رواية فارس بلا مأوى الفصل العشرون 20 - بقلم ولاء محمد رفعت
ثار غضب هذا الأحمق فصاح به:
_ وتطلع مين أنت كمان يا حليتها؟.
نفض فارس يده وكأنه يلقي بقمامة:
_ أني الي لو فكرت تجرب منيها لأخليك ما تشوف الشارع تاني واصل.
تبدلت حالتها من الغضب إلي السعادة العارمة بداخلها وهي تري وتسمع تهديداته الجادة لهذا البغيض.
باغته ممدوح بدفعة قوية في صدره وقال:
_ شكلك أنت الي ماتعرفش مين هو ممدوح عنتر، ده أنا أفعصك يالاه زي الصرصار.
_ طيب أجصر الشر وروح لحالك أحسن لك.
لكزه بعنف في صدره مرة أخري:
_ أنا بقي طلعت في دماغي وعايز أشوف آخرك أي ياعم الشبح.
زفر فارس بنفاذ صبر وقال:
_ اللهم يطولك يا روح.
تدخل جنيدي قائلاً:
_ مين ده الي يدو شكلها هتتوحشو ياصاحبي؟.
صاح الآخر بسخرية:
_ده أنتو عصابة بقي، ولاه يا سكينه، يا حوكشه.
هرول شابين إليه يمتلك كل منهما طولاً فارعاً وجسداً قوياً لكن مظهرهما لايوحي سوي إنهما أجساد قوية بعقول عصافير.
أجاب إحدهما بصوت غليظ:
_ نعم يا كبير.
أشار له وللآخر علي فارس وجنيدي قائلاً:
_ العيال دي بتغلط في كبيركو.
رد المدعو حوكشه:
_ الي يغلط في المعلم نمسكو من قفاه وعليه نعلم.
و بدأ العراك مابين الأربعة، تسلل ممدوح جانباً حتي لايصاب بأذي، أوقفهم جميعاً صوت الأمين شوقي حيث ذهبت إليه شهد لتستغيث به :
_ والله عال، خناقه وضرب ولا كأن فيه حكومة يا غجر.
قال ممدوح:
_ رجالتي يا أمين شوقي بيدافعو عن نفسهم، العيال دول جايين يهجمو علينا وإحنا قاعدين في أمان الله.
صاح فارس بإستنكار:
_ أبداً يا سيادة الأمين، الراچل دي لاجيته عيضايج الآنسه وأني مينفعش أشوف حاچة كيف إكده وأجف أتفرچ.
تممت شهد علي حديثه:
_ أيوه يا أمين شوقي، كل الي قاله صح، ممدوح كان بيضايقيني ولما وقفته عند حده كان عايز يمد إيده عليا.
وبدأت تبكي بتصنع، فقام ممدوح بسبها في نفسه:
_ آه يا بنت ال.....
وقال جنيدي:
_ و كمان بعد ما صاحبي عيجولو عيب إكده ما عاچبوش الحديت وراح نادم علي العيال دول لأچل يضربونا.
رمقهم شوقي جميعاً بتوعد وقال:
_ طيب يلا كلكو أدامي علي القسم منك ليه.
جفت الدماء في عروق كل من فارس وجنيدي حتي قال ممدوح:
_ قسم أي يا شوقي باشا، التاجر فينا عبارة عن سمعة ولو حد خد خبر إن دخلت القسم محدش هيدخلي محل وهيتقطع رزق الناس الي شغاله عندي.
فقال جنيدي:
_ وإحنا كمان يا سيادة الأمين محدش هيهاوب نواحي فرشتنا ودي لجمة عيشنا الي عنعيشو منيها.
أقترب ممدوح من شوقي ليدس في جيبه مبلغ من المال وهمس إليه:
_ كل سنة وأنت طيب ولو المدام والعيال لازمهم حاجة أبقي تعالي خدلهم من عندي وحسابك مدفوع مقدماً.
ظل ينظر إليهم جميعاً، يسير أمامهم ذهاباً وأياباً،فقال:
_ عشان خاطر المعلم ممدوح أنا هاسيبكو، وأنت ياض منك ليه.
موجهاً حديثه إلي فارس وجنيدي، أردف:
_ أنا حالف لكو من المرة الي فاتت لو شوفت وشكو في أي مشكلة هرميكو في الحبس!.
قال فارس بدفاع:
_ أحنا ما عنسويش مشاكل يا.....
قاطعه شوقي بغلظة:
_ خلاص يا عم الشهم عارفين عملت أي، بس خد بالك دي المرة التانية والتالته تابته ولو جبتلي وزير الداخليه نفسه ما هسيبك وهخليك تلف علي أقسام مصر كلها كعب داير سواء أنت أو صاحبك.
قال جنيدي بتوسل مصتنع:
_ حجك علينا يا سيادة الأمين ونوعدك هتكون آخر مرة.
_ لما نشوف يا أخويا، يلا كل واحد يروح علي أكل عيشه.
قالها وذهب، تمتم جنيدي بصوت لايسمعه سوي فارس وشهد فقط:
_ حرج أبو الي چابك راچل كيف المنشار طالع واكل نازل واكل.
ضحك فارس وقال:
_ أكتم ليسمعك وإحنا ماناجصينش رزالته.
_ يسمع ولا ما يسمعش ولا يغور في داهية، أني خلاص جفلت ومليش نفس أبيع النهاردة لو رايد تجف أنت خليك، أني هاروح أتمشي لحد الكورنيش وهعاود علي مطرحنا.
_ طيب خد بالك من نفسك وملكش صالح بحد.
_ حاضر ياصاحبي.
وألقي نظرة إلى شهد قبل أن يذهب فأردف:
_ متشكرين يا آنسة.
_ علي أي ده أنا الي المفروض أشكركو علي وقفتكو جمبي.
رمق فارس بغمزة من عينه فقال:
_ أحنا رچالة جوي و دمنا حامي، ولو مكنتيش بلغتي شوقي دي، كنا زمانا جطعنا شوية العيال دول والي إسمه ممدوح جبلهم.
لم تنظر له بل كانت مبتسمة إلي فارس وقالت:
_ طبعاً رجالة وسيد الرجالة كمان.
حك جنيدي فروة رأسه وقال منسحباً:
_ آه ماشي، الله يسهلو، عن أذنكو.
هم فارس بالذهاب فأوقفته شهد:
_ أستني يا...
_ قاسم، إسمي قاسم.
إبتسمت برقة ودلال خلاف طبيعتها وقالت:
_ عاشت الأسامي يا أستاذ قاسم، أنا كنت بس عايزه أعتذر لك عن اليوم إياه لما أتكعبلت فيك من غير قصد وأتخانقت معاك.
أومأ لها بملامح جاده لكن لم يُخفي عليه تلك النظرات التي تلمع في عينيها، فهي تذكره بمحبوبته:
_ ولايهمك يا آنسه حصل خير.
كاد يذهب مرة أخري فأوقفته للمرة الثانية وقالت:
_ معلش والله آخر مرة هوقفك،بس كنت طالبه منك خدمة صغيرة أصل بابا سافر يستلم بضاعة من بورسعيد وهيرجع بالليل وأنا الي هفتح لوحدي حتي الواد حموده الي شغال عندنا مش جاي، وأنا نسيت المفاتيح فممكن تساعدني أفتح الأقفال دي.
نظر علي البوابة وأقفالها فقال:
_ دي أجفال كبيرة ومش سهل تتفتح.
تذكرت شئ ما:
_ طب ثانية كده.
أنحنت ورفعت بنطالها قليلاً وأخرجت مدية صغيرة كانت تدسها في جوربها، أتسعت عينيه بدهشة وسألها متعجباً:
_ أي الي حداكي دي!.
تلفتت من حولها وقالت بخفوت:
_ دي مخلياها معايا للأمان مبطلعهاش خالص، حتي بابا ميعرفش عنها حاجة فياريت تخليها سر مابينا، وخوفت أطلعها أهدد بيها ممدوح فالسلاح يطول ويحصل له حاجة وأروح في داهيه.
رد بتهكم:
_ ما أنتي خابره زين أهو، أنصحك أرميها الحاچات دي للبلطچية.
_ خلاص أفتح بس بيها الأقفال وخليها معاك، أعتبرها كادو صغير.
أعتطها له فأخذ يقلبها بين يديه، فهز رأسه بشبه إبتسامة من تلك الفتاة التي تارة تكن كالحمل الوديع وتارة أخري كالعاصفة عندما تغضب.
حاول فتح الأقفال حتي نجح بعد عدة محاولات، فكانت تقف جانباً تراقب إنفعالاته وهو يشمر عن ساعديه وبرزت عروقه وعضلات عضديه الذي يجسدها قميصه ولم بستطع إخفاءها، وخصلاته شعره تبعثرت فوق جبهته لتزيده جاذبية و وسامة أكثر.
أنتهي من فتح البوابة والباب الذي يليها ورفعه لأعلي، فأستدار إليها قائلاً:
_ أتفضلي.
ومد يده إليها بالأقفال فوجدها شاردة في ملامح وجهه وخاصة عينيه، تحمحم وقال:
_ يا آنسة.
أنتبهت له فقالت بخجل:
_ معلش، شكراً تعبتك معايا، تعالي أتفضل نشرب كوبيتين شاي.
رفع يده بشكر وإمتنان:
_ شكراً، أني هاروح أفرش البضاعة ولو محتاچة أي حاچة نادمي عليا، عن إذنك.
قالها وذهب،فظلت تنظر نحوه، أطلقت تنهيدة حارة وقالت:
_ يخربيت تقلك، شكلك هتجنني معاك يا، قاسم.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يقف أسفل المياه المنهمرة عليه بقوة، يستند بكفيه علي الحائط الرخامي، يغلق عينيه محاولاً إستيعاب ما تفاجئ به منذ قليل، فعندما أستيقظ من النوم وبدأ يعود إلي وعيه وجدها منزوية في إحدي الأركان يلتف الشرشف علي كامل جسدها وخصلات شعرها تغطي وجهها وجذعها، تبكي بنحيب، غر فاهه بصدمة مُردداً إسمها، وقبل أن ينهض ألتقط سرواله الملقي جوار السرير ليرتديه، وعندما نهض وقعت عينيه علي بقعة الدماء في الفراش فأستنتج فداحة ما أقترفاه سوياً، وضع كفيه علي وجهه يلعن ذاته وينهرها، فهذا ما آخر كان يفكر به، فهو لا يهواها لكن لايتمني لها الأذية أو الضرر، وأي ضرر إنها كارثة عليهما أن يتحملا نتائجها معاً.
أنتهي من الإغتسال وأرتدي مأزره القطني، خرج ليجدها مازالت بنفس الوضعية التي تركها بها، سار نحوها وجلس أمامها علي ركبتيه، أزاح خصلاتها حتي يتثني له رؤية وجهها، أزدرد ريقه قبل أن يتحدث بتوتر جلي:
_ مروة، ممكن كفاية عياط وتعالي نفكر هنعمل أي مع بعض.
رفعت وجهها شديد الحمرة من كثرة البكاء وجفون عينيها التي أصبحت منتفخة، فأجابت بصوت متحشرج يخرج بصعوبة من فمها:
_ نفكر!، أنا ضعت خلاص، سلمتلك نفسي من غير أي ذرة عقل، مشيت ورا قلبي مقدرتش أقولك لاء لأول مرة، وآخرتها بقيت زيي زي أو واحدة.....
صمتت لتجهش في البكاء مجدداً، شعر بالأسف الشديد نحوها فأحتضنها وربت عليها:
_ متقوليش كده، كل مشكلة وليها حل.
أبعدت وجهها عن صدره فأجفلته بسؤال لم يضعه في الحسبان بتاً:
_ والحل أي؟، هتتجوزني؟
شعرت بإنتفاضة جسده وهو ينهض مبتعداً عنها، ولي إليها ظهره، لايعلم إجابة سؤالها المباغت لعقله، فالزواج بالنسبة إليه أمر قد حسمه من قبل، لم ولن يتزوج سوي من عشقها بكل حواسه مهما كان الثمن، كيف يمكنه الزواج بغيرها حتي لو كان إصلاح لخطأه الفادح!.
_ زي ما توقعت طبعاً لاء، لأن عمرك ما حبتني ولا هاتحبني، أنا الي كنت معيشه نفسي ديماً في وهم وحطه أمل إنك هاتحس بيا وهتمل من جريك ورا ندي.
أقتصرت عليه كثير من الكلمات كان سيخبرها بها، ألتفت إليها وقال:
_ أنا مش قادر أفكر في أي حاجة دلوقت، بس أوعدك مش هتخلي عنك وأسيبك في محنتك لوحدك.
كلماته أشعلت في داخلها نيراناً، فتبدلت حالتها من رثاء نفسها إلي أخري يسيطر عليها الغضب والألم والغبطة، خليط من المشاعر السلبية، نهضت و وقفت أمامه:
_محنتي!، أصدك محنتنا، كارثتنا أنا وأنت، وأنا مش بخيرك، أنت لازم تصلح غلطتك معايا، يا أما ههد المعبد فوق دماغك ودماغي، أقلها هاروح لجوز السنيورة سيادة النقيب،وأنت بقي فاهم الباقي.
حدجها غير مصدق كيف تبدل حالها بتلك السرعة، كانت منذ ثوان كالشاه المذبوحة تبكي والآن أرتدت قناع القوة والتهديد بل وتلقي عليه أمراً ربما سيفكر به لاحقاً، لكن أسلوبها الذي يمقته هذا جعله يتراجع عن أفكاره وعليه أن يظهر لها وجهه الثاني.
أمسك بعضدها و بنبرة خالية من الحياة بل تتلخص في تهديد و وعيد قال لها :
_ تصدقي إن أنا إبن...... لما صعبتي عليا وكنت بفكر أساعدك، لكن لما ظهرت وساختك للمرة التانية معايا خلتيني قررت أسيبك تتحرقي ولا تولعي بجاز، وفعلاً زي ما قولتي طول عمرك أنتي الي بتجري ورايا وفارضة نفسك عليا وعماله تخططي وتحلمي، ولعلمك بقي رد فعلك دلوقت أثبت لي إن التمثلية الي عيشتيني فيها دي مدخلتش دماغي خالص، أنتي هتلاقيكي كنت مخططه لكده عشان تدبسيني وتخليني أتجوزك، قولتي لما أستخدم آخر كارت ليا معاه وأحطه أدام الأمر الواقع، بس أنا بقولك عمره ما هيحصل يا مروة، وليلتك شليها لوحدك.
قال آخر جملة وهو يوكزها بعنف في ذقنها ثم دفعها بقسوة يحدجها بنظرة إزدراء وإشمئزاز، أتجه نحو خزانته قائلاً:
_ ياريت عقبال ما ألبس تكوني أنتي كمان لبستي ومش عايز أشوف وشك ده خالص.
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــ
_ تغلق صنبور المياه بعدما أنتهت من جلي الصحون والأواني، مسحت بظهر يدها علي جبهتها لتزيل قطرات العرق، يبدو عليها التعب وينتابها شعور بالدوار الخفيف تحاول مقاومته منذ الصباح.
جاءها صياح خالتها من خارج المطبخ:
_ أطفي علي المحشي يا نواره، زمانه أستوي.
ردت بصعوبة فحتي قوتها المنهكة غير قادرة علي التحدث:
_ طفيت عليه من شوية يا خالة.
_ طيب معلش ولعي الفرن علي الفراخ تسخن هبابة.
_ حاضر.
أمسكت بالقداحة ذات الأسطوانة الطويلة وقامت بإشعال فرن الموقد، وأن تخللت رائحة الدجاج المتبل حاسة الشم لديها، فأنقلبت معدتها وسيطر عليها الشعور بالغثيان، ركضت علي المرحاض وأفرغت كل ما بجوفها، وبداخلها يخبرها حدسها إن ما يحدث لها ربما له سبب طالما أنتظرته أكثر من عامين، لكنها لم تبالي وبررت هذا إصابة معدتها بالبرد فهي قد غفت بالأمس في هواء التكيف البارد بدون دثار مرتدية منامة خفيفة.
غسلت وجهها لعلها تفيق، خرجت علي صوت رنين جرس المنزل، فذهبت لتري من الزائر، فتحت الباب، تبدلت ملامحها إلي الوجوم.
_ أزيك يابتي، ما هتجوليش أتفضلي ياماه؟.
قالتها سعاد وكانت ملامحها تدل إنها نادمة وجاءت تطلب السماح من إبنتها.
زفرت نوارة بضيق وأشارت إليها قائلة بتهكم:
_أتفضلي، مهما كان دي دار خايتك وأني هنا مچرد ضيفة مش أكتر.
ولجت سعاد ولم ترد علي إبنتها، مهما قالت لها من كلمات فلن تعاتبها، هي تعلم كم هي خذلتها عندما لجأت إليها من بطش وظلم زوجها وهي أكتفت بدور المتفرج تخشي حتي الدفاع عنها، لذا عليها أن تتحمل أي ردة فعل من إبنتها.
أستقبلتها شقيقتها رسمية بترحب ولم تخفي عنها نظرة العتاب، فقالت:
_ كيفك يا خايتي؟.
ردت سعاد بدون النظر إليها:
_ الحمدلله زينه، كيفك أنتي وأبو رافع؟.
_ كلاتنا بخير، وبتك بجت أحسن وزينة من وجت ما بجت ماتشوفش زوچها.
عقدت مابين حاجبيها بتعجب فسألتها:
_ واه، كيف مابتشوفهوش؟.
أجابت بإمتعاض:
_ من وجت ما چابها من عندكي ولجيناه عيبهدلها وجفنا له وأبوه سخفه كف محترم و جاله ملكش جعاد أهنه إلا لما تحب علي راس مارتك وتعتذر لها، ومن وجتها ماشوفناش خلجته واصل.
لطمت علي صدرها وقالت:
_ يا نهار طين، و ده برضك ينفع يا أم رافع، ولدك ماعدش صغير علي الي أبوه سواه وياه، وأنتي خابره زين ولدك هيعاند وممكن يختار خراب بيته ولا نه يتأسف لبتي عاد.
رمقتها رسمية بإمتعاض وتعجب في آن واحد، ينبلج من حديثها الدفاع عن إبن شقيقتها غير مبالية لإبنتها المجني عليها.
_ واه يا سعاد، أني احترت فيكي يا خايتي كل الي همك رافع والي حوصل وياه ولا همك بتك الي كسرها قدمنا ولا هان عليه يطيب خاطرها بكلمة عاد!.
خرجت نوارة من المطبخ تحمل صينية يعلوها أكواب من الشاي، تسير بخطي وئيدة من التعب، فقالت تعقيباً علي حديث خالتها:
_ همليها يا خالة تجول الي ريداه، من ميتي وهي عتهتم بحالي، كل الي همها إن بيتي ميتخربش حتي لو چيت علي نفسي وأموت بالحيا.
شهقت سعاد وقالت بإستنكار:
_ بعد الشر عليكي يابتي، ليه عتجولي إكده! ، ربنا عالم أني بخاف عليكي قد أي وكل الي ريداه مصلحتك وتكوني زينة ويا چوزك.
رفعت زواية فمها بتهكم وقالت:
_ حتي لو چوزي بيموتني!.
نظرت الشقيقتان إليها بدهشة، فأردفت بنبرة تنضح بالقهر والألم التي تشعر بهما دائماً:
_ أيوه كل يوم بيموتني وهو نايم چاري و جلبه وعجله مع واحدة غيري، حتي لما بكون في حضنه عينادم بإسمها هي وأسمعه وأكتم في صدري،وكل ما نتچمع وتكون موچودة ينسي الدنيا ومارته ويسرح فيها هي وبس، جتلني ليلة فرح زينب لما شوفته بعينيا وهو عيحضنها ويبوسها كأنها هي الي مارته مش أني، عايزين أسوي أي وياه بعد كل دي!، أكمل حياتي كيف؟.
رفعت رسغها نحو عينيها لتجفف بطرف كوم عباءتها عبراتها التي خدعتها وأنسدلت أمامهم برغم محاولتها كتمانها.
_ هملوني أختار الي يريحني ويريح جلبي الي مات علي يد الراچل الوحيد الي دج له وحبه، وياريت ياماه متكلفيش حالك وتيچي تطلي عليا، أديكي شوفتيني أهه عايشة ويا خالتي وچوزها الي حسسوني أني بتهم وچابولي حجي الي مجدرتش تچبهولي الي من لحمها ودمها، أنسي ليكي بت ولا أجولك أتبري مني أحسن.
ألقت بكلماتها كالصاعقة علي رأس والدتها ودلفت إلي غرفتها، أغلقت الباب خلفها بعنف، مما جعل سعاد أنتفضت ولم تتحمل قسوة إبنتها معها فأجهشت بالعويل، ربتت عليها رسمية بمواساه:
_ معلشي يا خايتي، ما أنتي خابرها عتجول حديتها من ورا جلبها.
كادت سعاد تفتح فاهها لتجيب، لكن قاطعها صوت هبدة قوية آتية من غرفة إبنتها، نهض كليهما وفتحا الباب علي الفور، فوجداها ممدة علي الأرض فاقدة للوعي.
وبعد قليل أتي الطبيب بعدما ذهب إليه زوج خالتها وجلبه معه علي عجالة، فقام الآخر بفحصها تحت نظرات والدتها التي تبكي حزناً علي إبنتها وما وصلت إليه.
وعند إنتهاءه قام بتدوين أسماء مكملات غذائية وڤيتامينات، نزع الورقة وأعطاها لخالتها التي قالت:
_ خير يا دكتور، هي مالها كفي الله الشر؟.
إبتسم الطبيب ليطمأنها قائلاً بحبور:
_ أطمني يا حاجة، الإغماء ده طبيعي جداً لأنها أبتدت مرحلة الوحم.
كفت سعاد عن البكاء و غرت فاهها ببلاهة ثم قالت:
_ إياك تجصد إنها....
أومأ لها مجيباً:
_ حامل، ألف مبروك.
لم تصدق أذنيها ورددت:
_ إما أنت كريم يارب، الحمدلله والشكر لله.
ثم أردفت بخفوت حتي لاتسمعها شقيقتها:
_ بركاتك يا شيخنا وبركات الأسياد.
وأطلقت زغرودة بصوت جهوري قد وصل لأذان أهل النجع جميعهم، كما هللت رسمية و زوجها بفرحة عارمة.
فأخبرهم الطبيب قبل مغادرته:
_ أهم حاجة الراحة وتروح تتابع مع دكتور نسا وتوليد عشان تاخد بالها من صحتها وصحة الجنين، يلا عن أذنكو وألف مبروك مرة تانية.
أوصله خميس إلي الخارج وأعطاه مبلغ من المال أكثر من ما طلبه وذلك بمناسبة هذا الخبر السعيد.
وبالداخل بعدما سمعت ما قاله الطبيب لم يبدو عليها أي إهتمام بل كانت نظراتها تنضح بالبرود واللامبالاه، فما تمر به من ظروف عصيبة كسر بداخلها فرحة طالما أنتظرتها منذ عامين وأكثر.
قالت رسمية بفرحة:
_ ألف مبروك يابتي، أخيراً ربنا كرمك أنتي و ولدي، ربنا يتتملك ويكملك حملك علي خير يارب وتجومي أنتي والمولود بالسلامة قادر يا كريم.
فقالت سعاد أيضاً:
_ إحنا نتصل علي رافع وتو ما يعرف هتلاجيه چاي چري ويحب علي راسك ويدك ورچلك كماني.
أشاحت نوارة وجهها عنها ولم تتفوه بكلمة وآثرت الصمت، فلم يفرق لديها علمه بخبر حملها أم لا!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــ
_ صدق الله العظيم.
قالهابعد إنتهاءه من تلاوة آيات الذكر الحكيم ثم أغلق المصحف، ونهض ليتوضأ إستعداداً لأداء صلاة العصر وبعدها يبدأ تلقين الأطفال الدروس الدينية، أستوقفه رؤية طفل نائم في إحدي أركان المسجد ومولياً ظهره، ذهب ليري من هذا الطفل كما أخبره قلبه إنه يعرفه جيداً.
جلس بجواره وأخذ يربت عليه ليوقظه فأستيقظ علي الفور وأستدار إليه فتفاجئ به، فقال بكر بتعجب:
_ عمر!.
نهض الصغير ويغلبه النعاس البادي في صوته:
_ شيخ بكر، معلش أصلي منعستش من إمبارح كنت خايف جوي وأني لوحدي.
_ لوحدك كيف يعني؟.
سأله بكر بعدم فهم، ففسر الصغير مجيباً بحزن:
_ أصلي أتخانجت ويا أمي وطردتني من الدار عشية إمبارح وجالتلي ملكش جعاد معاي يا إبن أبوك وخلي قمر تنفعك، فضلت ألعب مع أصحابي لحد ما كل واحد عاود علي داره وملجتش مطرح أتاوي فيه غير أهنه في المسچد.
ردد بكر بأسف علي الصغير:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، وأي السبب الي خلاها تسوي معاك إكده؟.
رمقه بتوتر فقال:
_ سمعتها عتتفج ويا خالي إنهم يبيعو الدار وعتجوله إن أبوي الله يرحمه كان كتبلها توكيل، فجالها كيف هتبيعي من غير ما قمر تعرف وتوافج هي ليها في الدار ورث أمها الله يرحمها، جالتله ما إحنا هنبيعها في الباطن وقمر تبجي تتصرف ويا الي هيشتريها هتكون هي وأخواتي وخالي هچو من البلد وأتدلو علي أي مطرح تاني محدش هيعرفه.
تجهم وجهه كيف لتلك المرأة التفكير في ظلم زوجته ألم يكفيها ما فعلته معاها! ، وتأتي الآن لتأخذ حقها عنوة!.
_ متوكد من حديتك دي ياعمر؟.
أجاب الصغير:
_ والله ده كل حرف سمعته يا شيخ بكر، ولما شافتني عتسنط عليهم جبصتني من جفاي وسألتني سمعت أي جولتلها كل حاچة وإكده حرام الي عتسويه يا أماه وقمر بت عمتي ماتستهلش منك كل ده، جامت رفعاني من ياجة الترنج وفتحت الباب ورمتني بره الدار وجالتلي كيف ما خابرتك.
ربت بكر عليه بحنان وقال:
_ معلش يا عمر، الله يسامحها ويهديها، إحنا نخلص الدرس وتيچي معاي عند قمر تجعد حدانا.
أنبلجت فرحة عارمة علي محيا الصغير وقال:
_ بچد يا عمي بكر؟.
أبتسم له بحب وداعب خصلاته بيده:
_ أيوه بچد، دلوق بجيت عمك ومن شوي كنت شيخ!.
ضحك الصغير:
_ طب تحب أجولك أي؟.
وقبل أن يجيبه الآخر أردف الصغير:
_ أي رأيك أجولك يابا بكر، بصراحة بحسك كيف أبوي الله يرحمه في حنيته وطيبته.
أومأ له بكر وأحتضنه بحنان أبوي وقال:
_ جولي الي أنت عايزه يا حبيبي، وأني بدعي ربنا لما يرزجني بالذرية الصالحة، يعطيني ولد كيفك إكده دمه خفيف وراچل من صغره ويحفظ القرآن ويسمعه بصوت كيف صوتك الزين ده.
بادله الصغير العناق بقوة يشعر بالأمان الذي فقده مع والدته جاحدة القلب فقيرة الأخلاق.
مسد بكر فروة رأس الصغير فأخبره:
_ يلا بينا نجوم نتوضأ، شوي وعمك الشيخ واصف هيأذن.
نهض الصغير معه وذهب كليهما للوضوء.
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ في مكان آخر بداخل المنزل المتطرف علي حدود النجع والخاص بشقيقه زكريا، فبعد أن قرر بكر الرحيل من منزل عائلته برفقة قمر هاتف شقيقه ليخبره إنه يريد المكوث في منزله الخاص لفترة حتي يجد منزل مناسب له ولزوجته ويقوم بإعداده.
وكانت قمر منذ أن دلفت إلي داخل المنزل وبدأت في إعادة ترتيبه حيث الغبار كان يملأ الأركان والأثاث ولم يكن مرتباً ونظيفاً، فقضت نهار اليوم في التنضيف في أول يوم لهما حتي أنهكت قواها وتناول كليهما الطعام ثم غلبهما النوم، فكانت تنام في غرفة وبكر في غرفة أخري.
و اليوم هو التالي لهما، تقف في المطبخ الذي يحتوي علي موقد بسيط متصل بإسطوانة غاز و هناك خزانه صغيرة تحتوي علي أواني قديمة وصحون وملاعق، قامت بغسلهم من آثر الغبار المتراكم عليهم، وبدأت في إعداد الطعام الذي قام بكر بشراءه لها في الصباح، فأشعلت النيران علي الأواني وذهبت لتأخذ قسطاً من الراحة أمام التلفاز، أوصلت أسلاك التشغيل بالمقبس المشترك فأضاء التلفاز، ألقت بجسدها علي الأريكة المقابلة لغرفة النوم المظلمة، كادت تزفر بأريحية لكنها أنتفضت فجاءة وشهقت عندما رأت طيف ظهر في أقل من ثانية داخل الغرفة.
وضعت كفها علي صدرها الذي يعلو ويهبط من الفزع.
_ بسم الله الرحمن الرحيم، أهدي يا قمر هتلاجيه خيال حد معدي في الشارع من قدام الشباك.
نهضت لتتأكد من ظنها، فوجدت زجاج وخشب النافذة كلاهما موصد ولم ينفذ منهما سوي بصيص من ضوء الشمس يتجمع في بقعة علي الأرض، أعتراها إحساس بالبرودة وكأن أحدهم مر بجوارها وشعرت بأنفاس دافئة لفحت وجنتها فأنتفضت مرة أخري، أطلقت ساقيها إلي الخارج تصرخ من الرعب.
أمسكت بجهاز تحكم التلفاز وظلت تضغط علي زر التقليب حتي توقفت لدي قناة المجد لتلاوة القرآن الكريم.
أبتعدت من أمام الغرفة وأخذت تردد كل الأدعية وأذكار التحصين وآية الكرسي رددتها أكثر من مائة مرة، ذهبت لتطفأ الموقد وقررت البقاء في المطبخ ، ظلت هكذا ولم تشعر بمرور الوقت، أنتفضت للمرة الثالثة لكن تلك كانت طرقات علي باب المنزل تعلم من صاحبها، ركضت وفتحت الباب وما أن رأته في وجهها ألقت بنفسها علي صدره محاوطه جذعه وتشبثت بقوة به وأجهشت بالبكاء.
أثارت خوفه وقلقه، فأبعد وجهها ونظر إليها بإستفهام:
_ مالك يا قمر عتبكي ليه وخايفة إكده؟.
بدأت تهدأ قليلاً وأشارت له نحو الغرفة، رددت بتلعثم:
_ عفريت، الأوضة، فيها.
حاوط ظهرها بزراعه وتقدم بها ليجلسا علي أقرب مقعد، ربت عليها ليهدأها:
_ أهدي إكده وأذكري الله، عشان مافهمش منك حاچة واصل.
رددت الإستغفار ثم قالت بإعادة جملتها السابقة بترتيب:
_ الأوضة فيها عفريت، شوفته مرة وحسيت بيه وماشي چمبي لما دخلت چوه.
لم يتمالك نفسه، فأطلق لضحكاته العنان حتي أدمعت عينيه مما جعل ملامحها تبدلت من الخوف والبكاء إلي الغيظ و الغضب، عقدت ساعديها أمام صدرها:
_عتتمسخر عليا يا بكر، شايفني عيلة صغيرة قدامك!.
قال من بين ضحكاته:
_ غصب عني والله، مش جادر أسمع وأشوفك وأنتي عتحكي بطريجتك دي وأسكت.
لكزته في زراعه:
_ أني زعلانة منك وملكش صالح بيا.
قالتها وأتجهت إلي الغرفة فصاح بمزاح:
_ حاسبي ياقمر العفريت مستنيكي چوه.
ترددت في الدخول لتغير وجهتها ودلفت في الغرفة المجاورة وقبل أن تغلق الباب، توقف عن نوبة الضحك وقال:
_ رايحة فين تعالي يا مچنونة، عاملك مفاچاءة، في حد واجف بره عايز يشوفك.
صاح منادياً:
_ تعالي يا صاحبي.
دلف الصغير و تو ما رأته ركضت عليه صارخة بإسمه، عانقته وحملته:
_ أتوحشتني جوي جوي ياعمر.
فباغتها الصغير بحديثه الذي يكبر عمره:
_ وأني زعلان منك جوي ياقمر.
أنزلته ودنت منه:
_ ليه يا جلبي عتجول إكده؟.
رد بعتاب رجل بالغ عاقداً ساعديه أمام صدره:
_ لأنك من وجت ما هملتيني ما بجتيش تسألي عليا ولا حتي هان عليكي تيچي الچامع تشوفيني ولو دجيجة، ما خلاص من لجي أحبابه نسي أصحابه.
عانقته مرة أخري ومسدت فروة رأسه قائلة:
_ أبداً والله يا نور عيني، أني بس كنت مشغولة عنحضر للفرح وكنت ناوية أچيلكو أعزم أمك وأخواتك مهما كان أنتو أهلي.
_ يعني خلاص هتتچوزي أنتي وعمي بكر؟.
_ أدعيلنا أنت بصوتك الحلو دي ربنا يتتملنا علي خير.
_ ربنا يتتملكو علي خير ويبعد شر أمي عنكو.
حدجته بتعجب من مغذي دعائه الأخير، نهض بكر وأقترب منه ليلهيها قائلاً:
_ الله الله يا قمر هانم أنتي وسي عمر، أول ما شوفتو بعض نازلين أحضان وحب وغرام وأني واجف چاركو كيف عود الجصب.
ضحكت قمر وقالت لإغاظته:
_ عمر ده حبيب جلبي ملكش صالح بينتنا.
وأخرجت لسانها بحركة كوميدية
ضحك عمر علي حديثهما ونظرات بكر المتوعدة إليها بمزاح فتدخل قائلاً:
_ ماتصدجهاش يا عمي أني موعدتهاش بحاچة واصل، علي طول بجولها أنتي كيف خايتي يابت الناس.
قهقه بكر وقال:
_ معلش يا أستاذ عمر أني خابر أخليها تبطل تچري وراك، ديتها معاي أحبسها ويا العفريت في الأوضة وأجفل عليها النور والباب.
_ لاء حرام إحنا نوديها لأمي أحسن.
جزت علي شفتها السفلي بحنق:
_والله عال أتلميتو علي بعض وبدأتو حفلة التريجة عليا، ماشي منك ليه، شوفو بجي مين الي هيغديكو عاد.
كتم بكر ضحكاته وأرتسم الجدية:
_ولايهمك ياض ياعمر تعال ننزلو المركز وأغديك عند أحلي حاتي عيسوي كباب وكفته تاكل صوابعك وراه، ونهملها لوحدها تاكل ويا العفريت.
قالها وركض من أمامها قبل أن تصل يديها لقطع الفواكه الزينة البلاستيكية وأخذت تلقي بها عليه وعلي عمر الذي ركض وراءه.
وبعد وصلة المزاح والفكاهة أخذهما وذهبو لتناول الطعام في إحدي المطاعم بالمدينة، فمن يراهم يظن إنهم عائلة بل وأسعد عائلة، لكن كان بكر يواري خلف إبتسامته وضحكاته غضب عارم من تلك الحية نفيسة وأقسم إنه لن يترك حق زوجته فكما وعدها بعشقه وحنانه تعهد بحمايتها وحماية ممتلكاتها وسيقف بالمرصاد لكل طامع في إرثها، قرر العمل في صمت، سوف يجلب حقها ولم يخبرها بشئ، يكفيها حزن وألم من زوجة خالها أو والدته.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ حل الليل بظلامه الدامس فيضيئ القمر والنجوم دروب العشاق القاحلة ويبث بداخل قلوبهم الأمل والحب والطمأنينة.
وعلي قارعة الطريق الذي يبعد عن أي مظاهر للحياة بمئات الأميال، تقف تلك السيارة المعطلة ويجلس علي مقدمتها كليهما في إنتظار أي مساعدة أو شاحنة تمر لإغاثتهم.
_ الصبر من عندك يارب، بجالنا أكتر من تلات ساعات ملطوعين في المطرح المجطوع دي ولا ظهر لنا كلب حتي يعبرنا.
قالتها سمية بتأفف، ف رد عليها صلاح الذي يمسك بهاتفه باحثاً عن إلتقاط أي إشارة:
_ الي يسمعك يقول إنك لوحدك مش معاكي أنا كمان زي زيك.
_ يعني عاچبك الي أحنا فيه!، أهو الليل چه علينا والله أعلم ممكن يطلعلنا ديب ولا سلعوه يخلصو علينا.
هز رأسه بسأم وبإبتسامة قال:
_ الي يخاف من العفريت بيطلعلوله.
رمقته بمكر وقالت:
_ أيوه ما أني خابره المثل ده زين، بأمارة الي حوصل معاي.
وضع هاتفه في جيب سترته و وقف أمامها مباشرة، أنحني نحوها فتراجعت إلي الخلف:
_ أصدك أي يعني؟.
فتحت فاهها بإبتسامة بلهاء وقالت بإستنكار:
_ طبعاً ما جصدكش أنت بالعفريت يا صلوحتي، أني كان جصدي علي المشاكل الي حوصلت جبل ما أشوفك.
ضيق زرقاويتيه المنعكس عليها ضوء القمر قائلاً:
_ آه، بحسب.
حدجها بنظرة أربكتها ليردف:
_ حلوة صلوحتك دي، بس ياريت تخليها بيني وبينك بس.
أومأت له بإبتسامة:
_ حاضر.
صدح عواء ذئب جاء من بعيد فأنتفضت وأمسكت في تلابيب سترته وقالت بخوف:
_ يا مُرك يا سمية أهو ده الي كنت خايفة منيه.
قهقه علي كلماتها ومظهرها الساخر فقال:
_ مش قولتلك الي بيخاف من حاجة بتطلعله، ويا عالم بقي الديب بعيد ولا قريب مننا وياتري ده واحد ولا كتير وإحنا أتنين بس.
ردت بتوتر متلفته من حولها بقلق:
_ ما تهدي يا أبوصلاح، ده أنت لو جاصد ترعبني ما هتجولش إكده.
_ أعملك أي ما أنتي الي من ساعة ما العربية عطلت بينا خلتينا ننزل وكل ما أقولك تعالي نقعد جوه لحد ما تظهر عربية أو أي حد يساعدنا تقوليلي لاء كأني هاكلك لو دخلنا.
قالت بإعتراض:
_ أيوه وألف لاء، چوه العربيه هيبجي مكان مجفول علينا والجزاز فاميه، والشيطان شاطر ممكن يغلبني النوم وأنت تستغل الفرصة وتتغرغر بيا وأني نايمة.
أنتابته نوبة ضحك ويضرب كفوفه في بعضها البعض:
_ يخربيت الأفلام الأبيض وأسود الي واكلة دماغك، الكلام ده لو الي معاكي عيل مراهق أو شاب لسه في العشرينات كل تفكيره في الحاجات دي، ياسمية يا حبيبتي أنا واحد دخل الأربعين وفي مجال قابل فيه كل حاجة، فمش معقولة هعمل الي بتقولي عليه ده،وكلها ساعات وهقابل والدك أطلبك منه للجواز!.
كانت تستمع إليه وقالت بداخل عقلها:
_ ما هو أنت لو ماسوتش إكده، أني الي ممكن هتهور عليك، وأنت حليوة وعيونك الزرجه الي عتلمع ولا ريحة برفانك الي مدوخاني، ده أني الي شكلي هاروح أچيب الشيطان من جفاه.
وجدته يحدق في وجهها بصمت يبدو إنه يقرأ أفكارها من خلال نظرات عينيها له، أزدرد ريقها بتوتر، أرتسمت الجدية وقالت بتصنع :
_ برضك الأصول أصول، أني أتربيت علي إكده.
غمز بإحدي عينيه وقال:
_ ماشي، خلينا ورا الأصول لما نشوف أخرتها.
هبت ريح باردة فأصابها الشعور بالبرد، عقدت ساعديها وأخذت تفرك بيديها لتستمد قليل من الدفء، خلع سترته و وضعها عليها:
_ الجو شكله هيقلب برد، تعالي بقي نقعد جوه ولا لسه مش واثقة فيا؟.
وجدت لديه حق، فهي ترتدي ثوباً ذو بطانة خفيفة قد أشتراه لها في طريقهما لترتديه بدلاً من عباءتها القطنية، تنهدت وقالت:
_ عن شرط، نخلي الأبواب مفتوحة.
فقال بنفاذ صبر:
_ يبقي خلينا هنا في الطل أحسن.
أذعنت أخيراً له و وافقت علي المكوث بداخل السيارة، عم الصمت بينهما وظلت تنظر بشرود إلي الخارج عبر زجاج النافذة، فأنتابه الشعور بالنعاس من هذا الملل، ضغط علي زر فتمدد المقعد إلي الخلف كالمضجع، أغلق عينيه وبعد قليل أنتبهت إليه لتجده يغط في النوم، أنحنت نحوه تتأمل ملامحه وبدون أن تشعر تفوهت بصوت مسموع ظنت إنها تردده في نفسها:
_ خابر يا صلاح، من أول يوم شوفتك فيه برغم كان يوم أسود ومهبب علي الي حصل معاي من صاحبك هولاكو، لكن أنت الحاچة الوحيدة الي هونت عليا أي وچع أستچدعتك جوي لما أنقذتني وخدتني حداك، عارفه أني كنت كيف الدبش وجتها بس غصب عني خوفت لتطلع كيف المدعوج سليم، والحمدلله طلعت أحسن بكتير، وهتبجي أحسن وزين وهاحبك أكتر لو هملت شغلك المشبوه وياه وأتجيت ربنا وتوبت من الي أنت فيه.
فتح عينيه فتلاقت زرقاويتيه بعينيها الكحيلة ذات الأهداب الكثيفة قائلاً بهدوء:
_ أفهم من كلامك أنك فعلاً بتحبيني؟.
عادت أدراجها وأعتدلت في جلستها بخجل:
_ واه كيف سمعتني وأني عتحدت في سري!.
إبتسم إليها وأجاب:
_ لسانك مهنش عليه يخبي كلام قلبك وحب يسمعني الي كان نفسي أتأكد منه.
أشاحت وجهها للجهة الأخري بخجل أكثر وقالت بتوتر:
_ خلاص بجي.
أعاد كرسيه في وضع الجلوس وأمسك بطرف ذقنها لتنظر في عينيه التي تسحرها بالنظر بداخلهما:
_ مش خلاص، أنا عايزة أسمعها منك صريحة من غير أي مقدمات.
أمسكت بتلابيب حجابها وقالت بتوتر:
_ ماجدراش، أجصد يعني كيف أجولهالك ويا عالم أنت كمان حاسس إكده من ناحيتي ولا چوازك مني مچرد شفجة وعطف منك.
قد صدمته بحقيقة طالما يخبأها عنها، فهو بالفعل لايعلم إلي الآن هل مايشعر به نحوها حب أم شفقة بسبب ما بداخله!.
أجاب بإستنكار :
_ بالعكس أنا هاتجوزك عشان أضمن تعيشي معايا وأنتي مطمنة وتكوني في حمايتي علي طول.
إرتفعت زواية فمها بتهكم وقالت:
_ ياه، كيف ما أني حسيت بالظبط، وأني ماهلومك واصل، عندك حق أنا فين وأنت فين، فرج مابين السما والأرض.
زفر بضيق لا يعلم كيف يفسر لها شعوره المتضارب بداخله فقال:
_ أنا عمري ما بصتلك النظرة دي خالص، ولو كنت كده زي ما بتقولي مكنش زماني قالب عليكي الدنيا لما هربتي وفضلت أدور زي المجنون لحد ما عرفت طريقك و وصلت ليكي.
_ أومال عتكابر ليه وتلف وتدور في الإچابة، منين ما عتحبنيش ومنين رايد تتچوزني، عايزه أفهمها.
هز رأسه بسأم وقال:
_ هتصدقيني لو قولتلك لأنك شبهي!.
رمقته بدهشة فأطلق تنهيدة وكأنه يزيح حملاً ثقيلاً من فوق صدره ليردف:
_ طفل عنده أربع سنين بعد ما كان عايش في سعادة وسط والده و والدته فجاءة لقي نفسه وحيد بعد ما والدته أتوفت بسبب إنها كانت مريضة كانسر، و والده بدل ماياخده في حضنه ويحتويه راح أتجوز واحدة كان شرطها إنها موافقة عليه بس مش هتربي عيال، والنتيجة أترمي عند جدته المسنة الي محتاجة حد يراعيها مش العكس، عاش الطفل مابين عطف الجيران علي حس جدته لحد ما بقي عنده عشر سنين وجدته ماتت، رجع لأبوه وياريته ما رجع، تخيلي عاش تحت رحمة مرات أبوه الي كانت بتحط له بواقي أكلهم كأنه حيوان وتنيمه علي الأرض في عز الشتا بغطا يا دوب يدفيه، والي كان ما خليه ساكت علي الذل والإهانة كانت بتهدده لو أشتكي هتخلي أبوه يقعدو من المدرسة، ده غير كم من إتهامات هتلفقها ليه عشان يبقي العقاب مضاعف، سكت وأستحمل لحد ما كبر ودخل ثانوي عام وبيشتغل في نفس الوقت عشان يوفر فلوس لمصاريفه، كان أمنيته يدخل كلية حقوق ويبقي محامي ويدافع عن كل المظلومين، الوقت ده قرر إنه يسيب العيشة مع أبوه ومراته الشيطانة الي أتحولت معاملتها فجاءة من كتلة قسوة وشر لمعاملة تانية خالص فهم غرضها منه أي، مكفهاش الي عملته فيه وهو صغير كمان عايزه تستولي علي شبابه في علاقة قذرة، ولما رفض وهددها إنه هيفضحها وهيقول لأبوه لو مابعدتش عنه راحت بكل وساخة وأتهمته بأنه حاول يعتدي عليها ومش بس كده وكمان أتهمته إنها شافته بيشرب مخدرات، أبوه طبعاً كالعادة مصدقش دفاعه عن نفسه وطرده في الشارع.
صمت قليلاً حيث خانته عبراته وأنسدلت بجانب عينيه، قام بتجفيفها بطرف أنامله وأستطرد حديثه:
_ فضل يعافر ويواجه مشاكل وصعاب كانت أقوي من أي حد في سنه يستحملها لحد ما أتخرج وخد الشهادة وجاتله فرصة سفر لفرنسا أشتغل هناك وكمل دراسته، وكأي مواطن عربي مسلم بيتعامل كدرجة تالته، و حظه تقع قضية رجل أعمال فرنسي ضد راجل أعمال أصوله عربية التاني الي كان رافعها وبمهارته وذكاءه المهني قدر يكسب القضية لصالح موكله العربي، ملحقش يفرح بالنجاح فبدأ الإنتقام من الفرنسي الي طلع شغال في المافيا وكان ليه وزنه كمان، أنتقم من خصمه والمحامي الي نال ن الحب جانب زي مابيقولو خد علقة موت كان هيروح فيها وقفله مكتبه، صاحبنا ميأسش أستني لحد ما يتعالج ويقف علي رجله وفي الوقت ده أتعرف علي رجل أعمال مشهور أسمه داغر العقبي وإبنه الي كان ماسك أعماله وقتها في باريس، كان داغر ليه تار مع الراجل الفرنسي ولما عرف الي حصل ليه علي أيد رجالته من محاولة قتل فأتفقو مع بعض عشان ينتقمو منه أشر الإنتقام، وفعلاً في خلال شهرين قلبنا الرأي العام علي الراجل ده الي مستحملش العواقب الي حصلتله من خسارة كبيرة في السوق حتي في المافيا قلبو عليه وأتفقو أنهم يصفوه وقبل ما يتخلصو منه لحق نفسه وأنتحر، من هنا بدأت علاقة الصداقة والمصالح مابين المحامي ومابين إبن رجل الأعمال المصري وبقي محاميه الخاص ، وكانت بداية كيان وإسم صلاح أيوب.
_ ياه، كيف ما جولت بالظبط، حكايتك عتشبه حكايتي مع بعض الأختلاف، أني كمان أتربيت في ذل مرات الأب وسلبية أبوي الي مسلملها كل حاچة وهي الأمر والناهي، كان كل الي يهمها تتخلص مني بأي طريجة ولولا زنها علي ودان أبوي الي كان رافض أكمل علامي بحچة البت مهما أتعلمت ملهاش غير بيت چوزها في الآخر، مكنتش دخلت ثانوي تمريض وأكمل منه معهد وأشتغل في نفس الوجت، هي الي أجنعته يهملني أسوي الي نفسي فيه، ومن وجتها بجت ليا حياتي الخاصة وعيشت بعيد عنهم مرة في سكن ويا أصحابي، مرة أقعد عند جرايب أمي الله يرحمها وأهي الأيام بتعدي، وحياتي أنجلبت يوم ما وجعت في يد الي مايتسمي.
ضحك من جملتها الأخيرة قائلاً:
_ وربنا أنتي مشكلة ملهاش حل.
_ فاكرني عهزر، أني كل شوي أدعي عليه، خابر أنت العلامة الي عيلزقوها علي علب الكهربا بتاعت الچمچمة والعضمتين وتحتها أحترس خطر الموت، أهم المفروض يحطو صورة سليم بدالها هيلاجو الناس هتخاف وماهتجربش منيها وكمان علب السچاير لو حطو صورته إن التدخين ضار ومؤدي إلي سليم هتلاجي ناس أد إكده خافت وبطلت شرب السچاير.
يستمع لها في حالة ضحك هيسترية حتي بدأ يهدأ:
_ أبوس أيدك كفاية قلبي هيوقف من كتر الضحك.
رمقته بنظرة رومانسية حالمة وقالت بصوت عذب:
_ ألف بعد الشر علي جلبك.
أخذ يحدق في عينيها بصمت ثم قال:
_ ممكن تديني فرصة يا سمية؟.
علمت ما يقصده من وراء سؤاله، فمشاعره غير مستقرة حالياً وغير قادر علي الحكم عليها نحوها، لكن هي أقسمت إنها رأت بداخل زرقاويتيه شعاع نور مصدره يكمن في قلبه الذي ينبض إليها، بينما عقله يتخذ علاقتهما بآلية غير متأثراً بالقلب.
عادت بظهرها إلي الوراء وأجابت بصوت أخبره كم هي وقعت في عشقه من الوهلة الأولي:
_ أيوه هديك عمري كله، لكن بشرط واحد.
أعتدل وجلس منتبهاً إليها فأردفت بجدية وصرامة أنبلجت بداخل عينيها:
_ الخيانة، لو في يوم أكتشفت إنك عتخوني هيبجي آخر يوم ليا وياك وتنساني واصل، لأني ما هسامحش مهما إن كان، و وجتها لو قعدت تلف الأرض كلها عشان تلاجيني ما هتوصل ليا عاد.
أمسك بيدها وطبع قبلة بداخل كفها وعينيه لاتبرح خاصتها قائلاً:
_ وأنا أوعدك عمري ما هخونك وهكون كل حاجة ليكي، أمانك والحضن الي هيحميكي من غدر الزمن وأي حد هيحاول يقرب منك.
سحبت يدها فوجهها كان كثمرة الفروالة من شدة الخجل، أخذت تردد الشكر والحمدلله علي وهبها هذا الرجل النبيل والتي ستعمل علي تغيره بشتي الطرق، فالحب يفعل المعجزات كما قالو أجدادنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بعد إنتهاءه من عمل طوال اليوم في وسط الغبار وحرارة الشمس وجدال وفصال مع الزبائن، حمل ماتبقي من بضاعته ولم يغفل طوال الوقت عن إهتمامها الواضح تماماً، حيث كانت ترسل إليه مشروبات وبعض الشطائر خلال عامل المقهي المدعو هيما والذي لاحظ أيضاً هذا الإهتمام وكلما قدم إليه مشروباً وبرفقته طعاماً يغمز له بعينه وجملة يكررها في كل مرة :
_ ست البنات بتمسي عليك يا برنس الشهامة والجدعنة.
وكلما ينظر بعدها نحو المتجر يجدها تنظر إليه ترمقه بإبتسامة تكاد تصل لأذنيها، فيبادلها بمثلها وبداخله لايريد أن يتمادي معها حتي لاتتعلق بشئ لم يستطيع أن يقدمه لها فقلبه وعقله ملكاً لأخري ومن المستحيل أن يعشق سواها حتي لو كانت في جمال شهد الذي يجعل جميع الرجال من حولها يتهافتون عليها ويتقربون من الحاج نعمان والدها من أجل الزواج منها، من يترك فتاة في منتصف العشرينات صارخة الجمال ذات حسب ونسب والوريثة الوحيدة لوالدها الذي يمتلك متجر كبير وشهير في موقع ممتاز في وسط البلد وكما يمتلك أيضاً بناء من خمس طوابق في إحدي ضواحي الجيزة.
فهي حلم ومطمع لكل رجل وشاب لهم سابق معرفة بها وبوالدها.
فتلك المعلومات لم يخبأها هيما عن فارس أثناء دردشة ودية بينهما، فكان لحديثه هدف ما فأجفله الآخر ب ردة فعله وهي عدم الإكتراث بكل هذا فأخبره بطريقة غير مباشرة إنه مجرد شاب فقير يسعي لكسب المال الذي يكفيه بالكاد، ولا يضع في ذهنه أي شئ آخر.
كانت تلك الأفكار تدور في فلك ذهنه وهو بداخل سيارة الأجرة الجماعية، فأنتبه إنه علي وشك الوصول، طلب من السائق الوقوف جانباً، ترجل من السيارة وتذكر شيئاً ما كلما كان سيفعله تخونه ذاكرته وينسي.
سار إلي أقرب كشك وقال للبائع:
_حداك محمول يا حاچ.
رد البائع صاحب الملامح الوديعة بصوت ذو بحة:
_ أه يابني عندك جمب علب السجاير.
أمسك بالهاتف و نقر الرقم الذي يحفظه عن ظهر قلب بللهفة وإشتياق، لكن خابت آماله وفرحته فوجد الهاتف مغلق، قام بالإتصال مرة أخري لكن علي رقم آخر وأنتظر حتي جاءه الرد:
_ الو، مين معاي؟.
رد بصوت منخفض وبسعادة عارمة:
_ أني فارس يا عم چابر.
_ فارس، فينك إكده يا ولدي أي الي حوصل وياك؟.
_ أني بخير الحمدلله وعايش بعيد عن النچع، وكيف ماسمعت في الأخبار طلع علينا في عربية الترحيلات عصابة هربت كبيرها وهربنا إحنا كمان وربنا رزجني بصاحب چدع ما عيفرجنيش واصل.
_ طمنت جلبي يا ولدي الله يفك كربك ويظهر براءتك قادر يا كريم.
سأله بقلق:
_ لسه مفيش أخبار چديدة خابرك بيها المحامي؟.
أجاب جابر بقلة حيلة وإحراج:
_ لسه والله يا ولدي، خاصة موضوع هروبك دي صعب الموضوع أكتر، خايف لأجولك تسلم حالك تلاجي الحكومه حاطه عليك وهيبهدولك أكتر وفي نفس الوجت بجول خليك مكانك لو أنت عايش زين لحد ما توصل لبراءتك أنت من ناحية وإحنا والمحامي من ناحية تانية.
تجهمت ملامحه و رد بسأم:
_ إن شاء الله يا عمي، أدعولي وخلي الخالة هنادي تدعيلي كتير، أومال فينها إكده أتوحشتني جوي.
أجاب بتوتر فهو يخشي أن يسألها عن زينب وهي رغماً عنها ستخبره حتي لا يعلق قلبه وحياته عليها، يكفيه آلام وأوجاعاً وظلم لن يتحمله بشر.
_ معلش يا ولدي، أصلها كانت صاحية من الفچر ونامت من بعد صلاة العشا وأنت خابر صعب أصحيها.
أطبق شفتيه ثم قام بتفريقهما ليقول:
_ سلملي عليها كتير لما تصحي وأني هبجي أتصل بيكو مرة تانية بإذن الله.
_ حاضر، أنت محتاچ أي حاچة أبعتهالك؟.
_ لاء، ياعمي مستورة والحمدلله أني عشتغل ومعاي الي يكفيني وزيادة.
_ ماتنكسفش يا ولدي كله من خيركم، مهما عطيتك كله من خير ابوك الله يرحمه.
_ الله يرحمه، متشكر ياعمي خليك لوجت الحوچة.
_ ربنا ما يحوچك أبداً لحد واصل يا ولدي.
_ تسلم ياعمي، مع السلامة.
أنتهي من المكالمة وقام بمحاسبة البائع، وسار نحو طريق المنزل، فأوقفه رؤية شريف زميلهم الثالث بالمسكن، يجلس بداخل سياره جوار إمرأه أربعينية يمسك بيدها ويقبل كفها وأتبعها بقبلة خاطفة علي وجنتها مع إبتسامة لم تفارق ثغره، وكاد ينزل فأوقفته السيدة وأعطته ظرف قام بفتحه واخرج منه بعض ورقات من المال ثم ألقاهم بداخل الظرف و وضعه في جيب سترته الداخلي.
كانت مئات الأفكار تدور بداخل عقل فارس فهل ما أدركه الآن هو صحيح!.
ألقي السؤال علي حاله ويخشي الإجابة المتوقعة:
_ ياتري حكايتك أي أنت كمان يا شريف؟.
ــــــــــــــــــــــــــ
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية