رواية ومنك اكتفيت (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم داليا الكومي
رواية ومنك اكتفيت الفصل الاول 1 - بقلم داليا الكومي
كان التوتر هو الجو السائد في كل الجلسة والصمت كان عميقًا لدرجة حبس الأنفاس‘ الجميع يعلم كم سيكون حكمه قاسيًا كعادته في الفترة الأخيرة لكن من يستطيع الاعتراض على حكم كبير السمالوطية وزعيمهم بالوراثة وبالقوة ..
من يضاهيه في القوة وخصوصًا بعد القوة الهائلة التي اكتسبها مؤخرًا والتي اثبتت أنه قد قُدَ من حجر صوان بزيه الصعيدي التقليدي وعمامة الرأس وعصاه الآبنوسية الفاخرة‘ تحول رهيب من المهندس المتحضر ورجل الأعمال الأنيق للصعيدي ذو العقل المتحجر حاكم النجع ومالك العصى الأثرية التي تعود لحقبة تاريخية ما وجدها في أثناء غزوه لإحدى المقابر الفرعونية .. وبكل إشارة بها كان وكأنه يحكم الكون من على مقعده العالي ذو الاطارات العاجية التي ربما صنعت من أنياب فيل حقيقي صرعه بيديه ..
منذ أن أصبح كبير السمالوطية رسميًا وهو يحكم علي الجميع بأقصى أنواع العقوبات بلا استثناء وحادثة فالح السمالوطي الذي يعتبر من أقرب ابناء العمومة مازالت في الاذهان .. فعندما يحكم على ابن عمه بدفع تعويض كبير لأهل فلاح بسيط لمجرد أنه دفعه بعصى الركوب خاصته يكون بذلك يدخل السمالوطية لعصر جديد يتساوى فيه الجميع ماعداه ..
واليوم بالتحديد يومًا غير اعتيادي فكبير عائلة البهنساوى سيحكم عليه في هذا المجلس العرفي وبحسب أحكام الشيخ القاسية في الآونة الاخيرة توقع الجميع أن تقوم الحرب بين السمالوطية والبهنساوية والتي كانت قد خمدت منذ بعض الوقت .. وسيشتعل أتون الحرب من جديد ..
وبصرامة لا تحمل مجالًا للنقاش وبصوت حاسم اتخذ قراره فعليًا قبل حتى أن يبدأ المجلس وسيعلنه تباعًا بعدما يجرد رضوان من كل دفاعاته ليقول بغضب ..
- أنت اخطئت بالري في غير الأيام المخصصة لك .. كيف تتجرأ وتفتح بوابة الري بدون إذني ..
من يظن نفسه معتصم السمالوطي ليحدثني هكذا ؟؟!!
- إذنك ؟؟!! هذا كان في الماضي أيام العبيد يا رجل .. كيف تحدثني هكذا؟؟ أنت لا تحكم النجع يا سمالوطي .. مياه الترع الآن توزع بالمحسوبية وترعتكم لها النصيب الأكبر من المياه .. انظر إلى حالة أراضيكم ونضارتها وخصوبتها ووفرة إنتاجها وحالة أراضينا .. سأفتح البوابة متى شئت ولن تستطيع منعي ..
نظرته التي شملت كل الحاضرين في جولة سريعة على الوجوه كانت تحمل أكثر بكثير من مجرد التفحص .. كانت تحدد من معه ومن لا .. من سيتجرأ على الانضمام للبهنساوي والوقوف في وجهه .. وعلى الرغم من أن كلام البهنساوي يحمل بعض الحقيقة إلا أن الجميع سيختار الجبهة الأقوى بالتأكيد " جبهته "
قرار وسيتخذه مهما حمل في طياته الكثير من العواقب .. في مجلسه لا مجال للتهاون أو التراجع .. لو فتح الباب للتمرد لن يستطيع قفله مجددًا وستخرج الأمور عن السيطرة .. ضربته التي سيوجهها له الآن لابد وأن تكون قاضية حتى لا يكون لرضوان صوت بعد ذلك ..
صوته خرج كالجليد وهو يقول ..
- ستترك مكانك في المجلس العرفي يا رضوان لأي فرد آخر تختاروه من عائلتكم .. ولن تروي أرضك في دورها القادم .. ستفوت دورة .. وليكن هذا إنذارك الأخير .. المرة القادمة بالتأكيد ستندم إذا ما اعدت ما فعلته ..
الصمت السابق تحول لضجة عاتية وهمهمات عديدة .. أغلبية المجلس مع السمالوطية لكن القليل من العائلات تتبع البهنساوية حتى ولو بالهوى.. ورضوان البهنساوي هو كبير عائلة البهنساوية‘ الشيخ كان لا يعاقبه لريه الأرض فقط بدون إذنه بل يكسره .. عندما يجبره على ترك مكانه في المجلس العرفي الذي يرأسه رؤساء العشائر وإحلال بهنساوي آخر أقل شأنًا منه ليشغل مكانه يكون بذلك يجبره على التنحي عن رئاسة كل عشيرته والبديل التخلي الكامل عن مقعد في المجلس كانت تشغله عائلة البهنساوي المعارضة .. لعبها ببراعة السمالوطي الكبير ومرمغ بكرامة البهنساوية في التراب ..
- من تظن نفسك لتحكم هكذا ؟؟؟
الثورة العاتية التي تحدث بها قابلها معتصم ببرود يحسد عليه ..- أنا فقط انفذ الأحكام العرفية التي يخول لي منصبي تنفيذها وعلى كل حال كالعادة سنلجأ للتصويت .. سنفتتح التصويت فورًا‘ الموافق على قرارتي يتفضل برفع يده ..
البقاء للأقوى أو في العصر الحاضر أصبح الذكاء شرطًا للبقاء بجانب القوة " البقاء للأذكى" من سيتخذ جانب رضوان الآن سيعاديه هو شخصيًا ..
ربما يريد الكثيرون التمرد لكن الأحكام العرفية تكبلهم ورضوان بؤرة أكيدة للتمرد ووضعه القدر في طريقه على طبق من ذهب " جلبه لنفسه " إذًا فليتحمل العواقب ..
الكفوف التي ارتفعت خذلته بالتأكيد لم ينكس سوي كف رضوان فقط في اعتراف صريح بسيادة معتصم السمالوطي شيخ الشيوخ على الرغم من سنه الصغير ..
سيادة اكتسبها بالوارثة وصقلها بالخبرة والآن دعمها بقلب ميت ..
ويأتي التصويت لصالح قراره ليحسم الأمر وعلى البهنساوية التنفيذ وإلا اتهموا بمحاربة المجلس العرفي ورفض قرارته التي تعتبر سيف علي رقاب الجميع ..
المجلس الذي يقام بصورة دورية كل شهر وبصورة استثنائية إذا ما استدعت الظروف عقد اليوم بعد صلاة الجمعة لمناقشة ري رضوان لأرضه وانتهى بصورة كارثية وحكم عنيف والسبب في عنفه المبالغ فيه اليوم ذكر اسم الحقيرة على الصباح مع خيط قوى ربما يقود إليها هذه المرة ..
وفي حركة مفاجئة غير محسوبة نهض رضوان ليهتف بغضب عاتي .. - كان أولى بك أن تحكم على زوجتك الهاربة .. أنت فقدت هيبتك بفرارها .. أي شرف أصبح لديك ولديك زوجة تقيم خارج منزلك والله أعلم بما تفعله؟؟ الأمر لا يحتاج للكثير من الذكاء لنعلم أنها أصبحت عاهرة بلا شرف ..
كبت السنوات تحرر أخيرًا ليجد ضالته في وجه رضوان .. " عاهرة هاربة " هذا فعليًا هو ما أصبحت عليه الحقيرة شيرويت ..
اللكمة التي بقوة ألف مطرقة حديدية هشمت أنفه وأدخلته في غيبوبة ربما لن يستيقظ منها يومًا ..
**
دولة داخل دولة وقوانين تُفرض بحد السلاح وبقوة العشيرة .. وانتقال رضوان للمشفى وعلاجه تما في سرية تامة .. ربما ينوى الثأر لكرامته لكن بالتأكيد ذلك لن يكون في محضر رسمي يروى فيه أقواله ويتهمه بضربه .. كرامته تأبى أن يعترف بضعفه وهزيمته أمامه بكل الطرق لكنه يتوقع ما أن يسترد عافيته سيبدأ في بخ سمه ويتوقع أن تكون ضربته القادمة مؤذية وللغاية .. علي كل حال هو من لعب في عداد عمره حينما ذكرها .. ألم يعلم أن ذكرها محرما .. ؟؟
أحذيته التي اهترئت من البحث عنها تشهد على إصراره لكنها كانت كالسراب وتبخرت في العدم‘ لكنه لن ييأس .. يومًا ما سيجدها وسيجعلها تندم وتدفع الثمن عن كل لحظة ذل قضاها بسببها .. هى من صنعت معتصم الجديد ويجب أن تجربه بكل قسوته .. صنيع يديها فهل لن تكوى بنار صنيعها ؟؟!!
فى طريق صعوده لجناحه الخاص استوقفه أحد الخفر ليقول باحترام ..- يرغب جدك بالتحدث إليك سيدي ..
بدى التذمر على وجهه لا مزاج له اليوم بمهاترة كلامية أخرى مع جده العجوز " مقداد " .. صحيح أنه ناهز السبعين لكنه بصحة جيدة جدًا واختياره للانعزال في مجلس الضيوف الملحق بالمنزل كان بمحض ارادته ..
كان شبه أكيد من أنه يتصنع المرض ربما ليتفادى الصدام معه ومع والدته التي أصبحت قاسية بالكامل حتى في معاملتها لوالدها العجوز .. لاشك في أن طلباته واحتياجاته مجابة بالكامل بما يتناسب مع وضع ومكانة جد كبير البلدة لكن الاحتياجات العاطفية سقطت من حساباتهم منذ زمن حتى لم يعودا يتوقعا أن يطلبها أحدهم ..
تجاهل حديث الخفير وأكمل صعوده للدرج حتى استوقفته دقات غاضبة من عصا متينة خرقت الأرضية خلفه .. وعلى الفور علم مصدرها ..
تجاهله لجده أغضبه بشدة وجعله ينسى تصنعه للمرض ويعود بكامل صحته وآخر ما كان يتوقعه أن يبدأ جده في إهانته أمام الجميع ...
- ألم أرسل في طلبك يا ولد ؟؟ ألا يوجد أي احترام لجدك ؟؟ ألم تتعلم أصول التربية يومًا ..؟ قد لا أكون أحمل لقب السمالوطي كعائلة والدك وأصولي متواضعة بالطبع لكني أظل جدك ويجب عليك احترامي وإلا هشمت أنفك المتغطرس ذلك بعكازي القديم حتى أعيد إليك عقلك ..
فورة غضبه قد تهدم المنزل الآن لكنه تمالك أعصابه .. ووجه غضبه للخفر.. - اخلوا المكان فورًا..
وليكمل جده حصة سلخه بلا رحمة ..
- معتصم أنت الآن تتقمص شخصية جدك عفيفي رحمة الله عليه بكل قسوته وعناده .. خفف من قسوة قلبك يا ولدى فالناس لديها قلب واحد وسيحاسبك الله علي كسر القلوب .. والدك وعمك عزيز لم يكتسبا أيًا من صفات السمالوطي السيئة فلماذا اكتسبتها أنت مجتمعة ؟؟
والده !! وزواجه المفاجىء من ابنة الخفير العجوز الذي صدم الجميع .. والدته لم تكن يومًا تملك الحسب أو النسب لكن والده تحدى الجميع وتزوجها رغمًا عن أنف والده حتى أن الجميع اعتقدوا أنها لجئت للسحر لايقاعه في شباكها ..
- قد أكون شريكًا في الجرم لصمتي سنوات على قسوة ابنتى التي زرعتها فيك لكني لن أصمت بعد الآن هل تعلم لماذا ؟؟ لأني كنت أقدر والدك وأحمل له كل الحب والتقدير واعلم أنك مغبر بترسبات لا دخل لك فيها لكن لو نبشنا تحت الرماد سنصل لمعدن جيد .. أنت يركبك الغرور وتتصرف بطريقة هوجاء .. لماذا فتحت علينا وبال الحرب مع البهنساوية ؟؟ ألم نكتفي من الثأر والدماء وفقدان الرجال في الماضي لتعود أنت وتشعل فتيل الحرب ..؟؟
احتلك الكبر والغرور فحقرت من كبيرهم وقمت بضربه أمام الجميع في تحدي سافر لمكانته .. تتصرف وكأنك إنسان الغاب بدون أي تفكير وتعبث بهرواتك الضخمة وتصيب الوجوه بلا رادع أو ذرة تعقل ..
لو ترك له مجال الحديث فسيؤنبه كطفل صغير مذنب ضُبِط َبالجرم المشهود.. وربما لو استفاض وتحدث بصوته المريح فسيجعله يندم على قرار اتخذه وذلك مطلقًا ليس من طباعه .. الندم هو آخر شعور يراوده.. بالتأكيد لأن كل قرراته مدروسة وعقلانية ولا مجال فيها لحديث القلوب الهش الذي يؤثر سلبًا على قرارات الرجال .. لكن منذ متى وعائلة والدته لها دور في اتخاذ القرارات الهامة والمصيرية التي تحدد مصير البلدة وعشائرها .. ؟؟
القرارات التي قد يضطر الأعلى شانًا لاتخاذها بالتأكيد لن يفهمها من لا سلطة له ولا مال .. من اعتاد العمل للغير واطاعة الأوامر ..
ولتفلت منه كلمات قاسية لتكملة يومه السيء ..
- منذ متى يا جدى تتدخل في قرارات المجلس العرفي ؟؟ أنت لن تستطيع أن تفهم لأنك يومًا لم تكن في السلطة واعتدت على خدمة الغير دائمًا ..
لن يخطىء في فهم نبرة الانكسار في صوت جده الواهن الذي علق بمرارة... - نطقتها أخيرًا يا نسخة جدك‘ انتظرت سنوات حتى يأتي هذا اليوم الذي تعايرني فيه بتواضع أصلي كما كان يفعل هو في كل وقت .. بالطبع من أنا لأتحدث مع الأسياد أو أعارضهم .. لكن اعلم أنني ما نصحتك إلا لمصلحتك الخاصة فأنت قطعة منى شئت أم أبيت ولم اتمنى أن تكون قطعتي مكروهة كراهة الحنظل .. توسمت فيك الخير والقوة وانتظرت أن تعدل وتصون النعمة التي اختصك الله عز وجل بها لكنك خذلتني .. لا حول ولا قوة إلا بالله .. لا حول ولا قوة إلا بالله ..
(( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ )).. (( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ* وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ )) .
صوته الذى يتلاشى مع خطواته المبتعدة أعادا إليه صوابه جزئيًا .. ماذا فعلت أيها التعس ؟؟ هل عايرت جدك بأصله المتواضع حقًا؟؟ هل حقًا تجرأت وفعلت وقللت من شأن جدك ؟؟ .. اليوم السىء لا يريد الانتهاء كعادة كل يوم يذكر فيه اسم شيرويت ..
**
كانت تعلم أنه اليوم بالخصوص غير قابل للنقاش فكيف ستسأله عن سبب سفره هذه المرة ..؟؟ أنباء ما حدث صباحًا في المجلس العرفي تتناقل بسرعة البرق وقرار جريء قاسي كالذي اتخذه اليوم لابد وأن يكون درسه جيدًا وأعلنه بقلب كالفولاذ وتخشى حتى من إثارة غضبه بعد ذلك التحول الخطير في شخصيته الذي ظهر جليًا اليوم معلنًا عن ميلاد عهدًا جديدًا من جبروته ..
منذ أن علمت بنبأ سفره وهي تغلي من داخلها‘‘ بالتأكيد سيذهب للبحث عنها كعادته خلال السنوات السابقة .. لم تفلح خلال سنوات في جعله ينساها وينسى رغبته الملحة في ايجادها .. هل هو يبحث عنها بغرض الانتقام كما يزعم أم أنه مازال أسيرًا لهواها ..
استخدمت كل وسائلها كأنثى وزوجة لاخضاعه لكنه لم يخضع يومًا ولم يشفع لها دعم حماتها ولا انجباها الذكور في جعلها زوجة برتبة حبيبىة أو حتى تشعر بالأمان .. كانت فقط زوجة أمام الجميع وظل قلبه مغلقًا دونها .. مغلق على ما يعتمل بداخله من مشاعر تخيفها من قوتها ومن لهيبها الذي له وهج تشعر به كلما اقتربت منه .. ودائمًا مهددة بطيف الهاربة يؤرق عيشتها وينغص مضجعها ..
واليوم ربما لو أغرته بكل الطرق المشروعة والغير مشروعة فسيأجل سفره وتدريجيًا سينساها ويستسلم لفكرة رحيلها واختفائها من حياته للأبد ..
قميصها الأحمر الزاهي الشفاف الذي كشف عن معظم جسدها‘‘ وشعرها الذي تركته حرًا طليقًا ربما سيقنعانه بالبقاء .. لا مجال للمقارنة بينها وبين شيرويت بالطبع‘‘ لا في جمال الوجه ولا كمال الجسد ولا التعليم والثقافة لكنه تتفوق بمراحل في اتقانها للخضوع .. هي تريده بكل جوارحها والخضوع هو سلاحها الوحيد لنيل حبيبها.. ماذا جنت المتمردة من تمردها عندما تركته بالكامل لها ..؟؟
خطتها مع خالتها التي خططتا لها لسنوات لايقاعه ساهم تمرد الغبية في انجاحها لولا عناد شيرويت لما كانت حظيت بلقب زوجته وأم ابنائه ...
في النهاية اصبحت زوجة الشيخ ولها كل الاحترام والمكانة .. زواج خالتها من والد معتصم كان كالحلم بالنسبة لكل عائلتهم وانتشلهم من الحضيض ليصبحوا في مصاف القوم وكان لابد من زواجها هى أيضًا من معتصم نفسه لترسخ تلك المكانة وتمحو كل اثر للماضى من سجلاتهم .. منازلهم الحقيرة استبدلها معتصم بأخرى لائقة لتتناسب مع مكانته واعطاهم الأراضي ليصبحوا من الأعيان بدلًا من أن يكونوا أُجراء للآخرين كعادتهم .. كانت مغامرة مليئة بالمخاطر واحتاجت منها لصبر سنوات وهى تعلم ما في نفسه فاتقنت لعبة الضعف الظاهرية لاغراءه ونجحت في اقناعه بصلاحيتها لشغر دور زوجته ..
بالتأكيد لن تستسلمي الآن بعدما قطعتِ معظم المهمة ؟؟ هل مللتِ من محاربة شبح ؟؟
حينما كانت شيرويت حاضرة كانت محاربتها أسهل بكثير وكانت تتصيد أخطائها التي كانت بالنسبة إلى معتصم لا تغتفر فكانت بمساعدة خالتها تصب الوقود على النار .. أما بعد رحيلها فعليها محاربة طيفها في أنفاس زوجها التي لا تخلو من رائحتها ومحاربتها في فراشهما حينما يلفظ اسمها في نومه ..
خطواته التي تقترب صَاحَبها استعدادها التام واستنفار لكل حواسها لتقابله بابتسامة مريحة وتحية خاصة تمتص بها الشررالذي يتطاير من عينيه وتقوده ليجلس على مقعد مريح في زواية الغرفة وتتربع أرضًا تحت قدميه في خنوع مدروس ..
- الماء الساخن لسيد الرجال يطيب الام الساقين ويريحك من اجهادك ..
وبحركة مغرية كشفت عن ساقيها والتقطت قدميه تحررها من حذائه ذو الرقبة العالية قبل أن تضعها في الصحن النحاسي وتبدأ في رفع الماء الساخن من الصحن بيديها بحركات مريحة في ظاهرها غاوية في باطنها ..
- الملح يشد الارهاق من ساقيك معتصم لكن كيف اريح عقلك الذي لا يهدأ ..
اغماضه لعينيه كان دليلا واضحًا على نجاحها في خطتها وبداية استرخائه وشيكة ويتبقى فقط اثارته لأقصى درجة لتصل حيث تريد ..
بوادر النجاح تشجعها للاستمراروالطمع أكثر وأكثر في استمالته كليًا وحينما ارتفعت بكفيها لأعلى وهي تزيح جلبابه في حركات مثيرة وجدته يتشنج قليلًا تحت لمساتها المثيرة ..
- ربما اعلم ما تحتاجه الآن بالتحديد ..
لكن كل طموحاتها انسحقت بل ونسفت تمامًا حينما علق بكل برود..
- احتاج إلى النوم .. اريد النوم باكرًا لأحصل على بعض الراحة .. طائرتي في الفجروبعدها تنظرني طائرة خاصة في مطار القاهرة .. لا اريد أي مكالمات أو ازعاج اليوم اغلقي الباب خلفك عند مغادرتك ولا تزعجيني مطلقًا بأي مشاكل ..
كتمت صرخة القهر وهي تحاول التظاهر بالدهشة من نبأ سفره فآخر ما تريده هو أن يعلم عن جواسيسها التي تستميلهم لصالحها فتخسرهم وتفقد مصدر معلوماتها ..- هل ستسافر ..؟؟
- نعم ..
- إلى أين ؟؟
- العديد من البلدان لا اعلم بالتحديد ..
- وهل ستغيب ؟؟
- لا اعلم أيضًا ..
- إذًا ربما تستطيع اصطحابي هذه المرة ..
كعادتها كل سفرية تطالبه باصطحابها ألا تيأس من الترجى ؟؟
بدى الضيق على وجهه ليقول بتأفف واضح ..
- أنها سفرية خاصة بالأعمال لا الترفيه عبلة ولا مجال للسيدات فيها ..
لتسأله بمرارة عجزت عن اخفائها ..
- ومتى الترفية معتصم ؟؟ لا اتذكر حصولي عليه مطلقًا ..
- لاحقًا عبلة لاحقًا .. الأعمال تأتي في المرتبة الأولى دائمًا وأنت تعلمين حجم مسؤلياتي ..
الغيرة نار حارقة تكوي الضلوع .. موت بالبطىء وتلغي العقول معها لتجد نفسها تصرخ بقهر ..
- هل هي سفره للأعمال حقًا معتصم أم أنك مازلت تبحث عنها ..؟؟ هل مازلت ترغبها بعدما هجرتك وفضحتك وسط الرجال ؟؟
كيف فلتت منها تلك الكلمات وهي التي تجاهد لسنوات لتتفادى ذكرها .. الآن ستوقظ الأسد الجريح وعليها تحمل أنيابه التي ستنهشها بلا رحمة ..
غيوم وأمطار وبرق ورعد وأعاصير وبراكين ثائرة اختبرتهم في اللحظات القليلة التي صمت فيها قبل أن يستعيد رباطة جأشه ويقول بغضب هادر ..
- غادري لغرفتك الآن فورًا وإلا اقسم أنك ستندمين لما تبقى من عمركِ ..
**
الناراللاهبة التي تعتمل بداخله بلغت أشدها .. قضى ابشع شهور يتلظى في الجحيم تلك التي تلت رحيلها وكل دقيقة تمر منذ رحيلها تزيد من عتامة روحه .. سنوات وهو لا يعلم أين هي أو ماذا تفعل وكلما ظن أنه تتبع اثرها لايجد سوى السراب .. كيف اختفت وأين ذهبت؟؟ وكيف لا يجدها وهو كرس سنوات من عمره وأموال طائلة كي يعلم مصيرها ..
هى بالتأكيد مازالت حية .. أنه يشعر بأنفاسها في الحياة حتى لو فرقت بينهما المسافات .. حينما تموت سيعلم وستهدأ تلك القطعة النافرة التي تنبض بداخله ..
لو كانت هي فعلًا تلك التى يعتقد أنها هي هذه المرة فستندم ندمًا لا تتخيله .. لن يكفيه تمزيقها لفتات والقاء لحمها للكلاب الضالة ويجلس بكل استمتاع يتشفى في عذابها ..
عذاب سنوات لن يمحيه إلا عذابها هي لسنوات .. حينما التقط طرف الخيط خطط لشهور بذكاء وحانت لحظة الحسم ..
أكمل استعادة مظهر رجل الأعمال الأنيق بحلته الباهظة ورابطة عنقه الرفيعة التي تلتصق بصدره العريض ..
المظهر المناسب لكل مكان وزمان يستطيع التلون كالحرباء طالما التغيير يعزز من مركزه ويجعله الرجل الخارق أينما حل .. فقط صغيرة قطمت ظهره بفعلتها ولو فقط يراها الآن؟؟
يده امتدت لا تلقائيًا لشاربه الضخم واقسم به في سره ..
" ولأجل كل شعرة منك سأجدها وستدفع الثمن غاليًا " وسيعود شاربي شامخًا كما كان قبل فرارها ..
قلبه ينبئه أن رحلته هذه المرة ستكون مختلفة ربما سيجدها وربما لا لكنه يشعر بالاختلاف بالاثارة والحماسة وتدفق الدماء في عروقه .. وبخفقات قلبه التي تخطت المئتين حينما ظن أنها هي تلك التي سيغزو ديارها هذه المرة رافعًا راية السلم ومتخفيًا تحت قناع العمل حتى تخرج من قوقعتها وتكشف عن نفسها ..
كان يعود في السابق في كل مرة يذهب وراء اثر يخصها بخفي حنين عندما يجد نفسه إما أمام أخرى أو أمام طريق مسدود لكن بحدس داخلي مثير يوسوس في أعماقه بلا توقف منذ أيام بدأ يتعشم أنه سيعود هذه المرة منتصرًا ..
قد يعتقد الجميع أن سفره فرارًا من مواجهة رضوان لكنه لن يستطيع الانتظار حتى يومًا واحدًا وهو يعتقد أنه سيجدها .. مواجهة رضوان ستنتظره لكن لهفته تقتله ..
لكن كيف سيغادر فعليًا دون طلب المغفرة من جده .. ربما لأول مرة في حياته سيطلب الصفح ويبدي الأسف .. عقيم هو ذلك الكبرياء الذي تربى عليه والذي يجعل الانسان يكابر حتى في الخطأ ويأبى الاعتذار لكن خطيئته هذه المرة كبيرة وربما حتى الاعتذار لن يمحيها ..
بالتأكيد سيكون استيقظ الآن لصلاة الفجر كعادته ويتعشم أن يقبل برؤيته .. ستكون مهمته اشق كثيرًا عندما يرحل بدون صفحه ..
طرقات قوية على باب غرفة جده لحقها بفتح الباب قبل أن يعطيه الفرصة برفض دخوله .. وسيبادر بالاعتذار فورًا قبل أن يتراجع ..
- جدى أرجو منك مسامحتي على ما بدر مني .. لكني اقسم لك لم اتعمد أن تخرج تلك الكلمات بتلك الطريقة ..
قد يكون انتوى سابقًا عدم الاجابة عليه لكن سماعه للقسم استفزه ..
- لا تقسم يا معتصم ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) .. أنت عنيت كل حرف نطقته بالأمس ومعك حق تمامًا ..
قد لا أكون أملك السلطة ومكانًا في المجلس لكنى املك حق تأنبيك وتصوبيك بل وضربك إذا ما حدت عن طريق الصواب .. هذا حقي عليك بحكم مكانتي العائلية لا القبلية .. كوني جدك يعطيني الكثير من الحقوق سواءً كنت من الأسياد أم من العبيد إذا اردت حتى تسميتي لكنك ستظل حفيدي صعب المراس الذي قد يحتاج في بعض الأحيان لتهشيم جمجمته الصلبة ..
بالفعل سيظل جده وهو تطاول عليه .. منصبه كشيخ للمجلس والسلطة والأموال جعلوه ينسى أن له كبير ومن أكبر من جده لينحني أمامه ؟؟
لكن من اعتاد الأمر والنهي صعب أن يعود ويعترف بتبعيته لأي شخص حتى وأن كان جده الذي ظل منزويًا لعصور‘‘ وبعد وفاة والده وعمه هو استلم السلطة كاملة على الرغم من أنه أصغر الأحفاد ..
- جدي ..
قاطعه بحزم عزز من مكانته كجد له حق الطاعة ..
- اخبرني إلى أين العزم هذه المرة ؟؟ ألم يكفيك ذبح فتاة مسكينة وجعلتها تهرب من بطشك فتواصل في غيك وتذبح الأخرى بلامبالاتك .. عبلة حفيدتي يا معتصم واكره أن أراها في هذا الوضع .. لا تنساق وراء المغرضين الذين يستخدمون فرار زوجتك لضربك في المقتل .. كف عن تتبعها وهي ستعود من تلقاء نفسها حينما تشعر بالأمان .. لماذا لم تطلقها حتى الآن ؟؟ اعطيها حريتها وبالتأكيد ستعلم بذلك وربما وقتها تكشف عن مكانها .. ثم على كل حال هي ليست بمفردها ألم تصطحب معها والدتها ..؟؟ لماذا إذًأ لا تشمل زوجة عمك في حساباتك ؟؟ أليست هي الأخرى مرمغت بكرامة السمالوطية في التراب بموافقتها على فعلة ابنتها بل ومرافقتها ..؟؟ اجبني بصراحة معتصم .. ماذا تريد منها بالتحديد بعدما تركت لك كل إرثها وأرضها هي ووالدتها لتتحكم فيهم كما تشاء ؟؟
ما الغرض من تمسكك بزوجة لا تريدك سوى الانتقام ؟؟ قد اسمعك تخبرني عن تدخلي فيما لا يعنيني لكن هذه المرة سأكسر أنفك بعصاي .. أنا لم اصاب بالوهن بعد ولدى قوة تمكني من طرحك أرضًا ..
صمته يؤكد شكوك جده الذي استطرد بعصبية لم يتحدث بها يومًا .. - طلقها معتصم وارحم نفسك من وصمتها وتحرر من عارها الذي يكبلك ويجعلك تتصرف بغباء كلما ذكرها أحدهم .. اترك عقابها مشاعًا لكل أبناء العمومة .. كونها زوجتك إلى الآن يمنعهم من التدخل لكن في حال طلقتها سيكون عقابها واجبًا على الجميع .. اعلن في المجلس القادم طلاقها واترك مهمة تأديبها تتوزع بين العائلة وكلما توزع الحمل كلما كان العقاب أسهل وأهون ..
الدماء التي تصاعدت لرأسه جعلته على وشك الانفجار .. يطلقها !! يسمح لغيره بتأديبها ..؟؟ أن يكون مسؤولًا عنها أن يعنفها أو ... مستحيل ..!! هي ملكًا خالصًا له ولن يجرؤ أحدهم على المساس بها طالما هو حي يرزق ..
وبصوت لا يحمل أي مجال للنقاش قال ..
- لن يكون هناك طلاق مطلقًا ولا أحد منهم سيتجرأ على التدخل فيما لا يعينيه يا جدي ..
- كما تريد يا ولدي كما تريد,, لكن ربما تراجع نفسك في قرار السفر ..
لماذا سفرته هذه المرة تثير الجميع ..؟؟ لسنوات دأب على الرحيل والاختفاء لأسابيع ولم يتجرأ أحدهم على التعليق .. لماذا الآن بالخصوص وهو يشعر باقترابه من ايجادها ..؟؟
بالطبع هو لا يكذب لكنه يظهر نصف الحقيقة ..
- حقًا جدي انها رحلة للعمل .. ألا تعلم كم هي متشعبة شركاتي وأعبائي .. لا تحمل همًا جدي,, الأمور جميعها تحت سيطرتي ولا أدري لماذا منذ الأمس يتردد ذكر تلك الفاجرة أكثر من مرة ؟؟ سحقها لن يكلفني الكثير وايجادها ليس بمعضلة لكن الوقت لم يحن بعد ..
- لا أصدقك معتصم لكن على كل حال سأذكرك مجددًا .. " القسوة يا ولدي لا تخلف سوى القسوة " ارحل طالما كنت مرتاح الضمير وعندما تعود اعد النظر في وضع رضوان البهنساوي .. المجلس لن ينعقد بالطبع طوال غيابك وتستطيع إعادة رضوان بسهولة لمكانه حينما تعود,, من ينفخ في بوق الحرب عليه تحمل وزر كل الضحايا ودفن القتلى بعد تكفينهم بحساناته .. واحذر من فالح هو يدبر لك أمرًا ما ولا اعتقد أنه يحمل الكثير من الخير في طياته .. أنت تربي الكثير من الأعداء وهذا ليس في صالحك وخصوصًا حينما يكون العدو من داخل صفوفك وفي عقر دارك .. وفقك الله يا بني لما يحب ويرضى .. اقم الصلاة وصلي بي فلا قوة بي اليوم للذهاب للمسجد ..
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية
