رواية ومنك اكتفيت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم داليا الكومي


مرحلة جديدة من الصراع

خرجت من النجع وحيدة في عتمة الليل متسللة كاللصوص بجرم لم ترتكبه  لكنها  تحملت مسؤوليته بمفردها وهاهي تعود في وضح النهار وأمام الجميع متحدية لكل النجع ..

كانت غبية يومها لتفعل ما فعلت وكانت تظن أن  ايلامه هو أكثر ما تريده في حياتها لكنها كبرت ونضجت وعادت متحلية بالقوة والأموال لتواجه كل من خاض في عرضها  ..

لولا حرصها على ريان لكانت اعتمدت الانتقام الوحيد الذي يستحقه معتصم والذي ارادته منذ البداية ووقفت وسط النجع لتصيح بعلو صوتها أنا مازلت عذراء لليوم لكنها بذلك تكون تصيب ريان في مقتل...

- سيدتي لقد وصلنا ..

رفعت رأسها لتجد نفسها أمام ديوان المحافظة .. أنت من بدأت الحرب القذرة معتصم فلا تعود وتشتكي ..

ليكمل جاريد ..

- المحافظ غير متواجد في مكتبه كما تمنيتي ولذلك سيتحتم على عباس استقبالك..

من المميزات التي بالتأكيد لم يكن يعيها معتصم حينما جعل هنية ترافقها هى أنها كانت ستكون بنك معلومات لها .. بذكائها جعلتها تلخص لها أحوال البلدة والمنزل في خمس سنوات حتى تطرقت للزواج والطلاق والنسب والمصاهرة وحينما علمت منها أن سكرتير المحافظ الحالي " عباس الكامل " زوج شقيقة رضوان البهنساوي اختمرت الخطة في رأسها .. كون عباس ابن البلد ومن عائلة كبيرة كعائلة الكامل اعطاه وضعه في المحافظة وربما يكاد يكون هو المحافظ الفعلي للمحافظة وهذا يمنحه سلطة التنفيذ أما كونه صهر رضوان فهذا يمنحه الحافز للتنفيذ ..

خطت بخطوات تهز الأرض للداخل ويتبعها جيشها الحارس أما أكرم فانتظرها في السيارة مع ريان لحين نصب شباكها والعودة .. وطلبت مقابلة سيكرتير عام المحافظة وانتظرت ..

ومن داخل المكتب تعجب عباس وأصبح على وشك الحديث مع نفسه .. ما الذي اتى بشيرويت السمالوطي حتى باب مكتبه .. الساعي اخبره عن طلبها مقابلة المحافظ وحين اخبرها أنه غير متواجد طلبت لقائه هو .. لماذا يا ترى ..؟؟

نجع الكوامل هو النجع الأقرب لنجع السمالوطي وكل أخبارها لديه وبالتأكيد أيضًا كل اخباره لديها هكذا جرت العادة وتعلم بالتأكيد عن قرابته لخصم زوجها الذي هو خصمها في الأساس أو ربما زوجها ليس خصمها بل تابع لها تحركه كعروس الماريونيت بكل خبث ليحقق لها رغباتها .. لكن لحظة ألم يسمع من رضوان أن اليوم هو محاكمتها على فرارها ..؟؟

 خطيرة هي تلك السيدة وعليه الحرص منها لأقصى درجة .. هاهي تعود ولا تخشى شيئًا .. مما صنعت لتبدو صلبة هكذا ..؟

- دعها تدخل لنرى ما لديها ..

كاد يصفر من شدة جمالها .. علمت الآن .. هي من  تسيطر علي معتصم لا العكس لذلك هي واثقة من  نتيجة المجلس ..

وهى كانت ما تزال تهز الأرض بثقل خطواتها وثباتها لتثبت له صدق حدسه وعرفت عن نفسها قبل أن تجلس وتضع احدى ساقيها فوق الأخرى وتقول بترفع مستفز ..

- كنت اتوقع مقابلة السيد المحافظ لكن اعتقد أنك تستطيع ابلاغه بما اريد ..

كتم غيظه لاقصى درجة .. الترفع والعنجهية تجري في دماء السمالوطية مجرى الدم .. وقاحتها غطت على جمالها ألا تعلم من هو لتحدثه هكذا ..؟؟

وربما سمعت صرير أسنانه وهو يجز عليها قبل أن يقول بغيظ ..

-  بالطبع سيدتي .. بما استطيع خدمتك ..؟؟

- بوابات ري الكترونية .. اريد تمويل مشروع انشاء بوابات ري الكترونية تفتح وتغلق اتوماتيكًا وتكون تابعة لسلطة المحافظة بالكامل .. فقط المحافظة تفتحها وتغلقها حسب احتياج الأراضي لا حسب رغبة الأفراد ..

كان قد امسك بقلمه ليدون ما ستقوله وعندما صدمته بكلامها عاد بظهره ليستند علي ظهر مقعد وهو يضع قلمه بترو ..

خطيرة كما اعتقد .. بفعلتها تحرج معتصم السمالوطي .. وبأموال السمالوطي يُحرج شيخ السمالوطيه .. كانت تلبس معتصم في الحيط كما يقولون ..

استرعت كامل انتباهه,, فعلا " احذر الجميلات " وخصوصًا الذكيات القويات  ..

وهي تعلم وهو يعلم أن الأمر سيتحول لأمر شخصي بصورة أو بأخرى  لكنه على الرغم من ذلك قال بمهنية ..

- هل لديك دراسة جدوى للموضوع ..؟

- بالطبع .. هناك شركة هندسية شهيرة وضعت تصورًا مبدئيًا لكنها تحتاج للاذن للبدء في العمل الجاد وهذا هو الملف الكامل للمشروع ..

شبك كفيه وهو يمعن التفكير ..

- حسنًا سيدتي اعدك بأننا سنناقش الأمر في أقرب فرصة ..

نهضت وفي نيتها مغادرة المكتب لكنها التفتت له لتقول بخبث ..

- كنت انتظر " اعدك أننا سنبدأ في التنفيذ في اقرب وقت " .. المحافظة لن تتكلف قرشًا .. التمويل علي بالكامل وحان وقت العدل في التوزيع .. ألا تعتقد أن البوابات الالكترونية ستكون انجازًا جيدًا يحسب لادارتكم ..؟؟

غادري جميلتي لأخبر رضوان .. البوابات ستكون ضربة قاتلة لغريمه وهذا ما يهم الآن ..

- الفكرة جيدة لكن القرار ليس قراري .. اعدك بعمل " اللازم "  ..

كان يشدد على مخارج ألفاظه ..

وقبل أن تغلق الباب خلفها لتخرج لحراستها قالت بخبث ..

- اخبر رضوان البهنساوي أني اريد التواصل معه ..

والقت قنبلتها واختفت خلف الباب المغلق ..

                                        **       

ماذا سيقول العجوز يا ترى ؟؟

لقد قرر اقتحام مجلس علية القوم ليقول أمرًا ما .. على الرغم من مكانته كجد للشيخ إلا أن في داخله ظل يشعر بالتدني واليوم قرر نبذ شعوره لأجله ..

حضور ليال وحضور جده الذى تغير موقفه من النقيض للنقيض يمنحه القوة  ..

مازال دخول ليال المفاجىء يسبب البلبلة ودخول جده لم يمنحهم الوقت ليستوعبوا ما حدث وليبادرهم الجد قائلًا ..

- من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر ..

الخرس المفاجىء .. بعد ارتفاع أصوات المشاحنات,, كلمة العجوز  كانت تحرق الجروح فتفتحها وتتركها تنزف من جديد  .. من منهم بلا خطيئة حتى هو نفسه ..

- لطالما كنت انظر  للمجلس نظرة اجلال وتقدير,, كان منتهى أملي أن اكون من أعضائه وحتى حينما صاهرت الشيخ الكبير في الماضي لم اتحلى بالشجاعة لاطالب بالحضور لأني كنت اعلم أننى ادنى من ذلك لكن هل تعلمون .. اليوم مجلسكم بات يثير غضبي ولا اريد أن اشارك في قرارته التي أصبحت تتعلق بالأهواء ولا تحتكم لشرع الله .. الحلم تحول لكابوس فعودوا لرشدكم واعلموا أن الفتنة أشد من القتل وأنتم تزرعون الفتنة عندما تحكمون على هذا بالموت وتطردون هذا وتنفون هذا .. واشهد الله انني كعبد فقير ارتضي حكم معتصم واثق في رجاحة عقله واترك له الحكم الأخير كزوج لها وله الحكم كله ولأنني بشر اخطىء واتوب فلن احاكم بشر مثلي .. من نحن لنفعل ذلك؟؟

 أما من كان منكم بلا خطيئة فليفصح عن نفسه ويقول ها أنا ذا ويحاكمها وقتها ..

الخرس مجددًا .. من منهم فعليًا بلا خطيئة .. العجوز يلقي بالكرة في ملعب معتصم ليحكم على زوجته أو يصفح عنها ويخلصهم من حمل الوزر .. الحكماء سيرتاحون لهكذا قرار بينما المنافقون لن يعجبهم بل سيريدون أموالها بعدما يثأرون لشرفهم الصوري ..

وفرصته التي هيئها له جده  ليحكم الآن وينهي هذا الموضوع اتته حتى قدميه .. 

- وأنا كما قلت في بداية المجلس زوجتي وابني سيعيشان في النجع بأمان وستـأتي للنجع متى شاءت وستغادره متى شاءت ..

فرق تسد .. هكذا لعبها معتصم وأكمل على ذكاء شيرويت .. البعض اشترت هي سكوته بأموالها والبعض الأخر اخرسه هو بقوته والقليل كان مذبذبًا منذ البداية فاقنعته ليال أما الجد فجاء ليجعل الجميع يراجع نفسه .. من بلا خطيئة ..

فتفرقوا جميعًا ..

والتعليقات لا تنتهي بين متلمزًا ومتعجبًا ومعترضًا لكن أكثرها ألمًا والتي جعلت معتصم على وشك القتل كانت .. " لا عجب في أنك حلقت شاربك .. لا يوجد مخنث بشارب حتى أنك تعدي كل من يقترب منك "

"يعني  راضي وغالب  بالتأكيد " ..

آه يا شيرويت من السبب فيما وصلنا له .. لن انكر ,, أنت تستحقين القتل,, لكني لا استطيع .. أنا قد اعيش كممسحة لقدميك وفقط اراكِ ..

وبدلًا من قتله تماسك وهتف بشراسة ..

- هل هناك من يعترض على حكم الشيخ ؟؟ 
 خرست كل التعليقات وبدء الحشد في الانصراف ولم يتبقى سوى ثلاثتهم ..

ليعلق غالب بأسى ..

- لقد كسبنا الجولة على كل حال لكن مبارك علينا الإهانة يا رجال .. والسؤال  الذي يطرح نفسه بقوة الآن "  هل ما زلنا رجالًا في عرف النجع ..؟؟ "

- نعم نحن رجال لكن أضعفنا العشق  ..

وليجيبه راضي بنفس الأسى ..

ثم ليهز معتصم رأسه بحسرة واضحة ..

 - تصحيح‘‘ كنا رجالًا حتى هزمنا العشق ..

من منهما ليعترض على كلامه راضي أم غالب .. لقد أصبحوا لا يعرفون أنفسهم والدليل ما حدث منذ قليل .. من منهم كان يتخيل أنه سيترك امرأة لتتحدث بالنيابة عنهم أو ليتركوا أنفسهم ليوصموا في النجع بالمخنثين ويتحملوا لأجل الحب .. وصوت ضجة قادمة من الخارج عفتهم من حرج الصمت وعدم النفي.. الحقيقة قيلت   .. " كنا رجالًا يومًا ما " ..

 ولكن لدهشتهم الاجابة قدمت من باب المجلس المفتوح ليقول  خالد يسري بصرامة ..

- خطأ,, بل قولوا نحن رجالًا قومنا العشق ..

                                          **

 دموعها السبب ".."

هكذا أجابه  خالد بكل بساطة حينما سأله ..

- خالد ماذا تفعل هنا ..؟؟

- زوجتي ترجتني للحضور عندما علمت من زوجتك باخبار جلسة المحاكمة التي ستعقد للحكم  عليها ..  وفقط دمعتين منها كانتا كافيلتين بجعلي أضع نفسي في سيارتي والحضور ..  

تبادل ثلاثتهم النظرات ثم الضحك .. هل حقًا لم يعد هناك رجال في مصر أم أنهم يفهمون الرجولة بصورة خاطئة ..

خالد يسري واحد من أقوى الشخصيات في مصر ويعلن للجميع أنه مسير برغبات زوجته ولا يخجل .. هل يعتبرون ذلك درسًا عميقًا يعيد ترتيب قناعتهم الرثة ومبادئهم البالية  ..؟

وكان معتصم الوحيد الذي تجرأ علي الكلام ليقول بوهن ..

- انضم للنادي سيدي ..

منذ بداية أزمته مع شيرويت وهو يخصص وقتا كبيرًا لمراقبة العاشقين ..

دي ماري تصرف بطريقة لا تليق مع مكانته ولا مع اسمه ليتحايل على شيرويت ولماذا ..؟؟   

" لأجل امرأة "..

وخالد يسري العظيم يعترف أنه قومه العشق ولا يخجل من الاعتراف وراضي الصعيدي المتشدد يسمح لزوجته بالكلام في مجلس الرجال بلا خجل ويدعمها بصورة اخجلته هو شخصيًا لانه فشل في دعمها مثله وغالب ثاني أقوى رجل في مملكته ومع أنه لا ينغمس بصورة مباشرة في مشاكلهم لكن أحكامه أصبحت متراخية وتميل للين ولا يعترض على حرية النساء أو حكمهن أو حتى فرارهن من منازل أزواجهن  ..

هل كنا نفهم الرجولة بصورة خاطئة أم لم نعد رجالًا من الأساس ..؟؟

البيضة أم الدجاجة ..؟؟؟ معضلة ولن يجد لها حل سوى الاستسلام فهل هناك بديــــــــل ؟؟؟؟؟

                                           **

والعته كلمة اضيفت لقاموس العاشقين لتعبر عن حالة اللا منطقية التي اصبحت تشعر بها ..

 من أنت ؟؟ ""

حيرتني وافقدتني اتزاني .. كنت اظن أنى بالكثير من العقل تحليت,, لكن منذ أن دخلت حياتي ووجدتني في دوامة وكلما همت بابتلاعي ظهرت أنت من العدم لتجذبني بعيدًا عن القاع لكن ك لا انسى في الأساس أنت من انشئت هذه الدوامة ووضعتني فيها فصرت وكأني لاعب سيرك امشي على الحبل الرفيع وكل ما لدى هو عصاي اتعلق بها تعلق الغريق بقشته فحين تكسر العصا سأفقد اتزاني واسقط على جذور رقبتي ومن سخرية القدر أنت من يمد هذه العصا بالقوة ..

مهمتها الأولى ربما تكون انتهت على خير ..

الاراء بداخل المجلس اصبحت تميل لجانب التطنيش .. هذا هو المصطلح الأقرب لما سيعتمدونه مع شيرويت فالكل سينفي عن نفسه تهمة النفاق حينما يقبل هبتها بعدما يدفنها عقابًا لها على خطيئتها ..

اقتلوا الزانية كما تتهمونها ثم اقبلوا أموالها الملوثة بالعار لكن العار وقتها كان سيكون لهم ..

لم تجلس لسماع النطق  بالحكم فهي تعلم أن معتصم نهض من كبوته وعاد شقيقها الذي تعرفه,, حينما تجتمع فيه القوة مع العدل فلن يهزمه مجرد مجلس بائس عفى على معتقداته الدهر وبلت حتى باتت برقة ورق الزبدة المستعمل وفقط جلست لبعض الوقت وحينما امتد المجلس قررت المغادرة ..

لتأتي لمهمتها الثانية والأصعب في الواقع .. إن كانت تخاذلت عن فضح  زوجها في المجلس لاعتبارات كثيرة فهذا لا يعني أنها نست الأسير  المقيد كالبهيمة  ..

كانت تقنع نفسها طوال طريق عودتها بأنها لم تفضحه لأنها كانت تريد  دعمه كرئس لعشيرته ولو فضحته كانت ستخسر صوتًا لكن هل تلك فعلًا هي الحقيقة يا ليال ..؟؟؟

زجرت ذلك الصوت الذي يؤنبها وقادت لمنزل زوجها .. ستنتهز فرصة غيابه وستحرر الأسير عسى أن يغفر لها الله ميل  قلبها لهذا الحقير .. 

صفت سيارتها بدون اهتمام في الباحة الخلفية من المنزل وركضت لغرفتها لتبدل ملابسها بملابس مناسبة للمهمة التي هي على وشك القيام بها ..

اختارت سروال من الجينز الداكن وقميص شبية بقمصان الرجال وربطت حجاب صغير واحكمت ربطه كي لا ينزلق من على رأسها واكملت مظهرها بحذاء رياضي مريح .. يتبقى فقط أن تبحث عن شيء تستطيع استخدامه لفك وثاقه ..

وبعد فشلها في البحث عما تريد قررت الذهاب ,, بالتأكيد يوجد في الحظيرة ما يصلح لاستخدامه فالأسير يحرر في بعض الأوقات لاستخدام الحمام على الأقل..

توكلت على الله ".. قالتها وهي ترتجف من الداخل ومن الخارج .."

وكالألة لم  تبدي أي انفعال حتى لا تتأثر بالعوامل الخارجية وواصلت طريقها .. نفس الطريق الذي قطعته في الصباح لكنها لم تحاول الاستمتاع بجمال المكان وركزت كل حواسها على المهمة التي تنوي تنفيذها وفي نفس الوقت كي لا تثير انتباه رجال راضي المتواجدين بوفرة ..

وعندما لاحت الحظيرة في الأفق نطقت الشهادتين واقتربت منها لتتخشب قليلًا عند الباب ..

 وتلفتت حولها بانتباه قبل أن تسمي الله وتدخل مغالبة لخوفها الفطري ومحاربة لهاتف التراجع الذي يصر على حشر نفسه في رأسها ..

الحظيرة كانت ممتدة على مرمى البصر أمامها وبها الكثير من الحيوانات من بقرات سمينات بلون المشمش المجفف لعجول أقل حجمًا وأدكن في اللون ..

ثروة من الماشية يمتلكها زوجها الغامض فهل يذبح القرابين منهم ويقدمها للفقراء ليكفر عن ذنوبه التي لا تعد ولا تحصى أم يكتفي بأكلهم حتى يصاب بالتخمة ..

" من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده "

ولن تكن ليال السمالوطي إذا لم تغيره بيدها ..

   - اللعنة ..

صرخت بقرف حينما غرزت قدمها في كومة لزجة من مخلفات الحيوانات لتصبح رائحتها برائحة العجول التي تراها ..

ما هذا القرف ؟؟

لعنت حظها البائس وأكملت طريقها للجانب البعيد من الحظيرة حيث يتواجد الأسير مخفيًا عن العيون كما سبق وحددت مكانه من النافذة ..

ها قد دخل مجال رؤيتها ,, كان يغط في نوم عميق .. كيف لشخص طبيعي  أن ينام بسهولة في ظل تلك الظروف وقيمت الموقف بغضب .. الأسير كان في حدود الثلاثين من العمر ومقيدًا للجدار بجنزير حديدي صدىء وطويل ليمنحه مساحه معقولة من حرية الحركة وطرف الجنزير الأخر يلتف حول نهاية ساقه ويغلق عليها بقفل معدني ضخم ..

ثم شملت بنظرتها المحيط من حوله ,, أمامه تواجدت بعض أواني الطعام الفارغة وزجاجة ماء ممتلئة للمنتصف وكما توقعت تمامًا من قيد المسكين ترك وسيلة تحريره في الجوار وكانت الوسيلة مفتاحًا معدنيًا كبيرًا يناسب القفل من حيث الحجم وعلق على الجدار المقابل للأسير وكأن من وضعه عنى أن يعذبه بزياده ..            " أمامك وسيلة حريتك لكنك لا تستطيع الوصول إليها  .. "

تفكير شيطاني سادي لا يخرج سوى من .. من مغـــــتصب لعين ..

وبدون تفكير أو تخطيط ركضت للجدار المعلق عليه المفتاح وقفزت للأعلى لتصل إليه ومع حركتها سقط منها أرضًا ليختفي وسط الروث ووسط التبن ..

اللعنة مجددًا ..

وجثت على ركبتيها لتبحث عنه ..

وربما علي صوت الضجيج الصادر منها استيقظ الأسير لأنها سمعت صوت تحرك الجنزير مما يعنى أن الأسير يتحرك فالتفتت إليه وهي مازالت تبحث عن المفتاح بلهفة .. وهتفت تطمئنه ..

- اطمئن سأحررك ..

لا تعلم لماذا نظرات الدهشة والاستغراب التي علت وجهه,, بدلًا من أن يظهر سعادته أو حتى امتنانه يظهر تعجبًا !!..

- وأخيرًا ..

كانت تصارع الوقت فرجال راضي منتشرين على طول الحديقة ومن المحتمل أن يدخل أحدهم في أي لحظة  ليطعم البهائم على الأقل ويكتشف ما هي بصدده ..

ونشوة الفوز طغت عليها حتى أنها لم تلتفت لملابسها التي تلطخت بالمخلفات ولا لرائحتها الت باتت برائحة كل الحظيرة ..

الانتصار له طعم رائع .. انتصرت عليك يا راضي وتجرأ وانظر في عين وحاسبني لأني فككت أسره ..

كانت قد اقتربت بنسبة معقولة من الرجل وفجأة ولا تعلم السبب لكن هاجمها الرجل بقوة لدرجة أنها سقطت أرضًا وبعدها نزع المفتاح من قبضتها بقوة هشمت أصابعها وعجزت عن التصديق حينما رفع الرجل جزء من الجنزير المعدني الطويل واقترب به من رقبتها ونيته واضحة .." سيخنقها بالجنزير " ..

نظرت إليه بارتياع وهي مازالت لا تستوعب ما يحدث .. ووجدت نفسها تصرخ برعب وبتلقائية ..

- راضي ..

وربما كلمة راضي كانت الشرارة لكن عيناه لمعت بشر أرعبها بصورة لم تمر بها من قبل ونفذ ما كان يخطط له ..

ارادت أن تخبره " لقد اتيت لانقاذك يا غبي " لكن الكلمات حشرت في حلقها من الرعب .. وحاولت بصعوبة  نطق " لماذا ؟؟"

ربما الرجل فقد عقله من طول مدة احتجازه أو مع ضغط الجنزير الذي يزداد على رقبتها والألم الذي أصبح لا يحتمل مع شعورها بالاختناق اتجهت أفكارها لسكة أخرى .. ربما يحتجزه راضي لأنه خطيرًا من الأساس ..

حاولت أن تسعل لتوسع صدرها وتدخل المزيد من الهواء لرئتيها اللتان باتا على وشك الانفجار .. من الجيد أنها نطقت الشهادتين قبل دخولها للحظيرة وتحاملت لتنطقهما مجددًا ,, حتى ولو في قلبها ولم يفلح لسانها في نطقهما .. وأخيرًا نجحت " اشهد أن لا إله إلا الله ".. " اشهد أن لا إله إلا الله " ..

وسمعت مهاجمها يقول ..

- أنتِ لعنة .. اغتصابك كان أسوء قرار اتخذته في حياتي ..

 اغتصابك ؟؟!! ماذا يقول ..؟؟ !! لكن الأهم أنها تموت ..

وفي أشد لحظات يأسها واستقبالها للموت لمحت راضي يقتحم الحظيرة وعلامات الفزع ترتسم على وجهه بشكل يعبرعن نفسه ويركض في جهتها بكل قوته ..

     

                                     **

ساعة قبل ذلك ..

في نفس المجلس لكن فقط بأربعة رجال ..

ليهتف معتصم باهتمام ..

- بالمناسبة لم اعرفك يا راضي على خالد يسري .. شريك أعمال هام ..

ثم ليقوم بمهمة التعريف كاملة .. راضي الشامي زوج اختى وصاحب شركات "موارد  .."

بالطبع كلاهما يعرف الآخر حتى ولو بالسمعة ..

خالد يسري سمعته تسبقه في الأعمال وفي كل شيء يكفي خبر خسارته لأمواله ثم نهوضه أقوى ..

- تشرفت بمعرفتك ..

كان يريد حجة للانسحاب .. اليوم كسب نقطة لصالحه وربما تمهد له الطريق مع ليال .. وليعترف لم يعد يستطيع كبح جماح نفسه بعدما اقترب من امتلاكها وتمتع بجسدها لدقائق ويريد الاستمتاع لأقصى درجة..

ذكراها تعذبه .. كان يجلس في مجلس الرجال يسترجع لحظاتهما سويًا ..

- بالاذن منكما لدى امر طاريء ..

وتنحنح في الصالة الكبيرة وهو يتحدث مع زبيدة التي استقبلته ..

- هل تعلمين أين هى ليال ..؟؟

اجابته بتوتر ..

- غادرت لمنزلكما منذ قليل ..

وعلى عجالة وضع نفسه في سيارته وانطلق بعدما علم أن ليال سبقته للمنزل ..

اليوم سيكون مختلفًا .. على الأقل سيحاول معها مجددًا ..

 ليشرح ما حدث يومها عساها تصدق وإن لم تصدق فسيجلب الحيوان حتى قدميها ويجعله يعترف مع أن ذلك يقلل من قيمته وربما تعتقد أنه اجبره على الاعتراف .. لا دليل ليجعلها تصدق لأنها لم ترى وجهه لكنه وقتها لن يجد بديلًا ..

وأما زبيدة فواصلت توترها .. لا تعلم لماذا تشعر بقبضة في صدرها وغمة وشعور بالهم والغم ..

ربما لأنها السبب في عودة شيرويت وربما لأنها على الرغم من تناثر أخبار ما تم في المجلس مازالت لا تطمئن ..

فالح شره لا ينتهي والمجلس سيعقد جلسة لاحقة له لمناقشة خرقه لقرار المجلس السابق ..

الأمور تزداد تعقيدا وطفلي معتصم في حالة يرثى لهما وعلى الرغم من أن عبلة لم تكن الأم المثالية لكنهما في النهاية أصبحا يتيمين ومع مشاغل معتصم الجمة بات الطفلين يشعران بالحرمان ومع أنها تحاول تعويضهما الحنان لكن تظل هناك فجوة لا تستطيع ملئها ..

جبانة يا ليال لماذا رحلتِ الآن ..؟؟؟

الحمل القادم مع عودة شيرويت للمنزل لا تستطيع حمله بمفردها مطلقًا وتحتاج لشقيقتها التي فرت وتركتها وحيدة ..

وصوت زمور يصم الآذان جعلها ترتبك  بزيادة تلك الضجة تشير لعودة لشيرويت وبداية عهد جديد غريب مخيف ربما ..

                                    **

البدايات تتشابه لكن النهايات تختلف ..

يوم شتوي غير عادي مر به النجع  والسيارة العجيبة التي توقفت أمام المنزل ظلت لم تفتح أبوابها لبعض الوقت وعادت الاشاعات لتتناثر مجددًا ..

السيدة وزعت الأموال قبل دخولها للنجع واقسم البعض بأن هذا ما حدث وأن جيوبهم ملئت بالمال بسببها فتجمع الباقي أمام المنزل لينال نصيبه ..

يا إلهي ما هذه السيارة ..؟؟

وفتحت الأبواب خيرًا  ..

ومدت السيدة ساقها للخارج بترفع بعد أن تقدمها جاريد وانتظر ليفسح لها الطريق ودوى صوت الكعب العالي وهو يعلن عن نفسه ..

ثم استقامت للخارج بالكامل ونظارتها الشمسية  تأكل معظم وجهها وتبعها ريان بزيه المميز وكما توقعت خرس الجميع وأصبحوا ينظرون بفضول للسيارة ولهيئتها ولهيئة ريان وهي تجاهلتهم جميعًا وصعدت الدرج لتجد معتصم أمامها وجهًا لوجه ..

مرت أسابيع منذ  مواجهتما الأخيرة ولاحظت خطوط الارهاق على وجهه وكأنه لم ينم منذ شهور .. ورغمًا عنها ارادت مسح وجهه بيديها لكنها ؤدت رغبتها تلك وتجاهلته هو الآخر مع أنه أمام الجميع وضع ذراعه حول كتفها بحمايه وبذراعه الأخرى رفع ريان ودخل بهما المنزل أمام الجميع ..

لن تنكر أنها كانت تشعر بالقلق من نتيجة الجلسة لكن قلبها دأب على تطمينها ..   " أنه معتصم شيرويت الذي تعلمين جيدًا كيف يحبك فلا تخافي " .. وموقفه الآن يدعم أفكارها .. لم يتخلى عنها كما تمنت يعاقبها بأسوء الطرق وحدهما لكن أمام الناس يجعلها ملكة متوجه..

واستلمت زبيدة ريان من معتصم وهي تقول له بحب ..

- تعالى صغيري لتلعب مع شقيقيك ..

في الفترة التي قضتها في المستشفى توطدت علاقة ريان بعائلته وبشقيقيه بدرجة كبيرة .. من الجيد أن يكتشف صبي صغير فجأة وجود شقيقين احدهما له نفس عمره ليصبحا كالتؤام ..   

ثم نظرت لشيرويت بترحيب وهى تقول ..

- نورتي منزلك حبيبتي ..

في العادة علاقتها بزبيدة عادية وربما ليال هي الأقرب لها مع أن زبيدة هي الاقرب لها في العمر لكن ترحيبها الدافىء طمئنها بزيادة ..

العودة لمنزل العائلة على الرغم من كل الشوك المحيط به متعة لا تعادلها متعة وحينما يكون مدعومًا بحب تزداد تلك المتعة وتتأصل.

ربما زبيدة لم تكن تعني شيئًا من ترحابها الودود بها لكنها به ربحت نقطة لصالحها .. نقطة جعلتها تهتف بعدم صبر ...

- سأقابل والدتك ..

وعلي الرغم من أن زبيدة كانت تعلم أنها وافقت على مقابلتها لكنها لم تصدق اذنيها حينما طلبتها شيرويت بنفسها ..

كان من الممكن أن تتصنع الرفض حتى يترجوها لتفعل لكنها كانت ندًا لوعدها .. وعدت واوفت ..

حتى معتصم الذي اراد منعها سابقًا من تلك المقابلة لم يستطع الرفض .. ربما المواجهة تحل الكثير .. ما قد تقوله والدته ربما يؤثر في كل حياتهما القادمة ومع أنه اراد أن يمنع شيرويت من سماع الاعتراف حرصًا على صورة والدته لكنه في نفس الوقت لم يستطع من حرمان والدته من الراحة المصاحبة للاعتراف ..

لتغسل ذنوبها بالاعتراف والتوبة ..

وعلى باب الغرفة منعته زبيدة من التقدم لتقول بحسم  ..

- تريدها بمفردها ..

لم يكن أمامه سوى الاذعان والتراجع ليفسح لها المجال للتقدم ..

الأبواب المغلقة تخيفنا دائمًا ونهاب ما وراءها ..

الحقيقة تخيف دائمًا وهذه حقيقة لا جدال فيها ..

ويتبدل الحال .. وسبحان من له الدوام  .. حماتها التي كانت ترج الأرض بخطواتها أصبحت طريحة الفراش بفم معوج وكلام ثقيل يفهم بصعوبة ..

- أمي .. ها قد حضرت شيرويت كما طلبتي ..

ورحلت زبيدة وأغلقت الباب خلفها ..

وخانتها شجاعتها .. انتظري زبيدة اصطحبيني معكِ ..

لكنها لم تستطع الرحيل واقتربت من فراشها ببطء ..

وبكلمات فهمتها بصعوبة سمعتها تقول ..

- سامحيني ..

كانت تريد السؤال "  اسامحك على ماذا بالتحديد ؟؟ " على جعلك معتصم يكرهني أم على زجك لابنة شقيقتك في طريق معتصم وأنت تعلمين أنه يحبني أم ربما مساهمتك العظيمة في تشويه صورتي أمام النجع وأمام معتصم ..؟؟

لكنها اثرت الصمت .. حينما يكون الشخص أمامك في أقصى درجات ضعفه فمن التهذيب أن تمسك لسانها .. يكفيها أن حماتها تريد  السماح منها ولقد ظلمها الكثيرون فلما ستحاسب حماتها فقط ..

السلام الداخلي الذي تشعر به يمكنها من الصفح عن الجميع ..

- سامحيني شيرويت فقد علمت أن عبلة تزور الدجالين لأجل التفريق بينكما ولم اتدخل .. سامحيني شيرويت فحينما سرقت عبلة رابطة عنق معتصم لتعطيها للدجال رأيتها ولكراهيتي لك تظاهرت بأنني لم افعل لكن معتصم وحده من دفع الثمن وكدت افقد حفيدي .. ربما أنا لم احبك يومًا أو اتقبلك وساهمت في الخلافات بينك وبين معتصم خصوصًا في الفترة التي كنت تقيمين فيها هنا قبل فرارك لكني عشقت ريان من مجرد رؤيته لمرة وحسرت حينما فقد .. أنا فعليًا لم اكن لأضر معتصم أو أحد اطفاله ..

دجالين .. شهقت بفزع .. لكن لا معتصم كان دائمًا قراره من رأسه ولن تصدق الآن أن مجرد دجال يؤثر في قوته .. أخطائنا تنبع من داخلنا زوجة عمي لا من الدجالين .. أوزارنا علينا نحملها بالكامل لا الدجال ولا غيره فرق بينهما ووحده الذنب وغباء معتصم هو من فعل .. ومع ذلك تلك السيدة اجرمت في حقها حتى ولو بالمحاولة  لكن ..ــــــــــــ

" والكَاظِمينَ الغَيظَ والعافِينَ عن الناسِ وااللهُ يُحب المُحسِنينَ " ..

- اسامحك .. أنا لدى من القوة ما يكفي للسماح .. لكن اطلبي السماح من الله فهذا هو الأهم صدقيني .. الدنيا قصيرة ولا تستحق أن نملأ أنفسنا بالبغض لأجلها ..

وانصرفت قبل أن ترى تأثير كلماتها عليها ..

ارادت طلب السماح منها وهي فعليًا لا تحمل لها ضغينة وحتى إن حملتها سابقًا فوضعها الآن يجعلها تنسى .. وحبها لريان يجعلها تغفر ..

عسى الله أن يغفر لك ذنوبك ..

وكان معتصم ينتظرها خلف الباب ولم يحدثها بل واصل طريقه لوالدته التي غسلت الدموع وجهها وفقط  كانت تقول بنفس الصعوبة ..

- اشكرها نيابة عني اراحت قلبي بصفحها وادعو لي بالرحمة ..

مهما أن فعلت تظل أمه .. حتى أنه لا يريد أن يعرف .. لا يهم ما فعلته ..

فالتقط كفها بحب وأخذ يقبله وهو يمسح  دموعها ..

- معتصم أنا ..

- هش ..

اسكتها بلطافة ..

- أمي فقط اشغلي نفسك بالتعافي واعلمي أننا نحبك ..

ربما قد تخبر شيرويت بما فعلته لكنها لا تستطيع اخبار معتصم ستفقده إن فعلت  لذلك كان اسكاته لها يسعدها ..

- شكرًا لك حبيبي .. الابن الصالح نعمة .. الحمد لله ..

وارتاحت لدرجة أنها اخيرًا وبعد شهور من العذاب استاطعت النوم وحينما تأكد من نومها غادر ليفتح صفحة جديدة مع الجميع حتى مع نفسه ..

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات