تليفونها مقفول، وبعدين مش أنا الي يخطف أو يحرض واحده إنها تهرب من أهلها، الي مرضهوش لأخواتي البنات مرضهوش علي بنات الناس.

لوهلة تأكد من صدق كلماته، أخرج زفرة عميقة من جوفه وهو يرجع خصلاته إلي الوراء، كاد عقله يجن من كثرة التفكير، توقف عن الذهاب والأياب ليلتفت مرة أخري له: 
_ لو حديتك طلع صوح وأنت ملكش يد في غيابها، يبجي ده معناته أي!.

حدقه بإزدراء و رد علي حديثه بتهكم : 
_ معناه أنك تروح تشوف مين الي عايز ينتقم منك في فاطمة، وأنت ماشاء الله أعداءك كتير.

أنقض علي ياقة قميصه ويجذبه منها هادراً به: 
_ تعرف لو طلعت بتكدب عليا هسوي فيك أي عاد؟.

رمقه بسخط قائلاً: 
_ أنا دلوقت عرفت أنها ليه مرضتش تتجوزك.

هزه بعنف فهدده: 
_ أخرس بدل وقسماً بالله لأجطع لك لسانك وأبلعه لك، ولعلمك بجي أنت هاتفضل مشرفنا أهنه لحد ما ألاجيها، وكيف ما جولتلك لو طلع ليك علاقة بإختفاءها لأكون دفنك مطرحك حي.

قالها وتركه ثم بصق جانباً، أرتدي عبائته وأمسك بعصاه منادياً: 
_ تعالي يا زفت منك له.

دلف رجلان فقال كليهما: 
_ أمرك يا كبير.

_ عينكم عليه ولو حوصل حاچة بلغوني علي طول.

أومأ أحدهما: 
_ أمرك يا رافع بيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظت من نوم عدة ساعات لتجده يدلف إلي الغرفة يرتدي مأزره القطني،  يبتسم إليها:  
_ يلا قومي يا كسلانة.

تثائبت واضعة كفها علي فمها ثم قالت بصوت به آثار النوم:  
_ صباح الخير.

فتح الخزانة وأخذ حقيبة سفر و وضعها علي طرف السرير:  
_ إحنا بقينا الضهر.

نهضت بجذعها ثم سحبت هاتفها من جوارها علي الكمود تنظر في شاشته:  
_ ياه إحنا بقينا الضهر فعلاً.

رمقته بإستفهام وأردفت بتساؤل:  
_أنت مسافر ولا أي؟.

وضع أخر قطعة ثياب فأغلق سحاب الحقيبة، وأجاب: 
_ للأسف جالي تليفون الصبح بدري إن أجهز نفسي لمهمة في جنوب سينا يا عالم هنقعد أد اي هناك.

أمتعضت ملامحها قائلة: 
_ كل ما نقضي لنا يومين حلويين يجي شغلك الرخم وياخدك مني، حاجة آخر أرف، أوف.
زفرت بتأفف.
خطي نحوها وجلس بجوارها ليمسك وجنتها بأنامله: 
شغلي الرخم والمؤرف ده، مضطر أستحمله عشان أجيب لكم كل الي نفسكم فيه، مفيش حاجة حلوة بتيجي بالساهل، صح ولا كلامي غلط؟.

أرتمت برأسها علي صدره وقالت بدلال: 
_ صح يا أحلي بابا، ربنا يقويك ويعينك وما يحرمناش منك أبداً.

قام بتقبيل رأسها ومربتاً علي ظهرها: 
_ أحلي دعوة من أجمل شفايف.

رفعت وجهه لتنظر له بإبتسامة أثارت جميع حواسه: 
_ بذمتك شفايفي بس الي جميلة.

رفع حاجبيه بدهشة: 
_ مش مصدق نفسي يا جدعان، ندوش حبيبتي الي كانت بتتكسف من خيالها بقت تقول كلام منحرف!.

لكزته في صدره قائلة:
_ طب أوعي بقي يا رخم.

فكادت تنهض فأمسك بساعدها ليجلسها علي فخذيه محتضناً خصرها بزراعيه: 
_ تعالي هنا بهزر معاكي، وعايز أقولك مش شفايفك بس الي جميلة حاجات كتير أولاً روحك الحلوة وقلبك الحنين وحاجات تانيه كتير هبقي هقولك عليهم عملي.
و غمز لها بعينه وأردف: 
_  بس لما أرجعلك بالسلامه عشان يا دوب هقوم ألحق ألبس لأن فيه عربية هتعدي عليا بعد ساعة.

زمتت شفتيها بحزن وعانقته بقوة: 
_ هتوحشني أوي يا حبيبي.

بادلها العناق قائلاً: 
_ وأنتي هتوحشيني أكتر  وكمان لارا، أبقي قوليلها بابي لما يرجع هيوديكي الملاهي وهيشتريلك العروسة الي بتحبيها وعلبة شيكولاتة كبيرة.

أبتعدت عن صدره لتعانق وجهه بكفيها تنظر في رماديتيه بعشق و وله: 
_ أنا مش بحبك وبس، أنا بعشقك أوي يا أكرم.
أقتربت بشفاها لتهبط علي خاصته بقبلة مليئة بمشاعر تفيض عشقاً وهياماً.

أنسحبت بتروي، فقامت: 
_ هاروح أحضرلك الفطار بسرعة.

أمسك يدها ليوقفها قائلاً: 
_ أنا حضرت فطار وكلت وسبت لك الباقي في الميكرويف.

جذبته من شحمة أذنه برفق مازحه: 
_ ليك قلب تفطر من غيري!.

ضحك قائلاً: 
_ كنت هاموت من الجوع ولاقيتك في سابع نومه، مرضتش أصحيكي، قولت سيبها نايمه حرام عليك دي شقيانه معاك طول الليل لحد الفجر.

أبتسمت بخجل مما جعل وجنتيها تشتد توهجاً وحمرة، كم يعشق تلك الحمرة علي وجنتيها التي تشبه ثمرات التفاح الأحمر القاني.

_ ممكن تسيب أيدي أروح أخد لي دش عشان أفوق وأحضرلك بقيت حاجتك؟.

تمتم بالنفي: 
_ توء توء، أنا خلاص حضرت حاجتي وبلبس في خمس دقايق، يعني فاضلي حوالي خمسين دقيقة من دلوقت، ياتري هعمل فيهم أي، هاتعمل فيهم أي يا واد يا أكرم.

كانت ترمقه بضحك علي أسلوب حديثه المازح، ففاجئها بجذبها إلي الفراش: 
_ تعالي لما أقولك أيه الي أجمل من شفايفك.

_ يا مجنون.
صاحت بها و أخذت تضحك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خد بالك من نفسك ومتقفلش موبايلك عشان أطمن عليك.
قالتها ندي وهي توصله إلي الباب.

ألقي نظرة علي هيئته قبل أن يغادر: 
_ حاضر.
تمم علي سلاحه و وضعه في حافظته المعلقة ببنطاله

_ وأبقي خد بالك من أكلك ومتهملش أي وجبه عشان صحتك.

تنهد وقال: 
_ حاضر،فيه حاجه تاني؟.

وقفت أمامه وأبعدت شئ ما قد تعلق علي كتفه: 
_ آه، فيه أن أنا بحبك موت.

أنحني برأسه ليرسم علي شفاها قبلة ناعمة وقال: 
_ وأنا بعشقك بجنون، خدي بالك من نفسك، كلمي مامتك خليها تيجي تبات معاكي اليومين دول.

أطبقت شفتيها بأسف: 
_ ماما من وقت ما مشيت من عندها من وراها وهي زعلانة أوي مني ومبتكلمنيش.

ربت عليها بمؤازره قائلاً: 
_ حقك عليا يا حبيبتي أنا السبب، لما أرجع إن شاءالله هابقي أروح لها وأتكلم معاها، مهما كان هي في مقام والدتي وميرضنيش زعلها.

عانقته بكل حب وعشق تكنه إليه: 
_ ربنا ما يحرمني منك أبداً.

صدح هاتفه برنين، فنظر إلي شاشته ليجد المتصل سائق السيارة المنتظرة أسفل البناء.
_ أسيبك أنا بقي العربية مستنياني تحت.

فتح الباب فذهبت خلفه: 
_ لا إله إلا الله.

رد قائلاً: 
_ محمد رسول الله، خشي جوه وأقفلي علي نفسك، فيه عمال في الشقة الي قصادنا.

أومأت له بطاعة وبمزاح قالت: 
_ تمام يافندم.

_ مع السلامة.
أوصدت الباب كما أمرها وعادت إلي الداخل، بدأت في أعمالها المنزلية اليومية حتي أنتهت منها و داهمها الشعور بالتعب، فدلفت لتغفو قليلاً.
لم تكمل غفوتها الخمس دقائق حيث أستيقظت بفزغ علي صوت مثقاب في الجدار المشترك بينها وبين الشقة المقابلة لهم.
زفرت بسأم من ذلك الصوت المزعج، وضعت وسادة علي رأسها لكن لا محالة مازال الصوت مزعجاً بل تشعر بذبذبات المثقاب.
صدح رنين هاتفها فتأففت: 
_ أوف بقي، و ده مين الي بيتصل.

أجابت علي المتصل: 
_ نعم يا عم خضر فيه حاجه؟.

_ معلش يا مدام ندي وآسف علي إزعاج حضرتك ممكن تشوفي الميه شغاله عندكم ولا لاء؟.

عقدت مابين حاجبيها فسألته: 
_ الميه هتقطع ولا أيه؟.

_ لاء بس السباك الي كان شغال في الشقة الي قدامكو كان بيركب وصلات مواسير جديدة  بدل القديمة الي باظت والظاهر طلع غبي ومبيفهمش حاجة وبوظ الدنيا وحضرتك زي ما عارفه أن مواسير الميه مشتركة مابين الشقتين.

صاحت بغضب:  
_ وأنت كنت فين يا عم خضر من كل ده،  سايب كل واحد بيشتغل علي مزاجه!.

_ والله يا مدام ما كنت أعرف،  حتي البيه الي مأجر لسه جاي و......

قاطعته وهي تجز علي فكها:  
_ طب أقفل وأنا هاتصرف. 
أغلقت المكالمة علي الفور وهي تزفر قائلة:  
_ أبتدينا الأرف بقي،  ما كانت الشقة فاضية ومرتاحين.

أرتدت وشاحها وقررت الذهاب لتضع حداً لما يحدث،  غادرت منزلها لتجد باب الشقة المقابلة مغلقاً،  ضغطت علي زر الجرس وأنتظرت لثوان فكادت تضغط مرة أخري، فُتح الباب فأندفعت بالقول بحدة:  
_ الي بيحصل ده يا.....

تسمرت وصمتت كأن أصابها الخرس، يقف بكامل هيئته أمامها وبتحدي سافر يحدجها وكأن عينيه تقول لها أرني ماذا لديك!. 
أصابتها صدمة، ولا تغفل تلك الإبتسامة المتوعدة التي تملأ ثغره:  
_ كنتي فاكراني بهددك وخلاص في آخر رسالة بعتهالك؟.

وقبل أن تجيب علي كلماته الإستفزازية سمع كليهما صوت المصعد يتوقف في الطابق،  جذبها  للداخل لديه وأغلق الباب. 
صاحت به:  
_ أنت بتعمل أي؟.

كمم فاها وقال:  
_ أهدي كده و وطي صوتك بدل ما حد يسمعنا من الجيران.

جزت علي شفتها بحنق شديد:  
_ يا بجاحتك يا أخي،  وكمان مش مكفيك الي عملته فيا وفي حياتي الي كانت هتتخرب علي إيديك جاي بكل وقاحة تسكن قصادي،  للدرجادي بايع روحك!،  مش خايف لجوزي يشوفك ويقتلك!  .

أمسكها من عضديها و دفعها إلي الحائط:  
_ أه بايع روحي،  سابق وقولتلك أنتي ملكي يا ندي وهاتبقي بتاعتي أنا،  أنا سكت بس الأيام الي فاتت لما تعبتي ودخلتي المستشفي،  والظاهر أفتكرتي سكوتي إن بعدت وأستسلمت،  دلوقت جيت لك عشان أثبت ليكي إن لسه علي وعدي وكلامي.

دفعته في صدره بكل قوتها:  
_ أفهم بقي،  الي فيه ده ما اسمهوش حب ده مرض نفسي ولازم تتعالج منه.

تحولت ملامحه إلي وحش كاسر شديد الغضب،  أصبحت عروق عنقه بارزه، يزفر أنفاسه وكأنها ألسنة لهب. 
_ أنا مش مريض يا ندي، أنا واحد كل ذنبه إنه حب بجد، سلم قلبه لواحدة غدرت بيه.

_ أيوه جينا للنقطة المهمة،  واحدة غدرت بيك،  أديك قولتها أنا غدارة،  وخلاص خلصنا، جاي ترمي بلاك عليا ليه،  عايز أي من واحده باعتك ومش عايزاك!.

أحتقن وجهه بالدماء ليصرخ بها:  
_ كدابة،  أنتي حبتيني زي ما حبيتك،  بس زي أي واحدة دورت علي مصلحتها وكنت لسه علي أد حالي عشان كده سبتيني.

_ أنا والله م.... 
قاطعها رنين جرس المنزل،  أتسعت عينيها بخوف،  اشار إليها بالإختباء في المطبخ،  سمعت صوت حارس العقار،  خشيت أن يراها فأسرعت بالمغادرة عبر باب المطبخ لتدلف إلي شقتها وأوصدت الباب خاصتهم من الداخل جيداً،  أخذت تردد بخوف لما هي مقبلة عليه:  
_ الله يخربيتك،  الله يخربيتك. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ ينتهي الحاج نعمان من إرتشاف قهوته فوضع القدح جانباً وقال:  
_ ها يا قاسم،  خلصت تسجيل بيانات كل صندوق؟. 
أجاب فارس وهو يضع الدفتر أمامه:  
_ كله تمام يا حاچ،  هنا سچلت لك كل أرقام الصناديق وقدام كل رقم نوع البضاعة الي چوه الصندوق و فرزتهم حسب كل لون ومقاس كمان. 
أبتسم نعمان وقال:  
_ عفارم عليك،  للمرة الألف أتأكد إني نظرتي فيك ماتخيبش،  ده أنت ما شاء الله ولا أجدعها كمبيوتر.

بادله فارس البسمة وقال بخجل:  
_ الله يخليك ويكرمك يا حاچ،  يعلم ربي أنا بعزك وحبيتك كيف والدي الله يرحمه.

_ سلامو عليكو يا حاج. 
قالها هذا الدخيل الغير مرحب به،  أجاب نعمان بإمتعاض:  
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،  خير يا ممدوح؟.

كان يرمق فارس بإزدراء وكأنه حشرة قبيحة أمامه، جلس بدون أن يستأذن من الحاج نعمان وقال:  
_ كل خير يا حاج إن شاء الله، ياريت بس نبقي علي راحتنا.

أدرك فارس إنه لايريد وجوده فقال:  
_ طب عن أذنك أنا يا حاچ،  هاروح أشوف الزباين.

_ أتفضل يابني. 
قالها و زفر بسأم من هذا الممدوح الذي لا يمل عن طلبه الأحمق 
فقال في نفسه:  
_ إبنك!،  ده شكل الحكاية جد والواد إبن ال.... واكل بعقل الحاج حلاوة وعينيه علي البت،  لاء ده أنا لازم أتحرك وأسبقه،  وعلي رأي المثل الي سبق أكل النبق.

أنتبه لصوت نعمان الرخيم وهو يقول له:  
_ وأي الخير الي جاي لي فيه ده يا ممدوح،  أصلها مش عوايدك.

مسح بلسانه علي شفته السفلي وبدأ الحديث:  
_ صلي علي حبيبك المصطفي.

_ عليه أفضل الصلاة والسلام. 
_ من الآخر كده جاي لك وكلي عشم إنك متكسفنيش،  أنا طالب أيد ست الحسن والجمال الآنسة شهد بنت حضرتك.

زفر نعمان و ود لو قذفه بالقطعة الخزفية التي تزين أعلي مكتبه:  
_ وأنا كل مرة تيجي تطلبها وبقولك لاء والمرة دي بقولك مليون لاء يا ممدوح،  ولم نفسك بدل ما أروح أبلغ حريمك التلاته إنك عايز تتجوز عليهم واحده رابعة.

أنفرجت شفاه بإبتسامة صفراء ماكره:  
_ هو أنت ما عرفتش،  مش أنا طلقتهم التلاته،  كل يهون عشان خاطر عيون الآنسة شهد.

نهض نعمان وقد أنتفخت أوداجه و غضبه قد وصل لحلقه فلم يستطع صبراً علي هذا الحقير،  فصاح به:  
_ وأنت فكرك لو طلقت مرتاتك التلاته كده هوافق!، دي كل واحده منهم مخلفه لك تلات عيال،  هان عليك عيالك!،  و جاي وفاتح صدرك وفرحان أوي،  يا أخي أتكسف علي دمك ده أنت ضعف عمرها،  دي تقولك يا عمو وأنت جاي تقولي عايز تتجوزها!.

كانت كلماته مثيرة لحنق وغيظ الآخر مما دفعه للصياح بما لا يتوقعه الحاج نعمان:  
_ ده مين ده الي تقوله يا عمو!  ، الحق عليا جيت عشان أستر عليها.

جحظت عينيه فصاح بغضب:  
_ أنت واعي للي بتقوله؟،  لم لسانك يا ممدوح إلا وأقسم بالله لأندمك علي كل كلمة قولتها سواء في حقي أو حق بنتي.

وقفت الزبائن لتشاهد تلك المشادة الكلامية فقال لهم فارس:  
_ يلا يا جماعة من هنا لو سمحت. 
و ذهب إلي جوار نعمان،  فهب ممدوح متشدقاً:  
_ أهو جه سي روميو.

حدثه فارس بحدة:  
_ مالك يا چدع أنت،  أجف عوچ وأتحدت عدل،  ولا محرمتش من العلقة الي فاتت إياك!.

صاح به الآخر بإحتقار:  
_ لما أسيادك يتكلمو ماتتدخلش مابينهم يالاه.

كاد يرد فارس عليه فأوقفه نعمان بإشارة من يده وقال:  
_ أمشي يا ممدوح بدل ما أنادي لك الأمين شوقي يجي يشوف شغله معاك.

_ هي بقت كده!، طب قبل ما امشي أحب أقولك حتة العيل الي بتنادي له يابني،  مقرطسك ومركبك قرون، من الآخر مظبط مع بنتك وسيرتهم في الحته علي كل لسان.

هنا فارس لم يتحمل إتهام هذا الوقح:  
_أنت راچل ك..

قاطعه نعمان بعدما رأي هذا الحشد أمام المتجر يتجمع علي صوت ممدوح:  
_ قطع لسان كل الي يخوض في سيرة بنتي،  أه هي علي علاقة بقاسم.

أتسعت رماديتيه وصعق من ما يصرح به الحاج نعمان الذي أردف:  
_ قاسم يبقي خطيب شهد وقاري فاتحتها معايا،  حد ليه شوق في حاجة؟.

كانت نظرات ممدوح لفارس مليئة بالكراهية والحقد لأنه أطاح بكل مخططاته وهي الإستيلاء علي ممتلكات أكبر تجار المنطقة والظفر بإبنته ذات الجمال والمال. 
وبعدما أنفض هذا العراك اللفظي، جلس نعمان خلف مكتبه وهو يزفر من أعماقه قائلاً: 
_ تعالي ياقاسم أقعد.

جلس فارس ولم يدري كيف يقول أو ماذا يخبره.
_ أنا عارف إن الي قولته للكلب الي أسمه ممدوح عن موضوع إنك خاطب بنتي ده ضايقك، بس غصب عني مكنش قدامي غير كده، بعد الي قاله الحيوان علي بنتي.

رد فارس بإحراج: 
_ولايهمك يا حاچ، أني خابر زين الي بتجوله.

انحني إلي الأمام وهو ينظر له بتمعن وقال:
_ بس الي قولته مش مجرد كلام وراح لحاله.

أزدرد فارس ريقه بتوتر من ما يتوقعه من قول الآخر، فسأله: 
_ تجصد أي يا حاچ؟.

وبالخارج كانت قد ترجلت من سيارة الأجرة فدلفت علي صوت والدها وهو يقول: 
_ المثل بيقول أخطب لبنتك، وأنا مش هلاقي حد أحسن منك أأمنه علي شهد بنتي!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ ومعكم الآن الفنانة الإستعراضية ذات الحركات اللولبية سمارة مهلبية. 
كان يصيح بها المسئول عن تشغيل الأغاني،  فصعدت علي ساحة الرقص سمارة بطلتها التي تقوم بإغواء كل الرجال في الملهي،  بدأت ترقص علي إيقاع الأغنية الشعبية التي تسمي بالمهرجان. 
كانت جميع الأعين تترصدها كالشاه التي تتراقص أمام ذئاب تلهث من العطش والجوع،  مُرتدية ثوب الرقص العاري يظهر أعلي مفاتنها،  ويكشف خصرها العاري الذي تجعله يرتجف ويهتز علي إيقاع الطبلة. 
وبعد إنتهاءها من وصلة الرقص التي أستغرقت أكثر من نصف ساعة، عادت إلي غرفتها وخلفها في الرواق حارسها الشخصي:  
_ والاه يا تايسون كلم البت نواعم  عشان نسيت موبايلي في البيت، قولها تنجز وتجيب لي البدلة الدهبي.

أجاب بصوته الغليظ:  
_ أمرك يا فنانه.

دخلت غرفتها و ذهبت خلف الكرڤان لتبدل ثوب الرقص بمأزر حريري حتي تأتي مساعدتها بالثوب الآخر. 
وقفت أمام المرآه تضيف لوجهها بعض المساحيق التجميليه،  فصرخت بفزع عند رؤية الجالس علي الأريكة المخملية في آخر الغرفة:  
_ بسم الله الرحمن الرحيم.

نهض وخطي نحوها بثمالة:  
_ شوفتي عو ولا أي؟.

قالت بدون أن يسمع:  
_ أحيه،  ده شكله سكران وجاي يطلعهم عليا،  هو أنا ناقصه.

أبتسمت بتصنع:  
_ أي ده يادي النور،  اللول مشرفني هنا وفي أوضتي المتواضعه،  ده أنا مش قادرة أوصف لك أنا اد أي فرحانه و من كتر الفرحه نفسي أرقص.

أقترب منها وبنظرات تنضح بالرغبة المحرمة:  
_ ما ترقصي،  ده أنتي كنتي مولعاها بره في الصالة.

لكزته بخفة في كتفه وقالت بدلال سافر:  
_ رقصي عاجبك؟.

وضع يديه علي خصرها:  
_ كل حاجة فيكي عجباني. 
كان في ذلك الحين لايري أمامه سمارة الراقصة بل يري الأخري التي سلبت عقله وفؤاده. 
_ أعملك أي عشان ترضي عني وتحبيني زي مابحبك، أرجوكي ماتبعديش عني ياندي.

عانقها بقوة فقالت الأخري:  
_ ندي مين يا أخ علي،  أنا سمارة لحقت تنساني،  سي علي فوء كده وحياة أبوك،  البت اللبيسه بتاعتي زمانها جايه ولو شافتنا في الوضع ده هتفهمني غلط،  وأنا ست بتخاف علي سمعتها،  آه يا اخويا الواحده فينا عبارة عن سمعة، يرضيك يتقال عليا دي بتعرف راجل علي راجلها!.

أنتبه لصوتها فأبتعد و أرتمي علي أقرب كرسي له: 
_ آسف، شكلي تقلت في الشرب.

فتحت الثلاجة الصغيرة وتناولت زجاجة مياه: 
_ خد أشرب ورش علي وشك شوية ميه ساقعه خليك تفو....
لم تكمل كلماتها لتجده يفتح الزجاجه ويسكبها فوق رأسه، تأوه من برودة المياه المثلجة،ورطب وجهه بقليل من الماء حتي شعر إنه بدأ يعود إلي ثوابه.
سألته وهي تنظر إلي ملامحه التي عادت لطبيعتها: 
_ بقيت كويس؟.

أومأ لها بالإيجاب: 
_ شكراً.

_ العفو، علي أي ده أنت صعبت عليا لما قعدت تجيب سيرة البنت الي بتحبها وعمال تتحايل عليها.

أطلق تنهيده حاره يتذكر كل ما مر به مع ندي، فأخذ يقص عليها كل شئ إلي ما أن وصل إليه وأصبح جارها.
بينما في منزلها كان قد أستيقظ لتوه، بحث عن هاتفه لكنه لم يجده، لاحظ وجود هاتف سمارة فأخذ ينادي عليها: 
_ سمارة، يا سمارة، أني هارن علي موبايلي من عندك.

وبعدما ضغط علي إسمه من هاتفها وجد هاتفه يرن في الردهة، علي الطاولة بجوار منفضة السجائر.
ذهب يبحث عنها في أرجاء المنزل ولم يجدها، جلس علي الكرسي المهتز: 
_ دي باينها راحت الكباريه ونسيت الموبايل أهنه، إبتسم بمكر وقال لنفسه: 
_ لما أشوف بتتحدت ويا مين ولا مين بيتحدت وياها.
قام بفتح سجل الإتصال الوارد والصادر فوجد إسم علياء، فقال بتعجب: 
_ علياء؟،دي ملهاش حد تعرفه غيري أني ونواعم والواد تايسون البودي چارد!.
قام بفتح صندوق الرسائل ليجد رسالة صادره من علياء، ضغط عليها وبدأ بقراءتها 
(أنا جاي لك النايت النهاردة أستنيني في أوضتك الي بتغيري فيها )

أعاد قراءة الرسالة  مراراً وتكراراً: 
_ يا بت ال..... سمر عتخونيني مع واحد ومسمياه علياء لأچل ماشكش فيكي، والله ما أني رحمك من الي هسوي فيكي عاد.

نهض وأرتدي ثيابه بنطال وقميص قطني، وعند خروجه من المنزل أصتدم بنواعم التي صاحت به: 
_ ماتفتح يا زكريا بيه، ده ماله ده واخد في وشه ومش شايف قدامه!.

وبالعودة إلي الملهي، تنهدت سمارة وهي تعود بظهرها مستنده إلي ظهر الكرسي: 
_ ياه علي الدنيا، فعلاً مبتديش كل حاجة، متدكش غير خوازيق وبس.

رمقها بتعجب فأردفت: 
_ مالك بتبص لي كده ليه، أيوه إسمع مني ده أنا ياما شوفت، يعني أنت ركز في حياتك كده الي إسمها ندي دي أدتلك خازوق الي هو سابتك وراحت أتجوزت قومت أنت أخدت صاحبتها وأنتيمتها مروة كوبري عشان تعرف كل أخبارها ومروة بتحبك قومت ردتلها نفس الخازوق بس علي أصعب وما أعرفش الهبلة دي إزاي سلمتلك نفسها كده.

أرتشفت قليل من الماء لتستطرد: 
_ يعني عندك أنا وأعوذبالله من كلمة أنا، مخلتش سي زكريا يلمس مني شعره واحده غير لما كتبنا ورقتين عرفي وشهود، أيوه أومال أي الي يضمنلي حقي لو حب يخلع أو يخلي بيا.

ضحك علي من مبادئها العجيبة: 
_ عارفه ياسمارة أنتي بتفكريني بنفسي زمان، أيام ماكنت غلبان وطيب.

باغتته بمصارحتها التي لاتخلو من الفكاهه: 
_ قصدك تقول لما كنت عبيط وأهبل.

_ والله ما ليكي حل خالص.
قالها وأخذ يضحك

ردت عليه بتلقائية: 
_ أصلي  بحب الصراحه وبكره النفاق و مليش في اللف والدوران.

أومأ لها مبتسماً: 
_ ما هو واضح فعلاً.

_ طيب بقولك أي بما أنك كده ياعيني محتار وصعبان عليا، انا عندي ليك فوكيره هاتعجبك أوي.
رمقها منتظراً ما ستملاه عليه: 
_ البت مروة دي شكلها بتحبك أوي وحرام بعد ما ضيعتيها تخلي بيها، أي رأيك تكتب عليها وتعيش معاك في الشقة الجديدة الي أنت فيها عشان لو جوز ندي عرف إنك سكنت قصادهم ممكن يعمل معاك الجلاشه، أو يديلك تذكرة للأخرة، فلو عرف إنك متجوز مروة وعايشين مع بعض في تبات ونبات مش هيقدر يقولك أي الي جابك هنا.

_ أنا جيت لأچل أشوف وساختك يا خاينة يا فاچرة.
صاح بها زكريا بعدما أطاح بالباب ودلف كالعاصفة الهوجاء، أنتفضت بخوف: 
_ سي زكريا؟.

وثب كالفهد نحوها وقبض علي خصلاتها: 
_ أيوه زكريا الي غفلتيه وهملتيه نايم وچيتي تجابلي عشيجك يا خاينة.

نهض علي ليدافع عنهما: 
_ أسمع يا أستاذ زكريا، حضرتك فاهم غلط خالص.

تركها ليمسك بتلابيب الآخر وأخرج من جيب بنطاله هاتفها: 
_ مش دي رسالتك ورقمك الي مسچلاه الهانم بعلياء!.

صاحت به لتبرير موقفها: 
_ أنا سجلته بعلياء خوفت منك لتفهم غلط.

_ ده أنتي الغلط بذات نفسه، والله لأفرچك.

أمسك علي بأيدي زكريا: 
_ ممكن تهدي بس ونتفاهم، أنت دخلت لقتنا قاعدين بإحترامنا.

_ أنت عتضحك عليا بكلمتين إياك، فاكرني عيل أهبل من البندر!.

قالها وأخرج من جيبه الآخر مُدية وقام بفتحها، أقترب منه علي مهدداً إياه: 
_ شيل يا حلو اللعبة الي في أيدك دي بدل ماتعورك ولا أخلي الجارد يجو يشيلوك ويرموك بره.

وكعادة زكريا لم يستمع لصوت عقله وسار خلف شيطانه: 
_ أني هافرچك اللعبة دي هاتسوي فيك أي.
هدر بها وأنقض علي الآخر ليغرز مديته في جانبه.

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات