رواية فارس بلا مأوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ولاء محمد رفعت
ظلام حالك يتخلله أصوات خرير مياه النافورة وأضواء خافته تُنير الحديقة، منبعثة من المصابيح المثبتة بتلك التماثيل المنتشرة مابين الأشجار، مظهرها قابض لقلب الناظر إليها، فهي تماثيل لوحوش وشياطين كالتي تُزين بعض الكاتدرائيات في المدن الأوروبية.
وهناك قلب يجافيه النوم حيث صاحبته كلما أسدلت جفونها تأتيها أحلام تنقلب لكوابيس تصحو منها قبل أن تزهق روحها من هول ماتراه، فكما أخبرها إنه سيكون واقعها وأيضاً أحلامها.
لم تراه منذ الصباح عندما غادر المنزل حتي تلك الساعة، إنها الثانية بعد منتصف الليل.
ملت المكوث بداخل الغرفة فقررت مغادرتها والترجل في الحديقة.
وبعدما أن هبطت تلفتت من حولها وقامت بمناداة الخادمة:
_ أنيتا، أنيتا.
خرجت لها من المطبخ وأومأت بإحترام جلي، ثم تفوهت بالإنجليزية:
_ أمرك سيدتي.
_ أريد فنجان قهوة بدون سكر.
توترت ملامح الخادمة بحالة من الصمت لثوان، مما أثار دهشة زينب فسألتها:
_ ماذا هناك؟.
أخفضت بصرها لأسفل فأجابت:
_ عذراً سيدتي، ممنوع.
أعتلت الدهشة مرة أخري ملامحها مع قليل من الإنزعاج:
_ وما المانع الذي لا أعلمه؟.
_ سيدي من أمر بذلك، ممنوع القهوة وأي مشروب يحتوي علي مادة منبهة.
أستمعت إلي كلماتها لتنصدم بهذا الهراء وبدلاً ما تثير حنقها بل جعلتها ينتابها حالة من الضحك، تعالت قهقهتها.
لم تتأثر الخادمة ب ردة فعلها، فسألتها:
_ هل تردين شيئاً آخر سيدتي؟.
أومأت لها بالنفي ومازالت تضحك حتي توقفت عن الضحك، لم تكترث لما أخبرتها الخادمة به إياه، فدلفت إلي المطبخ بعدما تبدلت ملامحها إلي التجهم، تبحث عن مسحوق القهوة في الخزانة كالمدمن الذي يبحث عن المخدر، أوقفتها الخادمة قائلة:
_ أرجوكِ سيدتي أذهبِ من هنا، سيدي لو علم بعصيانك لأوامره سيؤذيني.
ردت الأخري وهي ما زالت تبحث:
_ لا تقلقي، أنا التي ستعاقب وليست أنتي.
كادت الفتاه تتحدث ليقاطعها ولوج سيدها القادم لتوه من الخارج، أشار إليها بأمر:
_ عودي إلي غرفتك، عملك قد أنتهي اليوم.
أومأت له بطاعة:
_ أمرك سيدي.
وغادرت علي الفور، بينما الأخري برغم الرعب الذي جعل قلبها يخفق وجلاً بقوة لكنها تظاهرت بعدم الإكتراث لوجوده، حصلت علي مبتغاها أخيراً وتناولت الركوة والفنجان وبدأت في تحضيرها، موليه إياه ظهرها، قامت بلف مقبض الموقد فلم يشتعل تأففت، كادت تجرب مقبض آخر للإشعال، فتفاجأت بيده سبقتها لكن ممسكاً بالركوة وقام بإلقائها في الحوض.
تسمرت بدون أن تستدير إليه، لا تريد النظر في عينيه، توقن جيداً كيف هي ملامحه الآن، أنتفضت عندما تحدث بنبرة تنذرها بالخطر:
_ كام مرة حذرتك من عصيان أوامري؟.
ألتزمت الصمت لكن لن تستطع السيطرة علي جسدها من الإرتجاف خوفاً، أزدردت لعابها وأعتصرت عينيها.
_ لما أكلمك تردي عليا.
صاح بصوت هادر ربما وصل لكل العاملين بالمنزل، فأستدارت رغماً عنها وأخفضت بصرها لأسفل متحاشية النظر إليه، قالت بنبرة يملؤها الخوف والتعجب في آن واحد :
_ و هو شرب فنچان الجهوة عصيان لأوامرك !.
صاح مرة أخري ليدب الرعب في كل خلايا جسدها:
_ سبق وقولتلك إن أي حاجة هتعمليها هيسبقها أذن مني فكنتي فكراني بهزر وأتريقتي علي كلامي وقتها، وعشان تعرفي إن أنا مبهزرش لازم تتعاقبي وتتعلمي تحترمي جوزك وتسمعي كلامه بعد كده.
هنا رفعت عينيها وكادت تتفوه لكنه أوقفها وباغتها بصفعة قوية مما جعل أذنها تصدر طنين مزعج لا يحتمل.
_ أمشي قدامي ومش عايز أسمع ولا حرف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أطلقت الشمس خيوطها الذهبية في كل مكان بأرض المحروسة يصاحبها ترتيل آيات القرآن الكريم المنبعثة من مآذن المساجد لتعلن عن بدأ شعائر صلاة الجمعة.
وهنا بالأعلي فوق السطح يقف هؤلاء الشباب خلف بعضهم في صف أمام الحوض للوضوء، وفي آخر الصف ينتظر كلا من فارس وجنيدي ، فزفر الآخر بتأفف وضجر قائلاً:
_ ما تخلص يا أبو عمو ساعة عمال تتوضي أومال لو هتتسبح كنت سويت فينا أي!.
ألتفت لهم الشاب و أجاب بحده:
_ ما تصبر يا بلدينا أديك شايف الميه نازله سرسوب من الحنفيه.
رد جنيدي بإندفاع:
_ وأني مالي ما تخلص بجي ده أي الجرف ده.
أمسكه فارس من زراعه ليهدأه:
_ ما خلاص بجي يا چنيدي إحنا غلطانين برضو محدش جالنا نصحو متأخر والنهاردة الچمعة وكل الي ساكنين أهنه أچازة.
_ وإحنا بجي مكتوب علينا نصحو بدري لأچل نلحجو نغسلو وشنا.
أشار إليه الآخر نحو الحوض:
_ أتفضل يا عم دورك چه وجصر عشان نلحج نفطر لنا لجمه وبعدها نتدلي علي الچامع جبل الخطبة ماتبدأ.
وعندما أنتهي كليهما من الوضوء أتجها نحو غرفتهما فأوقفهما هذا القادم:
_ ياصباح الفل عليكم يا بلديات.
رد كلاهما تحية الصباح، فأردف:
_ يلا تعالو نفطر سوي جايبلكو سندوتشات طعمية وفول وصاية.
أبتسم جنيدي وقال بسخرية:
_ فول وطعمية! ، ياما چاب الغراب لأمه.
لكزه فارس بدون أن يري أو يسمع ثالثهما هامساً لصاحبه:
_ عتتمسخر بدل ما تشكر الراچل.
أجاب بنفس همسه:
_ ما هو الي محسسنا إنه چايب لنا كباب وكفتة.
هز فارس رأسه بسأم، أنتبه شريف إليهما فقال:
_ مالكم يا جماعة واقفين عندكو ليه؟، يلا سمو الله ومدو أيديكو قبل ما الطعمية ماتبرد.
كان فارس يحدجه بنظرات مبهمة لدي الآخر الذي جلس ليأكل ، تناول ثلاثتهم الشطائر، تحمحم فارس وهو يرمقه بإستفهام ليلاحظ شريف فسأله:
_ في حاجة يا قاسم؟.
أبتلع ما بفمه وأجاب:
_ ليه عتجول إكده؟.
أرتشف من الإناء الفخاري ثم أجاب:
_ عمال تبص لي ومبحلق فيا وكأنك بتشوفني لأول مرة.
تنهد وبداخله يريد أن يلقي عليه السؤال الذي يلح بداخل عقله، فوجد لسانه يتفوه تلقائياً:
_ كنت فين عشية إمبارح؟.
أنتابه التوتر الذي فشل في إخفاءه عن أعين فارس وهو ينظر إليه عن كثب:
_ كنت في الشغل زي كل يوم، في حاجة؟.
نفض يديه من آثار الطعام علي يديه ونهض قائلاً:
_ الحمدلله، هجوم بجي كيف ألحج الخطبة من أولها.
فأتبعه جنيدي:
_ وأني كمان خدني وياك، وأنت يا أستاذ شريف مش چاي ويانا؟.
أبتسم لهما بإحراج ويحك ذقنه الملساء:
_ معلش روحو أنتو أنا جاي من الشغل تعبان وجسمي مكسر، هبقي أصليها الضهر.
_ علي راحتك، يلا بينا يا ف... جصدي يا قاسم يا أخوي.
هبطا الدرج حتي خرج كليهما من البناء، تحدث فارس:
_ كنت هتغلط وتجول إسمي جدامه.
_ معلش يا أبو الفوارس لساتني بتعود علي أسامينا الچديدة.
طيف بسمة ساخرة أنبلجت علي محياه:
_ صدج المثل الي جال الكذب ملهوش رچلين.
_ غصب عننا بجي.
توقف فارس عن السير وقال:
_ ماأجصدش عليا وعليك.
تلاقي حاجبيه بإستفهام سأله:
_ أومال تجصد مين؟.
_ بيني وبينك أني مش مطمن لشريف ده واصل وجلبي حاسس أنه وراه حاچة مخبيها علينا، وأني إحساسي ديماً بيطلع صوح في الآخر.
_ وأي الي خلاك تحس إكده؟.
صمت لثوان فأجاب:
_ شوفته بعينيا عشية إمبارح في عربية ويا ست قد والدته عيبوس في إيديها وعطت له مظروف فيه فلوس ومن شوي لما سألته قدامك كنت فين جالي في الشغل، فليه يكدب إلا إذا كان مخبي حاچة!.
وضع جنيدي يده علي كتف الآخر وقال:
_ يا عم كبر دماغك وإحنا مالنا، ما تشغلش بالك واصل، خلينا في حالنا بدل ما إحنا الي نتفضحو ونروحو في داهية.
قهقه بتهكم بعدما تذكر حالهما:
_ علي رأيك إذا كان إحنا متداريين بكذبة، لا تعايرني ولا أعايرك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألقي عليها أوامره وعينيه شديدة القتامة أقسمت في نفسها، إنها تري الآن أمامها إبليس بذاته، أفاقت علي دفعة قوية من يده فكانت علي وشك التعثر والإنقلاب علي وجهها، فأمسكها من ساعدها بقوة مما شعرت بألم من قبضته التي ستسحق عظامها.
_ لما أقول كلمة تتسمع علي طول، مبحبش أعيد كلامي.
ظل يدفعها كالشاه الذي يسحبها صاحبها ليذبحها، تتمني أن يخلصها من كل هذا الإرهاب النفسي ويقوم بإزهاق روحها، لا تعلم أن الموت حتي مجرد أمنية وهي في كنفه.
سار بها خارج المنزل وذهب إلي الخلف فتوقف أمام بناء قديم وأمامه أربعة من رجال الحراسة خاصته، أشار لهم بيده أن يذهبوا، أذعنوا لأمره، أستعادت قواها وشجاعتها لتقف أمامه قائلة:
_ هملني ياسليم ورچعني مصر لأهلي أحسن ليا وليك.
هل هي حمقاء!، أخبرها من قبل إن سبب تمسكه بها ، كيف لا تعلم إنها أصبحت من ممتلكاته ويجب عليها أن ترضخ وتذعن لكل أمر يلقيه عليها مهما كانت قيمته، لم تدرك حتي الآن إنها وقعت في براثن شخصية مريضة بالسيكوباتية بل والسادية؛ فسماعه إلي آنات وآهات آلام ضحيته يشعره بللذة ومتعة عارمة.
شبح إبتسامة بدي علي ثغره فقط وبقية ملامحه يسودها ظُلمة مرعبة، الوحش الذي بداخله يسيطر عليه.
مال برأسه مقترباً بشفتيه نحو خاصتها ليهمس بفحيح:
_ أنا ممكن أرجعك لأهلك في حالة واحدة.
تسلل بصيص من الأمل بداخلها لكنه تراجع عندما أردف وهو يفتح باب البناء ويدفعها إلي داخله بدون أن تنتبه:
_ لما تكوني جثة، وبشرط هتدفني في نفس القبر الي هاتدفن فيه.
أزدردت ريقها من أثر كلماته المخيفة علي مسمعها، لم تري في حياتها كم من الشر مثل الذي يقف أمامها.
_ و أي الفايدة الي هتعود عليك لما تأذيني وتعذب فيا؟.
دفع الباب بقدمه مما أصدر صوتاً جعلها أرتجفت، وأجاب:
_ لأن أنا عايز كده.
وأختتم جملته بنظرة دفعتها للتراجع إلي الخلف حتي أصتدمت بالجدار، تتلفت يميناً ويساراً لتكتشف إنهما بداخل مخزن قديم، مهلاً لما هذه السلاسل الحديدية المتدلية من الجدران والسقف!.
_ سليم، أوعاك تكون ناو.....
قاطعها ممسكاً بيديها الأثنين بقبضة واحدة ورفعهما لأعلي فوق رأسها وبيده الأخري جذب إحدي السلاسل المتدلية ليكبل يديها معاً:
_فكراني جايبك أفسحك هنا!، أحمدي ربنا إن أحنا مش في مصر كان زماني رميكي في الهنجر.
تفوهت بدهشة:
_ هنجر!.
وعندما بدأ بتكبيل يديها بالسلاسل أخذت تتلوي وتصرخ:
_ أنت عتسوي أي، همل يدي يا سليم.
لقنها صفعه ليحذرها:
_ مش عايز أسمع صوتك.
فاض بها الأمر من كبت عبراتها فأجهشت في البكاء، لم يهتز قلبه ويرأف بها قط بل أزدادت وحشيته، أنتزع وشاحها بعنف مما جعل إبرة مشبك حجابها خدشت عنقها،فشقت حنجرتها صرخة دوي ترددها في الأرجاء، فأسكتها بتكميم فمها بالوشاح ثم مال برأسه نحو الخدش الذي ذرف منه قطرات من الدماء وأخذ يلعقها بلسانه متذوقاً إياها،بينما هذه المسكينة ترتجف من الألم وصرخاتها تخبو من وراء مايكمم فاهها.
أبتعد ليحدق في عينيها بسعادة وإنتصار، مد إبهامه نحو وجنتها يزيل عبرتها ثم يتذوقها بتلذذ وهو يغمض عينيه قائلاً:
_ متعرفيش يا زينب أنا أد أي مستمتع أوي، بس لسه ناقص حاجة تانيه، هي أي ياتري.
تصنع التفكير بالأمر، فتح عينيه شديدة الظلام و أمسك بتلابيب ثوبها القطني قائلاً:
_ آه أفتكرت.
هزت رأسها له بالنفي ليتراجع عن ما سيفعله، وفي غضون ثانية شق ثوبها تحت مقاومتها الضعيفة، فأصبح جسدها عارياً لا يغطيه سوي قطعتي ثياب تستر عوراتها فقط.
كاد يمد يده ليمزق ماتبقي عليها فأوقفته نظرات عينيها المتوسلة إليه وأنينها المكتوم، أنحنت زواية فمه جانباً بإبتسامة إستفزازية:
_ أطمني مليش مزاج، بس حبيت أخليكي علي راحتك وأنتي هتقضي يومين حلوين هنا لوحدك.
جحظت عينيها بصدمة، سيتركها ليومين عارية في هذا المكان الموحش وفي الظلام!.
لايعلم أنها تخشي الظلام بل لديها رهاب منه، أخذت تهز زراعيها المعلقين وتبكي بقهر و توسل، لم يكترث لكل هذا.
_ معلش بقي مضطر أسيبك يا دوب ألحق أنام و ورايا حاجات تانيه أهم.
حاوط خصرها بين يديه وأقترب من أذنها بهمس وتشفي:
_ تصبحي علي خير يا حبيبتي.
قام بتقبيل وجنتها وغادر تاركاً إياها في حالة يرثي لها من الزعر والرعب، تدعو ربها من داخلها بأن ينجيها من هذا العذاب ومن بين يدي هذا الظالم.
ظلت تبكي وتبكي حتي تراخت ساقيها من الوقوف فجلست علي الأرض الباردة ملتصقة بالجدار وقد غلبها النوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تتسحب علي أطراف أناملها عائدة إلي غرفتها وبعد أن أغلقت الباب همست إلي صغيرتها:
_ يلا ألبسي الشوز بتاعتك وتعالي ورايا قبل ما نناه تصحي.
سألتها الصغيرة ببراءة:
_ مامي هو أنتي ليه موطيه صوتك وخايفه لنناه تشوفنا وإحنا خارجين؟.
وضعت سبابتها أمام شفتيها:
_ هوس أسكتي هتفضحيني.
رن جرس هاتفها لتجده المتصل بها، يبدو إنه قد وصل وينتظرها أمام البناء كما أخبرها، أجابت:
_ أيوه أنا خلاص جاهزة ولارا كمان ونازلين دلوقتي.
_ خليكو وأنا هطلع أخدكو بالمرة أسلم علي عمي وطنط.
_ لاء بالله عليك خليك عندك وإحنا نازلين لك.
سألها بشك:
_ هو فيه حاجة ولا أي؟.
أجابت بتوتر:
_ أه، قصدي لاء مفيش ماما وبابا نايمين بيحبو يقيلو شويه الوقت ده فمرضتش أزعجهم.
تنهد وقال:
_ طيب يلا مستنيكو متتأخريش عشان نلحق نقضي اليوم كله.
_ حاضر، سلام دلوقت.
أغلقت المكالمة و وضعت الهاتف بداخل حقيبة يدها، أمسكت بيد صغيرتها وغادرت قبل أن تنتهي والدتها من أداء فرضها وتمنعها من الرجوع إلي زوجها عقاباً لكليهما بعدما علمت بكل شئ حدث بينهما.
خرجت من البناء لتجده يفتح زراعيه لصغيرته التي ركضت مناديه:
_ بابي.
عانقها بإشتياق يربت علي ظهرها بحنان:
_ حبيبة قلب بابي وحشاني أوي.
قبلته الصغيرة في ذقنه وقالت:
_ وأنت كمان واحشني أوي، بس أنا زعلانة منك عشان سايبنا أنا ومامي كل ده عند نناه.
وقبل أن يفسر لها سبب غيابه نظر إلي من تجرع شوقاً إليها و ود لو تكون بين زراعيه الآن
_ معلش يا حبيبتي بابي كان عنده شغل كتير وبيبات بره عشان كده كنت سايبكو عند جدو ونناه،وجيت أخدكو النهاردة نتفسح وبعد كده نطلع علي بيتنا، أوك؟.
ردت إبنته بسعادة:
_ أوك يا كرمله.
فتح باب السيارة الخلفي وأنزلها ليدخلها فجلست، ثم قام بفتح الباب الأمامي وقبل أن تولج إلي داخل السيارة أوقفها ممسكاً يدها بحب قائلاً:
_ وأنتي كمان وحشاني أوي، من غيرك البيت وحش وضلمة.
ظلت تحدق في رماديتيه لثوان فقالت بإقتضاب:
_ شكراً.
لم يكن متوقعاً إجابة مقتضبة وبهذا البرود المرتسم علي ملامحها، كان لم يصدق بالأمس عندما هاتفته وقالت أنها أخيراً ستعود إليه، تراقص حينها قلبه من الفرح ولايعلم بحال قلبها المنكسر الذي مازال يعاني من جراحه، فقررت أن تترك للأيام مدواة قلبها الجريح.
تلاقي حاجبيه بتعجب وتهكم بدي علي نبرة صوته:
_ شكراً!، أنا كنت فاكر الي مابينا أكبر من كده.
أطلقت زفرة وأجابت بجدية:
_ أرجوك يا أكرم متضغطش عليا أكتر من كده، أتفقت معايا نرجع بعد أسبوع وأديني رجعالك، لكن الي جوايا مستحيل يتصلح بسرعة، سيب الأيام تنسينا الي حصل يمكن نرجع أحسن من الأول.
هز رأسه بالموافقة، يجز علي أسنانه ومطبق شفتيه، يعلم أن لديها كامل الحق وما عليه سوي الصبر حتي ينال عفوها وغفران ما أقترفه في حقها.
أرتدي نظارته الشمسية وأشار إليها بالدخول للسيارة قائلاً:
_ أتفضلي.
_ كان كليهما طوال الطريق في حالة صمت و أخذت الصغيرة تثرثر لأبيها عن مغامرتها في الأيام المنصرمة، وبدون أن تنتبه والدتها لحديثها،قالت:
_ عارف يابابي مامي كانت علي طول قبل ماتنام تفتح الفون بتاعها وتجيب صورك وتفضل تعيط وتحضن الفون وتبوس صورتك وتقول بحبك أوي يا حبيبي.
هدأ من سرعة السيارة حتي توقف وألتفت إليها ليجدها قد غفت وتستند برأسها علي زجاج النافذة المجاورة لها، رفع يده ليلامس وجنتها بأنامله وقال بنبرة بالغة العشق والهيام:
_ وأنا بموت فيها ومقدرش أبعد عنها تاني.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بداخل غرفة مكتبه في المصنع الخاص به يزفر دخان الأرجيلة في الهواء ويجلس دبيكي أمامه يرص له حجر الفحم المشتعل، وبعد أنتهاءه نهض قائلاً:
_ تمام إكده يا كبير؟.
أومأ له بدون أن ينظر إليه، فكان شارداً في أمر ما حتي قاطع تفكيره نداء هذا الرجل الذي يركض نحوه:
_ يا رافع بيه ، يا رافع بيه.
زفر بحنق وأجاب:
_ في أي يا متولي الزفت، الله يحرجك طيرت ليه النفسين.
ألتقط الرجل أنفاسه وقال:
_ في واحدة واجفة عتسأل عليك ورايده تجابلك عتجول إنها خالتك وأم چماعتك.
أعتدل في جلسته بإنتباه وإستفهام:
_ خالتي!، وچايه أهنه ليه الوليه دي.
ذهب ليقابلها وعندما رأته تصنعت الإبتسامة فقال لها:
_ كيفك يا خالتي؟.
أجابت مبتسمة وعينيها يكسوها لمعة فرح وسعادة:
_ بخير الحمد والشكر لله يا ولدي، كيفك أنت دلوق؟.
إبتسم بسخرية:
_ كيف ما أنتي شايفة بخير وزي الفل ومبسوط جوي جوي طول ما بتك بعيده عني.
ساد الوجوم ملامحها فقالت بعتاب :
_ الله يسامحك يا ولدي، عموماً أنا چيت لحد عندك لأچل ترچع لمارتك و....
قاطعها مشيراً إليها بيده:
_ كفياكي عاد يا خالة، أني ما هرچع الدار تاني، وبتك الي أختارت تبعد عني بمزاچها خلي دماغها تنفعها، وأني ما هطلجش ولا هرچع وخليها إكده زي البيت الوجف لا طايله سما ولا أرض.
رمقته بإمتعاض وقالت:
_ الحديت دي كان زمان دلوق مينفعش الي عتجوله واصل.
أجاب بتهكم:
_ وأي الي منفعوش عاد يا خالة!.
أبتلعت ريقها لكي تخبره بالبشري الساره التي من أجلها تحملت حديثه الأحمق:
_ لأن خلاص بجي يربطكو عيل چاي في السكة إن شاء الله.
غر فاهه وتبدلت ملامحه إلي الصدمة، يستوعب كلماتها شيئاً بشيئاً، فأردفت لتؤكد علي مسمعه:
_ أيوه مارتك حبلي وهتچيب لك الولد الي نفسك فيه، أي لساتك مارايدش ترچع لدارك وتفرح بالنعمه الي كنت بتتمناها بجالكو أكتر من سنتين!.
لايعلم بماذا يجيب، فوقع الخبر عليه كالصاعقة أوقعه في حيرة شديدة، ماذا يفعل الآن!
كان في قرارة نفسه فاض به الكيل ووصل إلي نهاية المطاف حتي قرر الإنفصال عن نوارة، لكن الآن قد أختلف الأمر.
أردفت وهي تنظر لهذا الحائر:
_ أي يا چوز بتي ساكت ليه؟.
حدجها بقليل من الصمت ريثما يرتب أفكاره المتناثره داخل عقله ثم تفوه بعد قليل وقال:
_ موافج نرچعو لبعض لكن بشرط.
سألته بللهفة وفضول:
_ شرط أي يا واد خايتي؟.
طيف بسمة شيطانية أنبلج علي وجهه:
_ ده هيبجي بيني وبين بتك ومحدش ليه صالح بالي بينتنا واصل، فاهمه يا خالتي؟.
هزت رأسها بصفاء نية قائلة:
_المهم ترچعو لبعضكم وماسامعش عنيكم غير كل خير.
حدق نحو الفراغ، يفكر فيما عزم عليه مردداً:
_ خير، خير إن شاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ومعناه كلامك ده أي يا حاج؟.
سأله صلاح وملامحه محتقنة بالدماء من الغضب، أجاب والد سمية ببرود وإستفزاز:
_ كيف ما جولتلك إكده، أني مش موافج لأن سلو عيلتنا وبلدنا البت ماتتچوزش بره من العيلة.
جز علي أسنانه ويعتصر قبضته يحاول أن لا يتهور، متعجباً من هذا الرجل ذو المظهر الرث والفقر الجلي علي أثاث منزله وبرغم إلقاء عرض زواجه من إبنته مع إعطاءه الكثير من الأموال ويجلب لهم منزل في إحدي مدن المحافظة بدلاً من منزلهم القديم الآيل للسقوط، لكن ذلك العرض المغري قوبل بالرفض مما آثار جنون الآخر.
وكل هذا كان تحت مرأي ومسمع المختبأه خلف الباب وإبتسامتها تكاد تصل لأذنيها خاصة كلما بدي علي وجه صلاح الحنق الشديد.
_ واجفة تهببي أي عندك يا سمية هانم؟.
تشدقت بها زوجة أبيها بسخرية، فألتفت الأخري إليها وبنظرات إزدراء رمقتها:
_ خليكي في حالك يا مرات أبوي أحسن لك.
أتسعت عينيها وصاحت بحنق:
_ شوف البت بترد عليا كيف!، وكمان عتهددني!.
رمقتها بتحذير مشيرة إليها بيدها:
_ بجولك أي أطلعي من دماغي مش وجتك خالص.
حدجتها الأخري بتوعد وقالت:
_ بجي إكده؟، ماشي.
بينما في الخارج، مازال صلاح يتحدث بشتي الطرق لإقناع هذا الرجل الأحمق الذي قال:
_ أني ممكن أوافج لكن بشرط.
أنبسطت ملامحه أخيراً و أطلق زفرة بأريحيه قائلاً:
_ الي تؤمر بيه يا حاج وأنا تحت أمرك.
وقبل أن يجيب ألقي نظرة نحو إبنته التي تقف خلف الباب ثم عاد بالنظر إلي الآخر وقال:
_ تتچوز بتي وتجعدو ويانا أهنه.
غر فاهه بصدمة وصاح:
_ نعم!.
_ نِعم الله عليك يا صلاح بيه، هو ده شرط چوازك من بتي إلا إذا بجي.....
قاطعه صلاح مستسلماً حتي يظفر بها:
_ موافق، موافق، بس مش هقعد كتير عشان شغلي في القاهرة زي ما حضرتك عارف.
رجع بظهره إلي الخلف يستند علي ظهر الأريكة:
_ وفي الحالة دي تدلي علي مكان شغلك لوحدك وتهمل مارتك أهنه حدانا عجبال ماتخلص وتعاود لها تاني.
كان علي وشك أن يعترض لكنه أمعن التفكير، فكل مايشغله أن يتزوجها الآن ويمكنه التصرف بعد ذلك كما يشاء ويريد.
أومأ له علي مضض وقال:
_ حاضر يا حاج، موافق، أي طلبات تاني؟.
ضيق عينيه وبداخله قلبه يتطاير من الفرح، فأجاب:
_ لع، يلا نجرو الفاتحة.
رفع كليهما إيديهم لقراءة سورة الفاتحة وبعدما أنتهيا صاح والدها :
_ الشربات يا سمية.
تصنعت زوجة والدها الفرحة والسعادة فأطلقت الزغاريد، و ذهبت سمية وأعدت كؤوس المشروب وخرجت علي أستحياء تمسك بالصينية.
_ ألف مبروك يابتي.
ردت والخجل يكسو ملامحها:
_ الله يبارك فيك يابا، اتفضل.
أخفضت الصينيه ليأخذ كأسه، فقال لها:
_ روحي جدمي لخطيبك الأول.
سارت نحوه حتي وقفت أمامه تنظر له بإبتسامة نصر فقال لها بصوت لايسمعه سواها:
_ هي الحكاية كده!، بتتفقي أنتي وأبوكي عليا!.
أجابت بمكر وسخرية وصوت منخفض :
_ الي رايد يدوج العسل يستحمل قرص النحل يا حضرة الأڤوكاتو.
تناول الكأس ولايحيد عينيه من عينيها قائلاً بتوعد مبتسماً:
_ نتجوز بس وهوريكي الأڤوكاتو ده هيعمل فيكي أي.
بادلته نفس الإبتسامة:
_ أبجي قرب مني إكده وشوف أنا هسوي فيك أي.
أدرك من كلماتها إنها لم تفهم مقصده ونواياه الماكرة، أزدادت إبتسامته علي سذاجتها.
_ ده أنا الي هسوي وهطلع كل الي عملتوه فيا عليكي، صبرك عليا بس.
قهقهت بتهكم وقالت:
_ أبجي فرچني إكده، شكلك متعرفنيش لساتك عاد.
أمسك يدها وأنحني نحوها بجذعه مقترباً منها للغاية:
_ لينا باب هيتقفل علينا وسرير يلمنا وساعتها هوريكي أنا هاعمل فيكي أي.
وغمز لها بعينه، أنتفضت بخجل شديد تاركة الصينية فوق المنضدة وركضت إلي غرفتها، تحت ضحكاته التي لم يستطع كتمانها لتتبعها نظرة أخري مليئة بالحب الدفين وفرحة ستكتمل قريباً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ومعاك أحلي كوبيتين شاي لرجالة حتتنا الجدعان أوي أوي.
قالها هيما صبي القهوة وهو يعطي لكلا من فارس وجنيدي أكواب الشاي فقال الأول:
_ تسلم يا هيما عجبال لما نشربو ساقع فرحك إن شاء الله.
رد هيما مازحاً:
_ فال الله ولا فالك ياعم، أنا مش ناقص وجع دماغ خليني عايش سلطان زماني كده مستريح.
ضحك جنيدي وعقب علي حديثه:
_ ومين سمعك يا أبو عمو، كفاية رحمت نفسك من النكد ولا تصحي من النوم تلاجي بومة في وشك عتجولك شيل الزبالة وأنت ماشي وهات فلوس وطلبات مابتخلصش واصل.
إبتسم فارس من حديثهما وأفكارهما عن الزواج، ود ولو يخبرهما كم يتمني رؤية من يعشقها قلبه ويهواها والزواج منها والعيش معاها حتي الموت ، لايكل ولا يمل منها أبداً.
كما من أمنيات يتمناها المرء لكن مايتحقق ليس سوي هو المكتوب في صحيفة القدر.
وفي الجهة المقابلة في متجر الحاج نعمان، تخطو ذهاباً وإياباً منتظرة والدها من إنهاء مراجعة دفتر الحسابات لتحدثه في أمر ما، لكنها تخشي ردة فعله، أوقفها صوته وهو مازال منهمكاً في حساباته:
_ أخلصي ياشهد وقولي عايزة أي.
وقفت وأقتربت من مكتبه فجلست أمامه، أجابت بتردد واضح من نبرتها:
_ بابا كنت عايزة حضرتك في حاجة كده ومتفهمنيش غلط.
ترك ما في يده وأخفض عويناته قليلاً، يضيق عينيه بمكر قائلاً:
_ والحاجة دي بخصوص قاسم مش كده؟.
تحمحمت ثم أزدردت ريقها فأجابت:
_ يعني، يعني، بصراحة آه، هو حضرتك عرفت إزاي أن هاكلمك بخصوص قاسم؟.
أنحني للأمام وعقد ساعديه وأسندهما فوق سطح المكتب:
_ عيب لما تسألي سؤال زي ده لأبوكي الي حافظك وعارف كل الي بيدور في دماغك قبل ماتنطقي منه بحرف واحد.
زفرت بأريحية وقالت:
_ طيب بما أنك عارف أي الي هاكلمك فيه، أي رأيك تشغله هنا معانا في المحل؟.
رفع إحدي حاجبيه وأجابها بسؤال آخر :
_ وياتري طلبك ده عشان موقفه الشهم معاكي لما وقف لممدوح، ولا عشان حاجة تانيه؟.
توترت من مغزي كلماته ومايرمي إليه، فهي حقاً تريد أن يعمل لديهم ليس لموقفه النبيل معها لكن لأمر آخر لم تستطع إخفاءه، وها هو والدها يصارحها بما لاتجرأ البوح به، فيكفي حديث عينيها التي يتجلي بريقها كلما تنظر إليه أو تراقبه من خلف زجاج عرض الثياب.
منعها الخجل من الإجابة مباشرة، فأجابت بإستنكار:
_ حضرتك تقصد أي من الحاجة التانيه؟.
تنهد وإبتسامة لاحت علي ثغره:
_ أقصد الي فهمتيه ومكسوفه تقوليه.
عاد بظهره إلي الوراء ليردف:
_ الواحد فينا مهما خبي مشاعره وأنكرها بتيجي عيونه وتفضحه من غير مايتكلم وخصوصاً الحب، القلب لما يدق تحسي العيون فيها لمعة غريبة ولهفة ديماً علي الي بتحبه، و ده الي كان بيحصلي أول ماشوفت والدتك الله يرحمها، خطفت قلبي وعينيا من أول يوم شوفتها فيه، حسيت كأني طاير في السما وبفرحة ماتتوصفش، الحب يا شهد مشاعر جميلة وعظيمة بس مع الأختيار الصح والتفكير بالعقل والقلب مع بعض عشان ما نجيش في الآخر نندم وننجرح ونقعد نبكي ونقول ياريت.
كانت تستمع إليه بتعجب ودهشة منبلجة علي وجهها.
_ ياه يابابا، ده أنت طلعت رومانسي جداً وأنا ما أعرفش.
ضحك وقال:
_ ولا رومانسي ولا حاجة، ده خبرة سنين من التعليم الي علمته الدنيا للواحد فينا.
نظرت لأسفل بخجل وبدأت تتحدث:
_ غصب عني، كل ما أشوفه ببقي في حالة غريبة بقف متنحه مبعرفش أتكلم، لو قالي حاجة مبقدرش أرد عليه عكس ما بعمل مع أي حد لو قالي كلمة معجبتنيش، مش عارفه هل فعلاً حبيته ولا لاء، وهل ده صح ولا غلط!.
_ أنا هقولك كلمتين تحطيهم حلقة في ودانك، الي يحطك جوه عينيه ويشيلك فوق دماغه ويحترمك ده أديله قلبك وأنتي مطمنه، الحب أفعال، والفعل بيظهر في وقته خصوصاً وقت الشدة.
و من فرط خجلها من والدها قلبت دفة الحديث قائلة:
_ طيب نرجع لموضوعنا الأساسي، حضرتك موافق تشغله معانا؟.
هز رأسه مبتسماً:
_ حاضر يا شهد، هابعته له دلوقت الولاه هيما وهخليه يجي أعرض عليه الموضوع.
أعتلت الفرحة ملامحها الجميلة مثل روحها المرحة، حيث دقات قلبها تزداد بقوة كلما تتخيل وجوده أمام عينيها هنا في المتجر وتخشي أن يفتضح أمرها أمامه.
أرسل الحاج نعمان إحدي صبيانه إلي فارس لكي يخبره بأنه يريده في أمر ما، فوافق الآخر وذهب إليه، وعند ولوجه إلي داخل المتجر أختبأت في مكان قريب من مكتب والدها حتي يتثني لها سماع صوته وإجابته علي مطلبهم.
_ السلام عليكم يا حاچ نعمان.
قالها عندما دلف فأجاب الآخر بترحاب وحبور:
_ وعليكم السلام ورحمةالله وبركاته، أتفضل يا قاسم.
_ يزيد فضلك يا حاچ.
قالها وظل واقفاً، فأشار إليه نعمان نحو الكرسي:
_ أتفضل أقعد.
جلس وقال:
_ خير يا حاچ، جالولي أن حضرتك طالبني في أمر مهم.
_ أمسك سبحته وجلس بإعتدال:
_ خير إن شاء الله، أولاً حبيت أشكرك علي موقفك وجدعنتك مع بنتي.
وقبل أن يكمل حديثه قاطعه فارس قائلاً:
_ متجولش إكده، ده واچب وحق علينا لما نشوفو غلط زي ده وربنا عالم الآنسة شهد بعتبرها كيف خايتي.
ترددت الكلمة علي أذنها وياليتها ما سمعت، فكانت بمثابة السكين المشتعلة المتوهجة من النيران وأنغمست في قلبها بلا شفقة.
فتح إحدي أدراج مكتبه ومد يده ليجلب شيئاً ما:
_ و دي أخلاق ولاد البلد الجدعان، ربنا يبارك فيك، و دي حاجة بسيطة كده ياريت تقبلها مني.
أخرج له مبلغ من المال ووضعه أمامه، بينما فارس تلاقي حاجبيه معاً بضيق، نهض و وقف ليقول بنبرة جادة وبها قليل من الغضب:
_ عيب يا حاچ أنت إكده عتغلط فيا عاد، أني ماسويتش الي عملته لأچل تعطيني فلوس، بالعكس عشان دي أخلاجي وتربيتي و لو الموقف ده حوصل مع أي واحدة معرفيهاش هسوي نفس الي سويته ويا ممدوح.
أخفي إبتسامته وسعادته من ردة فعل هذا الشاب الذي أثار إعجابه منذ رؤيته، كم تمني لو كان لديه إبن مثله واليوم أثبت له ظنه عنه وهو إنه من الرجال القليلون ذوي الأخلاق والمروءة.
_ أقعد يا قاسم، مالك زعلت ليه، أنا بديلك الفلوس مش في مقابل الي عملته، أنا بديهالك كهدية.
رد بحزم وكبرياء بالغ:
_ شكراً يا حاچ خلي فلوسك معاك، أني مواخدش حاچة، الحمدلله معاي الي يكفيني.
شعر بالإهانة من هذا الموقف مما جعله يشعر بالإختناق فأردف:
_ عن أذن حضرتك أنا ورايا شغل.
تركه وغادر مسرعاً، ولم يري إبتسامة الحاج نعمان وهو ينظر إلي ورقات المال قائلاً:
_ أنا نظرتي عمرها ماخيبت أبداً.
خرجت من مكانها والحزن يكسو ملامحها، سألت والدها بنبرة تظهر ماتشعر به:
_ ليه عملت معاه كده يا بابا؟.
وضع المال في الدرج وأغلقه مجيباً:
_ كنت بتأكد من حاجة والحمدلله طلع زي ماتوقعت بالظبط.
غمغمت ببضع كلمات كالتائهه:
_ ماخلاص أديه بيعتبرني زي أخته.
صمتت قليلاً فتحولت ملامحها من نظرة حزن إلي أخري توعد وقالت بتحدي ونظرة ثاقبة نحوه عبر الزجاج :
_ والله ما هسكت هخليني وراه لحد ماهو الي يجي يتحايل عليا عشان أعبره بنظرة بس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كان يوماً حافلاً ما بين التنزه داخل الحديقة المليئة بالملاهي ثم ذهب ثلاثتهم إلي إحدي المطاعم العائمة علي مياه نهر النيل، فأختتموا يومهم بالتسوق من إحدي المجمعات التجارية الشهيرة، فأبتضعو أشياء كثيرة وضعها أكرم بداخل حقيبة سيارته.
وفي طريق العودة تثائبت الصغيرة وغفت في نوم عميق، ألقي والدها عليها نظرة عبر المرآه قائلاً:
_ حبيبتي يا لارا نامت من كتر اللعب والجري، إن شاء الله بعد كده كل ويك إند هاخدكو وأفسحكو.
تسمع كلماته في صمت ولم تعقب، فسألها:
_ مالك يا ندي ساكته ليه من ساعة مامشينا من المول.
أجابت بدون أن تلتفت إليه حيث كانت تنظر إلي الخارج عبر النافذة:
_ مفيش، هاتكلم أقول أي!.
مد يده نحو يدها وعندما لمسها شعر برجفة جسدها من ملامسته، أبعد يده علي الفور وبداخله يشعر بالغضب الشديد من نفسه، كلما تذكر ما أقترفه بها من معاملته لها بقسوة وعنف جعلتها تخشي حتي ملامسته وبرغم عودتها معه لكنها ما زالت تتجنب التعامل معه، فطوال اليوم وهم بالحديقة كانت شاردة وكلما عرض عليها مشاركتهم في اللعب هو وأبنتهما ترفض وتجلس بمفردها في صمت مطبق.
وصل أخيراً أمام البناء، ركض إليه عم خضر حارس العقار:
_ أكرم باشا، حمدالله علي السلامة أنت ومدام ندي وست العرايس الصغيرة.
_ الله يسلمك يا عم خضر.
قالها وأعطاه المفتاح الخاص بحقيبة سيارته:
_ معلش ياعم خضر طلعلي الحاجات الي في شنطة العربية.
أومأ له بإحترام بالغ:
_أمرك ياباشا.
حمل صغيرته النائمة ودلف إلي داخل الفناء وبجواره ندي، دخل كليهما إلي المصعد وبعد وصولهما للطابق خاصتهما وخروجهما وقف أمام باب الشقة، تناول المفتاح من جيب بنطاله وبسبب حمله للصغيرة وقع من يده، أنحنت في نفس اللحظة التي دنا بها ليلتقط المفتاح من الأرض لكي تفعل المثل، تلاقت أعينهما وظل يرمقها لثوان وكأنه يعتذر لها ويخبرها كم هو يشتاق إليها كثيراً.
لم يشعر بذاته وهو يقترب بشفتيه من خاصتها وعندما أنتبهت لما هو مُقبل عليه ألتقطت المفتاح وقامت بفتح الباب ودلفت مسرعة إلي الداخل، أنتبهت لوجودها في غرفة النوم، عادت إليها ذكري هذا اليوم المشئوم، كانت تصرخ وتتلوي أسفله تتوسل له بالإبتعاد عنها بينما هو كان شيطانه مسيطر عليه، لم تنس ملامحه حينها حتي الآن، كان كالوحش الكاسر.
أغمضت عينيها وتهز رأسها يميناً ويساراً تريد أن تمحو كل هذا من ذاكرتها لكن دخوله الغرفة أفشل محاولتها.
_ أنا نيمت لارا في أوضتها وحطيت لك شنط الأكل علي الرخامة في المطبخ و أدي شنط الهدوم.
فتحت عينيها وهمت بالذهاب، أوقفها وأمسك يدها:
_ رايحة فين؟.
نظرت ليده ثم إليه وقالت بنبرة خالية من المشاعر:
_ رايحة أفضي الحاجات من الشنط وهادخل أنام جمب لارا.
كان علي يقين تام بما ستفعله، فلجأ إلي مهاودتها، فقال لها:
_ براحتك يا حبيبتي أهم حاجة إنك رجعتي تنوري بيتك وقلب جوزك الي بيعشقك ويموت فيكي.
إبتسامة مصتنعة أرتسمت علي ثغرها للتو:
_ شكراً، عن إذنك.
وغادرت لتتركه وقلبه ملتاع، كان يريد أن يطوقها بين زراعيه ويلقي عليها كل ما بداخله من إعتذار وآسف وشوق وحنين وحب جارف، قضي لياليه المنصرمة في سهاد، يجافيه النوم شارداً في ملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب.
ألقي بجسده علي السرير يحدق في السقف، تدور في رأسه مئات الأفكار لجعلها تسامحه، نهض ليخلع سترته وذهب لأخذ حمامه وأرتدي ثيابه القطنية، تمدد لكي ينام لكنه فشل، ظل يتقلب علي جانبيه حتي زفر بضجر، نهض وذهب إلي الغرفة الأخري بخُطي هادئة ليجدها تغفو في السرير الآخر الموازي لسرير إبنتهما، تفحص ملامحها ليتأكد إنها نائمة وعندما أطمأن تمدد جوارها وأخذ يستنشق رائحة عطرها بإستمتاع، حاوطها بين زراعيه وقال:
_ تصبحي علي خير وهنا يا ندي قلبي وضي عيوني.
قام برسم قُبلة برومانسية حالمة علي وجنتها وقال بهمس:
_ تصبحي علي خير يا حبيبتي وضي عيوني.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ رفعت أكمامها لأعلي وهمت بحمل دلو مليئ بالثياب التي أخرجتها من الغسالة للتو، رأتها خالتها تحمل الدلو فصاحت بها:
_ عتسوي أي يخرب عقلك، همليه وروحي ريحي علي ضهرك وأني الي هنشرو.
_ أني زهجت يا خالتي من الرقدة علي السرير، ما أنتي خابراني زين لو ريحت أتعب.
ربتت خالتها علي كتفها قائلة:
_ تعالي علي نفسك وأتحملي لحد ما ربنا يقومك بالسلامه أنتي والي في بطنك وأبجي أتحركي كيف ما أنتي رايده، إحنا ماصدجنا يابتي إنك بجيتي حبلي.
تنهدت بسأم:
_ ماشي يا خالتي، لما أروح أطفي علي المحشي لأنعس ويتحرج.
حملت رسمية دلو الملابس وصعدت إلي سطوح المنزل، بينما نوارة ذهبت إلي المطبخ أمسكت بقطعة من القماش القديم لتمسك بها غطاء الإناء لكي تتأكد من نضوج الطعام قبل إطفاء الموقد.
تناولت قطعة بالملعقة وكادت تتذوقها
_ السلام عليكم.
أوقفها صوته فأنتفضت ذعراً وألقت مابيدها وبدون أن تنتبه أمسكت بالغطاء الساخن من غير عازل، أطلقت صرخة مدوية.
أسرع نحوها ليمسك بيدها وفتح باب المبرد، تناول قطعة ثلج و وضعها علي يدها مكان الحرق ، تأوهت فقال لها:
_ معلش أتحملي.
رفعت وجهها فتلاقت عينيها بسوداويتيه الحادتين، تخشي ضعفها يظهر إليه، فأشاحت وجهها لتتحاشي نظراته التي تخترقها، بدأ بالتحدث:
_ كيفك يا نوارة؟.
وياليته ما تحدث، ذكر إسمها فقط علي لسانه يجعل قلبها يخفق بقوة يكاد ينخلع من صدرها وينطلق ليستقر بين ضلوع عاشقه.
أجابت بتوتر جلي في صوتها الخافت:
_ الحمدلله بخير.
أبعدت يدها فسقطت قطعة الثلج التي علي وشك الذوبان تماماً، ولت ظهرها إليه وسألته:
_ أغرفلك تاكل؟.
أقترب منها ليقف خلفها مباشرة حتي شعرت بأنفاسه، أجاب عليها:
_ لع، سيبك من الواكل وتعالي وياي في أوضتنا.
كانت علي وشك الإعتراض فأردف:
_ رايدك في حديت مهم.
ظنت إنه قد جاء ليعتذر إليها وطلب السماح، ذهبت برفقته وعند ولوجهما إلي داخل الغرفة أغلق الباب وخلع عباءته وحذاءه، فكانت من هي دائماً تفعل عنه ذلك لكنها أكتفت بدور المتفرج تنتظر حديثه الهام هذا.
أخرج من جيب جلبابه علبة السجائر والقداحة فأمسك بالسيجارة ليشعلها تذكر أمر حملها، نظر نحو بطنها ولايعلم هل يفرح أم لا، كان يريد هذا الطفل من الأخري وليست هي، لذلك كان غير مهتم بأمر الإنجاب من زوجته، كل مايهمه هي فاطمة، فاطمة وفقط!.
_ أي الحديت المهم الي رايدني فيه ياسي رافع؟.
سألته بجدية وتخفي مشاعرها الأخري نحوه، أطلق زفرة عميقة وقال بإقتضاب:
_ ألف مبروك.
ما هذا الجفاء الواضح في كلماته المقتضبة، والبرود المحتل ملامحه، كانت تتوقع ردة فعله علي خبر حملها غير ذلك تماماً.
_ وياتري رچوعك للدار عشاني ولا عشان الي في بطني؟.
سألته وتصتنع التماسك والثبات، تعجب من نبرتها وماترمي إليه، فأفحمها ب ردٍ مجفل:
_ دي دار أبوي يعني أرچع ليها وأمشي منيها كيف ما أنا رايد.
أبتلعت غصتها ولاتعلم كيف تجيب علي حماقته، فأكتفت بتلك الكلمات:
_ وأني ما أقصدش الي فهمته غلط، وعلي العموم حمدالله علي السلامة.
نهضت وأردفت:
_ أني رايحة أشوف خالتي.
أوقفها محذراً إياها من نبرته:
_ وأني لساتي مخلصتش الحديت عاد.
أستدارت إليه و وقفت أمامه عاقدة ساعديها أمام صدرها:
_ خير يا إبن خالتي.
رفع جانب فمه بإبتسامة هاكمة من جملتها السابقة، أشار إليها بتعجرف وبأمر قال لها:
_ أجعدي.
زفرت بضيق وهي تجلس علي الكرسي:
_ أديني جعدت أهه.
رفع حاجبيه متعجباً من أسلوب حديثها الذي لم يعجبه، أجتاز ذلك ليصل إلي مراده، فقال:
_ الموضوع الي هجولو لك دلوق هيبجي سر بينتنا أنا وانتي لحد ما هخبر بيه الكل.
أنصتت له بإمعان وحدسها يخبرها بأن ما سيقوله زوجها للتو لا يكن سوي كارثة بالنسبة إليها، لم يخطأ حدسها حينما تفوه الآخر بجدية وكأنه قد حسم أمره ولا جدال فيه:
_ أني قررت أتچوز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية