رواية ومنك اكتفيت الفصل العشرون 20 - بقلم داليا الكومي
يومًا ما
كيف كنا سنتحمل قبح الدنيا اذا ما كنا فيها بمفردنا أو تخلى عنا الجميع ..؟
لا أحد يولد قوي لكن يستمد قوته بمن حوله أو بالتجارب التي تصقله,, لم تكن تتوقع أن تتحمل والدتها الفضيحة لكنها فعلت بل وقبلت مساعدة حسام لها حتى زوجها أحنى رأسه بندم ولم يتجرأ على الاعتراض فالوضع السيء هذا هو السبب فيه من الأساس ..الكارثة المسماة عامر هو أدخلها لمنزلهم واجبرها على الزواج به وإن لم يفعلها بالقوة لكن فعلها بالعشم ولأجله وافقت ووضعت رقبتها تحت رحمة شيطان مريد يتلذذ بتعذيبها ..
كان ساديًا لدرجة تعجز عن وصفها لكنها تركت ندوب على جدار روحها وكوابيس لا تنتهي ورعب تعيش فيه في كل لحظة مع هاجس لعين يؤرق عليها عيشتها ويوصلها لليأس فعامر سيجدها وسيقتلها مهما فعلت ..
ومع أنها لا تنكر أن حسام أجاد تأمين المزرعة وشعرت فيها بأمان نسبي تستطيع بها الاختباء عن عامر لكن كيف ستختفي من الفضيحة ..
توالت العناوين الصحفية تباعًا وكلها تحمل نفس الاتهام المقيت ..علاقة حسام أمين بعشيقته المتزوجة .. فضيحة بكل المقاييس لن تحتملها أي اسرة مصرية عادية كأسرتها ..
وحسام الذي اقام بصفة دائمة في المصنع أبدى غضبه الكامل لتلك الشائعة التي تمس شرفها لكنه لم يستطع النطق أمام تأنيب خالد الصريح له .." كما تدين تدان يا حسام .. تذكر أنت انشئت الجريدة فتحمل قذارتها .. كم شخص ساهمت في فضحه بالباطل لمجرد فرقعة اعلامية وزيادة في التوزيع والمكسب .. اعتبر هذا تكفيرًا لذنوبك لكن كل ما يؤلمني هو توريطك لسلمى معك "
ووجودها معه في المزرعة بالتأكيد لو اكتشف سيؤجج من تلك الشائعات ويلهبها لكن الدائرة المفرغة التي وضعت فيها لم تترك لها خيار ..
محامي المصنع كان قد استلم كل أوراق قضيتها وجلب نسخة من تقارير مشفى الرياض الذي شهد على تعنيفها وخطاب السفارة الذي بموجبة تم ترحيلها لمصر ورفع لها قضية طلاق وتم تحديد الموعد بعد شهرين مر منهما شهر واحد كان كالجحيم .. واختفائها في المزرعة كان الاختيار الذي يحمل في طياته النجاة والاعدام ..
لا أحد كان يعلم ما كان يحدث لها في غربتها من تعذيب واهانة وقتل للروح وحسام في حد ذاته باب جديد من الألم اغلقته منذ زمن فهل ستثق فيه ببساطة هكذا مجددًا ؟؟ هل ستنسى أو هل ستغفر ..؟؟ هل يومًا ما ستستطيع الغفران ؟؟
رحلت في ذكرياتها للماضي الأليم .. وبالتحديد ليوم هدمها وهدم صديقة عمرها .. رحلت ليوم زفاف معتصم ..
يومها لن تنكر أنها ساعدت شيرويت على فعلتها مع أنها حاولت اثنائها عن لبس فستانها المكشوف لكن شيرويت أصرت وهي اضطرت لاصطحابها لتقابل حسام يومها ..
لم يكن يوم عادي لا لها ولا شيرويت كان بداية الدمار ...
لم تكن تعلم كيف يمكن أن يكون الحب مؤذيًا إلى هذه الدرجة وحينما ادركت كان الأوان قد فات وتحطم قلبها وتناثرت أشلائه ..
الذكريات لا ترحم ولا تعطي فرصة للغفران فحينما يقتل الحب لا يفلح انعاشه حتى بأعتى خبراء الانعاش القلبي ..
مشاعرها كانت بريئة وحياتها وردية لم يكن ينغصها سوى مشكلة صديقة عمرها لتفوق من أحلامها الوردية تلك على أبشع كابوس ..
خطبتها لحسام تمت بسلاسة شديدة حتى أنها الآن تدرك أن وراء تلك السلاسة كان ولابد وأن تكمن مصيبة لكن براءتها وقتها لم تسعفها لفهم ذلك .. فالحياة لا تعطي كل شيء بسهولة هكذا ..
هكذا هي لا يمكن أن تخلو من الصعاب .. وأيام خطبتها كانت تعد ضرًبا من الخيال لذلك كان لزامًا أن تظل كذلك كخيال ..
- سلمى أنا احبك ..
مجرد استماعها لتلك الكلمات كان بمثابة صدمة كهربائية بقوة ألف فولت ..
صدمة تجعل الجسد يقشعر وتنتصب كل شعيراته من الرهبة ومن الاثارة .. كلمة لها صدى مهيب وخصوصًا حينما تسمعها للمرة الأولى في حياتها ومن الشخص الذي سلب عقلها وكأن باب السماء كان مفتوحًا ذلك اليوم في المجمع التجاري حينما رأته للمرة الأولى منذ أسابيع قليلة ..
خفضت عينيها وهي على وشك الاغماء .. ارجوك يا إلهي ليس الآن دعني استمتع بوهج الكلمات التي تقال في النور على مرأي ومسمع عائلتها ..
والدتها التي تجلس في نهاية صالة الاستقبال لديهم ربما لا تستمع لكل ما يقال بينهما لكنهما تراقب بعين خبيرة وبقلب أم تخشى على ابنتها ...
- لا رد لديكِ ؟؟
رد ؟؟!! أي رد واقصى أمنياتها ألا تفقد الوعي أمامه ...
**
حياتهم تختلف كثيرًا عن حياة الانفتاح التي يعرفها .. كطفل تربى يتيم الأب والأم وكان يقضى أيامه في منزل أشقائه كضيف غير مرغوب فيه ولطالما اعجب بمنزل خالد ودفئه وترابط أسرته واليوم حياة سلمى تعطيه مثالًا آخرا للترابط الذى تأكد أنه موجودًا في الحياة لكنه لم يتعرف إليه ..
وعلى الرغم من وجود زوج أم لها لكنه كان بمثابة الأب ولم يتضايق حينما منعهما من الخروج بمفردهما حتى ومنع الاتصالات الهاتفية الزائدة عن الحد ..
من الجيد أنه يحمي له فتاته حتى منه هو شخصيًا .. حياته السابقة شاهد فيها كل أنواع الفجور والانحلال حتى بات يشتهي براءة سلمى وتحفظ عائلتها ..
وليكون صادقًا مع نفسه هو تضايق قليلًا لكن ليس من سلمى ولا من عائلتها لكنه عاش بمفرده لسنوات فلم يكن يريد أن يقضي أول عيد ميلاد له بعد خطبتهما بمفرده ولذلك شعر بالإحباط حينما اعلن زوج والدتها أن الاحتفال بعيد الميلاد بدعة ولن يسمح لسلمى الاشتراك في هكذا محرمات ودعى له بالهداية ..
لثلاثين عامًا عشت وحيدًا يا حسام وعليك تحمل عامًا آخرًا بعد ..
وفي وسط انهماكه في أحزانه دق جرس الباب لتنتعش أحلامه .. هل من المعقول أن تكون ملاكه غيرت رأيها وحضرت لتهنئته .. لكن لدهشته كانت سكرتيرته القديمة هايدي هي من تتصدر الباب ..
- هايدي .. ماذا تفعلين هنا ..؟؟
دفعته بغلاظة بجسدها لتمرق عبر الباب وهي تقول بدلال ..
- الن تساعدني ..؟؟ العلبة ثقيلة ..
اعاد تكراره لجملته بصرامة أكبر..
- هايدي سألتك ماذا تفعلين هنا ..؟؟
وضعت العلبة الضخمة التي تحملها على الطاولة أمامه وقالت ..
- أنا اعلم أنك تكره قضاء يوم مولد وحيدًا فأحضرت كعكة كبيرة وحضرت للاحتفال معك ..
يا الله .. هايدي مازالت تذكر مولده على الرغم من أنه قطع علاقته بها منذ أن باع نصيبه في الجريدة ..
من السيء البقاء وحيدًا في يوم مولده لكنه ليس بسوء خيانة حبيبته حتى ولو بقضائه وقتًا بريئًا في خلوة مع غيرها ..
ضعفت نبرة صوته وتراخت صرامته وهو يقول ..
- هايدي ... شكرًا لمشاعرك النبيلة لكن حضورك لمنزلي لم يعد يجوز .. أنا خطبت فتاة أعشقها ..
وكأنها استشعرت تراخيه لتهتف بخبث ..
- ولماذا لا يجوز ..؟؟ السنا أصدقاء .. سنتناول الكعكة سويًا ومن ثم سأرحل .. اعتبرها وداعًا لأيام عشقنا ..
هو وهي والشيطان وربما هو والشيطان فقط ولا وجود لهي ..
ما الضير من احتفال بريء مع صديقة سابقة تذكرته يوم مولده ..؟
وهايدي استغلت ضعفه جيدًا لتتخلى عن ملابسها بالتدريج .. كانت تلتصق به وهى تقول ..
- افتقدتك حبيبي ,,
اه .. لا لن أخون سلمى أنا احبها لكن الاغراءات كانت أقوى منه ليشبع كل غرائزه على حساب علاقتهما المنتهكة تحت أقدام الشهوة ...
كانا في أشد لحظات الانسجام حينما دق الباب مجددًا .. من يا ترى ؟؟
ليرتدي سرواله على عجالة وينهض لتفحص الباب ولم يصدق عينيه حينما كان الطارق هو سلمى التي اتت حاملة لصندوق يشبه صندوق هايدي وعلى وجهها ابتسامة انتصار واسعة تدل على فوزها في الحرب وبجوارها والدتها وزوجها ويبتسمان بلطف بالغ ..
انتصرت سلمى وحن قلب زوج والدتها واحضرها للاحتفال بمولده ضاربًا مبادئه عرض الحائط وفقط لأجلها,, المفاجأة الجمته وتخشب من هول الصدمة ثم لتكملة المشهد تهتف هايدي من الداخل بصوت رقيع ..
- حسام حبيبي من بالباب ..؟؟ لماذا تأخرت هكذا ؟؟
**
حتى الأيام الصعبة تمر ولا تترك سوى طعم العلقم في الحلوق ..
لم تكن تتوقع أن تظل على قيد الحياة والشهر الثاني بعد الطلاق بدء عده التنازلي لكن الحياة لا تتوقف على شخص مهما اعتقدنا غير ذلك وربما لولا نزولها للعمل لكانت انتحرت لكن الهاء نفسها بعيدًا عنه أفلح وخصوصًا حينما تعمل من الثامنة صباحًا وحتى الثامنة مساءً بلا توقف فتنهك تماما ولا يتبقى لها وقت لرثاء النفس ..
- أستاذة شيماء ... اريدك في مكتبي على الفور ..
لولا نظرات الاعجاب الصريحة في عيني مديرها لكانت اعتبرت العمل ممتازً لكن عليها التنازل قليلًا فلن تنال كل شيء .. يكفي أنه قبلها للعمل في مصرف عريق مثل مصرفه بدون خبرة لأجل خالد وهي فقط تحاول التعلم والتأقلم واثبات نفسها ..
لطالما عاشت محمية من قبل خالد الذي دللها بحنانه وحبه ثم في السنوات التي تزوجت فيها واصل ياسين واستلم مهام تدليلها من خالد حتى فجأة توقف عن العطاء بعدما يأس من انجابها .. ليس ذنبها أنها ابتليت بعيب خلقي يمنعها عن الانجاب لكن في الواقع هو أيضًا ليس مجبرًا على التحمل ..
وبنظرة أخيرة راجعت ملفاتها ورتبت كشوفات العملاء أبجديًا لتسهيل عمل قاعدة البيانات الجديدة التي يطلبها منها المدير ثم هندمت ملابسها وتوجهت للباب وفي طريقها لمكتب المدير لمحت ياسين من خلف الزجاج الفاصل بينهم وبين مقاعد العملاء المميزين .. كان يجلس منكس الرأس ويبدو عليه أثار الحزن.. ورغمًا عنها تأثرت وكادت تخرج إليه .. رغمًا عنها وجدت كفيها ترغب في التمليس علي شعره وفعل المستحيل للتخفيف عنه لكنها تعقلت في اللحظة الأخيرة ..
لن تجني سوى الاحراج والبرودة .. ستحرج نفسها وسيكسر قلبها مجددًا ببرودة .. لكنها اهتزت من الداخل .. ليتها رأته سعيدًا لتستطيع مواصلة حياتها ..
صورته لن تبارح خيالها وجلبت لها الهم مضاعفًا ..
- شيماء .. المدير ينتظر ..
انتبهت على صوت هالة زميلتها في المكتب تنبهها لذلك جففت دموعها بأطراف أصابعها وغادرت موقعها الاستراتيجي لتختفي وسط المكاتب وتضع الجدران بينهما ..
وأخيرًا .. انتهى اليوم الصعب وستعود لاستعادة ذكرياتها بمفردها في غرفتها ..
ربما هو لا يهتم لكنه ترك لها ذكريات كثيرة تكفيها لتقتات عليها في أوقاتها الصعبة حينما يشتد الشوق إليه .. كل لحظة من حياتها معه كانت مميزة .. كانت تشع حبًا حتى وإن كان زائفًا من جانبه لكنه كان حقيقيًا تمامًا من جهتها وستعيش على اطلال تلك الذكريات لآخر عمرها ..
وبالكاد تمر الأيام وتأتي رؤيتها له اليوم لتكمل عليها .. حتى الطعام هجرته فانخفض وزنها كثيرًا فتسللت على أطراف أصابعها لتتجنب رؤية والدتها في غرفة الطعام التي ستصر عليها لتناول العشاء ..
لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن فتجد خالد أمامها علي الدرج يسد عليها طريق الهروب ويضع ذراعه بحنان على كتفيها وهو يقودها للأسفل برفق ..
- ننتظرك على العشاء يا شيماء ..
اجابته بيأس ..
- منذ متى نجتمع على العشاء ..؟ اخرنا كانت وجبة الغذاء ..
- منذ عملك في المصرف وأنتِ لا تتناولين الطعام معنا لذلك قررنا عدم تناول الغذاء اليوم وانتظارك ..
يا الله .. لا مفر من تناول الطعام .. وستضغط على معدتها المغلقة لترضيهم حتى ولو على حساب شهيتها المنعدمة .. لن تزيد من قلقهم .. ويكفيها أنها منذ طلاقها ويى اهملت تؤام خالد قطعة روحها التي تمنحها الأمل والحياة ..
ولتفاجئ على العشاء باقتراح لطيف من سارة ..
- شيماء ما رأيك ..؟؟ سنذهب لقضاء بضعة أيام في المزرعة .. سلمى صديقتي تقيم هناك كما تعلمين وارغب بزيارتها .. رافقينا الجو رائع هذه الأيام ..
ليكمل خالد بخبث ..
- لا هذا كان نوفمبر سارة لا ديسمبر حينما اسقطتيني في حبائلك ..
- مغرور .. أنا لم احاول استمالتك أنت سقطت بمفردك ..
ورغمًا عنها ابتسمت .. علاقة خالد وسارة مرت بعثرات كثيرة في البداية لكنها صمدت وهذا دليل على بقائها للأبد ..
- للأسف لدى عمل ولن استطيع مرافقتكما ..
- لا شيماء .. مديرك,, صديقي " لطفي الباشا " هاتفني اليوم واخبرني انكِ كنتِ في شدة الحزن واعطاكِ عطلة لمدة أسبوع لكن بشرط انهاء قاعدة البيانات خلاله ومن المنزل .. ثم حتى أمي سترافقنا .. اعتبريها عطلة لغسل الروح ..
لا مفر إذًا ..
- حسنًا خالد كما تقول ..
ابتسم بارتياح ..
- جيد جدًا اعدوا أنفسكم سننطلق في الصباح للمزرعة ولندع هوائها النقي يفتح صدورنا .. كما تعلمون أنا لا ارتاح سوى هناك ..
- جميعًا مثلك حبيبي .. أنا اعشقها اكثر منك..
لولا وجود العائلة ما كانت صمدت .. احبكم عائلتي الحبيبة .. أنها فعلًا الحب الذي لا ينتهي ولا يموت .. الزراعة في أرضك لا في ارض الغير ..
وتعلق عبدالله وعبدالرحمن في رقبتها يقبلانها بحب ودلال ..
الحمد لله على نعمة وجودكم في حياتي ...
**
اوف .. الشهر الماضي مر بسرعة نسبية نظرًا لكثرة أحداثه .. وايضًا لاقتراب امتحانات نهاية الفصل الدراسي الأول .. وانتهت أيام العسل لتبدأ أيام البصل ..ألم تكن اقامته في المستشفى افضل لسلامة عقلها..
كانت فترة النقاهة والتأهيل لكلًا من والدتها وشيرويت وراضي بل ولمعتصم الذي تعافي من غبائه ..
وكانت تتوقع أن ينتقل راضي للمنزل فور تخلصه من الجبس لكنه فضل البقاء أسبوعًا أخرًا بعد الشهر قضاه في التدريب والعلاج الطبيعي لاستعادة قوة عضلاته واحبطت حينما اكتفى وقرر في اليوم الثامن من بعد فك الجبس العودة لمنزله .. لماذا لا تبقى بعيدًا عني للأبد يا حقير..؟؟
صبرني يا رب على ما بلاني .. بعد السلامات والتحيات والتمنيات الطيبة انصرف الجميع وتركوها بمفردها معه .. " انتظروا لا ترحلوا "..
وكأنها تتقلب في الجحيم ..
لأول مرة في حياتها تقضي ليلة بمفردها مع رجل تحت سقف بيته ومع من؟؟!! مع مغتصب حقير ..
وبعدما جربت كل جوانب الفراش واصبحت تتقلب كسمكة حائرة في محيط واسع حسمت امرها ووضعت اسدال الصلاة عليها وقررت الذهاب للمطبخ للحصول على بعض الحليب الساخن فربما يساعدها على النوم ويمرر تلك الأوقات العصيبة ..
الحقير لم يكلف نفسه حتى عناء احضار خادمة لها واكمل نفس روتينه القديم .. شركة الخدمة فقط تحضر كل صباح في الأيام التي يقيم فيها أحدهم في المنزل ومع وقت الظهيرة تكون انتهت من عملها .. لو فقط خادمة تحتمي فيها من خطر زوجها المزعوم لكان ذلك أفضل لسلامها الداخلي ..
ومع اقترابها من المطبخ استمعت لصوت يتصاعد من الداخل فأكملت لاستكشاف ما يحدث .. وكان آخر ما يخطر على بالها أن تجد راضي هناك وهي ظنت أنه يغرق في النوم ولم تكن تعتقد أنه يستطيع التنقل بمفرده الآن بدون أي مساعدة ..
ولصدمتها كان يستند على عكازيه وفقط يرتدي سروالًا داخليًا قصيرًا جدًا فهتفت بضيق وه تداري وجهها ..
- تحشم يا هذا وارتدي منامة أنت لا تعيش بمفردك الآن..
كانت التسلية تبدو واضحة على وجهه وهو يقول ...
- للأسف لن استطيع لأني لا املك أي منامة هنا واحمدي الله فبصعوبة وجدت هذه السراويل ..
هتفت بارتياع ...
- ماذا؟؟
- نعم .. ما حاجتي لمنامات لن استعملها .. ربما احتاجها في منزل النجع لكن هنا أنا اقيم بمفردي تمامًا وأنا اعشق الحرية حتى احيانًا لا أرتدي حتى السراويل الداخلية ..
- أنت بذئ وحقير و.. و..
كانت التسلية تتزايد علي وجهه ..
- وماذا يا ليال ..؟؟
استدارت للعودة من حيث اتت فاستوقفها ..
- لم تقضي غرضك من زيارة المطبخ بعد .. ربما عصير الليمون يفيد لتهدئة أعصابك الثائرة حبيبتي .. ليال اريد استعمال الحمام ساعديني لأتخلص من هذا اللعين ألم خبرك أن الاستغناء عنه كان سيكون أفضل لسهولة معيشتي ..
كانت تغلي لدرجة لا تستطيع وصفها .. الحقير جعلها تسليته .. هو مثل القرد ولا يحتاج لأي مساعدة لا منها ولا من أي شخص .. السبب الوحيد الذي جعلها لا تقتله حتى اليوم هو أنه اصيب في الجبل حينما كان يدعم معتصم ..
استدارت لتقول بغيظ ..
- في أحلامك .. أنا لن اساعدك مطلقًا .. ساعد نفسك بنفسك أو احضر خادمة ..
هز رأسه بتأكيد ..
- مطلقًا يا روحي .. كيف سأتصرف بحرية في وجود خادمة مقيمة .. يكفي حبس الحرية خلال ساعات النهار ..أنتِ زوجتي وملزمة بمساعدتي في اموري الخاصة .. لا يجوز أن اكشف نفسي أمام الغرباء وزوجتي حبيبتي تقيم معي تحت سقف واحد .. هيا هيا انجزي ما اتيتِ المطبخ لأجله ثم ساعدينى علي الاستحمام ..
هتفت بارتياع حقيقي ..
- ماذا ..؟؟
- معدل ذكائك منخفض اليوم وفقط ترددين كلمة " ماذا ",, الاستحمام ألا تعلمين ماذا يعني الاستحمام .. لقد حرمت لشهرين متواصلين من الاستحمام لذلك اشعر بجفاف داخلي وارغب بالاستحمام كل خمس دقائق ..
لقد جن تمامًا,, ماذا يقول هذا المعتوه ؟؟؟
كان قد بدء صبره ينفذ فبدء في تمثيل عملية الاستحمام لها بيديه .. كان يتحامل على عكاز واحد بيد وبيده الأخرى كان وكأنه يغسل شعره ثم جسده وفجأة اختل توازنه وكان علي وشك السقوط بعدما فشل عكاز واحد في حمل ثقله ..
يا الله سوف يسقط وربما السقطة تؤثر على عمليته وتسبب له المضاعفات وبدون تفكير كانت تتجه إليه بسرعة الصاروخ وتصنع بجسدها حاملًا يستند عليه ليمنعه من السقوط ارضًا ..
ما جرى لاحقًا كان أشبه بالحلم ..
وجدته يتخلى عن عكازه الآخر ويستند على كتفيها بكلتا كفيه ويتطلع لعينيها مطولًا ..
وهي نفسها كانت تشعر بالحيرة وعجزت عن فهم نفسها,, لا تعلم حتى لماذا لم تتركه يسقط ويتحطم أرضًا ..
فاكتفت بالصمت وحاولت قراءة ما تحمله عينيه من حقائق أو من خداع ..
وهو جعلها هي مسنده الذي استقام به ثم الخطوة التالية التي لم تقاومها كانت في ضمه لها برفق .. في الواقع لم تقاوم على الاطلاق حتى حينما غزت شفتيه شفتيها ولا حينما الصقها به لتلمس كل عضلة من عضلات جسده العاري ..
وفي الواقع أيضًا هو من بدى عليه المجهود وهو يحاول السيطرة على مشاعره وانهاء التلاحم الفتاك وفقط ابعدها برفق ليستند علي كتفيها مجددًا وهو يقول بصوت اجش ..
- يومًا ما ليال .. يومًا ما ستعلمين وحتى هذا اليوم فقط أنا اعدك ألا احول زواجنا لحقيقة ..
**
حيرة زلزلت كيانه لماذا سندته ليال ..؟
لماذا انطلقت كالصاروخ واهتمت ..؟
هل فعلًا بدأ قلبها يلين على الرغم من أنها مازالت لا تصدقه ..
الأمل داعب قلبه بقوة ..
الحل الأوحد العودة للنجع .. للحقير المحتجز في حظيرته لجعله يعترف أمامها ثم يقتله بعدها .. ولن يتحمل قربها هكذا منه دون أن يمتلكها .. المرة السابقة قاوم وسيطر ليس فقط لكونه وعدها ولكنه يريد أن يكون في كل قوته وعافيته حينما يمتلكها وخصوصًا لأول مرة ..
واشفق عليها حينما وجدها مازالت متخشبة في المطبخ لا تفهم ما كان يحدث ..
- ليال ..سنعود للنجع ..
وكأنها كانت تنتظر .. لن تتحمل أكثر .. سلامها في خطر وكبريائها أيضًا ..
لم تكن تحتاج له ليكرر دعوته وفقط هزت رأسها بالموافقة وهي تظن انها فقدت النطق للأبد ..
هناك أمرًا ما يحدث بينهما ورعبها الأعظم أن يكون هذا ما يسمى بالحب ..
**
فترة النقاهة ..
كانت بالفعل تتعافى في فترة نقاهة ليست من العملية فقط ولكن من كل الماضي المؤلم ..
على الرغم من الحرب الدائرة في النجع وانتشار الاقاويل ووصول كل التصريحات العنترية الخاصة بعقابها لها من قبل العشيرة إلا انها كانت تشعر بالسلام والأمان ..
ما أحلى العودة للوطن وما أحلى النوم في منزل الأب حيث الأمان والراحة والدفء ويكفي أن رؤية منزلهم جعلت والدتها تستعيد جزء من ذاكرتها وتربط الأحداث لتقاوم الزهايمر باستماتة ..
منذ اليوم الذي طلبت فيه الطلاق من معتصم وهو لم يأتي لزيارتها مع أنه كان يتصل هاتفيًا في اليوم عدة مرات ليطمئن عليها لكنه لم يجرؤ على الحضور .. ربما ليتهرب من الطلاق وربما ليعيد ترتيب أولوياته ويستعيد قسوته التي باتت مهددة بالتساقط والاضمحلال .. وفقط احضر لها هنية لتهتم بها وربما أيضًا لتكون هي همزة الوصل بينهما ..
وحوارهما ذلك اليوم اربكها بشدة حتى أنها باتت تدعي أن يهبها الله القوة لتواصل على صمودها أمامه ..
يومها تخشب لبعض الوقت قبل أن يقول بجمود ..
- أنا لن اطلقك شيرويت لن افعلها لن استطيع نطقها وأيضًا لن اجبركِ على البقاء معي رغمًا عنك .. ارفعي قضية طلاق شيرويت واربحيها ودعي المحكمة تطلقك نيابة عني لأني اجبن من أن افعل ذلك ..
وعلى الرغم من ضعفها وضعفه وجدت النقطة التي ستؤلمه أكثر .. التي ستحطم الباقي منه ..
- بل انت احقر من تطليقي بسهولة كي لا اطالبك بحقوقي المادية .. طلاق المحكمة يعني تنازلي عن كل حقوقي .. تريد الاستيلاء على مستحقاتي كما استوليت على ارثي ..
لكنه لم يهتز كما كانت تتوقع .. بل دفس يده في جيب سرواله الخلفي واخرج من محفظته ورقة مطوية عدة طيات وطويلة جدًا تبدو ككشف حساب مصرفي ..
- لا الومكِ شيرويت على سوء الظن أنا وحدي الملام لكن هذا كشف حسابكِ المصرفي سأتركه لكِ اطلعي عليه حينما تتمكنين من الجلوس والقراءة وبالطبع تستطيعي مراجعة المصرف نفسه للتأكد ..
تساءلت بعدم فهم ..
- عن أي حساب تتحدث أنا لا املك حسابات مصرفية في مصر ..؟
- بل تمتلكين شيرويت وبه عشرات وعشرات الملايين .. الحساب فتحته لك منذ أن بلغتِ الثامنة عشر وكنت أنا الوصي عليه بحكم إدارتي لشؤن العائلة ومنذ ذلك الوقت وأنا اضع نصيبكِ من الأرباح بانتظام كل عام وحينما توفى عمي بعت لنفسي نصيبك في الشركات والأراضي ووضعت قيمتهم في حسابك .. وقتها كنت اتصرف بتعصب أعمى كان يسيطر علي ويجعلني اعتقد أن الاناث لا ينبغي أن ترث الأراضي أو الشركات لكني يشهد الله بعت لي بسعر أعلى من السوق بمراحل لأعوضك عن أرض أجدادكِ ويشهد الله أيضًا إنني تغيرت ولو عاد الزمن للوراء ما كنت فعلتها وكنت سلمتكِ ورثك العيني بالكامل لتتصرفي فيه كيفما تشائين .. أنا لا تهمني الأموال شيرويت لكني لا استطيع نطق كلمة تبعدك عني مجددًا وتقطع الوصلة التي بيننا بيدي .. ارحلي عني لن استطيع اجباركِ على معاشرتي لكن لن انطقها .. ارحلي متى شئتِ وأنا اعلم انك لن تحرميني من ريان .. ارحلي وعيشي حياتك بالطريقة التي تختارينها لكن قبل ذلك سامحيني واعلمي أن كل ما فعلته كان بسبب الحب ..
ومع انصرافه قلبت كل الموازيين ..
كانت تريد سببًا لتعزيز كراهيته لكنه احبطها ..
كيف تحب شخصًا وتكرهه بنفس الدرجة ..
لا هي كاذبة,, على الرغم من كل ما فعله لم تستطع كراهيته حتى قيراطًا .. لكن هل يومًا ما ستتمكن من المغفرة ..؟؟ وإن تمكنت من المغفرة هل ستتمكن من النسيان ..؟؟ وإن تمكنت من النسيان هل ستتمكن من الثقة فيه مجددًا ..؟؟
هل ستسلم جسدها له مجددًا وهي تتألم من ذكرى المرة الاولي .. هل ستتغلب على حقدها والأهم هل تغير هو فعلًا ..؟؟
- سيدة شيرويت .. السيدة ليال ترغب في رؤيتك ..
- بالطبع دعيها تدخل ..
اعتدلت شبه جالسة في فراشها وتطلعت في مرآتها الصغيرة لوجهها .. بعد خمس وسبعون يومًا من الحلاقة نمى شعرها أخيرًا ليغطي فروة رأسها ..
وبعد أكثر من شهرين من العملية اختفت اثار الغرز ودفنت تحت الشعر ..
- مرحبًا شيرويت .. كيف حالكِ اليوم ..؟؟
- بخير الحمد لله كيف حالكِ أنتِ؟؟
- بخير .. وسعيدة فعلًا لتماثلكِ للشفاء,, الأمور باتت أفضل للجميع ..
ومن غير ليال لتسألها ..
- ليال .. ماذا يقول الجميع عن عبلة وفعلتها ..؟؟
- ماذا تتوقعين شيرويت ..؟؟ كالعادة النبلاء يمتنعون عن الكلام والحثالة يلكون سيرتها والعامة يستمعون في صمت .. هكذا هي الأحوال وأنتِ أدرى مني بذلك ..
- وماذا يقول معتصم ؟؟
- في الواقع انضم لجانب النبلاء.. هو لا يذكرها بالخير أو بالشر وكأنها لم تكن موجودة ويعطي كل وقته لسليم ولحمزة ليحاول تعويضهما .. من عدالة القدر أن يوصم أطفاله الثلاثة بأمهاتهم كيلا يعاير أحدهم الآخر .. ووحده معتصم سيعاني لكن على نياتكم ترزقون وفي النهاية عودتك ِجعلته أهدأ كثيرا ومتفهم .. الماضي يجب أن يطوى بكل مراره,, العقل يجبرنا أن نفعل ذلك .. لمصلحة ريان ومصلحة الجميع ولأجل غلق باب الماضي أريد أن اطلب منكِ معروفًا ..
تساءلت بحيرة ..
- أي معروف ..؟؟
تنحنحت بحرج ..
- أمي ترغب في مقابلتكِ بل أنها تصر على ذلك ..
هزت رأسها بعنف سبب لها صداعًا ..
- أنا اعلم انها اذتكِ شيرويت وظلمتكِ لكن المرض هدها وترغب في طلب السماح منك .. قبولكِ بزيارتها سيكون تفضلًا منكِ لكني كما عهدتكِ كبيرة القلب والعقل .. أحيانًا نصفح لمجرد الصفح ولنثبت تفوقنا وتصالحنا مع أنفسنا .. فكري في الأمر هي غادرت للنجع لكنها تصر على رؤيتكِ ولو كانت حالتها تسمح لكانت قدمت هي إليكِ .. لقد تغيرت ولن تتعرفي إليها .. وربما وجودك في النجع بكامل قوتك يعزز من موقفك .. سأنتظر قرارك أيًا كان وفي الحالتين لا احمل لك سوى كل حب وتقدير ..
بالمناسبة معتصم عاد للنجع اليوم,, حينما علم أنكِ أصبحت تقومين بكل مهامك اليومية بصورة طبيعية وأنا أيضًا سأعود فلدى عطلة منتصف العام وارغب في قضائها مع والدتي لأخدمها فكما تعلمين أصبحت طريحة الفراش للأبد ..
قبلي ريان لأجلي واراهن على اصلك .. ريان سيتربى بينك وبين معتصم مهما أن كان قرارك اليس كذلك..؟؟
هذه المرة كان الصمت ..
- لا اعتقد انكِ ستتمكين من حرمانه منه حتى لو حاولت فدمائكِ أصيلة ابنة عمي .. سأغادر الآن واتركك تلملمين القصاقيص المتناثرة لتصنعي منهم غزلًا مشرقًا ..
حسمت أمرها .. الآمر لا يحتاجها للتفكير المطول .. كعادتها قرارها حاد بحدة عصبيتها وتمردها ..
- سآتي ليال .. سأعود للنجع ليس فقط لمقابلة والدتك لكن لمواجهة الجميع .. لقد مللت من الهرب والانتظار .. سأعود قريبًا فور تمكني من السفر .. سأعود لأغرس ريان هناك والباقي يدبره الله ..
كانت ابتسامتها ابتسامة راحة مع سعادة وانتصار ..
شيرويت ستعود وستنقل ساحة المعركة للنجع مجددًا لكن هذه المرة المعركة ستكون معركة اثبات الحب والتضحية وانكار الذات ..
من سيحب أكثر وبلا شروط سيربح المعركة كلها لا فقط جولة ..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية