رواية فارس بلا مأوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء محمد رفعت


_ منذ ذلك اليوم الأسود برغم إن ماحدث فيه بمحض إرادتها، ومن حينها حتي الآن تلعن نفسها آلاف اللعنات لإنها إستسلمت بين يدي من أستغل حبها له وقربها منه لأجل مصلحته الخاصة وهي الوصول لمن يهواها فؤاده،  غير مكترث لها بل يُلقنها الكثير من الإهانات خاصة في آخر لقاء جمعهما معاً. 
تنعزل بذاتها في غرفتها تخشي رؤية أحداً من أفراد أسرتها ويلقي عليها بالأسئلة التي تخشاها ولا تعلم كيف ستجيب عنها بماذا ستتفوه!.

طرقات علي الباب متتالية جعلتها تنتفض من أسفل الدثار،  يتبعها نداء والدتها:  
_ أنتي يا مروة هانم،  قافله الباب ليه بالمفتاح؟.

تنفست الصعداء وأجابت:  
_ أوف، الواحد مش عارف ياخد راحته في البيت ده، نايمة يا ماما وقافلة الباب عشان عيال إبنك الأشقية.

صاحت والدتها من وراء الباب: 
_ نامت عليكي حيطه، قومي يابت أفتحي عايزة أقولك علي حاجة.

أنتفخت أوداجها فزفرت من أعماقها بتأفف: 
_ حاضر.

نهضت وقامت بفتح الباب، عقدت ساعديها أمام صدرها متفوهه بإمتعاض: 
_ حاجة أي دي إن شاء الله؟.

دفعتها في كتفها من أمامها: 
_ أوعي كده من وشي.
سارت نحو النافذة لتفتح الستائر مردفة بضيق: 
_ياساتر، أي التربة الي حابسة نفسك فيها دي!، ريحة الأوضة مكمكمة.

إستدارت مقلتيها بإمتعاض وقالت:
_ياستي دي أوضتي وعجباني كده.

ألتفتت إليها والدتها ورمقتها بإزدراء قائلة: 
_ طيب أتنيلي روقيها وهويها وحطي عود بخور، وخديلك دش وظبطي نفسك عشان جايلنا ضيوف.

زفرت للمرة المائة: 
_ أوف بقي، ياربي مش هنخلص، وأنا مالي بضيوفك!، وبعدين أنا مش قادرة أقابل حد.

وضعت يديها بخصرها وقالت بتهكم لاذع: 
_ دول مش عشاني يا روح أبوكي، ده العريس الي قولتلك عليه ومعاه جوز خالتك ومعتصم أخوكي هيسبقهم زمانه علي وصول.

أرتجف داخلها من التوتر، متذكرة ما أخبرتها والدتها عن هذا العريس ومدي إعجاب والديها به وبأخلاقه وإنه الرجل المناسب الذي تمنوه لإبنتهم، فماذا ستفعل!.
أخذت تتمتم بداخل عقلها بنعت وسب هذا العلي الذي قذف بها داخل الجحيم، تركها جريحة القلب، محطمة الذات.

تصنعت الثبات الإنفعالي حتي لاتشك والدتها في أمرها،فقالت بهدوء زائف: 
_ مش وقته.

تشدقت الأخري: 
_ هو أي يا عين أمك الي مش وقته؟.

رفعت وجهها لأعلي قليلاً: 
_ مش وقته أن أتخطب وأتجوز، لسه شوية علي الخنقة دي.

كانت تظن بهذه الكلمات تقنع والدتها بالعزوف عن فكرة زواجها لكن لاتعلم إنها أضرمت شعلة من الغضب جعلت أمها تخطو نحوها وهي تتراجع إلي الخلف.

_ لسه أي يا عينيا؟.
سألتها بسخرية قابضة علي زراعها بقوة تهزها بعنف، فأردفت بصياح أهتزت له جدران غرفتها: 
_ طب أي رأيك يا روح أمك هتتخطبي وهتتجوزي العريس ده، سواء عجبك ولا معجبكيش، يا إلا قسماً بالله هسلط عليكي معتصم أخوكي ولا هيبقي فيه خروج ولا شغل، وأنتي عارفة هيعمل معاكي أي، وياما أنا حوشته عنك وداريت عنك كتير.

فلتت زراعها بصعوبة من قبضتها، وقفت بتحدي وإصرار قائلة:
_ طُز في إبنك وفي العريس، و طُز فيكو كلكو،يكش تولعو بجاز في بعض.

تعجبت والدتها لصراخها المُجلجل هذا، همت بمغادرة الغرفة قائلة بتوعد: 
_ صرخي، عيطي، أعملي الي أنتي عايزاه، وبرضو كلامي هيمشي وهتوافقي علي العريس، ويا أنا يا أنتي!.

دفعت الباب خلفها بقوة ثم أستندت عليه بجسدها الواهن وأخذت تبكي بحرقة وقهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تقف أمام مرآه الزينة بداخل غرفتهما، تنظر إلي بطنها الذي لم يظهر بعد عليه إنتفاخ الحمل، تتذكر ليلة أمس وكلماته القاتلة لقلبها الذي يعشقه ولا يبادله أي مشاعر.
(حدث في ليلة أمس)

_ الموضوع الي هجولو لك دلوق هيبجي سر بينتنا أنا وانتي لحد ما هخبر بيه الكل.

أنصتت له بإمعان وحدسها يخبرها بأن ما سيقوله زوجها للتو لا يكن سوي كارثة بالنسبة إليها،  لم يخطأ حدسها حينما تفوه الآخر بجدية وكأنه قد حسم أمره ولا جدال فيه:  
_ أني قررت أتچوز.

أتسعت عينيها من هول صدمتها إثر ما تفوه به للتو، وتسمرت كالتمثال.
عم الصمت بينهما، فتسللت عبره علي وجنتها، وبصوت خافت يصل لأذنيه بصعوبة قائلة بتعجب ساخر: 
_ هي دي ألف مبروك الي چاي تجولهالي!، وياتري تطلع مين دي؟.

أشاح وجهه لم يستطع أن يجب علي سؤالها، فيكفيها علمها بأمر زواجه بأخري.
تعالت شهقاتها من الألم الذي تشعر به وكأنه جلب سكين متوهج ويغرزه بداخل قلبها بلا شفقة، ولما يهتم لمشاعرها!، فهو لم يشعر قط نحوها بأي مشاعر، حتي في لحظاتهما الحميمية كان يتخيل الأخري وليست هي، كم هو قاسي القلب متبلد المشاعر.

توقفت عن البكاء عنوة، فأستعادت رباطة جأشها وقالت بسأم: 
_ فاطمة، صوح؟.
إبتسامة سخرية تكسو ثغرها مُردفة: 
_ طول الوجت وأني جلبي كان حاسس، وكنت بصبر حالي وأجول لنفسي يابت بكره هيزهق ويحس بيكي، مهما كان ده في الأول والآخر برضك چوزك ولما علمت إني حبلي علي قد ما فرحت لكن فرحتي الي أنتظرتها هي فرحتك أنت لما تعرف أني هچيبلك الطفل الي نفسك فيه، و بدل ما تاخدني في حضنك، چاي تجولي أتچوز!.

صاحت في آخر كلمة، رفع سبابته محذراً إياها:
_ وطي حسك يا نوارة أحسن لك.

فاض بها الأمر،  فصاحت بغضب هادر: 
_ أوطي حسي!، يا چبروتك يا أخي!، ده كل الي همك، ومش همك جلبي الي عينحرج دلوق!.

نهض وقفز نحوها واضعاً كفه علي فمها وبغضب مستطير من سوادويتيه: 
_ إكتمي إلا وربنا لأجطعلك لسانك.

أزاحت يده بكل قوتها من علي فمها وقالت: 
_ ما أنا ياما كتمت حسي وأكتم في جلبي وأنت ولا هنا، وأخرتها رايد تتچوز عليا!، يا أخي اللهي
تتچوزك عجربة وتفضل تدوك فيك سمها وأخلص منك وأرتاح.

صاح بتهديد:  
_ لمي لسانك يا ولية إلا و قسماً بالله ل.....

قاطعته وبداخلها بركان من الغضب تتقاذف حممه في عنان السماء:  
_ اللهي يولولو عليك بدري لا تلحج تتچوز ولا تلحج تشوف إبنك الي خسارة فيك.

وصل لذروة غضبه الثائر،  رفع كفه لأعلي:  
_ أخرسي جبر يلمك.

أندفع الباب بقوة ودلفت والدته،  بفزع قائله:  
_ چري أي يا ولدي،  حسكم واصل للنچع كلاته،  حوصل أي؟.

كان يرمقها بنظرة حالكة وكأنه يتوعد لها،  حتي أنتبه علي صوت والداته:  
_ ما تردو علي سؤالي،  ولا أتخرستو دلوق!.

ألتقط عباءته وعمامته وهم بإرتدائهما ليرحل بدون أي كلمة، ثم غادر 
هارباً من أسئلة والدته وحديثها حينما تعلم بنواياه.

(عودة للزمن الحالي)

ظلت ترمق صورتها  المنعكسة في المرآه، وبداخلها عقدت العزم،  لابد عليها التصرف بدلاً من قلة حيلتها وموقف المتفرج الصامت. 
وبعدما أبدلت ثيابها بعباءه سوداء فضفاضة و وشاح ذو لون قاتم،  خرجت فكادت تصدم بخالتها التي أوقفتها:  
_ رايحة فين يابتي؟.

رمقتها بشرر من أفعال ولدها الظالم قائلة بحدة بالغة:  
_ همليني يا خالتي لحالي.

أمسكت يدها مانعة إياها من المغادرة،  وقالت بأمر:  
_ مهملكيش غير لما تجوليلي أي الي چري ليلة امبارح ومحدش فيكو رد عليا،  و كمان رايحة علي فين إكده؟.

جذبت يدها وأجابت:  
_ أبجي أسألي ولدك وهو هيجولك إذا قدر يجولك عاد.

تركتها في حيرة، وأكملت خط سيرها نحو منزل الشيخ واصف.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تتسحب من المطبخ بخطي وئيدة حتي لاتشعر بها والدتها،  تحمل حقيبة معبأة أواني مملوءة بالأطعمة المختلفة،  أجرت إتصالاً هاتفياً وبهمس أجابت:  
_ أني چاية أهو إياكم تتغدو من غيري وجولي لأخوي مايشتريش واكل للعمال أني عاملة حسابهم،  يلا سلام.

_ رايحة علي فين يا فاطمة؟. 
صاحت بها جليلة واقفة أمام باب غرفتها،  مما أفزعت الأخري،  تركت الحقيبة جانباً وهي تزدرد لعابها ثم تفوهت بتوتر منبلج علي ملامحها:  
_ أني، أني كنت را......

قاطعها رنين جرس المنزل ويصاحبه طرقات عنيفة علي الباب،  تعجبت كلا من فاطمة وجليلة،  ذهبت الأولي لتفتح الباب،  فتفاجأت بها واقفة أمامها والغضب يتطاير كالشرر من عينيها دفعتها  في كتفها بخاصتها و ولجت إلي الداخل تحت نظرات فاطمة الحانقة:  
_ العواف يا خالة چليلة.

رمقتها جليلة بإندهاش يتخلله بعض الضيق قائلة:  
_ الله يعافيكي يا نوارة.

ألقت نظرة علي غريمتها أولاً ثم أستدارت إلي الأخري،  ترفع وجهها لأعلي قليلاً بزهو  :  
_ متستغربيش ياخالة من مچيتي ليكم، والسبب أني رايده ألحج بيتي قبل ما يتخرب.

رمقتها جليلة بإندهاش:  
_ خراب أي كفي الله الشر يابتي.

حدجتها بإستعلاء وقالت:  
_ خراب بيتي يا خالة، وبتك السبب.

هنا لم تستطع فاطمة الصمت أكثر من ذلك،  فكانت تتركها تفعل ماتشاء، لكن إلي هذا الحد وكفي.

صاحت بتحذير وبدفاع عن نفسها:  
_ بجولك أي يا نوارة، أجفي عوج وأتحدتي عدل، أني ساكته لك من تو ما خطيتي دارنا، لكن هتلبخي في الحديت فخدي بعضك إكده من أصرها و عاودي علي دارك يابت الناس أحسن لك.

ألتفتت إليها والغضب والشر ينضح من عينيها كاللهيب مستعر:  
_ واه،  وكماني ليكي عين تهدديني يابت الشيخ واصف!.

نظرت نحو جليلة لتردف:  
_ جوليلي يا خالة،  الي تلوف علي راچل متچوز وكماني مارته حبلي تبجي أي؟.

أتسعت عيني جليلة بعدما تفهمت سبب مجيئها وغضبها، فسألتها بإستنكار:
_ تجصدي أي بحديتك؟.

صاحت مشيرة نحو فاطمة:  
_ أجصد بتك خرابة البيوت،  خطافة الرچالة.

_ أخرصي جطع لسانك. 
صرخت بها فاطمة وهي تهبط علي وجهها بللطمة قوية. 
فما كان من الأخري أن تتلقي الإهانة وتصمت، بل هجمت عليها:  
_ وكمان بتمدي يدك علي والله ما أهملك من يدي.

جذبتها من خصلاتها بعنف والأخري تدافع عن نفسها،  ولا تريد أن تؤذيها خاصة بعدما علمت إنها حامل. 
تدخلت جليلة  لتبعد كلتاهما عن بعض،  آمره إياهما:  
_ بعدو عن بعضيكو منك ليها،  وأنتي يا نوارة عيب لما تدخلي بيوت الناس وتتهميهم بالباطل وكمان تغلطي فيهم.

ألتقطت نوارة أنفاسها بتهدج قالت:  
_ أني ما بكدبش يا خالة، أسألي بتك الأستاذة فاطمة بت شيخ المسچد!، رافع كان بيسوي معاها أي وجت فرح خايته ورا الدار!.

قالتها وحدجت فاطمة التي تسمرت في مكانها بعداء وتوعد،  فأردفت:  
_ هجولك أني الي شوفتهم بعينيا دول وهو رميها علي التبن وجاعد فوجها وبيبوسها كأنهم راچل ومارته.

نظرت فاطمة لأسفل بخجل و خوف من والدتها التي تكبح جموح غضبها أمام الأخري حتي لا تشمت فيهما. 
اردفت مرة أخري:  
_ أني المرة دي عملت حساب للقرابة وصلة الدم الي بينتنا،المرة الچاية هتكون فضايح وچورس والنچع كلاته هيتفرچ ويسمع.
نظرت لهما بتهديد لتأكد علي وعيدها، ثم همت بالرحيل: 
_ سلام.
غادرت بخطي سريعة وعندما خرجت من المنزل زفرت وكأنها تزيح جبل من فوق صدرها،لكن هناك سؤال ألقاه عليها صوت من أعماقها و هو 
ماذا لو علم رافع بما أقترفته؟!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تركض بملامحها الخائفة بداخل رواق مظلم وصوت أنفاسها المتهدجة يعلو، تنظر خلفها في كل خطوة نحو مصدر خوفها، حتي أصتدمت في صدره، فشهقت بفزع فطمأنها قائلاً: 
_ متخافيش يا جلبي.

أتسع ثغرها بإبتسامة وسعادة: 
_ فارس!.

ضمها إلي صدره وحاوطها بزراعيه يمسد علي خصلاتها ليطمأنها أكثر: 
_ أيوه أني يا روح جلبي، متخافيش يا زينب رايدك تكوني قوية، أوعاكِ تضعفي.

دفنت وجهها في صدره وتشبثت بأناملها في ظهره قائلة بضعف وقلة حيلة: 
_ مُعنتش قادرة يا فارس، كل يوم بتمني الموت وما طايلهوشي.

أبعد وجهها عن صدره ليتمعن بالتحديق في ذهبيتيها قائلاً: 
_ بعد الشرعليكي يا جلبي، أياكِ تجولي إكده تاني، ده أني من غيرك ما أجدرش أعيش واصل.

ردت عليه بسأم والعبرات تملأ عينيها: 
_ وأني ماعرفاش أعيش من غيرك واص...

قاطعها صوت إطلاق رصاص يعقبه صياح تكره صاحبه بشدة: 
_ زينب، زينب.

كان فارس ينظر لها بنظرة الوداع الأخيرة غير قادراً علي التحدث ولو بكلمة.
أخذت تصرخ به: 
_ لاء يا فارس ماتهملنيش أبوس يدك، لاء يا فارس.

بدأ جسده يتراخي ويتهاوي بين يديها، فأطلقت صرخة مدويه: 
_ لا.

فتحت عينيها لتقابلها عتمة الظلام، فمازالت  آسيرة في هذا المكان الموحش منذ البارحة، مكبلة بالسلاسل الحديدية، وبرودة الهواء والصقيع يحاوطها وينهش جسدها المرتجف.
نهضت بصعوبة تتكأ علي إحدي ساقيها وبيدها الأخري تتحسس الجدار، وبرغم من الظلمة المحيطة بها شعرت بدوار يداهمها، و عندما أستطاعت الوقوف خارت قواها فسقطت علي الأرض.

وفي الخارج، تسير أنيتا وتحمل صينية طعام متجهة خلف المنزل، وعند رؤيتها فتح لها إحدهم من رجال الحراسة الباب، أخرجت من جيب جونلتها مصباح يدوي صغير وأضاءته، فشهقت عندما وقعت عينيها علي تلك الممدده علي الأرض بلا حركة وبجوارها آخر صينية طعام قد قدمتها إليها ليلة البارحة ولم تمسها كسابقتها.
خرجت مسرعة لتخبر سليم الذي كان يمارس تمارينه الرياضية في الحديقة.
_ سيدي،سيدي.
صاحت بها

نهض من فوق العشب ومسح قطرات عرقه من فوق جبهته، فسألها: 
_ ماذا هناك أنيتا؟.

أجابت بقلق و خوف: 
_ مدام زينب، يبدو إنها غائبة عن الوعي.

أنتفض بفزع عند سماعه ذلك، ركض إليها وقلبه يخفق خوفاً.
ولج إلي الداخل وقام بفتح لوحة مفاتيح الكهرباء بعد إبعاده لقطعة القماش الباليه من فوقها، وضغط علي المفاتيح، أصبح المكان مضيئ، ليجدها كما أخبرته الخادمة، أسرع نحوها وجثي علي إحدي ركبتيه، وضع يده علي زراعها يلكزها منادياً: 
_ زينب، زينب.

لم تصدر منها أي حركة، فكانت كالجثة المسجاه، أمسك رسغها وبيده الأخري وضع أصبعيه الوسطي والسبابه علي موضع العرق النابض، زفر بأريحية وسرعان ماتبدلت ملامحه كالبركان الذي أنفجر لتوه، وهذا عند رؤيته لصينية الطعام التي لم تؤكل منها شئ.
نهض لينحني مرة أخري ويحملها مسرعاً إلي داخل المنزل ثم إلي غرفة النوم، فوضعها علي السرير و هاتف الطبيب ليطمأن عليها.
وبعد قليل جاء الطبيب وبعد الفحص قال: 
_ سيد سليم، هل زوجتك لديها داء السكري؟.

ضيق مابين حاجبيه مجيباً: 
_ لا أعلم.

قام الطبيب بتدوين عدة كلمات في دفتره الورقي، فنزع الورقة منه ثم أعطاها لسليم قائلاً: 
_ هذه الأدوية مكملات غذائية لتقوية جسدها الضعيف، ويجب أن تجري بعض التحاليل لنطمأن علي مستوي السكر لديها.

أخذها منه وهو يومأ له، وبعد مغادرة الطبيب أغلق الباب وعاد إليها ليجلس بجوارها متأملاً ملامحها، بداخله يشعر بالندم حيال ما فعله معها فالأمر كان لايستحق هذا العقاب القاسي الذي كان سيودي بحياتها إلي الهلاك.
وضع أطراف أنامله علي جبهتها نزولاً لوجنتها ثم إلي شفتيها التي عند ملامسته لها أصابها رجفة طفيفة.
مسك يدها و وضعها بين كفيه فوجد أطرافها باردة، أخذ يمسدها حتي تشعر بالدفء ولو قليل، لكن بدون جدوي مازالت ترتجف، ترك يدها وأبعد الدثار من فوقها حتي يتثني له خلع ثوبها الذي قام بإلباسها إياه قبل مجيئ الطبيب لتعود كما تركها في المخزن بقطعتي ثياب فقط ثم خلع عنها الوشاح.
نهض ليخلع عنه ثيابه وأكتفي بسرواله ثم تمدد جوارها ليحاوط جسدها بالكامل بجسده بعد أن ألقي عليهما الدثار  ليمدها بالدفء أكثر.
أحتضنها بقوة وكأنها ستفر منه موصداً عينيه، مد يده إلي خصلاتها ليأخذ البعض منها وأخذ يستنشق رائحتها بمتعة غمرت كل حواسه، جاء في ذهنه كلمات الطبيب عندما تفهم منه بإحتمالية إصابتها بالسكري، لعن نفسه فربما إصابتها تلك مؤخراً، والسبب معاملته القاسية لها وإجبارها علي كل شئ وكأنها جارية أشتراها من سوق النخاسة.

وهنا بدأ ضميره بإيلامه وتوبيخه فلم يشعر بنفسه وهو يهمس لها أمام شفتيها بكلمات إعتذار : 
_ آسف حبيبتي، سامحيني.

دفن وجهه في صدرها كالطفل الذي يختبأ في حضن والدته، يحارب بكل قوته تلك الذكريات التي تهاجمه بضراوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ نهضت تلك السيدة من خلف مكتبها تحدج هذا الصغير ذو العشر سنوات بغضب:  
_ ولآخر مرة أسألك يا سليم أنت الي رميت الخشبة علي مستر ياسر؟.

رفع وجهه ليرمقها بعينيه الصغيرتين وملامحه المقهورة،  ليجيب عليها بإستنكار: 
_ لاء مش أنا،  ده أشرف وحسام الي عملو كده.

جزت علي أسنانها و رمقته بتوعد:  
_ برضو لسه مُصر إنك تكذب، ماشي.

أطلقت زفرة بضيق ثم أردفت :  
_ أنا هخليك تحرم تكدب تاني وتبطل المصايب الي بتعملها كل شويه. 
جذبته من يده بعنف وخرجت به إلي الفناء وكان حينذاك وقت إستراحة التلاميذ،  أشارت إلي عامل النظافة:  
_ يا عم شاكر هات باسكت فاضي.

أحضره العامل لها فأخذته ودفعته في يد الصغير:  
_ عايزاك تروح تلم أي حاجة واقعة في الجاردن ولو لاقيت فتفوته ورقه علي الأرض هاحبسك في أوضة لوحدك طول النهار.

أذعن لها بخوف وبدأ بإلتقاط القاذورات في وسط ضحكات وتنمر التلاميذ عليه، يشيرون نحوه ويحدجونه بإزدراء،  فكان كل ما يفعلونه يترك آثراً  سيئاً في نفسه، يشعر بالإهانة فأخذ يبكي بقهر. 
ولم تكتف مديرته بذلك بل هاتفت والده ليأتي ويعلم ما يقترفه إبنه من مصائب وينكرها.

_ داغر بيه،  لولا إننا لمينا الموضوع مع مستر ياسر كان زمانه وصل لبوليس وقضية وإبنك يدخل الأحداث.

أجاب بتعجرف جلي من كلماته:  
_ إبن داغر العقبي ميعملش الي بتقوليه ده،  أنا إبني متربي أحسن تربية.

رمقته بسخرية وإستهزاء، أعتدلت علي كرسيها:  
_ إبنك يافندم كل يوم ليه مصيبة شكل،  حكيت لك منهم الي عمله النهارده بس،  ولو زي ما حضرتك بتقول أنه متربي تقدر تفسر لي إعتداءه علي زميلته بالضرب ولولا برضو أتكلمنا مع البنت وهديناها وقولنا لها متجبش سيرة لحد من أهلها كان زمان إبنك واقع في مشكله برضو.

جز علي فكه من الغيظ،  أستشاط غضباً من تلك السيدة ومن أفعال إبنه الذي يعلمها جيداً،  فتوعد له بأشد عقاب 
فعندما وصل كليهما إلي القصر،  نزل من السيارة ممسكاً إبنه بعنف متجهاً به إلي الداخل ثم صعد الدرج والآخر يتعثر في كل خطوة حتي وصل إلي غرفة شاغرة بالطابق الثاني لايوجد بها أي أثاث أو فراش،  أوصد والده الباب ثم خلع حزام بنطاله وبملامح شيطانية أمر الصغير:  
_أدامك دقيقة تقلع هدومك كلها.

أرتجف الصغير وأجهش في البكاء متوسلاً والده:  
_ أنا آسف يا بابا.

صرخ به:  
_ آسف علي يا إبن ال.....  عملي مرة بلطجي ومرة صايع في المدرسة،  وتخلي حتة ست ملهاش لازمه تكلمني وتقولي إبنك عمل وإبنك هبب!.

قال الولد من بين بكاءه بدفاع عن نفسه بالكذب: 
_ دي كدابه،  أنا معملتش حاجة.

_ وكمان بتكدب،  طيب أقسم بالله لأخليك تحرم تكدب ولا تجبلي الكلام مرة تانية.

جذبه من ثيابه وسط صرخاته وتوسله إليه،  نزعها عنه بوحشية ليجرده منها تماماً وأنهال عليه بحزامه الجلدي علي أنحاء جسده الصغير،  فتركه بعد وصلة من التعذيب أنهاها بحرمانه من الطعام ملقياً في وجهه زجاجة مياه فقط،  وكذلك حبسه في الغرفة لمدة يومين. 
_ هتتحبس هنا يومين لحد ماتتعلم الأدب وتحرم تكدب وتسمع كلامي بعد كده.

وبعد غروب أشعة الشمس التي كانت تنير الغرفة،  حل الظلام فأكتشف عدم وجود مصباح إضاءه في الغرفة، فظل آسير الظلام طوال الليل إلا من بصيص من ضوء القمر يتسلل من النافذة، زحف بوهن نحو البقعة المضيئة علي الأرض، يبكي ويصرخ بكلمات غير مرتبة :  
_ مش هعمل كده تاني، آسف، هما الي بيضايقوني، أنا خايف.

أخذ جسده يرتجف،  وأسنانه تصتك في بعضهما البعض، ضم زراعيه يحتضن جسده،  يعتصر عينيه من الألم النفسي والجسدي، وفي تلك اللحظات تبدلت نظرات عينيه من البراءة إلي نظرة أخري خالية من المشاعر،  قد تكون بداخله شخصاً آخر، شخص قلبه لايعرف من المشاعر سوي القسوة والجفاء، يستمتع كلما رأي أحدهم يتألم أمامه وتزداد تلك المتعة أكثر عندما يكون هو المُعذب.

_ بابا،  آسف،  مش أنا،  هم الي بيضايقوني. 
كلمات يتمتم بها وجسده يرتجف بشدة وقطرات العرق تملأ وجهه، وكأن قد أصابته حمي. 
بينما هي أستيقظت أثر ما يحدث لديه، فكانت زراعيه تزداد إنقباضاً علي جسدها مما سبب لها الألم. 
أتسعت عينيها خوفاً من ملامحه رغماً إنه نائم،  تفوهت بوجل وملامح خائفة:  
_جوم وبعد يدك عني.

لم يستيقظ فصرخت في وجهه:  
_ سليم. 
لافائدة بل علت همهماته بالكلمات السابقة وأشتدت زراعيه من وثاقها بقوة فتأوهت بألم،  أفلتت إحدي زراعيها بصعوبة،  فلكزته بقوة في صدره صارخة: 
_ بعد عني.

أستيقظ فجاءة مبتعداً عنها قليلاً،  يحدجها بنظرة قاتلة جعلتها تراجعت إلي الوراء،  وقعت عينيها علي جسده العاري لايقوم بستره سوي سروال قصير، وفي تلك اللحظة أنتبهت إلي جسدها أيضاً الذي لايغطيه سوي قطعتين من الثياب تكاد تخفي ما أسفلها.
شهقت بخجل وتوتر جذبت الدثار تلتحف به ثم نهضت من فوق السرير،  أبتلعت لعابها خوفاً من نظرات عينيه المرعبة التي لم تحد عنها. 
_ أني،  أني كنت بصحيك لما لاجيتك عمال تترعش وتجول حديت مفهماش منيه حاچة، ده غير...

صمتت عندما نهض في صمت وتقدم منها، رفعت سبابتها محذرة إياه:  
_ أوعاك تجرب مني، بكفياك الي سويته فيا، قسماً بالله لو...

وقف أمامها مباشرة ليجذبها إلي صدره بحنان لم تعهده منه منذ أن رأته،  شعر برجفة جسدها من مجرد ملامسته وعانقه لها،  همس بجوار أذنها بللهجة آمره:  
_ متخافيش.

أخذت أهدابها بالرفرفة عدة مرات وهي تحاول إستيعاب أفعاله،  ما هذا الرجل المجنون تارة يعنفها ويقسو عليها بشدة وألقي بها في مكان موحش،  وتارة أخري تستيقظ لتجد نفسها بين زراعيه والآن يعانقها ويطمأنها بأن لا تخاف،  كيف ذلك!.

هدأت أنفاسها قليلاً،  فأبتعد عن معانقته لها ليحدق بداخل ذهبيتيها بنظرة تراها لأول مرة،  ظل هكذا لمدة خمس دقائق حتي قال بهدوء عكس سجيته واضعاً يديه علي كتفيها :  
_ أدخلي خدي دش وجهزي نفسك عشان خارجين.

تركها وذهب لتناول معطفه القطني وقام بإرتداءه ثم غادر الغرفة متجهاً إلي إحدي المراحيض الشاغرة في المنزل.

تنفست بأريحيه بعد ذهابه وقالت:  
_ وربنا راچل مچنون،  بس علي مين فاكر حبة الحنية دول هياكل بيهم عقلي يبجي أهبل وعبيط، أنا بكرهك ياسليم وهافضل أكرهك لحد ما أتخلص منك،  داهية تاخدك أنت وأخوي في ساعة واحدة يارب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وأنتي هاتصدجي حديت المخبلة نوارة وهاتكدبي بتك!. 
صاحت بها فاطمة لوالدتها التي ردت بغضب عارم:  
_ ولو هي عتكدب عليا ليه ما ردتيش عليها ودافعتي عن حالك وهي عتتهمك علي علاقة بچوزها والي حوصل وجت فرح زينب؟،  وجفتي كيف الفار المبلول جدامها.

تريد الفرار من تحقيق والدتها الإستفزازي، فقالت بإستنكار وإصرار مصتنع:  
_ وأني بجولك مفيش حاچه من دي حوصلت واصل،  وكمان خابره زين أني أطيق العمي ولا ماطيقش ولد أخوكي.

ضيقت جليلة عينيها غير مقتنعة أو مصدقة لكلماتها فقالت بتهديد و وعيد:  
_ أني خابرة حاچة واحدة بس،  وهي لو طلع حديت نوارة صوح، أقسم بالله لأكلم المأذون و ولد خالك ويچي يعقد عليكي وتتچوزو إحنا ما ناجصينش فضايح ولا چورس عاد،  كفاية عليا أخواتك الرچالة وعمايلهم.

أثرت الصمت وتحاشت الرد علي كلمات الأخري حتي لاتسبر أغوارها وتنفذ وعيدها الجائر،  ذهبت متجهة إلي غرفتها،  فأوقفتها والدتها:  
_ رايحة علي فين أني ماخلصتش كلامي.

لاحظت نظرات والدتها نحو حقيبة الطعام وكادت تسألها إلي أين كانت ستأخذها وتذهب فقالت علي عجالة:  
_ معلش ياما،  تو ما أفتكرت واحدة صاحبتي كانت رايدة مني خلچات لأچل تحضر بيهم   فرح ناس قرايبهم، لما ألحج أروح أوديهم لها،  سلام.

فرت من أمامها بسرعة البرق تحت نظرات والدتها المندهشة،  وعندما خرجت زفرت واضعة يدها علي صدرها،  تذكرت حديث نوارة فقالت بداخل عقلها:  
_ ماشي يا رافع الكلب وربنا لأفرچك وهفرچ الناس عليك.

أستقلت سيارة ذات الثلاث إطارات قائلة للسائق:  _ أطلع علي مخازن الخرده يا سطا.

وصلت في خلال دقائق معدودة، ترجلت وهي تتمم علي وشاحها. 
وبالداخل يجلس علي مكتبه يتمعن النظر في دفتر ورقي يراجع الإيرادات،  طرقات علي بابه ودلف بعدها المدعو دبيكي:  
_ ألحج يا رافع بيه،  الست فاطمة چت بره وبتسأل عليك وعايزة تجابلك.

ألقي القلم ونهض غير مصدق:  
_ بتتكلم  چد؟.

أجاب مؤكداً بإشارة من يده:  
_ چد الچد يا كبيرنا.

أنبلجت سعادة عارمة علي ملامحه الحاده مهللة أساريره،  فقال بأمر:  
_خليها تدخل،  وتنبه علي المجاطيع الي بره محدش يدخل غير لما أنادم علي حد فيهم.

أومأ له قائلاً:  
_ أعتبره حصل يا رافع بيه.

هندم من جلبابه وكان لايرتدي العمامه،  فألقي نظرة علي إنعكاس صورته علي شاشة هاتفه،  يرتب خصلاته الفحمية وشاربه ولحيته المشذبة. 
أندفع الباب بقوة لتدلف كالعاصفة الهوجاء بصياح علي وشك أن يصيبه بالصمم:  
_ أنت مين المتخلف الي قالك أننا هانتچوز؟.

أجاب ببرود وإبتسامة إستفزازية تجعلها تستشيط غضباً:  
_ أني المتخلف الي جولت.

بادلته ببسمة ساخرة قائلة بتهكم لاذع:  
_ الحمدلله إنك خابر نفسك زين، متخلف.

في لحظات أصبح واقفاً أمامها يحدجها بتحذير:  _ لمي لسانك أحسن لك،  إلا وقسماً بالله...

قاطعته بتحذير مماثل عاقدة ساعديها أمام صدرها:  
_ وإلا أي يا رافع؟، بلاش أنا بالذات الي تلعب معايا لعبتك القذرة دي.

أقترب منها وبنبرة حميمية ونظرات مليئة بالحب والرغبة:  
_ أومال عايزيني نلعبو أي بالظبط؟.

أدركت مقصد سؤاله الخبيث،  فتوترت ولم تظهر له ذلك بل دفعته في صدره لتبتعد عنه:  
_ لم حالك وأتعدل معاي،  ولأخر مرة أحذرك،  بعد عني يا رافع إلا وهخليك تبعد عني وعن النچع كلاته.

ضيق سوداويتيه القاتمتين وسألها بللهجة حادة: 
_جصدك أي بحديتك ده؟.

ظل ينظر إليها حتي أدرك ما ترمي إليه، أشتد سواد عينيه فحدجها بنظرة نارية، جذب زراعها ليقربها منه وإبتسامة مخيفة تعلو ثغره قائلاً:  
_ رايده تبلغي عني الحكومة إياك !.

رفعت واجهها في مواجهته بكبرياء وبنبرة جادة لتؤكد علي ما تفوهت به: 
_ أيوه، هسوي إكده، ما أني جولتلك مابخافش غير من الي خلقني.
عقبت جملتها بنظرة تحدي، لاحظت صدره يعلو ويهبط بقوه وصوت أنفاسه ترتفع، وقبضة يده تضغط أكثر علي ساعدها مما سبب لها الألم لكنها أخفته بداخلها.
تعلم إنه لايستطيع إيذائها في كل الأحوال، فأردفت بنفس اللهجة القوية: 
_ أي؟،عتفكر تجتلني كيف!.

جز علي أسنانه وهدر من بينهم: 
_ ماتختبريش صبري وياكي بدل ما ترچعي تندمي.

شبه ضحكة ساخرة خرجت من بين شفتيها، وقالت:
_ أني ندمانة علي حاچة واحدة بس.

رمقها بترقب ينتظر بقية جملتها، فأكملت وهي ترمقه بكراهية مصتنعة : 
_ هي إن حبيتك في يوم من الأيام، بللعن جلبي الي دق لك، خابر أنت لو بتموت جدامي وبتخرج روحك، عمري ما هارچع لك ولا هاكون ليك، فياريت توفر مچهودك في الچري ورايا وتخليه لمارتك، أم ولدك الي چاي.

وبدلاً من أن يغضب،فاجئها بقهقهة مدوية، يظن إنها قد غارت عندما علمت بحمل زوجته ، فهو علي يقين جيداً برغم كلماتها القاسيه إنها مازالت تحبه، لكنها تكابر وتعاند وتتظاهر بالعكس.
كف عن الضحك ودفعها علي الكرسي ثم أنحني وحاوطها متكئاً علي المساند الجانبية، فقال بوعيد قد حُسم أمره : 
_ هاتچوزك سواء بإرادتك أو من غيرها، ومش بس إكده، وهاتكوني أم ولدي التاني إن شاءالله.

بركان ثائر أنفجر بداخلها، و ودت لو كان حقيقياً كانت ألقت بحممه النارية في وجهه لتجد بديلاً أشد قسوة تترك أثر أقوي، فقالت: 
_ ما تخلي حداك حبة كرامة، رايد تتچوز واحدة ماطيجاش تبص في خلقتك، مش شيفاك غير واحد خاين وخسيس ومچرم وفيه كل العبر، إبليس في هيئة بني آدم.

أعتدل وأبتعد عنها قليلاً حتي لا يطلق عليها غضبه ويؤذيها، ولي إليها ظهره وقال لها بأمر:
_ أخرچي بره.

نهضت وتبتسم بإنتصار، وقبل أن تغادر قالت: 
_ نسيت أجولك صوح، ألف مبروك وربنا يقومها لك بالسلامة، بس ياريت تفهم مارتك عيب تدخل بيوت الناس وتغلط فيهم وتتهمهم بالباطل.

رفعت حاجبيها وأرادت إشعال مراجله ليحترق في جحيمه:
_ أه وكمان نسيت أجولك علي حاچة تانية، أنا مخطوبة، سلام يا واد خالي.

قالتها وذهبت مسرعة الخطي قبل أن يلحق بها، لكنه ما زال يقف في مكانه، ضرب الحائط بقبضته وقال بوعيد أقسم علي تنفيذه مهما كان الثمن: 
_ ماشي يافاطمة أكدبي كيف ما انتي رايده، بكرة هتبجي بين يدي  غصب عنك وأني بجولك مبروك يا أم ولدي، وأنتي بجي يا نوارة حسابك معاي تجل جوي، أنتي الي چبتيه لنفسك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظت من نومها العميق تتذكر أحداث الأمس،  فظهرت إبتسامة علي محياها سرعان ماتبدلت عندما تذكرت أمر هاتفها الصامت،  أخذت تتلفت باحثة عنه لتراه علي الكمود بجوارها،شهقت بمجرد فتح الشاشة حيث  وجدت خمسين إتصالاً وارداً من والدتها. 
_ يا خبر أبيض، ده أنا نسيت أكلمها خالص زمانها زعلت أوي.

قامت بمهاتفتها:  
_ ألو، صباح الخير يا ماما.

_ لسه فاكرة يا هانم أن ليكي أم!، كده يا ندي كده تهربي من البيت خايفة لأمنعك ترجعي لجوزك!.

_ أسمعيني بس ه....

قاطعتها برفض:  
_ لا هاسمعك ولا تسمعيني وأعملي ما بدا لك بس لو جيت لي معيطه تاني هقفل في وشك باب الشقة وتولعو انتي وجوزك في بعض،  مليش دعوة بيكو تاني،  ومن غير سلام. 
_ طب أس...

لم تعطها والدتها فرصة فأوصدت الهاتف. 
نهضت و زفرت بضيق لاتعلم ماذا عليها أن تفعل فقالت بصوت خافت:  
_أستغفر الله العظيم، مبيجليش من وراك غير المشاكل يا سي أكرم.

ألقت نظرة علي إبنتها في السرير الموازي إليها، فوجدتها مازالت تغط في النوم ،دثرتها جيداً ثم خرجت وهي ترفع خصلاتها لأعلي وتعقدهم علي شكل كعكة،  وصلت لأنفها رائحة طعام آتيه من المطبخ. 
سارت إلي هناك للتأكد من مصدر الرائحة، فتفاجأت بوجوده،  يقوم بتقطيع الخضروات من اجل إعداد طبق سلطة، أستدار إليها مبتسماً:  
_ صباح الورد والفل والياسمين.

بادلته بإبتسامة وأومات له قائلة بتثاؤب:  
_ صباح النور.

_ أنا عارف إنك مبتحبيش تفطري بدري، بس أنا عاملك حبة فول بالطماطم وطعمية محشية وسلطة بلدي حكاية ولا تقوليلي التابعي الدمياطي ولا الشبراوي.

تناولت الركوة من الخزانه المعلقة علي الحائط وملأتها بالمياه ثم وضعتها علي إحدي عيون الموقد: 
_ معلش، مش هاقدر أفطر دلوقت، حاسة بصداع فظيع عشان نمت كتير، والقولون رجع يتعبني تاني.

تنهد بسأم ثم قال بإهتمام لها  :
_ طيب خلاص عندك جبن وبيض ولانشون، اعملك بيض بالبسطرمة؟.

أومأت له بنفي وقالت بإقتضاب: 
_لاء، شكراً.

شعر بالضيق من معاملتها الجافة له منذ الأمس، فأغتاظ بشدة، وأفرغ حنقه في تقطيع بقية الخضروات.
_آه.

تأوه بألم ممسكاً بأصبعيه، ركضت نحوه بفزع ومدت يدها لتمسك بخاصته: 
_ أضغط عليهم بسرعة.

أبعد يده وجز علي أسنانه بألم: 
_ ده جرح بسيط متقلقيش.
ورمقها بنظرات عتاب، أمسكت بيده لتري الجرح وقالت:  
_ بسيط إزاي!،  ده الدم مش عايز يقف،  أستني هاجيبلك شاش ومطهر وبلاستر بسرعة من جوه. 
لم يعقب،  بينما هي جلبت تلك الأشياء وعادت إليه مسرعة، أفرغت القليل من المطهر علي جرحه فأطلق تأوهاً من بين أسنانه،  فقالت له بتحفيز:  
_ معلش يا حبيبي أستحمل،  حل مؤقت بس لحد ما نروح المستشفي.

ماذا تفوهت!، أقالت حبيبي!، أسئلة تعجبية دارت في ذهنه للتو، إذن فعليه إستغلال تلك اللحظة في صالحه، أمسك يدها بحنان ليقربها إلي صدره وقال: 
_ الجرح مش خطير لدرجة إننا نروح المستشفي.

ضغطت علي جرحه لمنع ذرف الدماء وقالت: 
_ الدكتور لازم يشوفو عشان لو محتاج خياطة.

دفعها برفق نحو حافة الطاولة الرخامية المقابلة له حتي أصبحت هي محاصرة مابينه وبينها، فتفوه بصوت يعزف علي أوتار قلبها الذي ينبض من أجله: 
_ و جرحي مش محتاج دكتور.

تحدث بمغزي أدركته، فأنتبهت إنها محاصرة ولا مفر أن تبتعد، كادت تفترق شفتيها لتحذره بالإبتعاد عنها، فلم يعط لها فرصة فأسكتها بقبلة بدأت بهدوء ونعومة حتي تحولت لقبلة عميقة ثم أعمق، يتذوق ثغرات فمها الذي طالما أشتاق لرحيقه في الأيام المنصرمة.

أرتفعت يديه علي زراعيها العاريتين حيث كانت ترتدي منامة ذات كنزة قطنية بدون أكمام وسروال قطني يصل لمنتصف فخذيها، ألتف زراعيه حولها معانقاً إياها بقوة، جعلها لم تشعر بشئ بل كانت تبادله هي أيضاً، يغمرها بحنانه وعشقه المتدفق، هبط بيديه علي خصرها ورفعها لأعلي وأجلسها فوق الطاولة ومازال يلتهم شفتيها، أبتعد بللهاث وقال بشوق جارف: 
_وحشاني أوي أوي.

أمسك بساقيها فجعلها تلتف حول خصره وعاد لتقبيلها مرة أخري مردداً: 
_ بحبك أوي يا ندي، بموت فيكي.

سيطر عليها سلطان العشق فأستسلمت بين يديه، أبتعدت بوجهها ونظرت له بهيام وشوق مماثل لتهمس أمام شفاه بنبره أثارت كل خلاياه: 
_ وأنا بعشقك أوي يا كرملتي.
وأنهالت هي عليه بالعديد من القبلات علي وجنتيه وذقنه وشفاه.

_ أنتو بتعملو أي؟.

صوت صغير جعل كليهما ينتفض من الذعر والخجل، حيث هبطت ندي و وقفت مبتعدة قليلاً.
حك أكرم ذقنه بإحراج وقال: 
_ مفيش يا لارا يا حبيبتي، مامي بس كانت...

أراد أختراع كذبة وخشي إنها لاتصدقه لاسيما إنها قد رأتهما في هذا الوضع المخجل أمام طفلة صغيرة، فألقي عتق الإجابة علي زوجته: 
_ ماما هتقولك.

و هرب من أمامهما وتركها في مواجهة الصغيرة التي ظلت تنظر لها وكأنها فعلت جريمة شنعاء، أخذت تفكر في كذبة لإقناعها وتبعد أي أفكار سيئة تجول بخاطرها، دنت لمستوي قامتها متصنعة الهدوء وقالت: 
_ لارا يا حبيبتي أنا قومت من النوم دماغي وجعاني وكنت بعيط من الوجع، فبابي شافني بعيط، خدني في حضنه وفضل يطبطب عليا عشان أخف.

نظرت إليها لثوان وهي تعيد كلمات والدتها في رأسها، فقالت: 
_ أي ده نفس الي حضرتك بتعمليه معايا لما ببقي تعبانه وبعيط، بتاخديني في حضنك وبطبطبي عليا لحد ما أسكت.

أبتسمت لتؤكد عليها: 
_ أيوه كده بالظبط، شطوره يا حبيبة مامي، يلا بقي روحي أغسلي وشك وأيديكي وتعالي عشان بابي محضرلنا فطار حلو أوي.

_ حاضر يا مامي.
ركضت إلي المرحاض كما طلبت منها ندي التي زفرت بأريحية وكأنها نجحت في مهمة شاقة، أرتفعت زوايتا شفاها بإبتسامة عذباء عند تذكرها ماحدث منذ قليل.

صوت تنبيه رسالة واردة يصدر من هاتفها في غرفة إبنتها، ذهبت لتري محتوي الرسالة، وما أن فتحتها حتي تجهمت ملامحها وأتسعت عينيها وهي تقرأ كلماتها بداخل عقلها: 
(أوعي تفتكري عشان بعدت عنك الأيام الي فاتت يبقي كده نسيتك، أنا سيبتك ترتاحي شوية، فأستعدي بقي عشان خلاص قريب وهنبقي مع بعض زي ما كان لازم يحصل زمان ).

أزدردت لعابها بخوف، ظنت إنه قد سأم ملاحقتها ولاسيما بعد ما حدث لها، لكن ما أدركته الآن إنها علي مشارف حرب طاحنة بين أكرم و علي.

_ ندي، يا ندي.
يناديها وينتظرها أمام الغرفة حاملاً صينية الطعام: 
_ بتعملي أي عندك، يلا تعالي قبل ما الطعمية ماتبرد.

ولت ظهرها إليه لتوصد هاتفها، وقد نسيت أن تحذف الرسالة من توترها : 
_ مبعملش، حاضر روح وأنا جاية وراك.
ذهب فأطلقت زفره بعمق، فتحت إحدي أدراج الكمود وألقت الهاتف بداخله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات