رواية عشق محرم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نور الهادي
قبل أيام...
كانت سيرين جالسة فى غرفتها، صامتة تمامًا، عينيها ثابتة على نقطة فى الفراغ.
منذ آخر حديث بينها وبين ياسمين، والكلمات لم تخرج من رأسها.
كل جملة قالتها ياسمين كانت بترجع تانى... أقوى كل مرة.
التليفون رن فجأة.
بصّت له، لقت الرقم: جلال.
سكتت.
لم ترد.
بعد ثوانى، رن تانى.
مدّت إيدها تقفله، لكن إيدها ضغطت بالخطأ على الرد.
سكتت لحظة.
ثم وصل صوته:
— سيرين.
تجمدت مكانها.
قالت ببرود محاول: — نعم؟
قال جلال بصوت هادئ لكن فيه ثقل: — عايز أتكلم معاكى.
سكتت لحظة ثم قالت: — فى إيه نتكلم فيه يا جلال؟
قال بسرعة: — سيرين... انزلى. هستناكى فى الجنينه.
رفعت حاجبها باستغراب: — إنت فى القصر؟
لكن المكالمة كانت انتهت بالفعل.
---
نزلت سيرين للجنينة بعد دقائق.
الجو كان هادئ بشكل غير مريح.
وقفت مكانها أول ما شافته.
كان هو فعلًا.
جلال واقف فى منتصف المكان، إيده فى جيبه، ونظراته مباشرة ناحيتها.
من الواضح إنه رجع القصر بالفعل.
تقابلت أعينهم.
صمت ثقيل امتد بينهم، كأنه امتداد لآخر مرة اتقابلوا فيها.
قالت سيرين مباشرة: — عايز إيه؟
رد بهدوء: — كنت عايز أطمن عليكى.
نظرت له : — واطمنت. شايفنى كويسة.
سكت لحظة، ثم قال بصوت أقل: — أنا آسف.
اسفه حرك نار جواها كانها لقت حد تتكلم معاه قالت— أنت السبب فى كل ده؟
إنت السبب فى كل اللى أنا فيه...
أسفك مش هيعمل حاجة.
تنهد جلال وقال بصدق: — المرة دى أنا عارف أنا غلطت فى إيه.
اقترب خطوة بسيطة ثم قال: —لكن افتكرى إنى قولتلك وقفى.
رفعت سيرين رأسها بسرعة: — إنت عمرى ما قولتلى وقفى.
إنت كنت فرحان... إن مفيش أى رابط بينى وبين سليم.
كنت فرحان بوعدى اللى قطعته
نظر إليها جلال للحظة صمت، وكأن الكلمات اللي قدامه أثقل من أي رد.
كانت سيرين واقفة بثبات، لكن عينيها فيها وجع واضح، كأنها أخيرًا اعترفت لنفسها بالحقيقة كلها.
قالت بصوت منخفض: — بس أفضل أنا الغبية اللي دمرت نفسها بإيديها.
رفع جلال عينه لها قال: — أنا حبيتك يا سيرين...
سكتت.
وبصّت له.
كانت أول مرة يقولها بالشكل ده… بدون لف، بدون هروب.
اقترب جلال خطوة، ووقف قدامها مباشرة: — أنا اتغبيت. وأذيتك… ومفكرتش فيكى.
وخلّيت سليم يدخل فى الصورة ويعرف حبي ليكى… وكل ده جه عليكى فى الآخر.
سكت لحظة، كأنه بيرجع لذكريات تقيلة، ثم قال: — أنا آسف.
سيرين ما ردتش.
سكتت ثواني طويلة، وبعدين قالت بهدوء لكن فيه ألم: — إزاي بقيت كده؟
إزاي أذيتنا وأذيت سليم؟
كرهك وصلك إنك تحاول تأذى أخوك؟
خفض عينه لحظة، ثم قال: — مكنتش شايفه غير إنه راجل خد حبيبتى منى.
نظر اليها مباشرة، وقال: — لو عايزانى أرجعك ليه… هعملها.لو بتحبيه وعايزاه.
سيرين : — أنا وسليم انتهينا.
أنا اللي دمرت جوازى… وأنا اللي وصلتنى لهنا.
يمكن كنت سبب، بس أنا السبب الأكبر.انا عايزه ارمى الذنب عليك لكن انا الى عملت كدن
صوتها هدى شوية، وقالت: — أنا غلطت… وسليم عمره ما هيسامحنى على الغلط ده.
أنا مش عايزة أرجع.
قد ما أنا عايزة أعتذرله.
رفع جلال عينه لها.
قالت سيرين مباشرة: — لو عايزنى أقبل أسفك… صلح اللي إنت بوظته.
روح اعتذر لسليم يا جلال… متعتذرليش أنا.
إنت المجرم فى حق سليم.
شد جلال على نفسه وقال: — مش هيتقبل منى… أنا عارف سليم.
ردت سيرين بهدوء حاسم: — يبقى يكفي إنك ترضى عن نفسك.
ساعده واحميه…
ده لو إنت راجع عايز تصلّح اللى اتكسر
.سكت جلال، ونظر إليها لحظة طويلة، ثم قال بهدوء ثقيل:
— أنا كنت عايز أقولك الكلمتين دول وبس... ودوري هيخلص عندك لحد هنا.
استدارت سيرين إليه بصمت، لكن قبل ما ترد، كان جلال قد تحرك وغادر المكان.
بقيت واقفة مكانها، والهواء يلف حولها بقسوة، كأنه بيأكد إن اللحظة انتهت فعلًا.
---
في مركز شركة الهوارى الرئيسي...
كان فارس جالس فى مكتب والده، الأوراق قدامه، وعينيه على الملفات المعروضة.
معتز كان قاعد قدامه
قال فارس وهو يقلب الورق: — سليم كان ماسك العقد ده… فكرني أروح أسأله عن تفاصيله على الأقل، يمكن يفيدنا بمعلومات حتى لو استغنى عن الشركة.
أومأ معتز: — خلاص ماشي.
ثم أضاف فارس وهو بيرجع بضهره للكرسى: — بس إنت بقالك فترة بتفضل هنا أكتر من شركة سليم… نسيت إن شغلك الحقيقي معاه؟
رد معتز بهدوء: — والدك بلغني أكون معاك.عشان لو سالت ع اى حاحه افيدك،لانه عارف انى كنت عارف تفاصيل شغل سليم، زى ما إنت لسه قايل.
فارس — بابا كان هينزل الشركة النهاردة… وده لوحده القيامه بحد ذاتها.
قال معتز بابتسامة بسيطة: — أنا شايف إنك قدرت تديرها بكفاءة يا فارس.
هز فارس رأسه بهدوء، لكن جوه نفسه مكنش مبسوط بالكفاية دى.
نجاحه ناقص… لان اتبنى بسبب تفرق العيلة وابتعاد اخواته عنه.
فجأة رن تليفون معتز.
رد، لكن ملامحه اتغيرت فورًا.
— إيه؟!
بصله فارس باستغراب: — فى إيه؟
رفع معتز عينه له وقال ببطء صادم: — جلال… هنا
كانت الشركة كلها واقفة على رجلها.
، الموظفين بيتكلموا بصوت عالي، والتوتر باين على كل مكان.
فارس كان خارج من مكتبه لما لاحظ الحالة دي.
وقف مكانه واستغرب: — إيه اللي بيحصل؟
كل الموظفين سكتوا فور ما شافوه.
قال أحد الموظفين بسرعة: — مستر جلال وصل يا فندم… وبعت يطلب ملفات الشغل اللي شغالين عليها.
سكت فارس لحظة.
وبص لمعتز اللي كان واقف جنبه.
من غير كلام كتير، مشيوا سوا ناحية مكتب جلال المعتاد.
فتح فارس الباب ودخل.
وقف لحظة أول ما شافه.
جلال كان قاعد، ماسك ملفات الشركة وبيقلب فيها بهدوء، كأنه ما غابش أصلًا.
رفع عينه ببطء لما حس بوجودهم.
تقابلت النظرات.
فارس كان باصص له بصمت طويل، كأنه بيحاول يستوعب رجوعه المفاجئ.
جلال كمل تقليب في الأوراق وقال بهدوء: — هاتوا اللي اشتغلتوا عليه، وخلّوني أفهم آخر التطورات في الصفقات.
فارس فضل باصص له ثواني، وبعدين قال: — مفيش وقت… عايز أراجع الشغل بنفسي.
وبعد لحظة صمت قصيرة: — إنت رجعت؟
سكت جلال.
رفع عينه له وقال: — تقريبا كده.
سيف فضل يبص له، نظرة أخ بيتأكد إنها أخوه فعلًا الى قدامه.
وبعدين قال بهدوء: — هجيبلك كل حاجة عشان تفهم الدنيا.
ومشى.
معتز فضل واقف شوية، عينه على جلال، وبعدين قال: — جاى تصلح ولا جاى تكمل؟
رفع جلال عينه له مباشرة: — سليم فين؟
رد معتز: — فى شركته… عايز تشوفه؟
سكت جلال لحظة، كأنه بيحسبها جواه.
وبعدين قال: — مش دلوقتى
.كان جلال ما زال فى الشركة حتى بعد ما الموظفين كلهم مشيوا.
الإضاءة كانت خافتة، والممرات هادية بشكل غريب، لكن مكتبه كان لسه شغال.
قاعد على المكتب، قدامه ملفات وتقارير وصفقات مفتوحة، بيقلب فيها بتركيز شديد.
كان واضح إنه مش محتاج حد يساعده.
فارس كان بيبص له من بعيد بصمت.
كان عارف إن جلال فى الشغل مختلف تمامًا؛
جدّيته زى سليم… لكن طريقته مختلفة.
سليم كان بيغرق نفسه فى التفاصيل لدرجة إنه يضيع الوقت.
لكن جلال كان بيشتغل بسرعة محسوبة، يركز على الربح والنتيجة النهائية، كأنه شايف الشغل كصفقات لازم تكسب وبس.
طموحه واضح: فلوس، صفقات، نفوذ…
مش فكرة النجاح الهادئ زى سليم.
كان أقرب فى تفكيره لمهران أكتر من أى حد تانى فى العيلة.
فارس سابه ومشى، وجلال فضل قاعد لوحده يشتغل لساعات من غير ما يطلب مساعدة من حد.
---
فى اليوم التانى…
اجتماع كبار مدراء شركة الهوارى كان منعقد.
قاعة الاجتماعات مليانة ملفات وشاشات بتعرض أرقام واستثمارات وصفقات جديدة.
أحد المدراء كان بيتكلم: — التوسعات الأخيرة فى السوق الخارجى محتاجة إعادة تقييم، خصوصًا مع تقلبات الاستثمار فى الفترة الأخيرة.
مدير تانى أضاف: — لازم نركز على تنويع المحافظ الاستثمارية، خصوصًا فى قطاعات الطاقة والعقارات، عشان نقلل نسبة المخاطرة سليم بيه كان شغال ع النقط دى.
سكت جلال للحظة لما سمع اسمه
مجرد ثانية واحدة، ملامحه ما اتغيرتش، لكن الجو حوالينه اتغير.
رد بهدوء بعد الصمت: — ركزوا فى الفتره الجاية… مش عايز أى حد يلمّح أو يفتح موضوع إن فيه خلل فى شركات الهوارى.
المدراء أومأوا بسرعة بتفهم.
فارس كان قاعد جنبه، بيراقبه بصمت.
بعد ما الاجتماع بدأ يهدأ، قال جلال فجأة من غير ما يبص له: — لو عايز تسافر… سافر.
فارس بص له باستغراب: — بتقول إيه؟
رفع جلال عينه له بهدوء: — شهر العسل… المفروض كنت تسافر مع مريم من أول يوم جوازكم
فارس سكت لحظة، ثم قال: — شايف الوضع يسمح؟
قال جلال — متقلقش، سيب كل حاجة عليا. وسافر مريم، ملهاش دعوة باللي بيحصل.
رفع فارس عينه له وقال: — أنا مش عايز أمشي وهو ميعرفش إني برا.
كان قصده سليم رد جلال بنفس الهدوء: — امشي… وممكن خلال رجوعك تلاقيه في القصر.
فارس بص له بتركيز: — واثق يعنى اسبلك كل حاجه
جلال: — تقدر تعتمد عليا.
رغم إن فارس ساكت، لكن عينه كانت بتقيس كلامه…
رن تليفون فارس فجأة.
بص للرقم، وكانت مريم.
رد وهو بيبعد شوية: — ألو يا مريم.
قالت مريم — فارس؟ ما لحقتش أشوفك وإنت خارج أنا كنت…
قاطعها بابتسامة خفيفة: — جهزي شنطتك، هنسافر.
سكتت لحظة، وبعدين قالت بدهشة: — بجد؟ الهاني مول؟
ضحك سيف: — الهاني مول.
بيهزر معاها وهو ماشي ناحية الباب، بص لجلال وهو خارج من القاعة: — بس خلي بالك… الهاني مول ده هيبقى متعب شوية.
ابتسم جلال ابتسامة خفيفة وهو يراقبه لحد ما اختفى، وبقى لوحده.
تنهد بهدوء، ورجع بص على اللابتوب قدامه.
---
فى نص اليوم…
الموظفين كلهم بدأوا يمشوا، والمبنى هدى تدريجيًا.
جلال لسه قاعد فى مكتبه، شغال لوحده.
فجأة رن تليفونه.
رقم غير مسجل.
رفع عينه ببطء…
وبعد ثواني ضغط رد.
جاله صوت يعرفه كويس جدًا..
قال حاتم: — إزيك يا جلال.
قال جلال ببرود: — عايز إيه؟
حاتم : — مفيش… لقيتك مختفي. شكلك مضغوط فى الشغل جامد وانت ف المكتب لوحدك
سكت جلال لحظة، وبص حواليه ازاى شايفه
جاء الرد ببساطة مزعجة: — أنا عند الشركة.
قام جلال من مكانه، وتوجه ناحية الشباك.
شاف حاتم واقف تحت، ماسك سيجارة، وبيدخن بهدوء مستفز.
حاتم رفع عينه لفوق، كأنه حاسس بيه
حاتم ع التليفون: — انزل… خلينا نتكلم.
جلال قفل المكالمة من غير رد، وفضل واقف ثواني يبص له من غير تعبير.
ثم نزل.
---
فى الأسفل…
حاتم كان واقف جنب عربيته، والباب مفتوح.
رجالته واقفين بعيد شوية،جلال أول ما قرب، عينه راحت عليهم بسرعة… حس انهم عايزين يصورو عشان يبعتوها لسليم وانه لسا متواطىء معاه
قال جلال بحدة وهو واقف قدامه: — إنت بتعمل إيه هنا؟
حاتم ابتسم ابتسامة خفيفة: — شايفك بقيت رئيس الهوارى زى ما كنت عايز.
رد جلال ببرود: — جاى ليه يا حاتم؟
حاتم مسح الدخان وقال: — إنت واخد موقف مني عشان كنت عارف إن سليم كشفك ومقولتلكش.
جلال شد على نفسه وقال بحنق: — كنت إنت ورا الموضوع ده؟
هز حاتم كتفه: — المفروض تشكرنى. شوفتك وصلت لفين بسرعة؟
وبعد سليم خالص عن الساحة… بس هو لسه عايش، مستقل باسمه.
تغيرت ملامح جلال لحظة: — ابعد عن سليم يا حاتم.
حاتم — عارف يا جلال… أنا مكنتش بساعدك.
أنا كنت بستخدمك.
إنت عدو زيك زى سليم… وكلنا بنلعب على بعض.
جلال قال ببرود قاتل: — متستقلش بيا عشان متوقعش.
سكت حاتم لحظة، اقترب جلال خطوة وقال بهدوء أخطر: — أنا عارف شغلك الأسود… زى ما كنت محتاجك، كنت مخونك.
حاتم: — مش بستقل بيك يا جلال… قولتلك، إنت شيطان زى… مش مختلفين كتير.
رد جلال بهدوء: — أنا عمري ما أبقى زيك.
قال حاتم وهو بيركب عربيته: — ولا هتبقى.
وقبل ما يقفل الباب، بص له وقال: — لما تشوف سليم… متنساش تقوله إنك كنت كاره يبقى ليه ابن زيك زي أي عدو ليه.
ركب عربيته.ومشى.ورجالته وراه.
---
عودة…
فتح سليم الباب ليجد أكثر من ضابط يقفون أمام الفيلا.
توقفت خطواته وهو ينظر إليهم بثبات حذر.
قال أحد الضباط رسميًا: — أستاذ سليم الهوارى؟
رد سليم بجمود: — اتفضل.
اقترب الضابط منه خطوة وقال: — معانا أمر بالقبض عليك.
ثابتت عيون سليم عليه للحظة طويلة، وكأنه بيحاول يستوعب الجملة نفسها
قال بحدة مكبوتة: — القبض عليا بتهمة إيه؟
رد الضابط بوضوح: — تجارة المخدرات.
سكت سليم.الصمت هنا كان أثقل من أي رد.الصدمه بانت ف عينه
اقترب الضابط أكتر وقال: — فى القسم هتعرف كل حاجة.
فى اللحظة اللي كان فيها الضابط بيطلع الكلبشات…
فجأة وقف جلال قدامه.
قال بغضب: — إنت عارف إنت بتقول إيه؟ وبتكلم مين؟
بصله الضابط قال جلال ببرود حاد: — اسحب كلامك… عشان متندمش.
رد الضابط بصرامة: — بلاش تقف قدام العدالة.
لسه جلال هيرد…
قال سليم بصوت منخفض لكنه قاطع: — متدخلش.
سكت جلال، وبص له.
سليم رجع نظره للضابط بهدوء متماسك، ومد إيده.
ترك الضابط الكلبشات تقفل على إيده.
وفي اللحظة دي…
ياسمين خرجت من الفيلا، وعيونها اتعلقت بالمشهد.
شافت الكلبشات فى إيد سليم.
اتجمدت مكانها.
قالت بصوت واطي مهزوز: — سليم…
قال الضابط: — اتفضل معانا.
سليم قال بهدوء: — هاجى بالعربية… تقدر تخلى حد يركب معايا.
سكت الضابط لحظة، ثم أشار لأحد الأفراد يركب معاه فعلا.
اقتربت ياسمين بسرعة، صوتها خرج لأول مرة أعلى: — سلييييم!
وقف سليم قبل ما يركب العربيه بص، وشاف ياسمين جايه عليه بسرعة.
واحد من الضباط فيهم تحرك كأنه هيمنعها…
لكن سليم رفع عينه فجأة وقال بحدة: — إياك حد يلمسها.
نظراته اتغيرت بالكامل.
الهدوء اللي كان فيه اختفى، وظهر مكانه شيء أخطر… نظرة مخيفة، لمجرم حقيقى
ياسمين وصلت له بسرعة وقالت: — رايح فين؟ وإيه اللي فى إيدك ده؟
قال سليم بهدوء حاول يثبته: — خليكي هنا يا ياسمين.
قالت بسرعة وخوف: — أنا هاجي معاك… لازم أعرف في إيه.
مسك إيدها بهدوء عشان يهدّيها: — اهدى… هكون كويس.ده مجرد سوء فهم
لكن عينيها كانت مليانة خوف.
مش من سليم… من اللى بيحصل كله.
من الشرطة، من الجدية، من الطريقة اللي ماسكينه بيها كأنه مش مجرد تحقيق.
الإحساس كان أكبر من قدرتها على الفهم… الموضوع أكبر بكتير من مجرد تهمة.
سليم ساب إيدها بهدوء، وركب العربية.
قبل ما يقفل الباب، قال بصوت منخفض: — خليكِ هنا.
لكن ياسمين قالت: — سليم!
جلال مسكها من ذراعها.
قالت بسرعة وهي بتحاول تفلت: — سيبني يا جلال!
قال بهدوء: — اهدي…
انطلقت عربيات الشرطة، ومعاهم سليم.
والمكان كله هدى فجأة.
فضلوا واقفين لحظات، ياسمين بتبص للعربيات وهي بتبعد.
قالت وهي مش مستوعبة: — هيروح فين؟
قال جلال بهدوء: — القسم… تحقيق.
قالت بسرعة: — أنا هروحله.
شدها جلال برفق: — الموضوع شكله أكبر يا ياسمين… اصبري نعرف في إيه الأول. كده كده هنروح له.
سكتت لحظة، ثم قال: — بابا لازم يعرف. ده لو معرفش اصلا
قالت ياسمين_ هيعرف منين
***********
كانت فرقة التحقيق القانونية قد وصلت إلى شركة سليم.
المكان كله اتقلب في لحظات.
الموظفين واقفين على أطراف المكاتب، بعضهم مش فاهم إيه اللي بيحصل، وبعضهم مصدوم، والكل بيتفرج بصمت ثقيل.
رجال الشرطة بيجمعوا الملفات، الدفاتر، العقود… كل حاجة ليها علاقة بالشغل.
صناديق اتملت أوراق بسرعة، وكل ملف بيتاخد كأنه دليل في قضية كبيرة.
مكتب سليم نفسه ما اتسابش.
دخلوا جوه وبدأوا يفحصوا كل ركن فيه… رغم إنه من المفترض يكون مكان مغلق، لكن ده كان تنفيذ أمر قانوني مفيش حد يقدر يمنعه.
الأوراق اتقلبت، الأدراج اتفتحت، وكل تفاصيل الشغل اتراجعت تحت عين التحقيق.
خارج المكتب، كان الموظفين واقفين بيتابعوا بصمت، وبعضهم مش قادر يصدق إن اسم الشركة نفسه اتربط بالقضية.
الشرطة كانت محاوطه المبنى بالكامل.
وأمام البوابة، الصحافة كانت موجودة بكثافة.
كاميرات، ميكروفونات، وأصوات أسئلة بتتكرر بإلحاح.
الأمن بيحاول يمنع الدخول، والشرطة مانعة الاقتراب، لكن الصحفيين كانوا بينقلوا بث مباشر من المكان.
أحد المراسلين قال أمام الكاميرا:
— إحنا قدام شركة سليم الهوارى… وفي تطور خطير في القضية اللي تم الإعلان عنها منذ قليل، وهي اتهام سليم الهوارى بتجارة المخدرات.
سكت لحظة وهو بيبص ناحية المبنى، ثم أكمل:
— رغم تحفظ الجهات الرسمية على التفاصيل، لكن يبدو إنها قضية كبيرة، لأن الاسم المتورط فيها مش عادي.
أشهر الاسم علنا:
— سليم الهوارى… رجل الأعمال المعروف ووريث إمبراطورية الهوارى الدولية.
تغيرت نبرة صوته:
— هل ممكن يكون مجرم متخفي؟ هل فعلاً استغل سلطته في تجارة الممنوعات؟ ولا دي مكيدة؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— الحقيقة لسه مش واضحة… والتحقيقات مستمرة، وسنوافيكم بالتفاصيل أول بأول حتى جلسة المحاكمة.
*************
كان معتز واقف بعربيته قدام الجامعة، مستنى.
بعد شوية خرجت نورا وسط البنات وهى بتودع صحابها، ولمحت عربيته.
راحتله فتحت الباب وركبت جنبه.
بصلها معتز أول ما قعدت، وهى ابتسمت ابتسامة خفيفة أول ما شافته: — إزيك يا معتز؟
رد وهو يشغل العربية: — أنا كويس الحمدلله…
بس مستغرب إنك ركبتى العربية.
نورا : — قولتلك فى الأول مكنش عندى ثقة فيك… ومكنتش أعرفك.
اقترب معتز منها قليلًا وهو يقول: — ودلوقتى؟
نظرت له بتوتر بسيط من قربه المفاجئ.
ابتسم لما لاحظ ارتباكها وقال: — فى حزام أمان لازم يتقفل.
وقرب أكتر.
نورا زقته بسرعة: — أنا هقفله!
ضحك بخفة وهو يرجع مكانه: — تمام.
قفلت الحزام بسرعة، وهو انطلق بالعربية.
بعد لحظات قال: — المرة دى المقابلة غير
لفت له نورا: — بمعنى؟
قال معتز وهو يبص للطريق: — بقيتى عارفة إنتِ إيه بالنسبالى…ومعنى إنك قابلتينى بغد اخر مره يبقى فيه تبادل ولا إيه؟
نورا بصتله باستنكار خفيف: — قولتلك قبل كده إنك نرجسى؟
قال معتز: — مقولتيش… بس سمعتها كتير من غيرك.
تنهدت نورا وهى تبص قدامها: — غيرى… منتا خبرة.
بصلها معتز بخبث: — النقطة دى مضايقاكى ها
قالت ببرود مصطنع: — لا… دى حاجة تخصك.
قال معتز بهدوء واثق: — منتى تخصينى.
بصت نورا للشباك بسرعة، لكن ابتسامة صغيرة غصب عنها ظهرت على وشها.
معتز لمح الابتسامة… فابتسم هو كمان بدون ما يعلق.
وبعد شوية قالت: — هنروح فين؟
رد وهو سايق بهدوء: — هتعرفى.
وقف معتز بالعربية قدام فيلا هادية بإضاءة خافتة.
نزل من العربية عادى، بينما نورا بصت حواليها باستغراب، ثم نزلت وراه وهى مش فاهمة.
قالت: — إحنا فين يا معتز؟
رد وهو يقفل العربية: — ادخلى.
رفعت عينها ناحية الفيلا والجنينة الواسعة، ثم بصتله مرة تانية.
قال بهدوء: — ده بيتى.
سكتت نورا.
وكأن جزء منها كان متوقع ده بيته فعلا.
معتز فتح الباب ودخل، لكنه لاحظ إنها واقفة مكانها بره.
لف لها: — نورا؟
رفعت عينها له وقالت مباشرة: — إنت جايبنى هنا ليه؟
وقف مكانه وهو يقرأ نظرتها.
اتهام واضح.
عدم راحة.
خوف تحاول تداريه بالحدة.
قالت وهى تبصله بثبات: — جايبنى لبيتك ليه يا معتز؟
متوقع إنى هدخل عندك… لبيت إنت عايش فيه لوحدك؟
ملامحه اتغيرت فورًا.
خرج من الباب وقرب منها: — نورا… إنتِ فهمتينى غلط.
قالت بسرعة: — عايزنى أفهمك إزاى بعد ما جبتنى هنا؟
روحنى من فضلك.
ولما لفت عشان تمشى، مسك إيدها بسرعة.
وقفها وهو يبصلها بجدية: — افتكرت إنك بقيتى تثقى فيا.
سكتت نورا.
واضح إن كلامه لمسها رغم زعلها.
بصتلُه، فقال بهدوء أوضح: — أنا جايبك هنا لهدف… مش لأنى فكرت فيكى وحش.
أنا عارف إنك مش كده.
سكت لحظة ثم قال: — ثقى فيا… وادخلى.
قالت بتردد: — جايبنى هنا لييييه؟
رد: — خمس دقايق… وهتفهمى حاجات مهمة لعلاقتنا قدام...انا مش هأذيكى.
ثبت عينها عليه وأكمل معتز بصوت أخفض: — أنا اعترفتلك بمشاعرى ليكى…
نظرت له نورا طويلًا.
وكأن مشاعرها هى اللى خدت القرار بدل عقلها.
وفى النهاية… دخلت معاه.
كانت عينيها بتتحرك فى المكان بهدوء.
البيت مرتب بشكل راقى، ديكوراته هادية، وكل حاجة فيه منظمة بشكل واضح.
معتز مشى وهو بيرمى مفاتيح عربيته على الطاولة وقال: — تعالى يا نورا.
قالت نورا بتردد: — على فين؟
توقف معتز لحظة وبصلها، ثم كمل طريقه بدون رد مباشر.
مشت معاه وهى لسه مش فاهمة.
فتح باب أوضة هادية الإضاءة، ودخل.
لكن أول ما نورا دخلت…
توقفت خطواتها فجأة.
عينها وقعت على صورة متعلقة على الحيطة.
بنت بشعر قصير واقفة جنب معتز، مبتسمة بحرية واضحة، بينما معتز نفسه كان أصغر سنًا… شكله وقتها لسه طالب.
نورا قربت ببطء.
ملامحها اتبدلت بالصدمة.
البنت…
كانت شبهها
نفس تفاصيل الوش تقريبًا… مع اختلاف لون العينين والشعر.
وقفت تبص للصورة وكأنها مش قادرة تشوف حاجة غيرها.
حتى الكلام اختفى من عقلها للحظة.
كان معتز واقف معاها فى الأوضة، يراقب رد فعلها بهدوء.
ثم قال: — ريم…اللى كلمتك عنها.
لكن نورا ما ردتش.
كانت لسه مثبتة عينها على الصورة.
معتز مد إيده ولمس جيتار موجود جنب الحائط، وقال بصوت أهدى: — اتعرفت عليها فى المدرسة.كانت مشهورة بحبها للأغانى والجيتار…
سكت لحظة وهو يمرر إيده على الأوتار بخفة.
ثم كمل: — كانت أكتر شخص مجنون قابلته فى حياتى.
صوتها عالى… وضحكتها أعلى…
ودايمًا تعمل الحاجة اللى فى دماغها حتى لو غلط.
افتكر معتز صوتها…
ضحكتها العالية اللى كانت تسبقها فى أى مكان.
افتكرها وهى قاعدة قدامه بثقة، ماسكة الجيتار، وتبصله بعينيها اللامعة وتقول: — بحب فيك إنك بتميل تسمع الموسيقى بتاعتى.
رد وقتها وهو مركز فى تليفونه: — زمايلنا كلهم بيحبوا يسمعوها.
هزت ريم رأسها بسرعة: — تؤ… مش بنفس حبك ليها.
الكل بيسمع اللى على مزاجه، لو الموسيقى طلعت وحشة محدش هيكملها…
لكن إنت بتسمعها عشانى.
ابتسم معتز بدون ما يرفع عينه: — هعمل معاكى عقد احتكار لما تبقى مغنية.
وفجأة نزلت الكاب على وشه بعنف: — معتتتتتز!
رفع رأسه بضيق فورى من الحركة اللى كان بيكرهها، وقلع الكاب بسرعة.
لكنها ضحكت وهى تعدل شعره ببراءة مستفزة: — ولد شطووور.
كانت أصغر منه…
لكن عمرها ما اتكسفت زى باقى البنات.
جريئة.
واثقة.
تدخل حياته وكأن ده مكانها الطبيعي.
وكان يحب ده فيها…
يحب تميزها، وطموحها، وإيمانها بنفسها وهى بتحلم تبقى مغنية يعرفها الكل.
عاد معتز للواقع ببطء.
بعد عن الجيتار وكأنه بيهرب من الذكرى نفسها.
قال بصوت أهدى: — كانت عايزة تبقى مغنية…
بس ماتت فى حادثة.
سكت لحظة.
— مستوعبتش موتها غير بعد فترة.
جبت جيتار بعدها… كل ما أفتكرها أحاول أقلد عزفها.
بس مكنتش بعرف.
التفتت نورا تنظر له.
كان فى حنين واضح جدًا فى عينه…
قال معتز: — سليم… وجدتى قبل ما تموت… كانوا أقرب اتنين ليا.ولما ظهرت هى… بقيت ضمن العيلة اللى كنت عايز أكونها.
سكت لحظة ثم أكمل: — مصاحبتش غير سليم وهى.
أما الباقى… فكانوا فترات وخلاص.
نورا كانت تنظر له بصمت، ثم قالت بهدوء: — كنت بتحبها؟
قال بعد لحظة: — معرفش.
استغربت نورا من إجابته.
فأكمل وهو يفكر فى كلماته: — متخطّيتش موتها… انا عن الحب نفسه كنت مش فاهمه.. يمكن اه ويمكن لا لأنى كنت شايفه حبيبه وصاحبه اكتر
صمتت نورا.
كانت تنظر للصورة مرة… ولمعتز مرة.
وفى قلبها حزن ثقيل بدأ يتكوّن ببطء.
قالت بصوت هادئ لكنه موجوع: — وإنت بتورهالى… وبتحكيلى كل ده ليه؟
رد معتز وهو يبصلها مباشرة: — عشان تعرفى.
ضحكت نورا بسخرية خافتة خرجت من ألمها: — أعرف إنك حبيتنى عشان شبهها.
اتغيرت ملامح معتز.
لكن نورا كانت سبقت وفهمت كل حاجة بطريقتها.
قالت وهى تبعد عينها عنه: — دلوقتى فهمت سرعة المشاعر جت إزاى…شكرًا إنك كنت صريح معايا.
قال معتز بسرعة: — نورا… أنا مجبتكيش هنا عشان كده.
ردت بهدوء حزين: — أمال فيه سبب تانى؟معتقدش يا معتز.
اقترب خطوة وقال بصدق واضح: — أنا بحبك.
لكنها ما ردتش.الحزن كان سابق أى كلام.
وقف معتز قدامها وقال: — أول مرة شوفتك فيها فى الصيدلية… وكنت عنيف فى ردودى…
قاطعته نورا بهدوء: — كان بسببها.بسبب إنك اتضايقت لما فكرتك بيها.
سكت معتز.لأنها كانت محقة.
نظرت له نورا وقالت: — مش لاقى حاجة تقولها؟
تنهد معتز وقال: — أنا قولتلك كل حاجة متلخصة فى كلمة واحدة… بحبك.
رفعت عينها له وقالت: — أنا… ولا ريم؟
نظر معتز مباشرة فى عينها: — أنا بكلم نورا دلوقتى.
سكتت.
مد إيده ومسَك إيدها بهدوء: — لو مكنتش جاد معاكى… مكنتش وريتك ريم أصلًا.وأنا عارف إنك هتفكرى كده.
قرب أكتر وقال: — وريتك شكلها لأن مصيرك تشوفيها فى المستقبل…ومش عايز حاجة مستخبية تأثر علينا بعدين.
كانت عيون نورا ثابتة عليه لما لقبها انها المستقبل.
فأكمل: — عرفتك على البنت اللى حبيتها…وغيرها كانوا نزوات.أنا بعرفك كل حاجة… عشان متقوليش يوم إنى خبيت عنك حاجة.
صمتت نورا، وكلامه بدأ يهدى الفوضى اللى جواها.
قالت بصوت أخفض: — بصلى كويس يا معتز…
إنت بتقول الكلام ده ليا أنا؟بتقوله لنورا؟
ابتسم معتز ابتسامة هادئة وقال: — بقوله للبنت اللى حبيتها.
سكتت نورا.قرب معتز منها ببطء… ثم حضنها.
وقفت وقلبها دق بعنف داخل صدرها.لكن بعد ثوانى…رفعت إيديها ببطء وعانقته.
ولأول مرة… تبادله الحضن بنفس الشعور.
ابتسامة خفيفة ظهرت على شفايفها وهى مستخبية فى حضنه، وكأن جزء كبير من خوفها هدأ أخيرًا.
ابتسم معتز هو كمان أول ما حس إنها حضنته فعلًا.
ومع اللحظة دى…
اتحول حضنهم لحضن دافئ، مليان حب حقيقى وصامت.
ابتعدت نورا عنه ببطء، ومازالت قريبة لدرجة تشوف تفاصيل عينه بوضوح.
كان معتز ينظر لها بهدوء أربكها أكثر.
اتوترت من قربه ومن نظراته الثابتة.
قالت بخفوت: — معتز…
ابتسم بخفة وقال وكأنه يحاول يخفف التوتر: — تشربى إيه؟نسيت أضيفك.
نورا وهى ترجع خطوة: — بقترح أخرج… وأستغنى عن الضيافة لأن…
قرب منها، ورفع إيده يمسك وجهها برفق.
قال بصوت منخفض: — لأن إيه؟
احمر وش نورا فورًا.
وقالت وهى بالكاد تعرف تبصله: — لأن الموضوع ممكن يسوء أكتر من كده.
ابتسم معتز على ارتباكها.لكنها بعدت نفسها بسرعة، وخدت شنطتها واتجهت ناحية الباب.
خرجت من الفيلا بسرعة وكأنها بتهرب من مشاعرها نفسها.
ضحك معتز بخفة وخرج وراها: — استنى أوصلك.
ركبوا العربية سوا.كان الصمت بينهم مختلف المرة دى… مريح ودافئ.
لكن فجأة…
رن تليفون معتز.
رد عادى فى البداية، لكن ملامحه اتقلبت فجأة.
واعتدل فى قعدته وهو يقول بحدة: — إنت بتقول إيه؟!
إمتى؟! وإزاى؟!
بصتله نورا بقلق واضح.
قال معتز بسرعة: — أنا جاى حالًا.
وقفل المكالمة.
التفتت له نورا فورًا: — فى إيه؟
***************
.كان فى ظابطسن واقفين خلف الزجاج العاكس، يراقبوا سليم بصمت.
الغرفة هادئة بشكل خانق، والإضاءة البيضاء فوقه كانت تزيد الجو برودة.
لكن سليم…
كان هادئ بشكل غريب.
جالس على الكرسى، ظهره مستقيم، وملامحه ثابتة رغم الكارثة اللى نزلت فوقه فى ساعات قليلة.
ظابط قال وهو يراقبه: — سليم الهوارى… ده يبقى وريث مؤسسات الهوارى بنفسه.
ظابط اكبر سنا وهو عاقد إيده: — مين كان يتوقع تهمة بالحجم ده تلحق باسم شخصية زيه؟
: — يا ما رجال أعمال محترمين طلعوا مجرمين زبالة تحت منظرهم النضيف.
خلينا نستنى لحد ما نعرف… سليم ده جانى ولا لأ.
رد الآخر وهو ينظر للملفات: — الدلايل كبيرة.
مستحيل نتعاون مع قضية زى دى بسهولة.
حتى لو فيه فاعل غيره… الأدلة كفاية تخليه ياخد عقوبة مش أقل من عشر سنين ده لو برىء مبارك لو متهم هتبقى إعدام
**********
فى الداخل…
كان سليم جالس وحده داخل غرفة التحقيق السوداء الهادئة.
الطاولة المعدنية بينهم تعكس الضوء البارد، والهواء ثقيل بالصمت.
الضابط اللى قدامه فتح الملف ببطء
سليم — لحد دلوقتى معرفش بعمل اى هنا
ظابط_ … إنت بتقول إنك متعرفش سبب وجودك هنا؟
رد سليم بهدوء ثابت: — قولتوا تجارة ممنوعات.
لكن معرفش إيه دخلها باسمى.
الضابط فضل يراقب تعبيراته لحظة، ثم قال: — غريب.
رفع سليم عينه له: — الغريب إنكم جبتونى هنا من غير حتى ما أفهم القضية.
.قال الضابط وهو يقفل الملف بعصبية خفيفة: — بلاش نحور على بعض من أولها يا سليم.
يعنى إنت مش التاجر اللى بيدخل الممنوعات للبلد؟
رفع سليم عينه له بحدة واضحة: — وضّح… فين دلايلك على اللى بتقوله.
الضابط بص له لحظة وقال بسخرية: — إيه؟ اتفاجئت؟
وفجأة ضرب سليم بإيده على الطاولة المعدنية بعنف خلا الصوت يرن فى الغرفة.
قال بحدة لأول مرة: — اتكلم!
بقولك القضية إيه من أولها لآخرها!
راكنى هنا تفسرهولى… وإلا كل دقيقة أنا قاعدها هنا هتكون بحسابها.
سكت الضابط لحظة من انفجاره المفاجئ، ثم فتح الملف قدامه وقال: — مزاد الأرض اللى رسا عليك من شهرين.
توقفت ملامح سليم قليلًا.
قال الضابط: — الأرض اللى باسمك حاليًا.
رد سليم بجمود: — وإيه علاقة ده بالقضية؟
الضابط فتح صورة كبيرة ورماها قدامه على الطاولة.
صورة جوية للأرض.
ثم قال ببطء: — من تلات أيام… جاتلنا معلومات عن تحركات مشبوهة هناك.
فتح ملف تانى: — قوات المداهمة نزلت المكان فجر اول امبارح.
وسحب ورقة تالتة: — لقينا مخازن كاملة مدفونة تحت الأرض.
ثبت سليم عينه على الصور.
الضابط أكمل: — شحنات ضخمة من نوع مخدر قاتل جديد… لسه داخل السوق.
كمية تكفى تدمر بلد كاملة.
سكت لحظة وهو يراقب رد فعله، ثم قال: — والأخطر…
فتح صورة أخرى.
— إن المكان كان متأمن بمعدات وشركات نقل تابعة ليك شخصيًا.
رفع سليم عينه بشده.
قال الضابط: — يعنى الأرض أرضك.
الحراسة تبعك.
النقل تبع شركاتك.
والشحنات مستخبية تحت مشروع باسمك.
اقترب أكثر وقال بصرامة: — ولسه بتقول متعرفش؟
كان سليم ساكت.
لكن الصدمة الحقيقية ظهرت أخيرًا فى عينيه.
مش صدمة تهمة…
صدمة فهم.
فهم إن اللى بيحصل متخططله من وقت طويل.
الضابط قدامه كان بيحط الأدلة واحدة وراء الثانية، وكأن كل دقيقة بتقفل باب جديد فى وشه.
صور جوية للأرض.
تقارير المداهمة.
صور المخازن المدفونة.
شحنات الممنوعات المرصوصة فى صفوف كاملة تحت الأرض.
أسماء شركات النقل.
تحويلات مالية.
تصاريح دخول وخروج.
وكل ورقة بتنتهى باسم واحد فقط:
سليم الهوارى.
الضابط فتح ملف تانى، وطلع صور رجال متقبوض عليهم.
قال: — دول اتمسكوا فى الموقع.
رمى صورهم قدامه.
— واعترفوا إن الشغل تابع ليك.
شد سليم فكه بقوة.
الضابط أكمل: — وإحنا مجبناكش هنا لمجرد شك.
إحنا اتأكدنا من كل حاجة قبل ما نتحرك.
ثم سحب صورة أخيرة ووضعها أمامه.
توقفت عين سليم عليها.
كانت صورة له هو… ومعاه معتز.
واقفين فى نفس الأرض.
معنى الصورة واضح جدًا.
إنهم كانوا هناك بالفعل.
قال سليم بصوت منخفض أخطر من غضب— الأرض دى كان المفروض يتعمل عليها قرية سياحية.
ضحك الضابط بسخرية باردة: — قرية؟
أنا شايفها مدفن… وهيبقى أحسن لو وقفت عند كده.
جمع سليم قبضته بقوة، وعينه اتحركت تلقائيًا ناحية البطاقة المعلقة فى رقبة الضابط.
قرأ الاسم.
ثم قال بهدوء: — يامن.
رفع الضابط عينه له باستغراب خفيف إنه انتبه لاسمه وسط كل ده.
قال سليم: — ظابط يامن… قسم مكافحة المخدرات.
رد يامن: — نعم؟
ثبت سليم عينه فيه وقال: — عايز تسمع اعترافى… ولا إنكارى؟
سكت يامن لحظة، ثم قال بجدية: — عايز أسمع الحقيقة.
نظر سليم مرة أخرى لكل الصور والأوراق قدامه.
أدلة كاملة.
متقفلة عليه من كل ناحية.
حتى لو اتكلم… كل شيء ضده.
ورغم ذلك قال بهدوء ثابت: — الحقيقة… إنى مليش علاقة بكل اللى ذكرته ده.
قال يامن وهو يشير للملفات المتكومة قدامه: — بعد كل الأدلة دى؟
رفع سليم عينه له بثبات مرعب وقال: — حتى لو جبتلى صورتى وأنا ببيعهم… هنكر.لأن دى الحقيقة.كل ده كدب.
سكت يامن لحظة وهو يراقبه.
كان مستغرب إزاى لسه محافظ على هدوءه بعد كل اللى اتحط قدامه.
قال يامن ببطء: — لسه هنحقق مع شركائك…
معتز صاحبك، وأعتقد شريكك…
وأخواتك وعيلتك.
وفى اللحظة دى…
تحولت نظرة سليم بالكامل.
برود قاسى نزل فى عينه فجأة.
قال بحدة واضحة: — محدش منهم ليه دعوة.القضية باسمى أنا.
رد يامن: — مسمعتش عن شركاء المجرم؟
لازم نعرف هما مين…
وإلا حتى لو أعدمناك مش هنستفيد حاجة وأعوانك بره.
نظر له سليم بشده
أدرك فى اللحظة دى إنهم خلاص… اعتبروه مجرم بالفعل.
مش مجرد متهم.
بل زعيم شبكة كاملة.
الأدلة بالنسبة لهم مكتملة، مترابطة، ومقفولة عليه من كل ناحية… لدرجة إن جزء منهم بقى مش محتاج يسمع دفاعه أصلًا.
وسليم كان فاهم ده كويس.
فاهم إن القضية مش سهلة.
وإن النهاية اللى مرسومة ليه… مش هينة أبدًا.
لكن رغم كل ده…
كان لسه رافض يسقط.
لسه عنده شيء واحد متمسك بيه:
الخروج.
مش لنفسه فقط…
بل لأن عنده حسابات لسه مخلصتش.
انتقام ما اكتملش.
وثأر ابنه…
ابنه اللى مات، ولسه قاتله الحقيقي بيتحرك بحرية.
قبضته اشتدت ببطء تحت الطاولة.
********************
كان مهران داخل القسم بخطوات سريعة وغاضبة، وجلال وثريا وراه.
المكان كله متوتر، عساكر وضباط داخلين خارجين، وأوامر بتتقال فى كل اتجاه.
الحراس الخاصين بعيلة الهوارى وقفوا عند البوابة
واضح إن القضية بقت تحت تشديد كامل.
مهران وقف قدام أحد الضباط وقال بحدة: — رئيس القسم فين؟
الضابط أول ما عرف شخصيته اتعدل فورًا: — اتفضل يا مهران بيه.
ودخلهم بنفسه.
---
فى مكتب رئيس القسم…
كان الرجل واقف يقلب ملفات التحقيق، ولما دخل مهران رفع عينه بهدوء حذر.
لكن مهران ما استناش.
قال بعصبية واضحة: — إزاى تغلطوا الغلطة دى وتتّهموا سليم فى حاجة زى دى؟!
رئيس القسم سكت لحظة، ثم قال: — إنت مش فاهم حجم القضية يا مهران بيه.
اقترب أكتر وقال بنبرة أخفض: — ولأنى عارفك كويس… وهارف انت مين مش زى غيرى شافوك مساند للمنوعات الى تاجر فيها شليم..الناس هنا مش شايفة إن سليم لوحده فى الموضوع.بل كل من ف عيله الهوارى... اى بمعنى مافيا متكامله
سكتت ثريا بصدمة.
أما جلال فثبت عينه فيه
تحولت ملامح مهران فورًا: — قصدك إيه؟
وقبل ما يكمل…
قال جلال ببرود حاد: — قبل ما تتكلم… جيب اللى يثبت.عشان الكلام ده ممكن تندم عليه بعدين.
رفع رئيس القسم عينه له.
واضح إنه فهم التهديد الصريح فى كلامه.
وفى اللحظة دى دخل عسكرى ووضع ملف كبير أمام رئيس القسم.
فتحه الرجل، وبدأ يقلب الصفحات قدامهم.
قال: — الأرض اللى باسم سليم الهوارى… لقينا فيها مخازن مدفونة تحت الأرض.
كميات ضخمة من المواد المخدرة.
شبكة نقل وتأمين كاملة.
ورجالة اعترفوا باسمه شخصيًا.
كل كلمة كانت بتنزل كصدمة على الموجودين.
قال مهران بحدة: — اعترافات إيه؟ أى حد ممكن يقول أى اسم!
لكن رئيس القسم كمل: — وعندنا صور وتحويلات ومستندات مرتبطة بشركاته.
سكت الجميع.
ثريا كانت تنظر للملف بصدمة حقيقية، كأنها مش قادرة تستوعب الكلام.
ثم قالت بصوت مهزوز: — إنت بتقول إيه…
سليم مستحيل يعمل كده.
ابنى مستحيل.
ساد الصمت فى المكتب بعد آخر كلمة.
حتى مهران…
مهران الهوارى نفسه، الرجل اللى عمره ما اهتز قدام أزمة، كان واقف ساكت وهو يقلب نظره بين الملفات والصور.
كأن جزء منه بيحاول يرفض… وجزء تانى بدأ يخاف من حجم اللى شايفه.
أما جلال فكان ثابت مكانه، الصدمة واضحة فى عينه لكنه حاول يسيطر عليها.
اقترب من المكتب وقال بتركيز: — الشحنة اتلقطت إمتى؟
رد رئيس القسم: — فجر اول امبارح.
قال جلال: — والمخازن دى كانت موجودة من إمتى؟
— واضح إنها شغالة بقالها فترة.
— والحراسة؟
فتح رئيس القسم ملف تانى: — عربيات نقل تابعة لشركات الهوارى كانت داخلة خارجة من المكان.
وأفراد الأمن الموجودين هناك اعترفوا إن الأوامر كانت بتوصلهم باسم سليم.
سكت جلال لحظة.
ثم قال ببطء: — يعنى مفيش تسجيل مباشر لسليم نفسه؟
رد الرجل: — لحد دلوقتى لا… لكن كل الخيوط رايحة عليه.
جلال فضل يبص للملفات، وكل إجابة كانت بتأكد حجم الكارثة أكتر.
كارثة متقفلة بدقة.
مش مجرد تهمة عابرة.
نظر جلال لمهران.
كان ساكت بشكل غريب.
ثابت… لكن ملامحه تقيلة.
معقول… باباه بدأ يصدق؟
قال جلال فجأة وبحدة واضحة: — دى مؤامرة كبيرة.
لو أنا اللى متهم كنت ممكن أقولك صدقوا… لكن سليم؟
سليم مستحيل يعمل كده.
رئيس القسم تنهد وقال بهدوء رسمى: — ليكم كامل الحق توكلوا محامين.
القضية لسه تحت التحقيق، لحد هتتعرض على المحكمة.
اتسعت عيون ثريا بخوف أكبر: — محكمة؟!
ثم قالت بسرعة: — أنا عايزة أشوف ابنى.
نظر مهران لرئيس القسم وقال: — ممكن نشوفه حاليًا؟
سكت الرجل لحظة، ثم قال باعتذار: — للأسف… ممنوع حاليًا
سكت مهران وهو بيحاول يستوعب اللي سمعه.
بص لجلال فجأة وقال بحدة: — كلم المحامي… خليه ييجي فورًا. إزاي كل ده يحصل وهو لسه مجاش؟
جلال رد بهدوء متوتر: — كلمته من الصبح… وقال إنه مش في مصر.
مهران اتجمد لحظة: — يعني إيه مش في مصر؟ أمال فين؟
قال جلال: — مسافر… بس قال إنه هيعين حد من أعوانه، وهيبعت محامي تاني ييجي فورًا.
مهران ضرب بإيده على المكتب: — وفين المحامي اللي عينه رضوان؟ ده هزار؟
شوفوا محامي كويس حالًا!
جلال رد بسرعة: — صعب نثق في أي حد يمسك قضية سليم دلوقتي.
في اللحظة دي الباب اتفتح، ودخل عسكري: — الأستاذة المحامية بره يا فندم.
سكت الكل لحظة.
وبعدها دخلت ميار.
دخلت بخطوات ثابتة، وشها هادي جدًا، لكن عينيها مركزة.
قالت: — ميار الشافعي… حاضرة عن موكلي سليم الهوارى.
بمجرد ما الاسم اتقال…
جلال بص لها مباشرة بصدمة: — الشافعي؟
مهران بص لها هو كمان، عينه اتثبتت عليها أول ما دخلت، لكنها ما بصتش له، وراحت على رئيس القسم مباشرة.
جلال كان لسه باصص لها بذهول، وبعدين لف ناحية مهران وقال: — بابا…
لكن رئيس القسم قاطع: — اتفضلي.
قالت ميار بثقة: — سمعت القضية وخدت الملف، لكن محتاجة أقابل موكلي.
ثم رفعت عينها وقالت بهدوء قانوني: — وده حقه وحقى، ولو تحب أذكركم بنص المادة القانونية الخاصة بحق المتهم في مقابلة دفاعه.
سكت رئيس القسم لحظة، ثم قال: — مفيش مشكلة.
في الركن…
ثريا كانت تبص عليها وسألت مهران: — مين دي؟
مهران بص ناحية ميار وقال بصدمة: — اخت حاتم…هنا؟ إزاي؟!
جلال لف بسرعة: — اخته..؟!
اتغيرت ملامحه تمامًا، وصوته خرج مشدود: — يعني إيه اخت حاتم؟ هو حاتم ليه أخت؟ وبتعمل إيه هنا لسليم؟
في اللحظة دي مهران بصله وقال — اتأكدوا من هويتها… ابعتوا لرضوان. شوفوا هو الى بعتها لانى مش مطمن
************
فى الفيلا…
كانت ياسمين قاعدة لوحدها فى الصالة الواسعة، ماسكة إيدها الباردة بإيدها التانية، تضغط عليها وكأنها بتحاول توقف رجفة جسمها.
الصمت حوالينها كان خانق.
لكن عقلها… مليان أصوات.
أغمضت عينها للحظة، فظهر وجه سليم فورًا.
نظراته.
هدوءه.
الطريقة اللى بص لها بيها قبل ما يمشى.
تنهدت بضيق ورفعت عينها للساعة.
المساء حلّ…
وسليم لسه مرجعش.
ولا حد طمنها.
ولا حد قالها هو فين بالضبط… أو حصله إيه.
زوجها الآن فى قسم شرطة…
ومتهم.
متهم فى جريمة قذرة.
هزت رأسها بسرعة كأنها بترفض الفكرة نفسها.
— لا… سليم مش كده.
وفجأة ارتفع صوت التلفزيون.
كانت إحدى القنوات الإخبارية:
— استمرار الهبوط الحاد فى أسهم شركات الهوارى بعد انسحاب عدد من رجال الأعمال وفسخ عقود ضخمة، خوفًا من ارتباط أسمائهم بالقضية والتورط معه…
مدت ياسمين يدها بسرعة وقفلت التلفزيون.
مش قادرة تسمع أكتر.
من الصبح…
اتهامات.
خساير.
تحقيقات.
وصور ناس ماتت بسبب الإدمان، والمذيعين بيتكلموا عن تجار الممنوعات وكأنهم وحوش.
ووسط كل ده…
بيقولوا إن سليم واحد منهم.
وضعت إيدها على رأسها بإرهاق، والأفكار تضربها بعنف.
— لا… ده مش سليم.
إياكي تصدقي.
أغمضت عينها مرة أخرى.
فافتكرت وهو يقبل يدها بحب.
افتكرت اهتمامه.ونظرته التى تهيم بها
طريقته معاها.
أخلاقه اللى عمرها ما شافت فيها ظلم أو تكبر على حد.
افتكرت يوم أعلن جوازهم قدام الجميع بدون خوف.
يوم حماها.
يوم وقف معاها.
سليم ممكن يغضب…ممكن يأذى بوحشه لو اتأذى.
لكن يؤذى مجرمين… مش أبرياء.
مش ناس ملهاش ذنب.
هو مش الشخص اللى يتاجر فى شيء يقتل البشر.
نزلت دمعة من عينها بدون ما تحس.
فتحت عينها فجأة ولمست دمعتها ببطء، وكأن قلبها سبق عقلها فى الخوف.
وفى اللحظة دى…
جالها صوت هادئ من خلفها:
— ياسمين…
التفتت بسرعة.
كانت سيرين واقفة عند الباب، تنظر لها بقلق حقيقى.
وقالت بصوت منخفض: — خايفة؟
توقفت عيون ياسمين على سيرين أول ما دخلت من الباب.
اتسعت عينيها بدهشة واضحة، كأن آخر شخص كانت تتوقع تشوفه الآن هو هى.
سيرين قربت منها بهدوء، وعينيها على دموعها: — بتعيطي ليه؟سليم هيكون كويس.
رفعت ياسمين إيدها بسرعة ومسحت دمعتها، ثم قالت بصوت مهزوز لكنه واثق: — عارفة.
واثقة من ده… واثقة إنه هيخرج.
سيرين بصتلها لحظة، ثم قالت: — واثقة كده ليه؟
إنتِ مسمعتيش حجم القضية.
رفعت ياسمين عينها لها وقالت بدون تردد: — واثقة إن سليم مش بيخلف وعده…
وهو وعدنى إنه هيرجع.
سكتت سيرين.
ولأول مرة، ملامحها اتحركت بشيء يشبه الألم.
---
فى قسم الشرطة…
فتح سليم باب غرفة المقابلات ودخل.
لكن خطواته توقفت فورًا.
نظر قدامه بصدمة واضحة.
ميار كانت جالسة أمامه بهدوء.
نظر لها باستغراب شديد: — إنتِ بتعملى إيه هنا؟
رفعت عينها له وقالت بهدوء: — إزيك يا سليم.
ملامحه ازدادت قسوة: — فين رضوان؟
قالت ميار: — اقعد… خلينا نتكلم.
رد بحدة: — أنا مش ناقص سخافة.
واستدار كأنه هيخرج.
لكن ميار وقفت وقالت بسرعة: — رضوان بره البلد.
ولحد ما يرجع… هتكون وقفت قدام المحكمة.
توقف سليم مكانه.
أكملت بهدوء ثابت: — مش هيلحق حتى يدرس أوراق قضيتك.قال سليم بضيق واضح: — بره؟!
أومأت ميار بهدوء: — كان عنده شغل.
وأنا كمان كنت مسافرة…
وريتله تذكره المطار عشان بصدقها وقالت_ لكن لحسن الحظ شوفت الخبر، ورضوان كلمنى وقالى أتابع القضية.
ثم نظرت له مباشرة: — وأنا هنا عشان أسألك… إنت موافق أكون محاميتك؟
سكتت لحظة ثم أكملت: — أنا مبدأتش أى خطوة… لأنى بحترم رفضك.
رفع سليم عينه لها وقال ببرود: — سبق ورفضت يا ميار.
قالت بهدوء ثابت: — الظروف الحالية ممكن تخليك توافق.
فكر يا سليم… معندناش وقت.
اقتربت خطوة بسيطة: — القضية كبيرة، وأى محامى هيهرب من استلامها… لأن ببساطة، إنت مش أى حد.
نظر لها سليم طويلًا ثم قال: — وإنتِ؟ مش خايفة؟
ردت فورًا: — لو كنت خايفة… مكنتش جيت هنا.
فتحت الملف اللى معاها وقالت: — أنا درست القضية كويس.
ادينى موافقة منك، واستلم الأوراق رسميًا… وأساعدك.
سألها سليم بحدة خفيفة: — ده ليه؟
رفعت ميار عينها له: — مفيش أى ضغينة جوايا ضدك.
قولتلك قبل كده… أنا مش حاتم.
قال سليم ببطء: — لكنك أخته.
إيه اللى يخليكى عايزة تمسكى القضية دى وتخاطرى باسمك؟
سكتت ميار لحظة، ثم قالت بصراحة: — مش هكدب عليك.
اسمك… وقضيتك… كفاية يخلونى أبقى فى مقام رضوان لو كسبتهم.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة جدًا: — وأنا بحب المخاطرة.
وأكملت بهدوء: — مفيش دافع شخصى.
نظرت فى ساعتها سريعًا، ثم رفعت عينها له: — أتمنى تقرر بسرعة… عشان الزيارة متضيعش على الفاضى.قرب سليم خطوة، وبعدين قعد قدامها مباشرة.
نظراته كانت أهدى، لكن فيها ثِقل واضح.
قال بصوت منخفض: — عارفه إن حاتم ممكن يكون هو اللي ورّطني هنا.
سكتت ميار لحظة ظن ذكائه واستيعابه، وبصت له من غير ما تقاطعه.
كمل سليم وهو ينظراليها ف اعيونخا: — عندك ثقة إني بريء لأنك عارف ان اخوكى الى عمل كده...عارفه مش كده يميار الشافعى
•تابع الفصل التالي "رواية عشق محرم" اضغط على اسم الرواية