رواية فارس بلا مأوى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء محمد رفعت


سارت نحو بوابة الخروج و أخرجت الهاتف التي أعتطها ساندرا إياه وقامت بتغير وضع الطيران إلي الوضع العام وقامت بالضغط علي إسمها لمهاتفتها، وعند خروجها من البوابة أصتدمت بإحدهم فتعثرت و وقع الهاتف من يدها علي الأرض، دنت لتلملم أجزاءه المتبعثرة، تدخلت يد أخري لمساعدتها، فقالت بدون أن تنظر لصاحب اليد: 
_ شكراً.

أجاب عليها: 
_ مفيش شكر مابين الراجل ومراته.

أنتفضت حينما سمعت صوته، رفعت وجهها للتأكد، وياليتها كانت ضريرة في تلك اللحظة حتي لاتري تلك الإبتسامة التي تشق ثغره ولم تصل إلي عينيه، فها هي أحداث حلمها الأسود يتحقق، فالغابة المظلمة ما تعيش بداخله من حياة بائسة والظلام مملكة معذبها، والضباب تلك الهالة التي تحيطه وتدب الرعب وتزرعه في كل خلية في جسدها، بينما الوحل هو ما حدث معها للتو، فلقد وقعت بين براثن الوحش!

مد يده إليها وما زالت البسمة مرُتسمة علي شفاه: _ يلا أركبي .

جالت ببصرها من حولها تحاول إستيعاب ما يحدث، علي مرمي رؤيتها ينتشر رجاله وها قد جاءت سيارته السوداء الفارهة، هبط منها السائق ليفتح لهما الباب الخلفي.

تشعر وكأن قدميها أنغرزت في مكانها، لم تستطع أن تتحرك خطوة واحدة، فوجدت زراعه تحاوط خصرها ويدفعها برفق لتدخل إلي السيارة وكأنها عروس ماريونيت وخيوطها المعلقة في أنامله، يُحركها كيفما شاء.

أكثر ما يرعبها هدوءه وسكونه المضاد لخصاله، تعلم ما أقترفته يُعد في قانونه جريمة شنعاء ولابد من عقاب يجعلها لا تفكر مجرد التفكير في الفرار مرة أخري. 
إحساس يداهمها بقوة عندما أمسك بيدها للتو ضاغطاً علي أناملها وكأنه يخبرها بل يؤكد لها إنها ملكاً له.

كل فينة والأخري يرمقها بتلك الإبتسامة، ودت لو كان يصرخ بها أو ينهرها أفضل من هذا السكون المرعب، أخفضت بصرها نحو يده المتملكة ليدها فوجدت قبضته تشتد ويزيد رجيف أناملها، بل جسدها بالكامل يرتجف. 
ترك يدها وحاوط ظهرها، فسألها: 
_ مالك يا زوزتي بتترعشي ليه؟، أخلي الشوفير يوطي التكيف؟.

كان سؤاله ساخراً أكثر من كونه إستفهام، فهو لديه يقين إنها الآن تود أن يأتي لها ملاك الموت ليخلصها منه. 
أجابت بإقتضاب و بصوت يكاد يكون مسموعاً: 
_ لاء.

مسد ظهرها صعوداً وهبوطاً، فأقترب بشفاه نحو عنقها فأحست بأنفاسه التي جعلتها أنتفضت وجلاً: 
_ إحنا خلاص قربنا.

نظرت للجهة الأخري عبر زجاج النافذة المغلق والمعتم لتجد الطريق يحيطه الصحراء، أنتابها الفزع الشديد، جمعت قواها لتسأله بتوجس: 
_ أنت واخدني علي فين؟.

أشار للسائق عبر المرآه الأمامية بأن يتوقف، هدأ السرعة ليتوقف جانباً، فأزداد شعور الخوف بداخلها ويتحول إلي الرعب وكأنها علي مشارف تنفيذ الحكم عليها بالإعدام. 
أصابها الزعر وأخذت تتلفت يميناً ويساراً: 
_ إحنا وجفنا ليه أهنه؟، أنت هاتسوي فيا أي يا سليم جولي؟.

رفع يده يتلمس وجنتها وعينيه لاتحيد عن ذهبيتيها، لم تنتبه ليده الأخري وهي تمتد إلي الجيب الداخلي لسترته قائلاً: 
_ مستعجلة ليه، لما هتفوقي هاتعرفي.

أنبلجت علي شفاه إبتسامة يتجلي منها بريق أسنانه، رددت بتعجب في محاولة إدراك ما أخبرها به للتو: 
_ لما أفوق!.
أومأ لها وهو يغرز إبرة المخدر في عنقها، فبدأ جفنيها بالإنسدال وتراخي جسدها بين يديه، أسند جذعها علي فخذيه وأمر سائقه: 
_ أطلع علي الهنجر.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ دلفت السيارة في مكان نائي بداخل الصحراء لتعبر بوابة عملاقة يقف عليها من الخارج رجال ذوي أجساد ضخمة، وبالداخل يوجد علي جانبي الطريق مباني من طابق واحد بداخلها كلاب بمجرد دخول السيارة أخذت تنبح بقوة، نُباح يشبه ذئير الليث!.

توقف السائق عن القيادة،وترجل وألتف مسرعاً ليفتح باب السيارة الخلفي فنزل سليم أولاً ثم أنحني للداخل وحمل تلك المُخدَرة علي زراعيه رغم ألم زراعه المُصاب لكنه تحمل فغضبه يفوق آلامه بكثير ، دخل إلي بناء ذو إضاءة خافته فوقف أمام لوحة معدنية صغيرة موصدة بقفل مفاتيحه لديه هو فقط، سار نحو مقعد معدني وأنزلها عليها ليتثني له أن يخرج المفتاح من جيب بنطاله وفتح القفل ويليه اللوح ثم أنزل زر يشبه الأزرار المسئولة عن فصل وتشغيل الكهرباء.
وعلي بُعد متر أنفتحت بوابة تتوسط أرضية البناء، ذهب ليحملها مرة أخري وسار إلي تلك الفتحة وهبط علي الدرج المؤدي إلي بناء آخر تحت الأرض.
مكان موحش يُنيره إضاءه صفراء خافته تشبه الشعلة، ورواق طويل وجدران صخرية تشبه السجون في العصور الرومانية، أصوات صادرة من مراكز التهوية الموجودة بالسقف.
سار حتي نهاية الرواق وهي مازالت نائمة لاتشعر بما يحدث من حولها.
وقف أمام باب حديدي يفتح عبر بصمة اليد، أنزلها أولاً ثم قام بوضع كفه علي الشاشة فأنفتح الباب وحملها مجدداً و ولج إلي الداخل.

_ منذ سنوات عندما كان فتي في الخامسة عشر، عاد من الخارج ليجد رجال والده منُتشرين في كل مكان وكأنهم يبحثون عن شئ مفقود، وأمام باب المنزل يصيح والده في مساعده وقائد الحرس: 
_ عايزها في خلال ساعة تكون راكعه تحت رجلي.

هز الرجل رأسه له قائلاً بخضوع: 
_ أمرك يا داغر بيه أعتبره حصل.

كان يقف من بعيد يراقب مايحدث عن كثب، يخشي ملاقاته أو رؤيته له وهو في تلك الحالة حتي لايصب عليه جمام غضبه، فتسلل نحو نافذة الشرفة، أوقفه صراخ والده: 
_ سليم؟.

توقف فألتفت ليجده خلفه مباشرة والشرر ينطلق من عينيه: 
_ كنت فين من الصبح؟.

أخفض بصره خوفاً من رؤية نظراته المرعبة، أجاب بخفوت: 
_ كنت مع أصحابي.

جذبه الآخر من تلابيه فهدر به:
_ ياض أنا مش قايل لك تروح الشركة عشان عزام هايدربك علي الشغل!.

أجاب بتردد و وجل: 
_ أصل، أنا، أنا.....

قاطعه والده صارخاً: 
_ أنت أي يا فاشل، أنا لما كنت في سنك حضرت صفقات مع جدك وكنت عارف كل صغيرة وكبيرة في الشغل، كيان العقبي الي أسمه مسمع في سوق رجال الأعمال هنا وفي كل حته في العالم أنا الي عملته وعمري ما أسمح لحد يفكر بس مجرد التفكير أنه يجي جمبه.

و قبل أن يفتح فاهه للتحدث سبقه قائد الحرس وهو يلتقط أنفاسه: 
_ الرجالة لقوها يا باشا،كانت راكبة تاكسي ومعاها شنطة فيها الملفات الي سرقتها.

أرتسم الشر علي ملامحه القاسية، فأشار إليه وقال: 
_خدوها علي البيسين.

ذهب الرجل لينفذ أمر سيده، فألتفت داغر إلي إبنه الذي كان يخاف أن يفعل به شيئاً.

_ تعالي يا خايب أوريك وأعلمك إزاي تخلي الكل يخاف منك من مجرد إنه يسمع إسمك.

لم يعقب علي كلمات والده و سار خلفه حتي وصل كليهما لدي المسبح، جحظت عيني الفتي مُردداً بصدمة: 
_ ساندرا!.

أشار له داغر نحو فتاة شقراء جاثية ومكبلة من يديها وقدميها كانت تبكي وتصرخ لأنها تعلم ماينتظرها علي يد هذا المجنون.
_ طبعاً كنت فاكرها السكرتيرة بتاعتي.
صمت وقهقه ليردف: 
_ العاهرة دي قابلتها في اليونان وكان حالها يصعب علي الكافر، عملتلها قيمة ونضفتها وجبتها معايا هنا وعيشتها عيشة عمرها ما حلمت بيها بشرط تكون تحت طوعي والي أطلبه منها تنفذه حتي لو أمرتها تدبح نفسها.

خطي نحوها ودنا منها وخلل أنامله الغليظة في خصلاتها وإذا به يجذبها دفعة واحدة مما جعلها تنتفض وتصرخ بقوة، شعر سليم نحوها بالشفقة، أرتجف حين صاح والده: 
_ تقوم الو....... بدل ماتحفظ جميلي عليها تهرب مني ومش بس كده، سرقت ملفات بتاعت صفقات السلاح عشان تهددني بيها ولا الله أعلم كان في نيتها أي.
سألها بالإنجليزية التي تتقنها غير لغتها اليونانية:
_ كنتِ تردين إبلاغ الشرطة عني؟.

صرخت بإنكار وتتلوي إثر قبضته: 
_ لا، لا يا داغر، لم أفعلها، أردت الفرار منك وقد سرقت الملفات لكي تكن حماية لي من بطشك.

قهقه وصوت ضحكاته أخترق أذنيها حتي كاد يصيبها الصمم: 
_ سأريكِ الآن بطشي بل جحيمي يا عاهرة.

تركها ونهض ليأمر رجاله أن يجلبو له صندوق زجاجي يسعي لشخص واحد، وعندما أحضروه قام بجذبها من خصلاتها وسحلها علي الأرض تحت صرخاتها وتوسلاتها بأن يتركها وشأنها، فألقي بها داخل الصندوق الذي يشبه التابوت.

_ أتوسل إليك داغر،أتركني لم أكررها أعدك.

نظر إلي ولده الذي يري ما يحدث والخوف يكسو ملامحه: 
_ شوف أهي بتترجاني عشان أعتقها، أنا ممكن أسامحها ومعملهاش حاجة، بس لازم أعملها إرهاب أخليها بعد كده كلبة مُطيعة من قبل ما أنطق الكلمة تيجي تحت رجلي وتقولي أمرك ياسيدي.

أجتر سلسلة معدنية نهايتها معلقة برافعة وطرفها الآخر قام بربطه في حلقة حديدية مفرغة يتفرع منها أربع سلاسل مُثبته بزوايا الصندوق.
فرقع أصبعيه كإشارة لسائق الرافعة الذي بدأ يحرك الصندوق لأعلي وهي تتلوي بداخله وتصرخ.
جلس علي الكرسي وأخذ من فوق المنضدة التي جواره صندوق صغير فتحه وأخذ منه سيجاره وأشعلها بالقداحة، يتأملها بمُتعة وسعادة وهو يزفر الدخان من فمه وأنفه.

وحين أصبح الصندوق أعلي المسبح مباشرة بدأ السائق بإنزاله في المياه رويداً رويداً، أخذت تهتز بالداخل وقد أنتابها حالة هيسترية وكان الصندوق يتأرجح من حركتها، ما زال ينزل داخل الماء، فأشار له داغر بالتوقف، نهض وسار نحو الحافة حتي يراها عن قرب وهي تستغيث وترجوه، يرمقها بنظرة تشفي، قال لها:
_ أنتِ من فعلت هذا نفسك أيتها الشقراء الجميلة، لذا لا تلومي سوي حالك.

صاح آمراً السائق: 
_ نزل.

بدأ الصندوق ينغمر في الماء وهي بداخله، حتي وصلت المياه إلي حافة الصندوق المفتوحة وبدأت تدفق إلي داخله وتلك المسكينة تصرخ وتصرخ، يرتفع مستوي الماء من قدميها إلي ركبتيها ثم وصل إلي خصرها وما زال التدفق مستمراً إلي أن وصل إلي شفتيها، حاولت أن تصعد بتحريك جسدها لأعلي لكنها فشلت بسبب يديها وقدميها المقيدين وثقل الصندوق الذي أستقر في القاع.

مرت ثوان ثم دقيقة وكادت تدخل في دقيقة أخري، فكانت علي وشك أن تستسلم للغرق.
لايشعر بحاله والمياه تدفق من بين ساقيه من هول ما رأي ريثما أنتشله صوت والده: 
_ أرفع الصندوق.

قام السائق برفعه علي الفور ومجرد أن أصبح أعلي من مستوي المسبح، بدأت المياه تنهمر من فتحات قاعدة الصندوق فصار شاغراً وهي فقدت وعيها.

أخرجها داغر مُسرعاً قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، حرر يديها وقدميها من الاحبال وأخذ يضغط علي صدرها لتفرغ المياه التي تسربت داخل مجري التنفس لديها، فهبط بشفاه علي خاصتها ويزفر بأنفاسه، أفاقت وشهقت بفزع، وما أن رأت إنها ما زالت حية.

وقف أمامها وهي أسفل قدميه ينظر لها بتلك النظرة السوداء: 
_ هل تعلمتِ من خطأك، ساندرا؟.

نظرت له ثم إلي سليم الذي لم يصدق عينيه عند رؤيته بعد كل ما فعله بها والده جثت أسفل قدميه بتوسل: 
_ سامحني سيدي، تعلمت ولم أكررها مرة أخري.
ودنت بشفاها لتُقبل حذائه.

وفي تلك اللحظة قد ترسخ بداخله لكي يصبح قوياً ويهابه الجميع عليه أن يقتدي بوالده ويطلق لوحش ساديته العنان!.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*
_ فتحت عينيها فوجدت نفسها بداخل مكان مظلم يتسلله بصيص من النور يصدر من مصباح صغير يتدلي من السقف، هناك صوت إرتطام قطرات المياه علي الأرض ذلك الصوت المثير للأعصاب ويزيد من الشعور بالتوتر ، وإذا بالأحداث عادت إلي ذاكرتها دفعة واحدة، شرعت بالتحرك فوجدت يديها مُقيدة لأعلي معاً في سلسلة تدلي من السقف، بينما قدميها مكبلة كل واحده علي حده.
تجرعت لعابها ببطئ، فأنتفضت عندما ظهر أمامها بُغتة، ونظرات عينيه كقاتل بل سفاح لا يفقه شيئاً سوي سفك دماء ضحياه.

_ عارفة أنتي عملتي الي ولا واحدة قدرت ولا أتجرأت حتي تعمله معايا. 
ألتف ليصبح خلفها و بالقرب من أذنها أردف: 
_ علشان كده لازم تشوفي جحيم سليم علي الأرض.

تحلت بقوة زائفة بل و واهنة للغاية، كيف لعصفور صغير أن يحلق في مرمي وحش بري ذو أنياب حادة، يريد الفتك به وسحق روحه.

_ أيه هاتضربني ولا هاتحرجني، ولا تكون ناوي تسوي فيه كيف ماسويت في الراچل الي جطعت چلده حتت وهو لساته حي!.

اللعنة علي لسانها وتمردها وكبريائها، ثلاثتهم يجعلون الوحش الذي بداخله يثور ويزأر، يريدها أن تجثو أسفل قدميه ليلقنها أشد ويلات العذاب.

ضحك وتعالت ضحكاته المُرعبة مما أثار وجلها دهشتها في آن واحد من رد فعله علي كلماتها، أمسكها من ذقنها ورفع وجهها لتنظر في ظُلمتيه المُخيفتين وقال لها بتوعد محسوم لديه: 
_ أنتي يا بيبي الي زيك ولا بينضرب ولا بيتحرق ولا حتي بيتقطع حتت، عارفه ليه؟.

باغتها بجذب خصلاتها للوراء فهسهس من بين أسنانه مُردفاً وعيده: 
_ لأن عقابك عدي المراحل دي كلها، هاعرفك إزاي قبل ماتفكري مجرد التفكير بس أنك تهربي تفتكري الي هاعمله فيكي كويس.

رفعت حاجبيها لأعلي وإبتسمت بإستهزاء وتفوهت بسخرية: 
_ تصدج رعبتني جوي، ياريت بدل ما تطلع چنانك عليه روح دور لك علي مستشفي أمراض نفسية لأچل تتعالچ فيها، ولا ناوي تهمل حالك إكده لحد ما تزهق من الدنيا وتنتحر كيف ما أبوك ما أنتحر!.

سُحقاً للغباء الذي هبط عليها وأدي بها إلي أن تتفوه بتلك الحماقة أمام من لايرحم، فجعلته عاد إلي وادي ذكرياته السوداء ويعيد علي سمعه كلمات والدته لوالده ونعته بالجنون وعليه بالذهاب للعلاج في مصحة نفسية، الجملة التي أودت بحياة والدته وقتلها علي يد أبيه المعتوه. 
وليس هذا وكفي فذكرها لإنتحار والده الذي أدرك أن من أخبرها به هي ساندرا جعل شياطينه تتراقص أمام عينيه ولم يتراجع عما سيفعله بها.

ترك خصلاتها ليبدلها بالقبض علي عنقها قائلاً: 
_ خليكي فاكرة كلامك كويس عشان مش هاتكرريه تاني لأن هاعيد تربيتك من أول وجديد.

ندمت علي ماقالته و ودت أن يُزهق روحها أفضل من هذا العذاب النفسي القاتل. 
بدأ بتمزيق ثيابها ليجردها منها ما عدا مايستر مفاتنها فقط، كانت تصرخ وكأنه يمزق روحها وليست ملابسها.

_ بطلي صريخ أحسن ليكي، محتاج حنجرتك للي جاي، لما أخلي صوتك يوصل لأخر الدنيا.
هدر بها وأبتعد عنها وذهب إلي داخل غرفة أخري ملحقة به لوح زجاجي كبير عاكس كالمرآه لمن ينظر له في الغرفة، بينما الأخري الملحقة من بداخلها يري كل من بالخارج.

كانت أمامه لوحة مليئة بالأزرار، ضغط علي إحدهم فصارت في ظلام دامس مما زاد خوفها، 
أخذت تتلوي وتتلفت ، تخشي أن يفاجأها بالإعتداء عليها بالضرب أو يجلدها أو يقوم بإغتصابها كما فعل في آخر مرة، وما زاد الأمر سوءاً هذا الصقيع الصادر عن المكيف الذي تعمد خفض درجاته ليداهمها الشعور بالبرودة.

ضغط زر آخر فأصدرت السماعات المتراشقة علي الجدران أصوات صرخات لفتيات يتم تعذيبهن وإحداهن تتوسل لمعذبها أن يرحمها من عذابه لها.
أثارت الأصوات بل ودبت الرعب في أوصالها التي بدأت ترتجف، تجز علي شفتها السفلي وبداخلها تردد: 
_ يارب، يارب.

وإذ فجاءة ينبعث نور في وسط الغرفة جعلها أنتفضت إلي الوراء وقد نست قدميها المُقيدتين فتألمت كثيراً مع البرودة وإصطكاك أسنانها من إثرها.

وما كان هذا النور سوي لفتاة مُعلقة من يديها مثلها و كل إنش بها مليئ بالجروح الدامية والكدمات، وملامح وجهها مشوهة وكأن أنسكب عليها حمض كبريتيك مُركز.
لم تستطع النظر إليها و أغمضت عينيها صارخة: 
_ كفاية يا سليم.

تبدل صوت الفتاة إلي أصوات إستغاثة تصاحبه موسيقي مزعجة فيتحول المشهد من حولها لألسنة لهب تملئ كل الغرفة وبرغم إدراكها أن ما تراه الآن ليس سوي فيلم محاكاة بتقنية الهولوجرام، لكن ما تمر به للتو من تضارب لمشاعر عديدة كالخوف والتوتر والقلق ورهاب الظلام و أصوات الصراخ، جميعها أدت بها في نهاية المطاف إلي البكاء بنحيب وبدأ يعلو بصرخات.
عم الظلام المكان مرة أخري، ظلت تبكي وترتجف، والشعور بالخدر بدأ يتسلل أطرافها ما زاد الثقل علي كتفيها وعمودها الفقري.

يراقبها من خلف الزجاج وأرتفعت زواية فمه جانباً يحدثها عبر مكبر الصوت: 
_ بتعيطي من دلوقتي يا زوزو، لاء أجمدي كده ده إحنا لسه في البداية، وبعدين أعرف أنك قوية وشجاعة ومبتخافيش مني،صح يا بيبي؟.

أجابته بصرخة مُرددة: 
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم.

ضحك بصوت مرتفع وقال: 
_ و أي كمان؟.

صاحت بكل ما أوتيت بقوة وببكاء : 
_ أني بكرهك يا سليم.

_ قديمة، شوفي لي كلام جديد غير الدعاء وبكرهك والجو القديم ده، خدي بالك إحنا مطولين مع بعض، تصرخي تعيطي لو بتطلعي في الروح مش هارحمك.

وقع كلماتها لايزيدها سوي تعالي صوت بكائها فيقابله بالقهقه الساخرة، كف عن الضحك ليبدأ في إرهابها من جديد.
أضاء المصباح فأتضحت لها الرؤية، صوت بكائها يخبو عند رؤيتها دخان ينبعث من الأركان فيملأ الغرفة كالضباب و جعلها تشعر بالإختناق، أنتابها السعال ثم شهقت برعب عندما ظهرت لها أطياف وهمية تظهر وتختفي، فأنبلجت أمامها فجاءة جثة لسيدة هيئتها المُخيفة تُشيب لها الرأس، يصاحبها صرخة مدوية أخترقت أذنيها أدي إلي إصابتها بطنين حاد، خارت قواها ولم تتحمل أكثر من ذلك، الشعور بالخدر أمتد من أطرافها إلي كامل جسدها ومن فرط الضغط المتزايد عليها داهمها دوار كانت تنتظره لتستسلم، أسبلت جفنيها وأنحنت رأسها للأمام.

ضغط علي الزر المتحكم في مراكز التهوية لإخراج هذا الدخان الذي حجب عنه رؤيتها، ليراها فاقدة للوعي.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*
_ يتصاعد دخان سيجاره للأعلي، يجلس في الظلام، بداخله صوت بعيداً يطالبه بالتوقف عن مايفعله بها، فهذه زوجته وليست خاضعة من اللاتي كان يمارس عليهن ساديته الوحشية، و مهما أخطأت أو أرتكبت مايثير غضبه لكنها لاتستحق هذا العذاب، رغماً من كونه عذاباً نفسياً بدون التعرض لجسدها بالأذي لكن هذا من أسوأ أنواع العذاب.
يتذكر ما كان يطلع عليه من الكتب والمقالات تتحدث عن طرق التعذيب النفسي والجسدي و ذلك حينما سلك درب والده وسار علي خطاه، أراد إضافة الجديد لخبراته التي أكتسبها من داغر العقبي.
منذ القدم كان هذا النوع يُمارس علي آسيري الحروب والمتهمين للأعتراف بجرائمهم، فهناك العديد من أنواع العذاب النفسي، منها الزنزانة الباردة وهي أن تجعل الضحية بمفردها في غرفة مظلمة، بها منفذ تهوية يكاد يتسلل منه الضوء ويدخل منه الهواء وأحياناً لايوجد، يتعمد تشغيل جهاز تبريد كالمكيف بدرجة تجعل الضحية ترتجف من البرودة.
و عندما لايتوفر مكيف أو جهاز آخر يشابه، يملئون أرض الزنزانة بالماء وتخلع الثياب عن الضحية ويتركوه عارياً لمدة أيام حتي تنخر البرودة عظامه فيتوسل إليهم ليعفون عنه ويرضخ لمطالبهم.
ويوجد أيضاً العذاب بالأصوات، كان يمُارس في السجون الأمريكية وهو تعرض المسجون لأصوات مزعجة أو حادة بإستمرار مع حرمانه من النوم لأكثر من يومين وربما ثلاث تصل إلي أسبوع، فهذا كفيل بإصابته بالهلاوس وفقدان العقل أي الجنون، و أحياناً يُصاب من يتعرض لذلك بتوقف قلبه عن الخفق والموت المحتوم.

عاد من بحر خبراته المظلمة ينظر لتلك المتمددة أمامه علي الأريكة الجلدية، مغروز في يدها إبرة محلول مُغذي حتي لا تتعرض لهبوط في الدورة الدموية.

شارف المحلول علي الإنتهاء وبدأت مقلتيها بالتحرك أسفل جفنيها، أطفأ سيجاره بإلقاءه علي الأرض ونهض و دعس فوقه بحذائه، خطي نحوها وهو ينظر إلي ملامحها القوية التي جذبته إليها من مجرد رؤيتها خلال صورة فوتوغرافية، يري فيها ماينقصه ويختبئ خلف قناع القوة والهيمنة ليهابه الجميع ويخشونه، لم يتجرأ أحد يوماً الوقوف أمامه أو يُعاديه، ومن يقترف ذلك فقد خط شهادة وفاته بيده!.

عادت القسوة لتغزو ملامحه وهو يرمقها بنظرة من أعماق واديه المُظلم قائلاً: 
_ لازم أكسرك وأخليكي رهن إشارة مني، وقبل ما أنطق الكلمة تكوني تحت رجلي وتعملي الي أنا عايزه، حتي لو طلبت منك تموتي نفسك!.

وبعد قليل.....

بدأت تفيق وتعود إلي كامل وعيها لتكتشف الصدمة، فهي مُقيدة داخل شيئ ضيق للغاية، وعند إدراكها لهذا الشيئ إزدادت سرعة ضربات قلبها تدعو الله أن لا يكون هو، هيهات وتلك الإضاءة التي تصدر من المصباح اليدوي الموضوع في يدها كشف لها حقيقة ما الذي هي مُقيدة بداخله، ليس سوي مجرد تابوت الموتي.

أطلقت صرخة بل صراخات متتالية، فأتاها صوته بتهكم يخبرها: 
_ بطلي صريخ و وفري الأكسچين عشان بعد شوية مش هتلاقيه.

لم تكترث لنصيحته الساخرة وأخذت تصرخ: 
_ خرچني من أهنه.

أخذ يقهقه وكانت ضحكاته تثير خوفها وصراخها أكثر.
_ تعرفي أنا عندي فضول أشوف شكلك لو حصلت معجزة وقدرتي تهربي من هنا، إحنا تحت الأرض وأفترضنا لو عرفتي تطلعي مش هاتعرفي تخطي خطوة برة الهنجر، لأن هاكون أديت أمر لرجالتي يفتحو أقفاص الكلاب الي أضعف كلب فيهم مش هايسيب منك غير بقايا عضم.

أطلقت تنهيدة وطرق بيده علي التابوب ليرعبها فأردف: 
_ أنا هاخرجك فعلاً بس مش بجسمك، هاخرج روحك لما أدفنك دلوقت وأنتي صاحية وتتخنقي لحد ما روحك تتطلع.

غارقة في حالة هياج عصبي، فغريزة البقاء هي المسيطرة عليها الآن، وما تراه وما تسمعه منه زاد وجلها من الموت بتلك الطريقة البشعة، وابشعور بالإختناق يزداد بسبب عقلها الذي هيئ لها ذلك، لاتدري بتلك الثقوب الجانبية للتهوية، تدخل إليها الهواء لكن لاينفذ منها الضوء .

بدأ التابوت بالتحرك لكن لأسفل حتي أستقر وأرتطم فوقه شيئاً. 
صاح بنبرة مرعبة ليخترق صوته أذنيها: 
_ أنتي فاكره لما تهربي مني وتسرقي اللاب توب بتاعي مش هاعرف أجيبك! ، مش حتة حشرة زيك هي الي تقف قدامي، أنا دلوقتي هاعرفك أنتي متجوزة من مين!.

مهلاً هذا الصوت يشبه صوت إلقاء الثُري علي لحد الموتي بعد دفنهم ناتج عن إحتكاك المجرفة بالتراب. 
أنهارت حصون قوتها وكبريائها قرميداً قرميداً حتي صارت أطلال لتعلن إستسلامها وخضوعها التام إليه.

_ أني آسفة، ما هاسويش إكده تاني... مش هاهرب... هانفذ كل حاچة هاتأمرني بيها.
توسلات هربت من لسانها بعدما مرت بكل هذا العذاب لينجح أخيراً في خضوعها إليها.
توقف صوت هيل الثري كما ظنت، فوجدت التابوت يتحرك لأعلي ثم نزل علي سطح مستوي.
قام بفتح الأقفال الموصدة، ومجرد أن فتح غطاء التابوت شهقت وهي تلتقط أنفاسها كالعائد من الموت لتوه، قام بفك قيودها من الأحبال، كانت لاتري شيئاً سواه هو فقط.
ساعدها في النهوض بمد يده إليها، لم تكن قادرة علي الوقوف، وكأنها تمتلك ساقين من الهُلام، يكفيها ما عانته من ضغط نفسي وعصبي جعلها تحت سيطرته.

جلست أسفل قدميه رفعت وجهها تنظر له في صمت بأعين باكية، بداخله ينهره علي تلك الحالة التي أوصلها لها، بينما خارجه أرتسم قناع الجمود فسألها بذات الصيغة التي سألها والده سابقاً لساندرا: 
_ أتعلمتي من غلطتك يا زينب؟.

هزت رأسها بالإيجاب، أشار لها نحو أذنه و هدر بها: 
_ مش سامع.

أجابت و تومأ له تكراراً: 
_ أتعلمت، أتعلمت.

توقفت عن ترديد إجابتها عندما أمرها كملك يأمر عبدة لديه ريثما يتأكد من خضوعها التام له: 
_ وطي علي جذمتي وبوسيها وأطلبي مني أسامحك.

غرت فاهها وظلت ترمقه لثوان، تتردد في تنفيذ أمره، لكن الحالة النفسية التي بها جعلتها تذعن لأمره بدون أي رفض.

أنحنت أمامه و كانت علي وشك أن تقوم بتقبيل حذائه، فأوقفها قبل أن تفعل هذا وبداخله في قمة سعادته ها هو قد وصل إلي غايته ، رفعها وأحتضنها، فأجهشت بالبكاء بعدما دفنت وجهها في صدره: 
_ سامحني، سامحني ياسليم.

لم يصدق أذنيه من ماسمعه منها الآن ، ألتمس صدقها من نبرتها، فعانقها بقوة بين زراعيه يمسد بيده علي ظهرها العاري.

أبعد رأسها عن صدره وأحاط وجهها الشاحب بين كفيه يجفف عبراتها بإبهاميه من وجنتيها، يخبرها بعفوه عنها بجدية زائفة تخفي ورائها العديد من المشاعر: 
_ خلاص سامحتك، كفاية عياط بقي.

أرجع خصلاتها خلف أذنيها فوجدها ترتجف، أمسك بيدها فأكتشف إن أطرافها باردة، سألها: 
_ مالك بتترعشي كده ليه وأيديكي متلجه؟.

تشبثت به لتستمد بعض الدفء: 
_ سقعانة جوي.

أبعدها وخلع سترته و وضعها عليها، حملها علي زراعيه مغادراً تلك الساحة التي كانت عبارة عن بهو شاسع به حفرتين بعمق مترين تحت الأرض وبالقرب منهما رافعة كان يحرك من خلالها التابوت.
دلف الرواق الطويل و دخل أول غرفة علي يساره.
*ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ كانت الغرفة ذات أثاث وفراش وثير متكون من الحرائر القرمزية والستائر الشفافة المحاطة بالسرير ذو الأعمدة المتصلة بالسقف وشموع متناثرة بداخل الجدران ومدفأة كلاسيكية مقابلة للسرير، تشبه غرف نوم الملوك و الأمراء في العصور القديمة، كما يوجد مرحاض ملحق بها.

أزاح الستائر جانباً بكتفه وأنزلها برفق علي السرير، أتجه إلي المدفأه و ألقي بداخلها ألواح الحطب: 
_ هاولعلك الدفاية دلوقت، وهاروح أحضرلك الچاكوزي هيخليكي أحسن.

كانت تحدجه في صمت مطبق، تقدم نحوها ثم جلس بجانبها، أخذ يتلمس وجنتها، فوجد عدم مقاومة منها مثلما كانت تفعل معه في السابق، أنبلجت علي شفاه إبتسامة إنتصار، سألها:

_ جعانة؟.

هزت رأسها بإنكار وأجابت بصوت خافت: 
_ لاء.

خشيت أن يعاقبها علي رفضها، تراجعت عن إجابتها: 
_ أجصد، آه چعانة.

أدرك خوفها من نظرات عينيها وهي ترمقه بتوجس وحذر، ضحك وقال: 
_ ياه للدرجدي خايفة مني يا زوزتي، عمتاً أنا خليت واحد من رجالتي يشتري لنا أكل، و لو مش قادرة تاكلي مش هاغصب عليكي، كفاية الي حصلك النهاردة.

اللعنة عليه، من يسمعه يظن إنه يكترث لأمرها وليس كان معذبها منذ قليل.

طيف إبتسامة أرتسم علي شفاها وسرعان ما تلاشي لتقول: 
_ أني فعلاً چعانة، ماكلتش من وجت ما أهر.....

صمتت لتجده ينتظر تكملة جملتها.
_ سكتي ليه، كملي من وقت ما أي؟.

أشاحت وجهها لتتحاشي نظراته المترقبة لها، أمسك بذقنها وجعلها تنظر له فوجد شفاها ترتجف ودقات قلبها تصل إلي سمعه، أخفض بصره إلي منبع حديثها، يرمقها بإشتهاء وكأنها تفاحة الخلود.
رفع عينيه ونظر إلي خاصتها وقال: 
_ حبيبتي خلاص عقلت وعرفت إنها طول ما بتسمع الكلام هخليها تعيش ملكة، ولو لحظة بس رجعت للي كانت بتعمله هاتشوف مني أسود أيام حياتها، أنا الي يعتبر عملته معاكي النهاردة كان لعب عيال، كان بإمكاني أسيبك تصرخي في التابوت لحد ما تقطعي النفس، بس لما أتأسفتي وأترجتيني صعبتي عليا وخرجتك.

مجرد إنتهاءه من كلماته تعجب منها حيث فاجأته بعناق قوي قائلة بدون أن يري ملامحها التي فقدت روحها وكأنها جسد بلا روح: 
_ أطمن، أني تحت أمرك و ملك يدك.

تردد صدي جملتها في عقله، أبعدها عن صدره لينظر إليها بتعجب من إستسلامها وخضوعها، فكان هذا مُحفزاً لتدفق هرمون السعادة في جسده ليجعله في أسعد لحظاته.
عقب علي كلماتها بنبرة مليئة بالشغف والتملك والشوق: 
_ أنتي فعلاً ملكي، ملكي أنا وبس.

وأنحني علي شفاها ليلتقمها بين خاصته، يُقبلها بشغف وبدأت تشتد قوة قبلاته شيئاً فشيئاً، وأكثر ما أدهشه وأصابه بالصدمة غير مصدقاً إنها تبادله إياها بنفس قوة تقبيله لها بل وأعنف.
أبتعد بلهاث ويلتقط أنفاسه ولكي يري ملامحها ويتأكد من رغبتها نحوه كما يرغب بها أيضاً، فوجد ملامح وجهها تحولت من الشحوب إلي اللون الوردي وشفاها تتوهج من الإحمرار أثر تقبيله لها.
تذكر إنها لم تتناول الطعام منذ هروبها، فخشي عليها أن تُصاب بالدوار مُجدداً، أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهاتف إحدي رجاله الذي يأتي لهم بالطعام فأخبره الآخر أمامه نصف ساعة علي الوصول نظراً لبُعد المكان عن العمار.

_ قومي خدي لك شاور عقبال ما الأكل ما يجي، وأنا هاتصل بصلاح أبلغه إننا هنا في القاهرة.

أومأت له بإذعان: 
_ حاضر.

قامت وأمسكت بإحدي الأعمدة فكادت تتعثر وتقع، أسرع وأسندها، فقالت: 
_ معلش، أول ما جومت حسيت بدوخة ورچليا مش شايلاني.

أمسك بيدها وقال: 
_ قومي وأنا هاسندك.

أمسكت بزراعه وتحديداً في المنطقة المصابة وضغطت بقوة لتتشبث به، فأطلق تأوهاً رغماً عنه، أنتفضت إلي الوراء.

_ آسفة لو وچعتك مكنش قصدي.

وجدها خائفة ومرتجفة فقال لها: 
_ أنتي ضغطي علي جرحي، أصل كنت واخد طلقة.

قام بفك أزرار قميصه وخلعه ليطمأن علي جرحه ليجده كما هو و الضماد مازال أبيض دليلاً علي عدم نزفه دماءه.
_ هاتي أيدك وأسندي علي كتفي التاني.

فعلت ما أمرها به ودخل كليهما وفي يده الأخري يحمل مصباح يدوي إلي هذا الصرح الذي يُقال عليه مرحاض، بل كان لايُمت للكلمة بصلة من شدة روعته، ذو مساحة كبيرة يتوسطه المغطس (الچاكوزي )، وفي إحدي أركانه كابينة زجاجية للإستحمام، وهناك طاولة رخامية طويلة يعلوها مرايا ذات إطارات ذهبية والأرضية والجدران جميعها من البورسلين، يزين الأركان وجوانب حوض الوجه شموع تتنوع مابين اللون الأحمر والأبيض.
ساعدها بالنزول داخل المغطس، جلست بداخله وتتلفت من حولها بقلق: 
_ هو مفيش أهنه لمبات؟.

أخرج من جيبه القداحة خاصته وضغط علي المكبس وبدأ يشعل الشموع: 
_ فيه طبعاً، بس أنا حابب ضوء الشموع أكتر، مُريح للأعصاب خصوصاً وأنتي بتستجمي في الچاكوزي.

أنتهي من إشعال الشموع و هم بالمغادرة قائلاً: 
_ عندك البشاكير والبورنص في الدولاب الي جمب الحوض، لو محتاجة أي حاجة أندهي عليا.

وقبل أن تخطو قدمه إلي الخارج أمسكت يده وقالت لتصدمه مرة أخري: 
_ خليك معايا، أني خايفة.

جلس علي حافة المغطس وربت علي رأسها ليطمأنها قائلاً:
_ ماتخافيش أنا معاكي.

أمسكت بيده وتحدق في سوداويتيه اللتان تنعكس عليهما نيران الشموع المشتعلة، أغمضت عينيها و عادت برأسها إلي الخلف، ظل يراقب ملامحها لاسيما وهي موصدة العينين، فاجأته بهمسها الذي أخترق سمعه: 
_ سليم.

دنا منها في ترقب مجيباً علي ندائها: 
_ نعم؟.

أجابت فأصابته بالصدمة للمرة المائة: 
_ أحضني.

أفترقت شفاه بدهشة غزت ملامحه، وبدون أن تفتح وتنظر إليه توقعت ردة فعله، فأردفت: 
_ مالك مصدوم ليه!، مش ده الي كنت رايده مني من يوم ما أتچوزنا، أسلملك حالي برضايا!.

ضيق عينيه وأرهف سمعه، فسألها: 
_ قصدك الي فهمته ولا.

فتحت عينيها وأعتدلت لترمقه بنظرات خالية من أي تعبير فأجابت بآلية: 
_ أيوه جصدي الي فهمته دلوق.

رفعت يدها لتضعها علي صدره العاري، وترمقه بدعوة صريحة، فما كان منه سوي أن نزل معها داخل المياه، أنقض علي شفاها بجموح، يقبلها بكل قوته، هبط بشفاه علي ذقنها الملساء ثم إلي عنقها الذي قام بتلثيمه ولأول مرة تصدر تأوهاً ليس نابعاً من الألم مثلما يحدث كلما أقترب منها، بل كان تأوهاً من نوع آخر أثار كل خلية في جسده، غير آبه لألم جرحه الذي لم يندمل بعد، فعليه أن يغتنم تلك الفرصة الذهبية بالنسبة إليه، ما زال يُقبلها ويعانقها ويديه تجول علي بشرتها الملساء ذات الملمس الحريري، ليحررها من قطعتي الثياب التي كانت ترتديها، وعلي أضواء الشموع وأسفل الماء يبادلها الحب، تخلي عن ممارسته العنيفة التي كان يفعلها بها رغماً عنها، والآن كل قبلة وكل لمسة يصاحبها همسات من الغزل والإطراء، يشعر وكأنه يمتلك العالم بين يديه.

*ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*

_ يستند بظهره علي لوح السرير الخلفي يزفر سيجاره، ينظر إليها بين كل حين وآخر، تتقلب وتمددت علي بطنها وخصلاتها الغجرية مبعثرة علي ظهرها العاري، يظن إنها نائمة وهي مستيقظة تتصنع النوم. 
يجول في ذهنه مئات الأسئلة علي رأسها هل خضوعها إليه حقيقي أم زائف لإجتناب شره وما فعله بها اليوم!، لذا يجب عليه أن يضيق عليها الخناق ليري إلي أي مدي ستتحمل سيطرته، و هل ستطيعه أم ستعود كالسابق!.
بينما ما يُلح عليه هو لما بدأ يخبو شغفه نحو خضوعها الذي كان يصبو إليه ، فهل كان تمردها ورفضها الدائم له كانا يروقانه أكثر من إستسلامها!. 
أمسك بهاتفه من جواره ينظر في الساعة ليجدها الحادية عشر مساءً، دفس ماتبقي من سيجاره في المنفضة.

هبط إلي داخل الدثار جوارها وأستند علي يده والأخري أخذ يمسد ظهرها: 
_ زوزو.

همهمت بصوت مصتنع يتخلله النعاس ولم تفتح عينيها بعد: 
_ لساتك صاحي مانمتش إياك؟.

كانت يده تهبط نحو أسفل ظهرها فأنتفضت و أستدارت لتعتدل محتفظة بالدثار عليها وبتلك الإبتسامة التي تخلو من الحياة، فأجاب عليها: 
_ مجاليش نوم، غير أن المفروض نرجع الڤيلا، بكرة هانروح نبارك لصلاح ومراته.

ردت بإقتضاب: 
_ حاضر.

عقد مابين حاجبيه متعجباً لردها المقتضب، فسألها: 
_ مش هتسأليني هو أتجوز مين؟.

ردت بآلية: 
_ وأني هسأل ليه عاد، ربنا يهنيه هو ومارته.

فاجأها بسؤال آخر وظل يراقب لغة جسدها كردة فعل علي سؤاله: 
_ أنتي كنتي واخده اللاب تعملي بيه أي؟،ياتري كنتي ناوية تسلميه للبوليس عشان تخلصي مني قبل ما أوصلك؟.

رفرفت أهدابها وحاولت بشتي السُبل أن لا ينبلج علي ملامحها الكذب: 
_ بوليس أي الي أسلمه اللاب، أني كنت واخداه لأچل أخلي ساندرا تشوفلي بيعة ليه وأخد فلوسه لأن ما كان معاي ولا فلوس ولا موبايل، لجتها ربنا يباركلها أتكلفت بكل مصاريفي وعطتني الموبايل الي أنت أخدته مني.

_ ماشي، هاحاول أصدقك لأن لو أكتشفت لعب أو خيانة من ورا ضهري، مش هارحمك ولا أنتي ولا أهلك، اقل حاجة هاعملها معاكم هي أرميكم للكلاب الي فوق بعد ما أقطع جثة كل واحد فيكم حتت، وصلت الرسالة يا بيبي.
تفوه بها ويداعب وجنتها بأنامله فأومأت له وهي تزدرد لعابها فأجابت: 
_ وصلت.

هم بالنهوض قائلاً: 
_ هاقوم أخد شاور و أنتي كمان وجهزي نفسك عشان نروح علي الڤيلا.

_ أستني.
ألتفت إليها ليري ماذا تريد، فوجدها تقترب منه زاحفة علي ركبتيها فوق الفراش، وضعت يديها علي كتفيه تنظر له ذات النظرة عندما كانا في المرحاض.
_ خلينا الليلة دي أهنه ونبجو نرچعو وجت ما نصحو.

رمقها بإبتسامة ماكرة يدرك ما وراء طلبها: 
_ أنا ملاحظ إن في واحدة صاحبتنا بقت قطة شقية، وعاجبها اللعب مع الأسد.

كان يتوقع أنها ستخجل منه مشاكسته لها، لتفاجأه بما لم يتوقعه بتاً مهما كانت مستسلمة إليه.
نهضت وهي تلف علي جسدها الدثار، ألتقطت رابطة عنقه المُلقاة علي الأرض وأتجهت إليه لتعطيها إياه: 
_ أني خابرة أنك عتحب تعمل إكده ويدي مربوطة، أتفضل سوي كيف ما أنت رايد.

تجهمت ملامحه لوهلة، فوجد أنه سيكون إختبار لخضوعها إليه إن كان حقيقاً أم مصتنعاً.
جذب رابطته من يدها وبحزم أمرها: 
_ ضُمي إيديكي جمب بعض.

نفذت أمره في الحال، تنظر لأسفل تتحاشي رؤية ظلام عينيه المخيف في تلك اللحظات.

_ أرفعي وشك وعينيكي ماتنزلش عن عينيا.

نظرت بثبات في عينيه ولم تحرك جفنيها حتي لرؤيته وهو يُقيد الرابطة حول رسغيها معاً بربطة مُحكمة، أمسك بالطرف الآخر وقال لها بأمر مرة ثالثة: 
_ أطلعي علي السرير.

أذعنت لأمره وفعلتها،فقام بربط الطرف الآخر بللوح السرير الخلفي، أقترب منها وأعتلاها ليمارس معها الحب بطريقته التي لاتخلو من العنف، يُقبلها حتي يُدمي شفاها ويلعق دمائها وكأنه يرتشف صوص الفراولة، كذلك قُبلاته علي أنحاء عنقها وجسدها كانت عنيفة تاركاً علامات بألوان تتراوح بين اللون الأخضر والقرمزي الداكن كإثبات لها إن هذا الجسد ملكه الخاص ويفعل به ما يشاء.

ظل كليهما هكذا لأكثر من ثلاث مرات مابين الممارسة الطبيعية والأخري العنيفة وطقوسه السادية الذي يتلذذ فيها بإيلامها، والأكثر دهشةً كانت هي من تطالبه بشراهة مما أثار ريبته نحوها، وفي المرة الأخري نهض من فوقها يلتقط أنفاسه والعرق يتصبب من كل أنحاء جسده، أحتضنها ويربت علي ظهرها قائلاً: 
_ كفاية كده عليكي يابيبي النهاردة، الفجر قرب يأذن وإحنا المفروض نصحي بدري، ويكون في علمك في نظام وتعليمات هاتمشي عليها من ضمنها مواعيد نومك، تنامي وتصحي بدري مليش أنا في نظام السهر، إلا إذا كنا خارجين أو معزومين في مناسبة، وحاجات كتير لسه هقولك عليها بس بكرة بقي، لأن بصراحة فصلت وعايز أنام.

أعطاها قبلة رقيقة علي شفاها المنتفخة: 
_ Good Night My Lovely.

ذهب في النوم رغماً عنه، بينما هي نهضت من جواره و ولجت إلي المرحاض ثم دلفت إلي كابينة الإستحمام وبدأت تغتسل، فكانت المياه المنهمرة تختلط بعبراتها التي أطلقتها، تريد الصراخ بأعلي صوت لديها لكنها تخشي إيقاظه ويراها في تلك الحالة التي يُرثي لها.

أنهتت من الإغتسال وأرتدت منامتها القطنية، تمددت علي الأريكة المقابلة للسرير، ظلت تنظر إليه وهو نائم في سبات عميق.

تسأل نفسها ماذا يحدث إذا قامت بقتله، قامت وأستلت السكين من طبق الفاكهة الموضوع أعلي المنضدة، وبخطي وئيدة تسير نحوه، ويدها الحاملة للسكين ترتجف، طالما تخشي رؤية والدتها وهي تقوم بذبح الطيور، فما بالها أن تقتل إنسان، بل الشيطان ذاته، هل تمتلك القوة والشجاعة بأن تفعلها!.

وقفت بجواره، يتمدد علي ظهره بأريحية، الخوف يسيطر عليها، ترددت كثيراً حتي فاض بها الكيل، وحسمت أمرها، رفعت يدها بالسكين لأعلي، فأنزلتها صوب موضع قلبه مباشرة، وقبل أن تصل وتغرز في هدفها أوقفتها يده ونظرته القاتلة عندما فتح عينيه!.

ــــــــــــــــــــــــــــ

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات