رواية فارس بلا مأوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ فتحت عينيها رويداً بعد أن أيقظها أصوات الطيور والأبقار الآتيه من الغرفة المجاورة، وما أن بدأت تتحرك بوئد تألمت حيث يديها مكبلتين بحبل متين وطرفه الآخر معقوداً في حلقة معدنية مثبته في حوض الماء التي ترتوي منها البهائم.
أتسعت عينيها بفزع فصرخت بإستغاثة:
_ ألحجوني، ألحجوني.
أندفع باب الحظيرة و ولج إليها هذا الملثم يهدر بصوتٍ غليظ:
_ لو جعدتي تصرخي لسنة قدام محدش هايسمعك واصل.
رمقته بخوف إثر مظهره وصوته الذي أرعبها:
_ أنت رايد مني أي عاد؟.
أزاح لثامه ليظهر لها ملامحه بوضوح ولم تتعرف عليه بعد، أجاب بحدية مكنونها الإنتقام:
_ السؤال ده تسأليه لأخوكي الو.... .
عقدت حاجبيها بإستفهام:
_ أني مافهماش جصدك.
بخطي دبت الرعب بداخلها أقترب منها حتي أصبح أمامها ثم جلس في وضع القرفصاء، أبتعدت شفتيه ليجيب عليها:
_ زكريا ضحك علي ورد خايتي بعد ما وعدها بالچواز ولما بجت حبلي أتهرب منها.
جحظت عينيها من ما يتفوه به عن شقيقها، تعلم مدي فساد أخلاقه لكنها لم تتوقع أن يصل إنحرافه إلي حد الزنا والفجور، ولما لايفعل هذا، فهو علي شاكلة صديقه وإبن خاله الذي تعلم كل ماهو سيئ علي يديه.
أزدردت لعابها ثم سألته:
_ وأفترضنا الي جولته صح أني ذنبي أي؟.
أحتقن وجهه بالدماء كدليل علي غضبه العارم، صاح بها:
_ ورد راحت لأخوكي بجالها أيام ولساتها مارچعتش لحد دلوق، ملهاش أثر في أي مطرح، حتي أخوكي من وجت ماهي أختفت هو كمان أختفي، تجدري تجوليلي ده معناته أي!.
أدركت الآن سبب إختطافه لها، فقالت:
_ طيب لو الحكاية إكده، أحسن لك تبلغ الحكومة، خطفي مش هيرچعلك خايتك.
وبعد حديثها أخبرها صوت نابع من داخلها أن القادم أسوأ، وهذا ما أكده لها الآخر:
_ حكومة!، شيفاني مركب قرون لأچل أروح ليهم وأجولهم مصيبة خايتي!.
أطلق زفرة عميقة ليردف حديثه:
_خابره، أني إكده ولا إكده ناوي أجتلها وأخلص من عارها لكن مش قبل ما أخلص علي الو..... أخوكي وجبلها هسوي فيكي كيف ما سوي فيها وقدام عينيه، وإكده نبجو خالصين.
أتسعت عينيها غير مصدقة ما سمعته، يريد قتل شقيقها وقبل ذلك يعتدي عليها!،صاحت بتهديد منبلج:
_ أنت أتچننت إياك، خابر عيلتي يبجو مين؟.
أجاب بسخرية وملامح هاكمة:
_ أيوه خابر يا بت الشيخ واصف وأخوكي التاني الشيخ بكر وخالك خميس الي مترشح إنه يبجي عمدة النچع و ولده رافع القناوي صاحب مصنع ومخازن الخردة، ولا يهمني كل ده، أني كل الي رايدو أعرف خايتي فينها سواء عايشة ولا ميته وأجتل أخوكي وجبلها هاعرفه كيف يضحك علي بنات الناس جوي.
خفق قلبها بخوف يبدو حديثه خالياً من التهديد بل هو وعيد، فقالت بتهديد مماثل لعله يتراجع عما سيفعله:
_ و رافع إبن خالي زمانه هيعرف إني ما رچعتش دارنا وهيجلب الدنيا عليها واطيها، ولو وصلك أقل حاچة هيسويها إنه يجتلك.
أخرج من جيبه إسطوانة شريط لاصق وهم بالإقتراب منها قائلاً:
_ و عقبال ما يوصلي هكون نفذت الي جولتلك عليه.
وكمم فاهها بقطعة من الشريط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وبالعودة إلي النجع في منزل والد سمية، تجول غرفتها ذهاباً وإياباً وهي تستمع مراراً وتكراراً إلي هذا التسجيل الذي أرسله إليها وقرأته عندما أستيقظت لتوها، تستشيط غيظاً:
_ إما فرچتك كيف تسوي معاي إكده، مبجاش أني سمية.
وضعت هاتفها في جيب عبائتها ثم تناولت وشاح ودثرت به رأسها لتذهب إليه، وما أن وصلت أمام الغرفة التي يمكث بها وجدت الباب موارباً، أختلست النظر إلي الداخل فلم تجد له أثراً، ألقت نظرة من حولها لتطمأن من عدم رؤية إحدهم لدخولها إلي غرفته خاصة زوجة والدها اللعينة.
وضعت يدها علي مقبض الباب بتأني وبدأت تخطو إلي الداخل باحثه عنه.
_ علي فكرة كنت مستنيكي.
أفزعها صوته الذي فاجائها من الخلف، أنتفضت ذعراً مرددة:
_ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وضعت يدها علي صدرها تلتقط أنفاسها إثر فزعتها، رفع جانب فمه بإبتسامة لعوب وبتهكم مازح قال:
_ شوفتي شيطان ولا أي؟.
عادت إلي طبيعتها المعهودة، لم تتمالك غضبها وحنقها من فعلته، ضيقت عينيها مقتربة منه:
_ لاء وأنت الصادج، شوفت أستاذ ورئيس قسم الي بيتعلم عنده الشيطان.
ضحك رغماً عنه فأزداد غضبها، لكمته في صدره العاري ولم تلاحظ هذا عندما تأوه بزيفٍ:
_ آه ياقلبي.
شهقت عندما وقعت عينيها عليه حيث لايرتدي سوي بنطال وجذعه عارياً، وضعت علي الفور كفيها علي عينيها وأبتعدت إلي الوراء قليلاً:
_ واه، عيب الي أنت عتسويه دي، كيف جالع خلچاتك من فوج و واجف قدامي إكده!.
خطي نحوها عدة خطوات ليدنو منها بهمس ماكر:
_ أنا كده بالنسبة لي لابس وبعدين لازم تتعودي، عشان أنا مابقعدش غير كده علي طول.
إبتسامة خبيثة جلت علي ثغره ليردف:
_ عريان.
أخفضت كفيها وفتحت عينيها لتجده أمامها مباشرة، فكادت تنهره، أوقفها صوت زوجة أبيها منادية:
_سمية، يا سمية.
لطمت وجنتها بخوف:
_ يا مُري.
وركضت نحو الباب لتوصده قبل أن تراها الأخري برفقته داخل الغرفة وبهذا المظهر الذي عليه.
كادت تستدير فأصتدمت به لتجده يحاوطها بجسده، وبذلك أصبحت محاصرة بينه وبين الباب الموصد، أتسعت عينيها وبتحذير همست له حتي لاتسمعها من بالخارج:
_ بَعد عني أحسن لك إلا وق....
قاطعها بدفعها بجسده هامساً أيضاً بأنفاسه علي وجنتها المكتنزه:
_ متقدريش تعملي حاجة، عارفة ليه؟.
أزدردت لعابها وبداخل عقلها تفوهت:
_ والله أنت غلبان ده أنا ماسكة نفسي عنك بالعافيه، كفايه عيونك الزرجا الي هتخليني أسوي فيك كيف حمدي الوزير ما سوي في ليلي علوي في فيلم المغتصبون.
أجابت علي سؤاله بسخرية وهمسٍ متهكم:
_ وچايب منين الثقة دي يا حضرة الأڤوكاتو!.
مسح بطرف لسانه علي شفاه السفلي تبعها بإبتسامة ماكرة، فأتبعت حديث نفسها:
_ لاء أبوس يدك بلاش ضحكتك دي.
رفع يده نحو وجنتها الملساء ليتلمسها بأطراف أنامله وكأنه يعزف علي أوتار القيثارة:
_ هقولك جايبها منين بالليل، ولا تحبي أقولك دلوقتي؟.
أزدردت ريقها للمرة المائة، فرفعت كفيها لتدفعه بخفة في صدره، لكنه لم يتزحزح من أمامها قيد أنملة:
_ لا تجولي ولا أجولك، وأوعي إكده، وروح أستر حالك بأي حاچه بجي.
حك ذقنه وهو يبتسم كثعلب ماكر:
_ ليه يا سمسمتي، ده حتي كلها ساعات وهاتشوفيني كده.
وأشار إلي جذعه العاري، أطلقت زفرة حارة من أعماق جوفها:
_ الصبر من عندك يارب.
همست بها بصوت غير مسموع، فأكملت بصوت خافت لايسمعه سواه:
_ أتحشم يا صلاح أحسن لك، بكفياك الريكورد الي بعتهولي والمقلب الي سويته فيا عاد.
فتح فاهه ليطلق ضحكة عالية، فلحقت به كممت فاهه بكفها،ولم تلحق بتحذيره حيث دوت طرقات علي الباب من الخارج، فأجاب صلاح بعدما تحمحم ودون أن يفتح:
_ مين؟.
أجاب الطارق:
_ أفتح يا ولدي، أني عمك عبدالحق، رايد أتحدت وياك في كلمتين.
تحمحم الآخر مرة أخري وقال بصوت مرتفع:
_ حاضر يا عمي ثواني هاغير هدومي وطالع لك.
وفي ذات الوقت تقف متسمرة في مكانها وترتجف خوفاً من إكتشاف إبيها بوجودها في الغرفة التي يمكث بها الآخر، فهذا منافي للعادات والتقاليد والأصول المتعارف عليها رغماً من إنها قد أصبحت زوجته في الأوراق الرسمية.
دنا بالقرب من أذنها وبهمس أقشعر له بدنها:
_ أول ما أطلع له هاخده علي أوضة الضيوف وأنتي أرجعي أوضتك قبل ما حد يشوفك،تمام؟.
أومأت له في صمت، فظل يحدق بزرقاويتيه في عينيها التائهة في بحور خاصتيه.
وبالفعل قام بإرتداء قميص قطني ومشط خصلاته علي عجالة وقبل أن يذهب أقترب منها وهي مازالت في مكانها تنظر له بشرود، أستغل حالتها ليختطف قبلة طفيفة من ثغرها المكتنز:
_ بحبك يا سمسمتي.
قالها و غادر سريعاً فشهقت بخجل ثم أستدارت نحو إثره وقالت:
_ وأني بعشجك يا صلوحتي.
قالتها وذهبت نحو الباب لتشرأب بعنقها وتراقب الطريق فوجدته خالياً هكذا كانت تحسب، غادرت علي الفور دون أن تلاحظ زوجة والدها التي تراقبها منذ دلوفها إلي الغرفة وحتي مغادرتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تحمل سعاد صينية الطعام و وضعتها أعلي المنضدة، فألتفتت باحثة بعينيها عن إبنتها:
_ هي راحت فين البت دي؟.
خرجت نوارة من غرفتها مرتدية عبائتها وتمسك بوشاحها الأسود لترتديه.
_ واه!، رايحة علي فين إكده قبل ما تفطري؟.
سألتها والدتها لتجيب الأخري وهي ترتدي الوشاح أمام المرآه المعلقة علي الحائط في مدخل الردهة:
_ معاوده علي دارنا، خالتي أتصلت عليا وجالتلي أرچع قبل ما رافع يرچع ومايلاجنيش.
رفعت حاجبيها بدهشة:
_ هو أنتي بايته عندي من ليلة إمبارح من غير علم چوزك يا نوارة!.
زفرت بتأفف وأستدارت إليها:
_ أيوه يا أماه، لأن البيه بجاله يومين بره الدار وماعرفش عنه حاچة واصل، وأتصل عليه ألاجي محموله مجفول، ومتجلجيش أني أستأذنت خالتي قبل ما أمشي.
تنهدت بسأم لا تملك شيئاً لإسعاد إبنتها:
_ معلشي يابتي، كل الي أجدر أجوله لك أتحملي لحد ماربك يجومك بالسلامة، يمكن العيل الي في بطنك يچي للدنيا يغير الأمور بيناتك أنتي وچوزك وتبجي للأحسن.
وبمجرد أن ذكرت والدتها أمر جنينها أتسعت عينيها كمن لدغها عقرب، تحدق في الفراغ كالتائهة أو المجذوبة.
_ الي في بطني! .
أقتربت منها والدتها والدهشة تكسو ملامحها، فسألتها بحذر:
_ مالك يابت؟، واجفة متنحه إكده ليه عاد؟.
لم تجب الأخري فحديث إبنة جارتهم التي قابلتها ليلة أمس ما زال يدور في خلدها، ومنذ دخولها منزل والدتها لم تكن قادرة علي التحدث في هذا الأمر وتهربت بالنوم.
أمسكتها سعاد من رسغها لتهزها:
_ انطجي يا أخرة صبري، أوعاك يابت بتفكري تسوي حاچة إكده ولا إكده، أنتي لما چيتي إمبارح ولاجيتك مجدراش تتحدتي هملتك ترتاحي وجولت لحالي الصباح رباح ياسعاد هي هتيچي تحكيلك لحالها.
سرعان ما تجمعت الدموع في عينيها الحمرواتين، لم تذق النوم طوال الليل بل كانت في عالم آخر، آلاف السناريوهات تتخيلها لو علم زوجها بسر حملها، أفاقت علي قبضة والدتها فنظرت إليها وأطلقت لعبراتها العنان، وصوت نحيبها يعلو.
فزعت الأخري من بكاء إبنتها والخوف والقلق يسيطر عليها:
_ في أي يا نوارة؟، ما تخلعيش جلبي عليكي يابتي وريحيني، جوليلي اي الي حوصل وياكي؟.
سحبت يدها وجلست علي أقرب كرسي لها لتجيب من بين بكائها:
_ الي في بطني مش ولد رافع.
تسمرت سعاد أمامها وأنتصب شعر رأسها من هولما ذكرته إبنتها للتو، أبتلعت ريقها في إستيعاب تفسير ما سمعته.
_ عتجولي أي يا بت بطني، خابره الي عتجولي زين؟.
لم تجب لتجهش في البكاء مرة أخري، فاض الكيل بالأخري ونفذ صبرها لتنقض عليها وأخذت تعنفها وتصيح بها:
_ ساكته ليه! ، أنطجي يا بت ال......
نهضت بإنتفاضة مبتعده عن والدتها لتصرخ بتلك الكلمات:
_ كيف ما سمعتي إكده، الي في بطني مش ولد رافع، ده يبجي ولد الراچل النصاب الي خدتيني له لأچل يديني من بركاته وأحمل، أتاريه نومني بمخدر و سوي عملته ونتيچتها بجيت حبلي.
أنقضت عليها والدتها مرة أخري قابضة علي وشاحها الذي كاد يخنقها:
_ عتجولي أي يا بت ال....، مين الي ولد مين، شكلك أتچننتي إياك.
تخلصت من قبضة والدتها بصعوبة، لتلتقط أنفاسها وقالت بصوت متهدج:
_ وأني چيالك عشية إمبارح جابلت ماچدة بت الحاچ مرسي الله يرحمه، كنا بنتحدتو والحديت چاب بعضه، جالتلي...
ألتقطت أنفاسها بشهيق وأردفت:
_ جالتلي إنهم جبضو علي الشيخ برهوم السبوع الي فات، كشفته بت صحفية، فاكره لما جالك أطلعي بره وهملتيني وياه لوحدينا عطاني منديل وجالي أدعي فيه، أتاري المنديل حاطط لي فيه مخدر لأچل يسوي عملته لو صابت معاه وحبلت يبجي إكده عالچني ولو خابت يبجي برضو مستفيد إنه طلع بمصلحة الو..... الواطي.
كانت الأخري تستمع لها وحمم بركانية تتدفق في كل خلاياها، الدم يفور في رأسها كفوران التنور، أخذت تلطم صدغيها بنواح وعويل :
_ يالهوي، ياخرابي، يا مصيبتك الواعرة ياسعاد،
يا مُري لو طلع حديتك صوح، يبحي ولدك إبن حرام!.
وفي ذات الوقت كان في الخارج يقف هذا الدبيكي وكاد يطرق الباب فأوقفه صياح نوارة بالداخل والذي وصل لأذنه بقوة:
_ وأنتي خابره لو رافع عرف إن الي في بطني مش ولده هو هيسوي فيا أي عاد؟.
وثبت سعاد نحوها لتكمم فاه الأخري تحذرها:
_ إكتمي، إكتمي وأكفي علي الخبر ماچور، وإياكي تتحدتي ولو بحرف مع أي مخلوق، دي هيبجي فيها موتك لو چوزك عرف.
حاولت منع نفسها من البكاء وتجفيف وجنتيها بكفيها، ونهضت قائلة:
_ أنتي السبب يا أماه، الله يسامحك، ياما جولتلك أني ماريداشي أروح لمشايخ ولا زفت وخليها علي الله هو الي بيرزق.
أقتربت منها وربتت عليها بمواساه:
_ حجك عليا يابتي، كنت رايده أساعدك وخوفت ليجهرك ويتچوز عليكي، وعلي يدوك روحنا لكذا حكيم وكلاتهم جاله ليكي معندكيش أي حاچة واصل وممكن تحبلي في أي وجت، وأستنينا سنة ورا التانية، جولت مابدهاش يمكن حد ماسوي لكم عمل بأنكم ماتحبليش.
أنفجرت الأخري بغضب كامن:
_ عمل أي و زفت أي، أديني مشيت وراكي وآخرتها وجعت في مصيبة ما عرفاش هتخلص علي أيه.
وقف دبيكي بالخارج في حالة ذهول ليقول في نفسه:
_ يا وجعه مربربه، ده رافع بيه لو عرف الي سمعته دي هيجلب الدنيا وما يصحش برضك إنه يبجي علي عماه ويربي عيل مش ولده، وبعدين يا دبيكي!.
وبالعودة إلي الداخل، أمسكت بحقيبتها و عزمت علي الذهاب،فأوقفتها والدتها:
_ طب أجعدي وكولي لك لقمه.
رمقتها نوارة بغضب وكادت تفتح الباب:
_ سلام.
ركضت نحوها لتحذرها:
_ إياك يا نوارة تحكي مع حد الي حوصل.
حدجتها بإمتعاض وقالت:
_ ماتجلجيش يا أماه محدش بيروح للموت برچليه، عن أذنك.
خرجت مغلقة الباب خلفه وما أن أستدارت فشهقت بفزع:
_ دبيكي؟، أي الي چابك أهنه؟.
تحمحم وقال بتردد:
_ أني، أني رافع بيه باعتني لأچل ترچعي.
أبتلعت لعابها بخوف، تخشي سماع هذا الدبيكي لأي حرف تفوهت به بالداخل، أرتسمت القوة علي ملامحها:
_ و هو في الدار دلوق؟.
أجابها ونظراته المريبة أربكتها:
_ أيوه، ومنتظرك هناك، وجالي متعاودش غير وهي وياك.
رمقته بإزدراء وبأمر أشارت له:
_ طب يلا قدامي لما نشوف أخرتها ويا البيه بتاعك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تقف تلك الشاحنة الكبيرة أمام متجر الحاج نعمان وبالخلف يهبط من داخل صندوقها رجل تلو الآخر يحمل كل منهم صندوق من الكرتون ويدلف به إلي داخل المتجر، فقال أخرهم:
_ كده البضاعة كلها حطنيها في المخزن يا حاج، أي أوامر تانية؟.
أخرج نعمان من جيب جلبابه محفظته الجلدية وتناول منها العديد من الأوراق ذات فئة المائتين جنيه ليعطيها للرجل:
_ خد دول أنت والرجالة.
تراجع الرجل في أخذهم مربتاً علي صدره بإمتنان:
_ خيرك سابق ياحاج، ملهوش لزوم.
تنهد نعمان فقام بدسهم في يده:
_ والخير كتير الحمدلله.
أنفرجت أسارير الآخر فرفع يده في وضع الدعاء:
_ الله يبارك لك ويعمر بيتك ويرزقك كمان وكمان.
أبتسم نعمان برضا وسعادة، ذهب الرجل وبرفقته البقية.
_ قاسم، يا قاسم.
نادي بها علي فارس الذي كان بالداخل يراجع الصناديق المحملة بالثياب عبر دفتر ورقي مدون به أرقام وبيانات كل صندوق والبضاعة التي يحتويها، وعند سماعه نداء الحاج نعمان ركض إليه:
_ نعم يا حاچ أمرك؟.
وضع يده علي كتفه قائلاً:
_ ما يؤمرش عليك ظالم يا بني، أنا رايح مشوار لحد شبرا وراجع تاني، أنا عارف إنك تعبت كتير النهاردة بس عايز منك تراجع كل صندوق وتقيد الي ناقص ولو فيه أي حاجة بلغني في التليفون.
أوما فارس بطاعة وإحترام:
_ حاضر يا حاچ، أعتبره حصل.
ربت عليه وقال:
_ تسلم يابني، أومال فين شهد؟.
أجاب مشيراً:
_ سمعتها كانت بتجول رايحة تچيب حاچة وراچعة.
أقترب نعمان و وقف أمامه مبتسماً:
_ كنت عايز أقولك خد بالك منها لحد ما أرجع، أنا عارف إنها بتعمل مشاكل مع الزباين وكذا مرة أحذرها بس الي فيه طبع بقي.
أبتسم رغماً عنه وأومأ له بعينيه:
_ أطمن ياحاچ، الآنسه شهد في عينيا ولو حوصل أي حاچة أني هاتصرف.
غادر بعدما أتي أحدهم له بسيارته، وبعدها ولج فارس إلي الداخل، فأشار لزميله في المتجر:
_ أنا چوه في المخزن يا حموده ولو فيه حاچة نادم عليا.
أومأ له الآخر بالإيجاب.
عادت شهد وتحمل في يديها أكياس بلاستيكية وحقائب منها تحمل شعار مطعم شهير في المنطقة والأخريات تحمل شعار متجر للثياب.
تلفتت يميناً ويساراً فلم تجده، سألت المدعو حموده:
_ هو راح فين؟.
حدجها حموده بمكر وأجاب:
_ قصدك علي مين الحاج ولا قاسم؟.
تركت ما بيدها علي الكاونتر لتزجر الأخر بنظرة تحذيرية:
_ حمودة!، لم نفسك أحسن لك، بدل ما أنت عارف.
أشار لها بكفيه رجاءً:
_ والله بهزر معاكي يا آنسه شهد، مش قصدي حاجه.
رفعت حاجبها وبحده قالت:
_ ولا تقصد، خليك في حالك لو عايز تاكل عيش وتكمل معانا.
أنقلبت ملامحه بخوف من تهديها فقال:
_ آسف يا آنسه شهد، أوعدك مش هاكررها تاني.
تنهدت وحملت الحقائب:
_ أيوه كده أتلم، أومال أستاذ قاسم راح فين؟.
أجاب بجدية:
_ دخل المخزن بيراجع البضاعة.
وفي لحظة أسرعت إلي هناك تحت إندهاش الآخر الذي قال وهو يحك فروة رأسه:
_ دي شكلها الحكاية جد وكلام الي أسمه ممدوح طلع صح، وأنا مالي خليني في حالي أحسن.
يقف أمام صندوق مفتوح ويخرج علب مغلفة يدون أرقامها في الدفتر ولم يشعر بدخولها وهي تقترب منه بخطي وئيده تتأمل هيئته، يقف بشموخ وصلابة، مهلاً يترك ما بيده جانباً علي إحدي الصناديق المتراصة ثم مد يديه إلي أزرار قميصه، حيث يشعر بالحر في هذا المكان الذي لايوجد به سوي فتحة تهوية واحدة فقط، مهلاً تصنمت عندما شرع في خلع قميصه ليصبح بالقميص القطني ذو الحمالات فقط، وقفت تحملق بإنبهار عضلات زراعيه البارزة وصدره العريض، يبدو إنه يمارس الرياضة للحصول علي هذا القوام الرجولي.
_ يا نهار برونزي زي لون بشرتك، حرام عليك الي بتعمله فيا ده.
وصلت رائحة الطعام التي تحمله إلي أنفه فأستدار ليري مصدرها فرآها تقف بشرود، تحمحم بحرج وألتقط قميصه وأرتداه علي الفور، فقالت في عقلها مرة أخري:
_ ليه لبست القميص، ماتخليك بفانلة قطونيل الي هتاكل منك حتة دي أحسن.
_ فيه حاچة يا آنسة شهد؟.
سألها ولكنها تقف كالمغيبة تحدق به، خطي نحوها:
_ آنسة شهد؟.
أنتبهت إليه يقف أمامها، فسألته بهيام ونظراتها التي يعلم هويتها جيداً:
_ ها، كنت بتقول حاجة؟.
تحمحم مرة أخري وأرتسم وجه الصلابة والجدية:
_ كنت بسألك فيه حاچة يا آنسه شهد؟.
_ يا لهوي علي إسمي وأنت بتنطقه.
تفوهت بداخل عقلها، ثم أجابت عليه:
_ عايزه أحضنك...
تحمحمت بخجل لتبدل كلماتها:
_ قصدي أنا كنت جعانة فروحت جبت أكل لينا هايعجبك أوي، و كمان عرفت من بابا إنك أتقلبت في القطر ومعكش أي حاجة، فياريت تقبل الهدية البسيطه دي وشوفهم كده لو فيه حاجه مش عجباك أو مش علي مقاسك هبدلهالك.
تلاقي حاجبيه بتعجب من كل هذا الإهتمام البالغ، فقال ومازال محافظاً علي نبرته الجادة:
_ طبعاً أني بشكرك علي إهتمامك، بس معلش أني ماجدرش أخد حاچة.
قالها و ولي إليها ظهره ليتظاهر بالعمل، زفرت بحنق وقالت في نفسها:
_ أي ده شكله زعل ولا أي!، وأنا الي كنت فكراه هيفرح ويبدأ يفكر فيا زي ما بفكر فيه وهموت عليه!.
ركضت نحوه وقالت:
_ أنت أتضايقت مني؟، أنا والله ما أقصد حاجة ابداً، طيب بص خدهم وهخصم تمنهم من مرتبك لو ده هيرضيك يعني.
وحدجته بنظرة توسل بأن يوافق ولا يردها خائبة، شبه إبتسامة ظهرت علي ثغره الذي سلب لُبها المجذوب به.
_ إن كان إكده ماشي، أني موافج.
أنفرجت أساريرها بفرحة عارمة، مدت يدها إليه بالحقائب:
_ حيث بقي كده أتفضل، ويلا عشان نلحق الأكل قبل مايبرد.
حك فروة رأسه من الخلف قائلاً:
_ معلش، مش هاجدر أكل دلوق غير لما أخلص الي في يدي الأول.
تركت أكياس الطعام جانباً وعقدت ساعديها أمام صدرها:
_ وأنا جعانة أوي ومش هاكل غير لما تاكل معايا وخليني بقي هاموت من الجوع ده غير لسه واخده حقنة الأنسولين.
رمقها بإستفهام فأومأت إليه:
_ أه عندي السكر، خدته وراثة عن ماما الله يرحمها.
حدق بها لثوان في تردد ثم قال:
_ ألف سلامة عليكي.
أمسكت يده بجرأه لتجذبه خلفها:
_ الله يسلمك ياسيدي، يلا بقي ده أنا جايبه أكل هايعجبك أوي.
كادت تخطو نحو الباب فأصتدمت بالصناديق رغماً عنها، لاحظ فارس الصناديق العلوية وهي تتهاوي وتسقط، تراجع إلي الوراء وجذبها بقوة فأرتطمت بصدره وسمعت صوت أرتطام الصناديق علي الأرض خلفها، لم تكترث للنظر حتي عليهم بل رفعت عينيها ذات العدسات اللاصقة نحو خاصته الرماديتين، لم تصدق نفسها هي الآن بين زراعيه ملتصقة بصدره تشعر بأنفاسه ونبضات قلبه أسفل كفها.
أزدرد ريقه وأبعدها برفق:
_ بعتذر لو كنت شديتك بقوة.
لمعت عينيها ومن فرط قوة نبضات قلبها تخشي أن يسمعها، فقالت بداخل عقلها:
_ بتعتذر ليه!، ده أنا هاين عليا أوقع كل الصناديق عشان تشدني في حضنك زي ما عملت.
أفاقت علي صوت حموده الذي أتي للتو ليطمأن بعدما سمع صوت الصناديق التي وقعت:
_ أي الي حصل؟.
أستدارت إليه بينما فارس أنتابه التوتر والإحراج كون وجوده مع إبنة رب عمله بمفردهما في مكان ضيق كهذا، فكان علي وشك الإجابة لكنها سبقته بحدتها المعتادة:
_جري أي يا حمودة هو أنت أعمي!، الصناديق واقعه أدامك أهي، تعالي أرفعهم.
أستغل فارس الفرصة فقال:
_ لاء روح أنت يا حمودة شوف الزباين وأني هارفعهم بنفسي، وأنتي يا آنسة شهد روحي أتفضلي علي مكتبك ولو محتاچة أي حاچة أبجي خلي حموده ينادم عليا.
وصلت إليها رسالته المستتره من بين كلماته بأن عليها الإبتعاد عنه، رفعت إحدي حاجبيها بحنق وتجز علي أسنانها بغيظ لم تستطع إخفاءه، ولكي تسترد كبريائها الذي تبعثر أشارت له بعجرفة:
_ ياريت لما تخلص الي وراك تجيب لي الدفتر علي مكتبي عشان أراجع الي كتبته وبعدها تروح تطلب لي واحد كابتشينو من الكاڤتريا الي علي ناصية الشارع.
أدرك غضبها الكامن من وراء حديثها، فأظهر بسمة جانبية أشعلت نيرانها فأستشاطت غيظاً، زفرت بقوة و غادرت المكان وفي طريقها ركلت الصندوق بكل قوتها لكنه سبب لها ألماً فتأوهت مما جعله أطلق ضحكة رغماً عنه، ألتفتت له تحدجه بشرر متطاير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ فتحت الباب بالمفتاح الخاص بها، ولجت إلي الداخل فوجدت خالتها تمسك بطبق من الأرز وتقوم بتنقيته من الحصي.
_ السلام عليكم يا خاله.
نهضت رسمية و بادلتها التحية:
_ وعليكم السلام يا نوارة، مجولتليش ليه إنك هتبيتي عند أمك؟.
تنهدت وألقت بحقيبتها علي الأريكة ثم خلعت وشاحها:
_ معلش كنت تعبانه وماجدرتش أعاود، فينه إبنك؟.
أجابتها وهي متجهة نحو المطبخ:
_ بيقيل له ساعتين قبل الغدا، أدخلي غيري خلچاتك وأطلعي واكلي الطيور.
_ حاضر يا خالة.
دخلت غرفتها فقابلتها رائحة دخان الأرجيلة الذي يزفره بقوة، يتمدد علي السرير ويشاهد أحدي الأفلام الأجنبية علي شاشة هاتفه.
ضغطت زر الإضاءه المنغلق بدون أن تلقي التحية عليه أو حتي تكترث له، خلعت عبائتها السوداء وألقت بها غير ملاحظة سوداويتيه الحادتين يتابعها و مازال يسحب الدخان ويزفره مما سبب إليها السعال.
_ حمدالله علي السلامه يا نوارة هانم.
قالها بسخرية، وبعد أن ألتقطت أنفاسها والإنتهاء من السعال:
_ الله يسلمك يا رافع بيه.
قالتها بسخرية مماثلة مع تعابير ملامحها المستهزأه به
أوقف مشاهدة الفيلم و ألقي بعصا أرجليته فوق الكمود المجاور له لينهض في هدوء قاتل، بينما هي كانت ترتدي عباءة قطنية وترفع خصلاتها لأعلي، فباغتها بجذب خصلاتها بقبضة عنيفة فأطلقت صرخة مدويه:
_ آه، همل شعري يا رافع وإلا...
قاطعها بجذبها نحوه:
_ وإلا أي يابت سعاد!، أياكي تكوني فاكرة إن بعد مابجيتي حبلي فده يديكي الحق تسوي الي علي مزاچك، تخرچي وتبيتي بره الدار من غير ما تجوليلي وترچعي علي كيفك ولا كأن ليكي راچل عاد.
أستدارت بصعوبه حتي تصبح أمامه لكن مازالت خصلاتها في قبضته:
_ أوعاك تكون مفكرني هبلة ونايمة علي وداني، وحركاتك دي مابجاش ليها عزا عندي، ولا أنت ماشي بمبدأ خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكو!.
أدرك ما ترنو إليه، ترك خصلاتها وعقد مابين حاجبيه متسائلاً:
_ تجصدي أي؟.
رمقته بعينين تغمرها دموع حارة تأبي الإنهمار مرة أخري أمام ذو القلب القاسي المتبلد الذي لايشعر بقهرة قلب من تعشقه، يذيقها من العذاب ويلاته كل يوم ولا يبالي لتلك النيران التي تحرق روحها.
_ أجصد إنك عايش حياتك علي هواك ولا كأني مارتك وليا حقوق عليك، حط حالك مطرحي وجولي لو أني الي كنت عشجانه عليك واحد وبسوي وياه كيف ما بتسوي مع الست هانم الي داير وراها في كل مطرح.
جذبها من عضدها حتي كاد يقتلعه من جسدها وهدر بها:
_ كنت دفنتك بالحيا ولا خليت الدبان الأزرج يعرفلك طريج چرة.
أبعدت عضدها الذي ألمها بشدة وقالت بنبرة أوشكت علي البكاء:
_ يبجي ليا الحق أدفنك حي وده يبجي العدل، لكن أني ما سويش إكده،لأن وكلت أمري للخالق ياخد لي حجي منك وتدوج من نفس المُر الي بتدوجه لي كل يوم، وتبكي بالدموع ندم وحسرة.
لم يتمالك نفسه عكس ماتوقعت ردة فعله، أخذ يضحك ويعلو صوت ضحكاته للعنان حتي توقف قائلاً:
_ تصدجي بجالي زمن ماضحكتش وحديتك دي خلاني ضحكت غصب عني، ياه يا نواره مكنتش خابر جلبك أسود جوي إكده!.
رفعت وجهها بشموخ وكبرياء:
_ جلبي عمره ما كان أسود، وچيت أنت ومليته بالسواد وخلتني بدل ما أدعي لك أدعي عليك.
وضع كفه علي وجنتها يربتها بخفة:
_ طيب يا نوارة، لآخر مرة بجولك لو كررتيها تاني وعتبتي بره باب الدار من غير علمي لأكون مكسرلك رچليكي الأتنين، سامعه يابت خالتي؟.
أزاحت يده و حدجته بإزدراء في صمت وذهبت من أمامه.
طرقات عنيفه علي الباب يصاحبها صوت الجرس بدون إنقطاع، خرجت علي أثره رسمية وكذلك زوجها خميس من غرفته فكان نائماً وتابعهما رافع يرتدي جلبابه فوق سرواله وقميصه القطني، أرتدت نوارة وشاحها علي عجالة وذهبت لتري من الطارق فأزاحها رافع من أمامه:
_ خشي چوه لما أشوف مين الي بيخبط كيف البهيمة دي.
وما أن فتح الباب ليجد عمته جليلة في وجهه تدفعه إلي الداخل وتصرخ به متسائلة:
_ فين بتي يا رافع؟، خطفتها ولا سويت فيها اي عاد؟.
نظر الجميع إليه ولم يستعب ما قالته جليلة، فتدخلت والدته:
_ اهدي إكده يا أم زكريا وجولي لنا أي الي حوصل.
صاحت الأخري:
_ أهدي كيف طول ما ولدك ورا كل مصيبة تحصل لبتي!.
تحدث رافع بصوته الغليظ غير مكترث لما تقوله عليه عمته بل يريد معرفة ما حدث مع فاطمته :
_ مالها فاطمة يا عمتي؟.
أشاحت بيديها في وجهه وتشدقت:
_ شوف الواد، يجتل الجتيل ويمشي في چنازته، وعامل حاله ما عرفش حاچة.
صاح بها شقيقها ليوقفها عن النواح:
_ ما تنطجي يا خايتي وجوليلنا حوصل أي لبتك ولو ولدي له يد حتي لو من بعيد أني الي هاتصرف وياه.
حدج رافع والده بغضب في صمت، فأجابت جليله ببكاء يتخلل صوتها ذو البحة:
_ كنت فاكرها نايمه لحد الضهر، هملتها وروحت أعزي چماعه تبع چوزي ورچعت المغربية دخلت أوضتها ملجتهاش، أتصل عليها تليفونها مجفول، جولت يمكن صحيت وأني مش موچوده وراحت تحضر كتب كتاب البت سمية، جعدت أستناها وما رچعتش لحد مانعست غصب عني وتو ماصحيت دلوق تو ما چيت لكم .
أتسعت عينيه وألسنة اللهب المشتعلة تتراقص بداخل مقلتيه:
_ عتجولي أي يا عمتي، كيف ما رچعتش من إمبارح؟، وليه ما چيتيش وجولتي لي تو ما تأخرت.
_ يعني مش أنت الي خاطفها يا ولدي؟.
سألته والدته، ليجذبه والده من تلابيب جلبابه:
_ قسماً بالله لو طلعت أنت الي ورا خطف بت عمتك ل....
صاح بوالده مبعداً يديه عنه:
_ ما جولت ماليش صلة بموضوع إختفائها ده واصل، أني فعلاً كنت وياها إمبارح.
لم يريد ذكر إنها كانت برفقة الطبيب في النادي، فأردف:
_ كنا بنتحدتو في موضوع إكده وعازمتها نجعدو شوي علي النيل، أتخانقت وياي وهملتني، أفتكرتها عاودت عليكم، قسماً بالله ده كل الي حوصل.
فقال خميس:
_ مش ممكن تكون راحت عند بكر أخوها وباتت حداه؟.
تذكر رافع أمر يحيي الذي كان يتفق معها علي الزواج فقال في نفسه:
_ والله يا فاطمة لو طلع الي في دماغي ده صوح لأكون مخلص عليكي وهو قبل منك.
تركهم وذهب إلي الداخل تحت نظرات نوارة، تناول عبائته والعمامة كليهما، ثم ألتقط عصاه وخرج.
فسألته والدته:
_ رايح فين يا ولدي؟.
أجاب وهو يرتدي حذائه:
_ رايح أدور علي فاطمة.
كلماته كانت كفيلة بإشعال النيران في قلب التي بالداخل تراقب الأجواء في صمت مُطبق،لكن دموعها لم تتوقف عن الهطول، كانت تخشي أن لايكون للدجال صلة بما في أحشائها لكن الآن تمنت أن يكون الأمر بالفعل حقيقي، وما تحمله ليس إبن رافع لترد له الصاع صاعين عما يفعله معها من خيانة وجراح لا يوجد دواء لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ توقفت تلك السيارة الفارهة أمام إحدي ناطحات السحاب الشهيرة بالاس فيجاس، ترجل منها السائق ليفتح الباب لسيده الذي هبط بزهو كعادته و أتبعته هي بحسنها الخلاب مرتدية ثوباً حريرياً باللون الأسود و وشاح باللون الذهب المنطفأ، يزين وجهها بعض لمسات مساحيق التجميل.
أمسك يدها بحنان لم تعهده معه وقام بتقبيل ظهر كفها بنعومة ثم وضعه فوق ساعده، فأقترب من أذنها وهمس بصوته الرخيم:
_ عايزك ما تفكريش في أي حاجة غير أنك تتبسطي يا حبيبتي.
رمقته زينب بتعجب من تصرفاته الغريبة، فمن بعد زيارة الطبيب وحاله قد تبدل علي النقيض، أصبح يعاملها بحنان وإهتمام، يحاول إرضائها بشتي الطرق، بينما هي توقفت عن الصياح في وجهه والتمرد وأكتفت بالبعد النفسي عنه حيث تتواجد برفقته جسدياً لكن روحها هائمة في عالم آخر، ظن إنها رضخت إليه أخيراً وستذعن إلي كل أوامره.
دلفا كليهما في المصعد الزجاجي المطل علي خارج البناء، فرأت ما يحاوط الناطحه من مباني مماثله لها وأنوار عديده شديدة الإضاءه.
توقف المصعد في آخر طابق، يوجد به مطعم خاص، لايذهب إليه سوي رجال محددون مثل شاكلة سليم ودنيال وما يعمل معهم من رجال المافيا.
أستقبلتهم نادلة ترتدي ثياباً فاضحة لجسدها، فقالت لهما:
_ أهلاً وسهلاً بك سيد سليم، لقد أعددنا الطاولة الخاصة بك.
أومأ إليها بإبتسامة قائلاً بإقتضاب:
_ شكراً.
بادلته بإبتسامة مغناج:
_ العفو سيدي.
لاحظت زينب نظرات الفتاة التي أدركت من خلالها أنها تعرف زوجها جيداً فقالت له:
_ واضح إنها تعرفك، ياتري دي كانت واحدة من خاضعاتك؟.
تجلت إبتسامة علي محياه، فجذب إليها الكرسي لتجلس وجذب آخر و وضعه بجوارها ليجلس ملتصقاً به مما جعلها أنتفضت لاسيما عندما حاوط كتفيها بزراعه وقال:
_ بدأنا نغير أهو، تقدم حلو أوي.
تجهمت ملامحها وردت بنبرة حادة:
_ ومن جالك أني غيرانه عاد؟، ده مچرد سؤال مش أكتر.
هبط بيده إلي خصرها وضغط بخفه عليه:
_عيب لما تكدبي علي جوزك حبيبك.
إبتسامة هاكمة لاحت علي محياها:
_ چوزك!، حبيبك! ، ومنين چايب الثقة دي يا سليم بيه.
أبعد يده عن خصرها ليرفع كلا يديه إلي وجهها ويحاوطه بكفيه، تخترق قاتمتيه خاصتيها الذهبيتان المحاوطه بأهداب كثيفة:
_ بالنسبة لكلمة جوزك ده أمر مفروغ منه، وأنتي ملكي، إما بالنسبة لحبيبك، واحده واحده وهتحبيني ومن غير غصب.
وضعت كفيها علي يديه لتزيحهما لكنها فشلت في ذلك لتجد يديه متشبثه بفكيها، فقالت بإمتعاض:
_ وأنت خابر زين جلبي بيحب مين، وما الحب إلا الحبيب الأولِ.
برغم ماشعر به للتو من نيران مندلعه يريد إطلاقها عليها وشياطينه تهمس له بأن يلقنها عذاب يجعلها تتوسله الرحمة، لكنه تمالك غضبه وتظاهر بعكس ما بداخله، متصنعاً إبتسامة باهته، ويلمس بطرف إبهامه شفاها السفلي:
_ حبيبتي زوزو لسه ماتعرفش حاجه عن سليم العقبي الي كل ما هتقرب منه وهاتحس بمشاعره ناحيتها ساعتها هي الي هاتعترف بنفسها أد أي إنها بتحبه ويمكن تعشقه.
أفترقت شفتيها لتجيب عليه بما يثير حنقه بل بغضبه وتفسد عليه تلك الليلة الرومانسية الحالمة ، فأوقفتها تلك الموسيقي الصادرة من سماعات متفرقة علي الجدران لتشعر بالنغمات تتخلل كل خلايا جسدك لتتراقص معاها علي كل إيقاع لها.
نهض وأنحني أمامها بشكل كلاسيكي، يمد يده إليها:
_ تسمحيلي ياحبيبتي بالرقصة دي؟.
لم يدع لها الموافقة أو الرفض، جذب يديها برفق وحنان ليرفعها أعلي كتفيه وهو حاوط خصرها، لاتعلم ماذا تفعل، يضغط عليها معنوياً، تغيره المفاجئ لم تجد له مبرراً سوي إنه يخطط لأمر ما تجهله وهذا ما جعلها تشعر بالخوف بل الرعب.
رفع يده من خصرها إلي منتصف ظهرها ليدفعها إلي صدره:
_ شكلك مابتعرفيش ترقصي، ممكن تسبيلي نفسك خالص.
زفرت بسأم وضجر:
_ وأني أصلاً موافجتش إننا نرجص.
رفعها من منتصف ظهرها فشهقت بفزع فوجدته يتحرك بها كأنها تتطاير في الهواء علي نغمات معزوفة كلاسيكية تعود إلي القرن المنصرم.
بدأ يلقي عليها بعض الكلمات عله يكسب قلبها و ودها:
_ عارفه أنا حاسس بقي وأنتي في حضني كده؟.
لم ترد فأردف:
_ببقي نفسي تاخديني في حضنك أنتي كمان وتضميني أوي.
باغتته بسؤال:
_ مش غريبة؟.
قطب مابين حاجبيه مجيباً:
_ وأي الغريب في كلامي؟.
نظرت في داخل عينيه وتقسم إنها تري بداخلهما عكس ما يفعله معها الآن تماماً، فهو شيطان يرتدي قناع الملاك.
_كل حاچة بجت غريبة، تصرفاتك وياي، حتي حديتك سبحان الله بقدرة قادر من أمر ونهي وتهديد وعنف لحب وحنية و رومانسية.
أطلقها علي بُعد زراعه وجذبها مرة أخري لتلتصق بصدره:
_ مسألتيش نفسك أي سبب التغير المفاجئ؟.
أجابت بسخرية:
_ سببه لما حبستني في المخزن من غير هدومي والبرد هري چتتي وكنت بحس بالموت كل ساعه لحد ما حسيتش بحالي غير وأني في السرير والدكتور بيجولك چالي السكر! .
جز علي فكه كلما تذكر الأمر الذي أقترفه بها آخر مرة:
_ أنا بعترف إن قسيت عليكي بس أنتي السبب والي وصلتيني لكده، أنا كل الي طالبه منك تسمعي كلامي بدون مجادله، أوامري كلها تتنفذ ولو ده حصل أوعدك وقتها هخليكي تعيشي أجمل أيام حياتك.
رددت بداخل نفسها ساخرة:
_ وأنت الصادج، أسود أيام حياتي.
ظل يراقصها في صمت لكن عينيه كانت تخبرها بالكثير، بينما هي لا تفكر سوي فيما يمتلك فؤادها وكيف تهرب من هذا السجان لتذهب وتبحث عن فارس عشقها مهما كان الثمن!.
_ زينب؟.
همس بها لتشعر بسخونة أنفاسه علي شفاها، حدجته بتوتر وخوف:
_ نعم.
توقف عن الرقص وعينيه تهبط علي منبع حديثها، فأرتفعت نظراته مرة أخري في ذهبيتيها لم يكن يحدق بها وحسم بل كانت عينياه تخترق روحها مما جعل قلبها يخفق بقوة، تخشي إنه يقرأ ما تعزم عليه، لكنه فاجئها بإلتقاط شفاها بين خاصتيه وأخذ يقبلها وكأنه يتذوق قطعتي من الشهد بنعومة و رقة بالغة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أشتعلت الأضواء الملونة في كل أرجاء النجع وتعالت الموسيقي معلنة عن قيام مراسم حفل زفاف صلاح أيوب علي سمية إبنة عبدالحق ، أُطلقت الزغاريد من أفواه النساء، بدأ عازف المزمار بعزف الموسيقي التي تعود للفلكلور الصعيدي وتبعه الرجال الآخرون بالضرب علي الطبلة والدفوف، وإلقاء زوجة أبيها بأوراق الزهور الجافة علي العروسين، ذهبت إحدي الفتيات إلي سمية لتجذبها وترقص، فأمسكت الأخري بيد زوجها وترقص معه أمام الحضور بفرح وسعادة علي نغمات الموسيقي.
كان صلاح يفتقر للرقص الصعيدي فناوله إحدي الشباب عصا غليظه ليرقص بها مع عروسه، وقد كان أختطفتها منه سمية لترقص بها هي وكأنها راقص بالعصا محترف.
أقترب صلاح منها قائلاً:
_ سيبي العصاية من إيدك بدل ماتيجي في راس حد وإحنا مش ناقصين.
ردت عليه ومازالت ترقص:
_ ما تخافش يا صلوحتي، مارتك تعرف ترجص بالعصا زين جوي، حتي شوف الحركة دي.
أخذت تلف من حولها وترفع العصا في الهواء وتلتقطها، لم تنتبه لطرف ثوبها الطويل الذي تشابك في كعب حذائها المرتفع، فأختل توازنها وأسرع إليها ليلحق بها قبل أن تقع فهبطت العصا فوق رأسه بقوة.
رأت الدماء تدفق من جبهته فصرخت بأعلي صوتها:
_ صلاح!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خلاص يا بابا عشان منتأخرش.
قالها أكرم منادياً علي زوجته، فخرجت من غرفتها تعلق يد حقيبتها علي رسغها:
_ جاية أهو يا حبيبي، خلاص خلصت، ثواني بس هلبس الشوز.
نظر خلفها وتسائل:
_ أومال فين البنت؟.
أجابت وهي تهندم من إلتفاف وشاحها حول وجهها أمام المرآه المجاوره لباب المنزل:
_ بابا جه وأنت نايم وشبطت فيه فخدها معاه.
وبعد أن كان علي وشك إدارة مقبض الباب توقف وخطي نحوها:
_ بتتكلمي بجد؟.
نظرت له عبر المرآه مبتسمه، تهز رأسها إيجاباً:
_ اه، ومالك مش مصدق ليه؟.
حاوطها من الخلف وعقد ساعديه أسفل صدرها و دنا بشفاه نحو أذنها:
_ هو إحنا ينفع نلغي الخروجه دي ونقضي وقت جميل هنا.
وأشار لها نحو غرفة النوم، أستدارت لتصبح في واجهته تمسك ذقنه بأطراف أناملها الرقيقة تلمسها بنعومة:
_ ما إحنا ممكن نخرج عادي ونرجع ونقضي برضو وقت جميل هناك.
وأشارت بسبابتها أيضاً إلي الغرفة، رفع يده إلي طرف وشاحها وبدون أن تشعر قام بفكه وخلعه عنها:
_ حرام نضيع فرصة زي دي.
وهبط علي عنقها بقبلات ناعمة، تتحرك من بين يديه:
_ أستني بس أصبر هقولك.
زمجر بالرفض ومازال يلثم جيدها، فتفوهت مرة أخري وتدفعه برفق في صدره:
_ أسمعني بس.
لم يمهلها أن تتحدث فأسكتها بإلتهام شفاها وحملها وأتجه بها نحو الغرفة ليكمل ما بدأ به.
وبعد قليل، نهض من فوقها بلهاث يلتقط أنفاسه ليتمدد بجوارها، بينما هي جذبت الدثار علي جسدها العاري وألتفتت إليه لتجده يفتح درج الكمود ويسحب سيجارة من العلبة والقداحة، كاد يشعلها فأخطفتها من يده، فرمقها بضيق:
_ أي الي عملتيه ده؟.
ألقت بهم بعيداً وأقتربت منه لتتوسد برأسها صدره العاري وبأناملها تداعب شعيراته المتناثره، وبدلال أجابت:
_ عايزاك تبطل تدخين، وماتشربش تاني.
نظر نحوها وسألها بغموض:
_ خايفة عليه؟.
نهضت لتعتدل في جلستها وأجابت:
_ آه طبعاً خايفة عليك.
حدق في عينيها لثوان ثم سألها مرة أخري:
_ بتحبيني يا ندي؟.
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب ودهشة:
_ مالك يا حبيبي، عمال تسألني أسئلة المفروض أنت عارف إجابتها.
تنهد وتجلت إبتسامة لاتعلم أن كان سعيداً أم ماذا! :
_ أنا بس بحب أسمعها منك.
نهضت من جواره لتعتليه ومازالت تحتفظ بالدثار عليها فقامت بجمع خصلاتها الغجرية وألقتها علي جانب واحد أعلي كتفها الأيسر لتظهر له ترقوتها من الجهة اليمني وأتضح عليها وشم أسود بالحناء:
_ أيوه يا أكرومتي بحبك وبخاف عليك، لأنك حبيبي و جوزي وأبو بنتي.
رد عليها وعينيه علي الوشم يحاول قراءته:
_ أوعديني يا ندي إن عمرك ما هتخبي عليا حاجه تاني مهما حصل.
فاجئتها كلماته، ظنت لوهلة إنه قد علم بأمر الرساله الأخيرة، لكن كيف وهي قد حذفتها! ، لاتريد أي شئ يعكر صفو حياتهما مرة أخري،فهي تدرك مدي غيرته القاتلة عليها وخاصة من هذا المدعو علي، أرادت إخفاء توترها فأنحنت للأمام حتي كاد صدره يلامس خاصتها وتفوهت أمام شفاه:
_ أنا عارفه إنك ممكن تكون لسه زعلان مني أو متضايق من كل الي حصل، بس أوعدك أن عمري ما هخبي عليك أي حاجة تاني.
أمسك طرف ذقنها وقال بهيام وعشق:
_ أفتكري كويس إنك وعدتيني.
هزت رأسها بالإيجاب، ضيق مابين حاجبيه بإستفهام:
_ ده أي الي مرسوم علي رقبتك؟.
أجابت بدلال وأناملها تداعب خلف أذنه:
_ ده تاتو بس بالحنا السوده روحت رسمته في البيوتي سنتر الي في الشارع الي ورانا.
وجدت ملامحه يسودها التجهم ليتحول إلي الغضب يجذبها من عنقها:
_ وياتري عشان ترسميه روحتي قلعتي حجابك وهدومك عشان يرسمولك التاتو!.
أزدردت ريقها بخوف من إنقلابه المفاجئ،فأجابت بتردد:
_ لاء، لاء، قصدي أنا خلعت بس الحجاب وخلتني بالبندانه والشيميز نزلته شويه من علي كتفي يعني مقلعتش حاجه، وبعدين ده في قسم المحجبات يعني كل الي هناك بنات وستات بس.
هزها بقليل من العنف:
_ برضو لاء، أول وآخر مرة تعملي حاجة زي كده تاني، عايزه ترسمي زفت أجب لك واحدة لحد البيت وكمان متقلعيش قدامها، محدش يشوف خصلة منك غيري أنا ومحارمك بس، أنتي فاهمه؟.
أومأت له بطاعة:
_ حاضر.
ترك عنقها و أطلق زفرة من أعماقه ليعود مرة أخري ينظر إلي الوشم فجعلها دنت إليه:
_ وأي المكتوب ده.
أجابت بدلال:
_ بعشقك يا أكرم، بس بالاتيني.
_ امم، لاتيني!،قربي كده لما أتأكد بنفسي.
أطلقت ضحكة أثارت كل حواسه فجذبها إليه وأنقض علي موضع الوشم بشفاه تاره وبأسنانه تارة أخري لكن بقليل من العنف، فأخذت تتأوه:
_ آه، حرام عليك سنانك بتوجع.
قال من بين قبلاته علي جيدها:
_ عشان تحرمي تكرريها تاني.
أطلقت صرخة يصاحبها ضحكات:
_ خلاص، خلاص حرمت والله.
و في الشقة المقابلة لمنزلهم يصدر صوت مزعج كان لحفار يثقب الجدار، يقوم به عمال صيانة التكيف، فهبط أحدي الجيران من الطابق الأعلي وعلي ملامحه الضجر:
_ يا عم خضر، أنت يا عم خضر.
خرج له عم خضر حارس العقار:
_ نعم يا رأفت بيه.
_ أي صوت الحفر ده والساعة 12 بالليل!، مش عارفين ننام و أمي ست مريضة ومش حمل أي صوت مزعج، الكلام ده مينفعش غير بالنهار.
رد خضر بإعتذار:
_ حقك عليا يا رأفت بيه، ده عمال الصيانه بيركبو التكيفات في الشقه عشان الساكن الجديد جاي بكره الصبح هيقعد فيها.
زفر رأفت بسأم وقال:
_ طيب معلش كلمه وقوله يخليهم يكملو بكره.
أجاب خضر علي مضض:
_ حاضر.
وأتجه إلي داخل الشقه يتمتم:
_ وأنا مالي ومال الأرف ده كله.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليهاتف الساكن الجديد:
_ الو.
أجاب الآخر وهو يقود سيارته بعد أن ضغط علي زر الإجابة في عجلة المقود:
_ أيوه يا عم خضر، في حاجة؟.
_ أه يا بيه، الجيران بيشتكو من صوت الشنيور الي شاغلين بيه العمال.
ألتقط من الكرسي المجاور له سيجاره و وضعها بين شفتيه:
_ خلاص قول للرجالة يوقفو شغل لحد كده ويجو بكره الصبح يكملو.
_ حاضر يا بيه، مع السلامة.
ضغط الآخر علي زر إغلاق المكالمة الموجود في المقود أيضاً، قائلاً بعدما قام بإشعال سيجاره وزفر دخاناً كثيفاً بدأ يتلاشي ويظهر صاحبه من بين سُحبه، ألتمعت عينياه ذات لون العسل بالتوعد والشر :
_مبقاش أنا إما وريتك من هو علي الحسيني يا ندي هانم!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية