رواية عطر القسوة الفصل الاول 1 - بقلم داليا الكومي

  رواية عطر القسوة (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم داليا الكومي

رواية عطر القسوة الفصل الاول 1 - بقلم داليا الكومي

" ترتبط أزمة هوية الأنا من وجهة نظر اريكسون بمرحلة المراهقة وبدايات الشباب حيث تمثل المطلب الأساسي للنمو في خلال هذه المرحلة حيث تعبرعن نقطة تحول نحو الاستقلالية الضرورية للنمو السلوكى في مرحلة الرشد وتنمو الأنا من وجهة نظره من خلال ثمان مراحل متتابعة يواجه الفرد في كل مرحلة منهم ازمة معينة ويتحدد مسار نموه تبعًا لطبيعة حلها ايجابًا أو سلبًا متأثرًا بعدة عوامل اجتماعية وثقافية وشخصية ...لذلك فإن ارتباط المتغيرات النفسية كالنمو النفسي التوافقى باضطراب هوية الأنا خلال مرحلة المراهقة بدرجة تؤدى بهم في نهاية المطاف إلى تأكيد ذواتهم بأسلوب سلبي يتمثل في اضطراب وتشتيت الهوية أو تبنى هوية  سلبية والإناث اكثر ميولا للوقوع في رتبة انغلاق الهوية مقارنة بالذكور " ...

                                                                                                                              جيمس مارشا              

العقل البشري معجزة الهية بكل المقاييس وعلي الرغم من حجمه الصغير إلا أنه المتحكم الرئيسى في الجسد كله .. حركاته وسكونه .. استجابته للمؤثرات أو لا .. ملايين الخلايا العصبية الدقيقة تتناغم سويًا في ابداع يحتاج إلي التأمل .. والأهم يتحكم في التصرفات الارادية المبنية علي سطحية التفكير أو تفاهته .. قد تجد فتاة ضئيلة حجمها نصف حجم رجل بالغ لكنها تتصرف برشد وعقلانية لا يتحلي بهما مطلقًا وتتفاوت ردود الافعال علي المؤثرات

ما قد تعتبره بعض العقول تحررًا وتحضر يكون في الحقيقة فسق وفجور .. وما قد يسمح به بعض الأباء لابنائهم قد يدخل تحت مسمى الافساد .. ولكن حينما يكون العقل هو الرقيب فدائمًا يكون هناك أمل ..

الهوية النفسية,, وهوية الأنا !! أحيانًا القراءة المتعمقة تضر ولا تفيد .. ليتها سطحية لتنعم بالهدوء.. اغلقت كتاب الهوية النفسية لجيمس مارشا واغمضت عينيها بألم ....- يا الله أين هويتى.... من أنا ؟ ضياع ضياع ...

ماذا ستفعلين اليوم أيتها المجنونة ..؟؟؟ عودى لعقلك  ..

اكملت حديثها البائس لنفسها ومرارة العلقم تملىء حلقها ..

" مبارك عليكِ الزواج  يا أمى ومبارك عليكِ سارة الجديدة أيضًا "
انها علي وشك فقدان تام لعقلها المسكين .. الصراع الذى يعتمل في داخلها اقوى من تحملها ..

الرحمة .. أنا لم يعد في امكانى التحمل...كفى يا عقلي اصمت...لسنوات وأنت ترهقنى... لتسعة عشر عامًا وأنا اطيعك ولم اجنى سوى الهم .. ألا تري حال تالا ؟؟؟ انها تعيش بسعادة وراحة بال وطالما هى سعيدة اذا أنا أيضًا سأكون.. أليس هذا حال التؤام ؟؟ 
ولأجل حسم صراعها المرهق مع عقلها .. التقطت هاتفها النقال واتصلت بوائل لتضع نفسها أمام الأمر الواقع ...الطريق الذى لطالما اعتبرته مظلمًا ومحرمًا قررت خوضه أخيرًا فأهلا بالخطيئة التى تحرر النفس ...
جرس اثنان ثلاثة ستتراجع الآن ..رجاءً لا تجيب أنا ..أنا ..                                                                               لكن لخيبة أملها اجاب وسألها بدهشة بالغة عندما تعرف علي صوتها ...- يالها من مفاجأة مذهلة .. القمر شخصيًا قرر التنازل واسمعنى صوته الجميل.. هل أنتِ فعلا سارة ؟؟ أم أنا مت وانتقلت إلي الجنة ..  
تلعثمت وهى تجيبه .... - وائل ... وائل أنت ..
-  أنا ماذا ؟؟ سارة ...؟؟
- أنت...؟ 
اعنى مازالت دعوتك لي بمرافقتك إلي الأسكندرية قائمة ؟؟؟ اعنى هل ما زلت ترغب في دعوتى ...؟
كاد يقفز من السعادة وعدم التصديق مع كلماتها ...- سارة ..هل أنتِ جادة فعلا ؟؟ لا أستطيع التصديق ماذا حدث ؟؟ لشهور وأنا اعرض عليكِ فقط الخروج لسهرة في المدينة وأنتِ ترفضين وفجأة تقبلين دعوة كنت امزح وأنا اعرضها, لابد وأن افهم
عادت لتسأله بتردد ...- ستذهب تالا معكم أليس كذلك ...؟
 اجابها موضحًا ... - تالا هناك بالفعل منذ أمس ..سافرت مع حازم ومعظم اصدقائنا ... قرروا أمس السفر والمبيت في الأسكندرية  ...  أنا فقط تبقيت حتى اجد أمى لتعطينى نفقات السفر .. اختفت تمامًا ولا اعلم أين هى ..
" شقيقتها الوحيدة لم تقضى الليلة في المنزل وهى حتى لا تعلم .. " فكرت في نفسها بألم.." يا الله تالا غير متواجدة في المنزل منذ البارحة وأنا لا اعلم ... أي علاقة غريبة مشتتة تربط بيننا...؟ "                                                            - حسنًا وائل ..أنا اوافق علي دعوتك ..
مازال متشككًا .. التى تحدثه الآن لا تبدو كسارة المتزمتة التى يعرفها أبدًا .. هل ستسمم أبدانهم بكلماتها القاتلة الخاصة بالعفة والاستقامة .. ستكون رحلة النكد اذًا ..حذرها...                                                                                     - سارة .. رحلتنا للمتعة والانبساط .. هناك ننسي من نحن .. حتى اسمائنا ننساها وبالتأكيد لا نريد مواعظ .. هل تفهمين ما اعنى ..؟ 
مخدرات ...جنس ...سهر ...شراب كله سيكون علي لائحتنا...أنا اخبرك بما ينتظرك هناك .. الفرصة مازالت أمامك لتغيير رأيك لكن هناك لا رجوع مطلقًا  .. حقيقة ما أقوله الآن لا يشبهنى علي الأطلاق وبه أضيع فرصتى لنيلك,, فالأخلاق الملائكية تلك لا تناسبنى لكن سارة  أنتِ لا تشبهينا علي الأطلاق .. لمصلحتك فكري مجددًا ..
نعم قرارها متسرع عنيد لكنها مصرة .. ستخوض تلك الدنيا.. اصرت بعناد ...- وائل أنا فكرت جيدًا ولا اريد تغيير رأيي.. 
جميلة للغاية .. وزهرة بريئة لم تمس .. وتبدو عاقدة العزم علي امتاع نفسها في ملذاتهم .. اذًا فلتفعل ..هتف بسعادة غامرة .. - حسنًا اتفقنا ..سأمر عليك قرابة السادسة مساءً.. أين تقيمين حاليًا .. ليضيف ساخرًا " مامى أم دادى..؟ "
لتجيبه بكل ما في الدنيا من مرارة...- اقيم حاليًا عند أمى 
- اذًا  انتظرينى هناك.. إلي اللقاء الأن لأواصل البحث عن أمى ..                                                                        ثم ليتذمر بغضب وهو يضيف ..- قد تختفي بالأسابيع وتسافر لخارج مصر دون حتى تكليف نفسها بعناء اخباري ..
انهت المكالمة وعينيها ممتلئة بالدموع ... هنئت نفسها بسخرية ..." مبارك يا سارة ...وصلتى أخيرًا للطريق الذى تجنبتيه لسنوات " من اليوم سترافق شلة من المهوسيين ومدمنى المخدرات ...

كل افراد الشلة يعانون من الاهمال ...أموال بدون رقيب أو حسيب والدليل الحى والدة وائل التى حتى لا يعرف أين هى أو ماذا تفعل .. أي حياة تلك ؟؟؟   
طرقات رقيقة علي الباب قطعت افكارها ..
تجاهلت الطرقات بعناد ...لكن الطرقات لم تتوقف بل استمرت بنفس الخفة وأيضًا استمرت في تجاهلها لكن في النهاية فتح الباب برفق ودخلت منه سيدة رائعة الجمال والتى قالت في اهتمام واضح ...
 - سارة... أنا اعلم أنكِ في الغرفة... لماذا أنتِ متشددة هكذا ولا مرونة لديكِ مطلقًا ؟ أنتِ صغيرة علي هذه التكشيرة  التجاعيد يا حبيبتى ألا تخشيها ..؟؟ ستظهر علي وجهك الجميل مبكرًا ...  

انظرى إلي جمالي ..أنا احتفظ به إلي الآن لأننى لا احمل أي هم واستمتع بحياتى... في الحقيقة أنتِ وتالا تتمتعان بجمال مذهل لدرجة الحسد .. تالا جمالها واضح وصريح مغرية وجذابة.. مشرقة واجتماعية ولها حياة لكن أنتِ حبيبتى منعزلة وكئيبة  ..

اجابتها بألم ... - أمى ... يكفى هذا من فضلك 
لتكمل راجية تأنيبها ... - كما تريدين أنا اعلم أنكِ عنيدة وكئيبة وتضعين نفسك مع العجائز وتفكرين مثلهم ...انظري إلي تا...
ستحدثها عن تالا مجددًا .. دائمًا تالا ... فاض بها الكيل فقاطعتها ...- حسنًا أمى .. سأسافر إلي الأسكندرية مع تالا وأصدقائها .. هل أنتِ راضية الآن ؟؟؟

-       ok honey ..have fun 

 ما فكرة والدتها بالضبط عن المرح والمتعة البريئة ..؟؟ هل تعلم ما تفعله تالا واصدقائها بالتحديد أم انها حتى لا تشغل بالها بالسؤال .. والدتها علي الرغم من حنيتها إلا أنها سطحية بصورة كبيرة ...
ثم لم تتمكن من كبح جماح سخريتها فعلقت بتهكم ...- اتعجب حقًا .. لماذا ما زلتى في المنزل حتى الآن ..؟ اعتقدتك ستسافرين  لرحلة شهر العسل اليوم مع زوجك رقم.. رقم ..؟ اخبرينى ما رقمه فأنا توقفت عن العد بعد الثالث ..
المسكينة سعيدة بالزواج فعلا .. اجابتها بفرح وتجاهلت تعليقها اللاذع ...- سأرحل حالا أنا اتيت لتوديعك  ...سنتجه إلي باريس انها مثالية لشهرعسل رومانسي وابتسمت بلطف وهى تكمل ..- ومن أجل التسوق أيضًا .. التسوق هناك متعة  .. ماذا احضر لكِ من هناك ؟؟ 
ملابس هدايا عطور؟؟ .. لا لا اريد .. أنا اريد أمًا حقيقية هل تعلمين أين اجد واحدة ...؟ 

هزت رأسها بألم ...- لا شكرًا لا اريد ...  خزانتى اشتكت من ملابس لا استعملها .. حقًا لم تلاحظى أننى لم استعمل يومًا ما تهدينه اياه ..؟؟  هذه الأشياء تناسب تالا أمى أما أنا فاختار ملابسي بنفسي ..  

لا وقت لديها لحملها علي تغيير رأيها الآن ... لكنها متألمة من انعزالها الواضح .. ابنتها لا تستمتع مطلقًا بحياتها وشعلتها في الحياة تخبو ...  قالت باهتمام حقيقي...- من الجيد حبيبتى أنكِ سترافقين تالا و تخرجين قليلا من قوقعتك أيضًا كنتِ ستملين من البقاء بمفردك...ثم فجأة سألتها بفضول عجزت عن اخفائه ... 
- كيف حال والدك مع عروسه الجديدة  ؟؟ هل حقًا عمرها عشرون عامًا ؟؟
كلاهما يتنافس في الزواج مجددًا ..  هزت رأسها ببطء... - نعم صحيح ... نرمين صديقة تالا ألا تعرفينها ؟؟

لكن منذ متى كانت والدتها تهتم بمعرفة اصدقائهما أو اهتمامتهما ...؟؟

كل ما كان يشغلها هو مظهرها الخارجى وبهوس كبير,, زيجاتها المتعددة والانفاق ببذخ يصل لحد الاسراف الشديد... 

وعلي الرغم من يقينها التام بأنها تحبهما فعلا وعاطفتها شديدة وقوية وربما تسيبها معهما من شدة حبها الذى لا تعرف كيف تعبر عنه  فتلبي كل رغباتهما حتى اللامنطقية منها رغبة في تدليلهما بزيادة لكن كان هناك دائمًا اهتمامها المرضى بأناقتها وجمالها اللذان  شغلا كل وقتها وطغيا علي طبيعتها الفطرية كأم .. تصرفات جعلتها تفتقد وجود دور الأم في حياتها  حتى أنها لا تلوم تالا علي تحررها

وهاهى تثبت أن تواجدها مع ابنتها بحساب .. حسابات تفوق مقدرتها البسيطة علي الفهم .. الأم الطبيعية لا حساب لديها في العطاء وخصوصًا ذلك المتعلق بالوقت .. نظرتها المتلهفة إلي ساعة يدها  لخصت حالها وهى تقول ...- لقد تأخرت كثيرًا عاصى ينتظرنى للرحيل ...أنتِ تعلمين الرقم السرى لخزنتى في حال احتياجك للأموال ... 
لا لن تبكى وخصوصًا بعد قرارها اليوم الذى سيجعلها أقوى وأكثر تحررًا ... حبست دموعها التى تهددها بالتساقط كحالها دائمًا بعد زيجاتها المتعددة... واجهت نفسها .. " لا.. لن ابكى مجددًا أنا لا احتاج لأى منهما ... ليتنى كنت مثل تالا لربما كنت أفضل حالا..."

شريط حياتها مر في رأسها منذ يوم طلاق والدها المليونيرالشهير من والدتها سيدة المجتمع...وزواج كل منهما عدة مرات  وانتقالها المتكرر بين منزليهما... 
كفي يا سارة اثارة للماء الراكد ..اذا كانت تالا هى المثال في نظرهما  ..اذا سوف اكون مثلها تمامًا ...                           سأتمرد علي قوانينى أنا .. بدأت في اعداد حقيبة سفرها وتعمدت ملؤها بملابس كانت ترفض سابقًا استعمالهم ..

من الآن أنا سارة الجديدة والغير كئيبة كما اسمتنى ماما فلربما اجد الراحة مثلهم واعيش في سلام افتقده ...
بحلول السادسة مساءً كانت قد استعدت للخروج ...اختارت سروال ضيق من الجينز الأزرق يعود لتالا وبلوزة بيضاء شفافة قصيرة ومع الحركة تظهر جزء من معدتها المسطحة  يثبتها علي كتفها حمالة رفيعة وتترك كتفها الأخر عاريًا  ... زينت اذنيها بأقراط كبيرة تشبه اقراط الغجر وطلت اظافرها بلون أسود غامق ووضعت مكياج صارخ علي وجهها الجميل ورشة من عطر والدتها المفضل ...

اختارت تحديد عينيها العسليتين بلون أخضر داكن وجمعت شعرها البنى الفاتح الطويل  علي شكل ضفيرة ضخمة تعمدت ترك مسافات عند جدلها وتركتها لتسترسل باهمال علي كتفها الأيسرالعاري .. وعندما علمت أنها نجحت في الظهور بالمظهر العابث الذى كانت ترغبه .. اتجهت لاعداد حقيبة يدها ..  في الحقيقة كانت تشك بأنها ستنجح في الظهور بمظهر الساقطة لكن لدهشتها الشخصية نجحت بامتياز ..

وضعت في حقيبه يدها بعض احتياجاتها الشخصية من أدوات الزينة والعطور وفرشاة للشعر ..أنها الآن مستعدة لخوض تجربة عمرها ويتبقي الشق الأصعب .. مواجهة داده عزيزة المسكينة والتى سوف تتلقي صدمة عمرها بمجرد رؤية ملابسها ناهيك عن خططها في السفر ...

 أهلا بتحرري ووداعًا يا قيودى من اليوم سأحلق فوق مبادئى وادوس بقدمى برائتى وهمومى .. ""

تظاهرت بالبرود وهبطت إلي الطابق الأسفل من فيلا والدتها وجلست في انتظار وائل...

 الحقيبة من فضلك يا داده ..-

منظر الداده المصعوق من مظهرها الغير لائق لم يكن سوى ما توقعته تمامًا فلأول مرة في حياتها تراها ترتدى بمثل هذا الشكل الفاضح ... ثم لتهتف بعدم تصديق ..            

- سارة.. لماذا ترتدين هكذا ؟؟؟ هل ستذهبين لمنزل والدك ؟؟ حبيبتى أنتِ لا تشعرين بالراحة هناك وزوجته الجديدة تنغص عليكِ أيامك كلما ذهبتِ إلي هناك وتعودين فورًا ومزاجك متعكر من تصرفاتها الحمقاء وسلبية والدك.. 
لا لن أذهب عند نرمين ..!! خفضت عينيها وتجنبت النظر في عينى الداده المنتظرة لاجابتها ..قالت وهى تشعر بالذنب..     - لا داده ..أنا لن أذهب لزيارة أبي 
بالطبع سؤالها المنطقي الوحيد سيكون...- اذا أين ستذهبين ؟
كانت مازالت تتجنب النظر في عينيها كيف ستتجرأ وتنظر في عينين ستلومانها بالتأكيد  ...- سأذهب إلي الأسكندرية مع تالا وأصدقائها ..
صدمتها كانت عنيفة ..أخر ما توقعته أن تقول سارة الرزينة مثل ذلك الكلام .. ألم تربيها بنفسها وتعلم بأخلاقها جيدًا ..        هى لديها من الفطنة ما يكفيها لمعرفة ما تفعلة شلة تالا من فجور سارة ابعد ما تكون عنه .. صرخت من الصدمة...

- لماذا يا حبيبتى ..؟ ما علاقتك أنتِ بتالا وأصدقائها ..؟ 
لتجيبها وهى تجاهد لوضع قناع اللامبالاة علي وجهها ...-  سأكون واحدة منهم من اليوم .. ولا تحاولي اثنائي فأنا قد قررت 
آه يا ابنتى الغالية .. بكت بحرارة ...- سارة !!  أنا قمت بتربيتك منذ أن كان عمرك يومًا واحدًا واعرفك جيدًا أكثر مما تعرفين نفسك حتى .. أنتِ بعيدة كل البعد عن طريق تالا المنحل ..أنتِ .. أنتِ بريئة .. ماذا حدث لكِ اليوم ؟؟  أنا اشعر أنى لا اعرفك مطلقًا ..  هل مازلتى تهتمين لأمر حازم ؟؟ حبيبتى أنتِ لن تصمدى أمام جبروت تالا .. لقد هددتك بأنها ستأخذه لنفسها وقد فعلت بكل سهولة .. 
 ومع أن جرح قلبها مازال ينزف إلا أنها نفت بشدة ...- أنا لا أهتم له مطلقًا... حازم تافه ولن اتعلق بتافه مثله .. فقط كانت مشاعر مراهقة غبية وانتهت في اليوم الذى فضل فيه تالا عنى .. أنتِ أفضل من يعلم .. فعليًا لم تكن لى علاقة به مطلقًا  ومن الجيد أن تالا استمالته عندما لاحظت اهتمامه بي  حتى اعلم حقيقته .. فما هو إلا تافه لا يهتم بي أو بها 
طفلتها البريئة علي وشك الضياع التام .. استمرت في البكاء ...- لأجلي سارة .. تراجعى عن ما تنويه .. أنتِ ستدمرين نفسك حبيبتى ..

الطريق الذى اختارته لا عودة منه وهى تعلم ذلك جيدًا .. فقدان حازم اشعل بداخلها نارًا احرقتها وزواج والدتها الأخير توج شعورها بالمرارة ..ستدمر نفسها بنفسها   ...- للأسف لم يعد هناك مفر ... وائل ينتظرنى بالخارج ..إلي اللقاء حبيبتى ولا تحاولي الاتصال بى لأننى سأترك هاتفي النقال هنا ...

وبقدمين مرتعشتين خطت خطوات قليلة في اتجاه المجهول ثم عادت لتقول بحزن مزق قلب الداده ..- سامحينى حبيبتى أنا لم أعرف سواكِ أم ولا اريدك أن تغضبي منى .. ثم لتكمل طريقها وتندس في سيارة وائل الرياضية التى قادها بسرعة جنونية فور ركوبها بجواره كأنه يجبرها علي عدم التراجع... 
في الطريق ادار مشغل الاسطوانات في سيارته علي أعلي درجه لدرجة انها شعرت بالغثيان... الصدى المميز للسماعات تشعر به في احشائها ...
وائل... اخفض الصوت قليلا.. - 
ها قد بدأت... تذمر ...- هل بدأتى المواعظ سارة ..؟ ألم نتفق .. لا مواعظ من اليوم ..ثم أننى احتفل .. كيف لا احتفل واجمل فتاة اعرفها ستكون ملكي من اليوم .. ولتأكيد كلامه شغل مثبت السرعة ووضع ذراعه حولها ورفع هاتفه النقال ليلتقط لهما صورة " سيلفي " لتخلد فرحته

كلمته "ملكى" ولمسته  اثارتا رعشة اشمئزاز في كل جسدها النحيل ...شغلت نفسها بمراقبة الطريق من نافذتها... 
أشجارخضراء تقف كالحرس علي جانبي الطريق  ..أراضي زراعية ممتدة علي مرمى البصر ...منازل الفلاحين صممت ببساطة جعلتها تحسد ساكنيها علي خلوهم من تعقيدات الحياة التى تواجهها هى نفسها  ...كلها اماكن نظيفة جميلة .....       هواء نظيف ملىء رئتيها ...غسلهما داخليًا من أي مرارة ...الشمس الغاربة كانت تلقي بظلال الرهبة علي المكان ...

ربطها شيئًا غامضًا بهذه الأرض الساحرة وسيطرعليها بدرجة كبيرة  ...قلب كيانها...  برحيل اخر ضوء للنهار شعرت بالاختناق فجأة .. فالهواء الذى دخل رئتيها ليغسلها عجزعن الخروج مجددًا واحتبس بالداخل ... حاولت اخراجه ولكنها فشلت واصبحت تشعربضيق شديد في تنفسها السريع الضحل.. صرخت فيه بحدة ارعبته ...
- وائل .. أوقف السيارة فورًا ...
مع جملتها اوقف السيارة فجأة بفرملة رهيبة كادت معها رأسها تصطدم بزجاج السيارة الأمامى
- سارة .. ماذا حدث ؟؟ 
التقطت حقيبة يدها الجلدية وفتحت باب السيارة وشقت طريقها في وسط المروج الخضراءالتى سحرتها كليًا بجمالها الطبيعى النقي .. 
إلي الآن لا يفهم ماذا تفعل .. لحقها بسرعة وامسك بذراعها بقوة...- إلي أين  تذهبين أيتها المجنونة ؟؟؟ 
حاولت سحب ذراعها من قبضته وامرته بلهجة واضحة ...- اكمل أنت طريقك ودعنى هنا 
رد ببلاهة وهو لازال يمسكها بقوة المتها ...- ماذا تقولين يا معتوهة ؟؟ تريدين منى أن اتركك هنا في الظلام وسط اللامكان ..؟
" نعم " أكدت بصرامة لا تقبل الجدال  ...- نعم ...أنا غيرت رأيي لن ارافقك إلي الأسكندرية .. سأعود إلي القاهرة
جن تمامًا عندما اخبرته بتغيير رأيها ... حاول اجبارها علي ركوب سيارته بالقوة وهو يقول بلهجة غاضبة  ...                  - هذا ليس واردًا جميلتى .. كل الشلة علمت أنك سترافقينى .. سينعتونى بالكاذب .. من الأساس لم يصدقوا أنك ستأتين معى والآن سيسخرون منى .. ستأتى معى شئتِ أم أبيتِ ...  
رفعت يدها الحرة وصفعته علي وجهه بقوة شديدة شعرت معها بالألم في يدها وصرخت قائله ...                                  - ارفع يدك عنى يا حيوان إلا سأصرخ ..

 صفعتها اعادت إليه صوابه فترك يدها التى كان يمسكها بعنف وقال باستسلام .. 
 إلي اللقاء سارة .. منذ البداية وأنا اخبرتك أنك لا تشبهينا مطلقًا والانحراف لا يليق ببرائتك .. - 
وبدون اضافة المزيد عاد لسيارته ورحل فورًا وتركها لتحتفل بانتصارها عليه في وسط المجهول... وعلي الرغم من الظلام الذى يحيط بها من كل جانب لكنها كانت بالفعل تحتفل..
                                                                      ***

 بعد رحيله طمئنت نفسها فهذا كان اختيارها الخالص ... رفعت حقيبة يدها علي كتفها وضغطت حقيبة ملابسها التى القاها لها وائل من السيارة قبل رحيله إلي حضنها بقوة وبحثت لنفسها عن طريق لا تنغرز فيه قدميها في وسط الأراضى الزراعية المروية حديثًا والتى لا تستطيع تحديد نهايتها ..الظلام المحيط بها كان من المفترض أن يخيفها إلي درجة الموت..لكنها كانت تشعر باطمئنان غريب يغزوها كلما ركزت نظرها في الزرع  بالتأكيد وضعها أفضل الآن ...حمدت الله أنه الهمها الصواب واعطاها القدرة علي اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب ...اطمئنان لا تدري لماذا يحتلها علي الرغم من وضعها الغير اعتيادى..
" هذا جنون مطلق يا فتاة .. لماذا لم تكملي معه حتى الأسكندرية علي الأقل ثم تتركيه هناك في مكان مأهول..والنذل تركنى بمفردى وغادر كالجبان ...
كانت تحدث نفسها .. ربما لتتسلي بصوتها وربما لتغطى علي أي أصوات ترعبها .. كانت حتى تعجز عن تحديد مكانها .. هما غادرا القاهرة منذ ساعة تقريبًا ولا فكرة لديها عن اسم تلك المنطقة التى ساقها قدرها إليها ..كانت منخرطة في افكارها الخاصة فلم تلمح أيا من اللافتات الارشادية التى تتواجد علي الطريق عادة ..

بصعوبة شديدة لمحت ضوء خافت صادر من مكان ما في وسط الأراضى ..روادها بعض الأمل ...فلربما تجد المساعدة هناك " الحمد لله " ...

قررت استكشاف الضوء المجهول ... عندما اقتربت أكثرلاحظت وجود منزل كبير مكون من طابقين محاط بالأشجارالكثيفة العالية... ربما يوجد لديهم هاتف تستعمله وتتصل بسائق والداتها وتطلب منه الحضورلاصطحابها فمن المؤكد أنه عاد من المطار الآن...
لا حل أخر لديها لذلك  نفذت قرارها الجريء... واتجهت بخطوات مترددة تطارد مصدر الضوء المجهول...
عند اقترابها من المكان بدرجة معقولة لاحظت انها مزرعة كبيرة  وليست مجرد منزل كما كانت تعتقد .."  الحمد الله تلك تبدو مزرعة كبيرة وبالتأكيد بها موظفين وعمال " .. النجدة  اتتها من السماء ورحمة الله شملتها ..
" مزرعة السعادة "  لمحت الاسم من بعيد .. أنها بالفعل سبب سعادتها منذ الآن وحتى من قبل أن تخطوها بقدميها .. وقبل وصولها للبوابة الخارجية للمزرعة بأمتار قليل شاهدت ممرممهد باتقان ينتهى عند البوابة ...تلك البوابة كانت طاقة الأمل الوحيدة لها حاليًا ... المنزل المحاط بالأشجارالعالية والتى صممت علي شكل سياج يمنع المتطفلين من دخوله كان يقف شامخًا في الظلام .. مازالت تشعر بالرهبة تهزها ... تتبعت الطريق الممهد ووصلت للبوابة التى وجدتها غير موصده ولايوجد حارس بجوارها... " من يتوكل علي الله فهو حسبه  " توكلت علي الله ودخلت من البوابة المفتوحة وسارت بخوف في حدائق لها رائحة مميزة كانت تحيط بالمنزل الصادر منه الضوء والذى رأته من الخارج منذ قليل ... " جوافة ربما " نعم تلك رائحة الجوافة النفاذة ..

المنزل كان يبدو عليه الفخامة علي الرغم من اثار الزمن الواضحة عليه...  انزلت حقيبة السفرعلي الأرض وطرقت باب المنزل وانتظرت وقلبها يخفق بعنف شديد ...           

لأول مرة في حياتها تشعر بمثل ذلك الخوف من المجهول ....في الخارج لم تشعر بالخوف لكن وجودها على باب المنزل امر مختلف ...
سمعت صوت خطوات مسرعة وراء الباب الذى فتح ببطء واطل منه رجل في اوائل الثلاثينات من عمره وجهه مغطى بلحية سوداء كثيفه ويرتدى تى شيرت أسود وجينز ممزق ...
الدهشة الشديدة احتلت ملامح الرجل الذى فتح الباب لها ولكن فقط لعدة ثوانى ثم في لحظة واحدة نظراته لها تحولت من نظرات الدهشة إلي نظرات احتقار صريحة وليقول في برود جمد الدماء في عروقها ...- خدماتك غير مطلوبة هنا .. ابحثى عن رزقك في مكان اخر ..

ثم ليغلق الباب في وجهها بوقاحة شديدة رفعت ضغطها وربما تخطى المئتين ... حقير وقح ولكن ..
شلت من الصدمة ومن الاحراج ولعنت غبائها خاصة ذلك الذى جعلها تترك هاتفها النقال في المنزل  ....                ضغطت علي كرامتها وطرقت الباب مجددًا ...
كادت تقسم أنها سمعت صوت نفخه قبل فتحه للباب ..فتح الباب مرة اخري وقال لها بتأفف ملحوظ ...- بالتأكيد امثالك لا يفهمون جيدًا .. فقط جسد رائع فقط يعلوه جمجمة فارغة لكن لا يوجد فيها أي عقل اطلاقًا .. كيف اشرح لكِ جملة           " خدماتك غير مطلوبة هنا "  ولكن لا تجهدى نفسكِ بمحاولة الفهم علي كل حال فأنتِ من الأساس لا تملكين عقلا,,        فقط اخبري من ارسلك بأن خالد يسري لا يستعمل نفايات الغير .. وربما من الأفضل أن اخبره بنفسي ؟  هو من أوصلك أليس كذلك ؟؟؟
دائمًا ما كانت توصف بالسلبية والاستسلام ...دائمًا كانت تتحمل اللوم في خنوع ....اللوم عن افعال تالا المتهورة وربما كانت تلك مشكلتها الأبدية التى لا حل لها ضعفها المطلق وعدم قدرتها علي الدفاع عن نفسها لكن لدهشتها الشديدة الغضب اعماها ووجدت نفسها تقول ...- أنت بالتأكيد تهذى .. ما تقوله جنون مطلق وحقارة ارفضها

أنت أوقح وأغبي شخص عرفته في حياتى ... من تكون أنت لتكلمنى بهذه الطريقة .. ؟ ربما فعلا استحق ما يحدث لي لأننى طلبت المساعدة من بذىء مثلك ..

ارتاحت قليلا بعدما قامت بسبه هو يستحق الردح ليتها تعلم كيف تقوم بردحه بصورة أوضح  .. سترحل وأرض الله واسعة والله الغنى عن مساعدة ذلك الجلف ولكن صوت نباح العديد من الكلاب في الخارج جمدها في مكانها من الخوف  ...              

كان يضحك بسخرية ارتسمت في كل تفصيل دقيق من تفاصيل وجهه ثم ليسألها بتهكم  ...- ستمثلين دور العبيطة .. ألا تعرفين من أنا ؟؟ وإن اعتبرتى كلامى جارح ..تفضلي كونى ضيفتى وتطلعى لنفسك في المرآة واخبرينى بصراحة ماذا ترين ؟؟ في الحقيقة لن تشاهدى سوى صورة لبنت قذرة من بنات الليل اللائى لا يتعدى اجرهن المئتين جنية في الليلة ثم اضاف بحقارة وهو ينظر إلي جسدها بوقاحة ... - ربما أنتِ تستحقين أكثر  .. بصراحة أنتِ جميلة جدًا  
صرخت بانهيار...- اخرس ...اخرس 
الكلاب نبحت مجددًا ...لكن هذه المرة بعنف أكثروصوتها يقترب ويقترب...
نباح الكلاب يرعبها دائمًا والآن يرعبها بزيادة فهى سوف تواجهم بمفردها في الخارج عندما يقوم ذلك السافل بطردها من منزله... لولا وجود الكلاب لكانت غادرت فورًا لفضاء الأرض الواسع ...الرعشة التى تشعر بها الآن وتهزها هزًا صاحبها دوران يحارب للسيطرة علي عقلها وهى تقاومه بضراوة... كانت تعى حقيقة وضعها جيدًا .. الخوف من صوت الكلاب وانخفاض السكر في الدم سيقضيان علي تماسكها الزائف .. غبية أنت يا سارة .. هل خبر سفر تالا مع حازم يستحق أن تضربي عن الطعام لأيام ثم تلقين بنفسك في غياهب المجهول ..؟ عقلها يهددها وأصبح علي وشك الاستلام للظلام الذى يسيطرعليه تدريجيًا لكنها مضطرة للرحيل كى تحتفظ بالباقي من كرامتها التى اهانها ذلك الغريب بشدة ادهشتها وكأنه كان ينتقم منها بسبب غير معلوم  ...رغبتها الشديدة في الهرب من هذا المكان دفعتها للالتفاف بسرعة كبيرة كى تغادر للهروب من كلام ذلك الوقح البذيء الموجود عند الباب ففى الخارج كانت تشعر بحال أفضل ...  فجأة شعرت ببرودة رهيبة تغزوها من كل مكان والأرض سحبت من تحت قدميها المهزوزتين ... ارتعشت بشدة لمرة أخيرة ثم اسودت الدنيا في عينيها ..

الوعى عاد إليها ببطء شديد وفتحت عينيها بصعوبة لتجد نفسها مستلقية علي اريكة من الصوف الناعم بداخل منزل توقعت أنه منزل الغريب الوقح... كانت ملفوفة كالدودة في الشرنقة في بطانية وبجوارها تمامًا حقيبتها مفتوحة وملابسها متناثرة علي الأرض بإهمال وصاحب المنزل الغامض غائب عن المشهد.... تحاملت علي نفسها وقاومت الدوران العنيف الذي مازالت تشعربه وحاولت النهوض في نفس اللحظة فتح الباب الخارجى للمنزل ودخل منه الغريب وعندما ادرك أنها استيقظت سألها بحدة غاضبة...  - أين حسام ؟؟ كيف يتجرأ ويغادر بدونك ؟ هل يعتقد أنك ستغوينى ..؟                      كان مازال ينظر إليها باحتقار شديد ثم ليكمل بنفس نبرة الاهانة السابقة ..- أنتِ بكل تأكيد جميلة جدًا لكن أنا ذوقى انظف من ذلك بكثير.. اتصلي به فورًا كى يأتى لجمع بضاعته ..  

وعلي الرغم من كلامه الجارح ... حاولت لمرة اخيرة شرح وضعها الحرج فقالت في ضعف يمزق قلوب حتى اشد الرجال صلابة..- أنا لا أعلم من هو حسام ولو كنت أملك هاتف نقال لكنت طلبت المساعدة دون أن اضطر للجو إليك .. ورجاء يكفي هذا وتوقف عن اهانتى يبدو جليًا أنه يوجد سوء فهم في الموضوع ..

سألها بسخرية ...- سوء فهم ..؟ حسنًا فسري لي بطريقة صحيحة وجود فتاة ترتدى ثياب خليعة علي باب منزلي في الليل وحقيبتها ممتلئة بملابس الساقطات .. جاهدت لاستخرج منها ما يصلح لتدفئتك ولكن للأسف لم اجد سوى ..
بماذا ستجيبه ؟ فهو معه حق في وصف ملابسها الحالية بالمبتذلة ووصف حقيبة ملابسها بحقيبة فتاة منحلة.. الادلة كلها ضدها...في المرة الوحيدة التى حاولت فيها التمرد يوقعها سوء حظها في شخص يحتقرها ...بل ربما هذا من حسن حظها ولكن عليها تحمل بعض الاهانة فهى تستحق علي أية حال ...

أخيرًا تمكنت من الرد ...- بالتأكيد هناك تفسير 
رد بتهكم وشدد علي كلمة آنسة ...- اذا اشرحى آنسة كلي آذان صاغية .. 
فضلت الصمت عساه يقلل من هجومه الضاري عليها ...اذناها سمعت مالم تسمعه من قبل من كلام بذىء اذاها بشدة
اصرعلي استجوابه لها ...- كم عمرك ؟
اجابته بصوت هامس ... - تسعة عشر عامًا
كان يشهق باستنكار وهو يقول ...- أنتِ طفلة .... هيا سريعًا ..اخبرينى بكم وعدك حسام وأنا سأدفعهم لكِ ولكن بعدها انصرفي

ياله من شعور قاتل بالرعب فالغريب سوف يقوم بطردها من جنته.. إلي أين ستذهب الآن .. ؟؟ لو فقط تضمن ذهاب الكلاب  
ستحاول مجددًا.. قالت بيأس وعادت لخنوعها السابق ...- من فضلك استمع إلي ما اقوله ..أنا لا اعرف من هو حسام ولم اطرق بابك عن عمد .. فقط اتيت لطلب المساعدة  .. كنت فقط اريد استخدام هاتفك لاستدعاء سائقي فأنا لا اجرؤ علي التنقل في سيارة من علي الطريق ولا اعرف نوايا من يقودها وحينما لمحت مزرعتك قررت طلب مساعدتك .. كل ما اطلبه منك أن تسمح لي باستخدام هاتفك وبعدها سأرحل ولن تري وجهى مجددًا ..

سألها بعدم اقتناع ...- فسري لي ماذا تفعلين علي طريق سفر بمفردك في الليل وبملابس كملابسك فلربما اقتنع ..؟
وضعها الآن أفضل والدوار يتحسن .. واستعادت بعضًا من قوتها ستغادر لا يوجد أمامها أي حل اخر فالكلام معه غير مجدى بالمرة ومحاولة الحديث معه أشبه بالحديث مع ثور له رأس حمار .. حاولت النهوض...- ما افعله لا يخصك مطلقًا .. أنا فقط طلبت مساعدتك أما أن تقبل أو ترفض ..

من الواضح أنه مازال لا يصدقها فقال بتأفف.... - حتى لو صدقت ما تقولينه فللأسف لن استطيع مساعدتك فلا يوجد هنا أي هاتف ..

تلفتت حولها وقالت بعجز ...- حسنًا تستطيع الطلب من العاملين هنا ...انها مزرعة ضخمة
- حاليًا أنا بمفردى هنا .. جميع العاملين في عطلة ربما ستمتد لأكثر من أسبوع .. ولم يتبقي سواي أنا والحارس الذى غادر إلي المستشفي مع زوجته ولا اعلم متى سيعود ...لكن ليس قبل يومين علي كل حال ..

دموعها بدأت في الانهمار بغزارة ... كانت تبكى وتبتسم .. مجنونة تلك أم ماذا ...؟

لكن دموعها تبدو بريئة لماذا ينكر .. كيف لساقطة أن تبدو بتلك البراءة ..؟ لا تبدو كدموع بسنت علي أي حال .. تذكرها جعل وجهه يسود بالغضب لكن تلك دموعها البريئة واثارت انتباهه فقال بشك ...                                             - أنتِ تريدين اقناعى بأنها صدفة أليس كذلك ؟؟

نظرت إليه ببلاهة ورددت ..- صدفة ..؟ لا افهمك ..  نبرته لم تكن نبرة تحدى كانت اقرب إلي الحيرة الممزوجة بالشك ..  - هل من محاسن الصدف أن في نفس اليوم الذى اخبرنى فيه حسام  أنه سيرسل لي فتاة ليل اجدك علي باب منزلى وبملابس تعبر عن وظيفتك ..؟                                                                                                                            رفعت رأسها بكبرياء ..- اذا فلا تدعنى اعطلك .. سأبحث عن هاتف بنفسي واتركك لاستقبال ضيفتك .. ربما هى علي وشك القدوم الآن ..

نجحت تمامًا في اثارة غيظه ..كان يكز علي أسنانه وهو يقول بغيظ ..- هذه ليست اخلاقي .. أنا ارقي من ذلك ..              ربما الآن تساويا .. هى أيضًا اهانته وهى من تحتاج إليه ..عادت لتقول ..- صدقًا أنا لا اعرف عما تتحدث أنا لا اعرفك ولا اعرف حسام ولم اطرق بابك عن عمد أنا فقط كنت مارة من هنا ..  

ليهز رأسه بعدم تصديق ..- تريدين اقناعى بأنك لا تعرفين من أنا .. حسنًا اخبرينى من أنتِ وماذا تفعلين هنا ..؟

الأسئلة الشخصية ستكشف المستور .. فكرت بذعر ... والدها شخصية معروفة وعضو مجلس شعب ومرشح ليصبح وزيرًا قريبًا في الوزارة الجديدة... لذلك فمن الأفضل اخفاء شخصيتها عن هذا الغريب الغامض .. فيكفى والدها ما تسبب له  تالا من فضائح وهى لا ترغب بعمل فضيحة هى الأخري .. سارة الرزينة لن تورطه أبدًا في فضيحة علي رقبتها أن يحدث ذلك..
- اسمى سارة وكنت في طريقي للأسكندرية وفي الطريق غيرت رأيي وطلبت من أصدقائى تركى هنا علي أمل أن اعود إلي القاهرة  ...
تهكمه تحول لضحكة تجلجل قال باستخفاف...- وبكل بساطة فعلوا ..؟؟ أي أصدقاء هولاء ليتركوكِ ورائهم في مكان مقطوع كهذا ..؟ 
كبريائها كل ما تملك الآن غبية نعم لكن ستدافع عن اختيارها لأخر نفس ...- هذا كان قراري أنا واصريت عليه .. واعتقد أنى بالغة لأقرر ما اريده بنفسي .. علمًا بأننى لم أكن اعلم أنها منطقة زراعية اعتقدتها قرية أو ما شابه ..لكن من الواضح أننى كنت مخطئة وبعد رحيلهم لمحت ضوء صادر من منزلك فقررت طلب المساعدة من أهل ذلك المنزل ..                    هذا كل ما حدث بالتحديد ..وأنا اعتذر علي إزعاجك .. سأرحل وانتظر أنت ساقطتك في هدوء .. 
كبريائها اللعين ذلك جعلها تغادر ..فليذهب ذلك الجلف إلي الجحيم بغبائه ورأس الحمار الذى يملك .. فتحت باب المنزل الخشبي الكبير وعندما هبطت السلالم الصغيرة المؤدية إلي الحديقة شعرت بالبرد الممتزج بالخوف.. ارتعشت بشدة عندما تذكرت الخلطة الجهنمية التى كتب لها مواجهتها...لكنه كان اختيارها الحر وهى من ارتدت ملابس لا تصلح حتى للجلوس في المنزل ناهيك عن الخروج بها فى مثل هذا الطقس البارد ....رفعت رأسها بكبرياء مازالت تحافظ عليه علي الرغم من ظروفها السيئة واكملت طريقها

سمعت الغريب يناديها من خلفها قائلا ..- حقيبتك يا آنسة

استدارت لمواجهته ورأسها مازالت مرفوعة بكبريائها الذى لحسن حظها صمد حتى الآن ... فتحت حقيبتها التى وضعها بجوارها علي الأرض وتناولت منها شال صغير لفته جيدًا حول كتفيها المرتعشتين واغلقت الحقيبة ...ثم وكأنها تريد أن تغسل عارها قالت له بقرف...  - اصنع لي معروفًا واحرقها أوادفنها....               

واكملت طريقها للخروج من مزرعته بدون اضافة أي حرف اخر... شجعت نفسها لمواصلة طريقها ...                         - تشجعى يا فتاة لا يوجد ما يخيف بالخارج 
كانت قد وصلت حتى البوابة الخارجية للمزرعة والتى تؤدى إلي الأراضى الخضراء حيث تركها وائل ..عندما سمعت صوت خطوات مسرعة خلفها ...خطوات تسعى جاهدة للتقدم عليها لكنها تجاهلتها ولم تلتفت... فوجئت بالغريب يتخطاها ويغلق البوابة التى كانت مازالت مفتوحة كحالتها عندما دخلت منها قبل قليل ...

وضع حقيبة سفرها التى كان يحملها علي الأرض ومنعها من الخروج من المزرعة بلطف ومد يدًا لها بغرض اعلان الهدنة مؤقتًا بينهما وقال ...- سنبدأ من جديد أنا خالد يسري ... ثم نظر إليها بترقب كأنه يلاحظ ردة فعلها علي اسمه وعندما لم تبدى أي ردة فعل قال ..- وأنتِ سارة....؟
تعمدت اخفاء لقب عائلتها وقالت بلهجة حاولت أن تبدو عادية ...- سارة منصور
قال بجديه .... - لن استطيع تركك تغادرين الآن وفى ظل حقيقة عدم وجود سيارة أو هاتف فسيكون عليكِ قضاء الليل هنا علي أمل عودة عطية في الصباح ..أنا اعطيته سيارتى ليقل بها زوجته التى كانت علي وشك الوضع إلي المستشفي في بنها واتعشم أن يعود غدًا ويقلك بسيارتى .. بصراحة لم اكن اتوقع أنى سأحتاج السيارة فأنا قدمت هنا للهروب من القاهرة ومشاكلها..

عرضه المفاجىء صدمها بعنف ...تقضى الليلة في منزل رجل غريب..؟ وهما بمفردهما تمامًا ؟                               كل ما دار في خاطرها كان فقط استخدام هاتفه وانتظار سائقها ...أما قضاء الليلة هنا فأمر مختلف تمامًا لم تجرؤ حتى علي التفكير فيه ..
حقير !!

قال بسخرية عندما شعر بترددها ...- لا داعى لخوفك منى مطلقًا.. أولا أنا اكتفيت من صنف الحريم إلي الأبد ثانيًا أنتِ لست نوعى المفضل أبدًا وضعى في حساباتك أننى رفضتك وأنا اعتقد أنكِ تعرضين نفسكِ علي .. اعدك ستكونين في امان تام حتى يأتى الفرج...

برغم خوفها وقلقها لم تجد أمامها أي حل اخر ..فأين عساها ستذهب الآن ...؟ وكيف ستتصرف بدونه...؟ بالاضافة لاقتناعها بالمنطق في كلامه فهو لم يرغب في وجودها منذ أن وقعت عيناه عليها اذا كيف سيكون مصدر تهديد لها ....                 سئلت نفسها ببلاهة " لماذا لا أشعر بالخوف منه ...؟ "

وقبل أن تجد اجابة منطقية حمل حقيبتها مجددًا واستدار للعودة إلي منزله بصمت وكأنه كان أكيدًا من أنها سوف تتبعه ... وهى تبعته باستسلام نحو المجهول ....

                                                            ***

- تفضلي ...  

لكن هذه المرة بدعوة من الملك شخصيًا, دخلت مجددًا إلى المنزل بخطوات مترددة مرتعشة ...لا تدري ماذا داهاها وجعلها بمثل هذا الاستسلام لمصيرها ولكن شيء ما لا تدري كنهه يربطها بهذا الغريب.. بهذه الأرض ...تسألت مجددًا عن سبب عدم خوفها من الغريب فقط كانت تشعر بالخجل والرهبة من تجربة جديدة لأول مرة تواجه مثلها في حياتها ....

-  بالتأكيد أنتِ جائعة .. ابحثى عن شيئًا ما يصلح للأكل ...أنا لم اتناول الطعام منذ أيام .. سأقترح اقتراح جيد .. ربما تستطعين أن تكونى مفيدة وتعدى لنا بعض الطعام ... الخبر الجيد أن شهيتى عادت وشعرت بالجوع فجأة ...
وباشارة من يده علمت اتجاه المطبخ وحملتها إليه خطوات مرتبكة كخطوات طفل يتعلم المشى  ...الدموع كانت محبوسة في مقلتيها...لا تدري ما اذا كانت تصرفت بشكل صحيح عندما قبلت البقاء معه بمفردها  .... فهى لأول مره في حياتها تحتك برجل حقيقى ... رجل حقيقي لا يشبه في شيء  الشباب المائع من شلة تالا التافهة والتى لم تكن تحتك بهم أيضًا فقط كانت تتجنبهم كالطاعون  لكنها من نظرة واحدة لتفاهة تفكيرهم كانت تقيمهم جيدًا...

لكنها كلما فكرت في الخطر الرابض في الخارج عادت وصبرت نفسها ... الخطر في الخارج أكبر..  ربما يوجد قتله ... مغتصبين وكلاب,, خصوصًا الكلاب صوت نباح الكلاب رن في آذانها.... الظروف وضعتها في مأزق لكنها ستناضل من أجل البقاء ..علي الأقل هو رفضها وهو يعتقد أنها فتاة رخيصة من فتيات المتعة ... فإن كان يرغب بها بتلك الطريقة لم يكن ليطردها ..                                                                                           

ومع اقتناعها أكثر بنواياه البريئة شعرت بالراحة...التفكير الايجابي اعطاها دفعة وحاولت أن تتذكر كيف كانت داده عزيزة تقوم بتحضير العشاء لهم ... لطالما جلست معها في المطبخ تراقبها وطالما حاولت أن تساعدها لكن الداده كانت دائمًا ما ترفض وتجعلها فقط تراقبها ..                                                                                                     

بكل الهمة والعزيمة المتواجدتين في الدنيا فكت الشال من علي كتفيها وربطت به شعرها .. هكذا كانت تفعل الداده .. الدرس الأول ..  " لا شعر حر أثناء الطهو " ..

بدأت رحلتها في البحث عما تستطيع استخدامه لاعداد العشاء وصورة داده في عينيها وهى تعمل في المطبخ مسيطرة علي المشهد في رأسها .. شكرًا داده سأقلدك كظلك ...

•تابع الفصل التالي "رواية عطر القسوة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات