رواية ورقة التين الفصل الاول 1 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم داليا الكومي

رواية ورقة التين الفصل الاول 1 - بقلم داليا الكومي

قضمت كل أظافرها بتوتر شديد حتى التهب اللحم حول الأظافر وأصبح مهترئًا.. عادة لا تستطيع التخلص من تلك العادة مطلقًا والتي تشوه جمال يديها الظاهر لكنها كانت في قمة توترها اليوم وهي تدور في الصالون العملاق الملحق بالمنزل ومن الطبيعي أن تبدأ في قضم أظافرها وبشراهة علها تسيطر على رعشة كفيها وخفقان قلبها القاتل.. لكن اليوم لا يشبه البارحة بل لا يشبه حتى الكوابيس.. كلما عاشت كلما فجعت بما يخلع قلبها..

واليوم يزيد أبو الخير سيعود مجددًا كما هددها منذ دقائق.. أحوال والدها المادية كانت متردية في السنوات الأخيرة بسبب إدمانه للكحوليات والمقامرة مما دعاه لمشاركة هذا اليزيد، حوت من حيتان المال الذين ظهروا في الآونة الأخيرة من العدم.. لم يكن أرستقراطيًا كعائلة تيجان بل كان سوقيًا بذيئًا وكانت تعلم أنه يحمل لها نوايا سيئة منذ اليوم الأول الذي رآها فيه وتجنبت الاحتكاك به حتى انهار والدها تمامًا وتوفي منذ أيام وهو يحمل زجاجة من الكحول في يده.. يا لها من خاتمة مروعة ولا تتمنى أن تكون في مكانه أبدًا .. لكن ما تزرعه تحصده وموته لم يكن يعني لها سوى المزيد من الأسى فحياتها كانت دائرة من الألم منذ أن تركت المدرسة بعد حصولها على الشهادة الثانوية الأمريكية فوالدها لم يكن يريد تحمل أي مصروفات دراسية جديدة حتى ولو ضئيلة في الجامعات الحكومية وقبلت هي ذلك في مقابل استمرار عاصم في الدراسة حتى ولو في مدرسة حكومية عادية.. كانت ستقبل بالحد الأدنى من كل شيء لكن حتى هذا تبخر حينما توفي والدهما بعدما خسر كل شيء وحتى هي باعها ليزيد كأي غرض يملكه ..

سيكون عليها إما الرضوخ ليزيد أو الدخول في نزاعات قضائية ممتدة ولا تملك حتى ثمن الاستشارة لتعلم مدى قانونية هذا نهايك عن تحمل مصاريف القضاء نفسه إن استطاعت الحصول على تأكيد بعدم قانونية ذاك العقد المقيت لكن تهديدات يزيد كانت صريحة " لا يوجد قانون صريح يجرم الاتجار في البشر كله بالحب والواسطة والحظ ومن الآن أنتِ ومنزلكِ ملك لي، سأذهب لإحضار ملابسي وأعود وأريد أن أجدكِ في كامل زينتكِ صهبائي الجميلة "..

ولمس عاصم كتفها برقة لكنها أجفلت وصرخت صرخة أفزعته ورغمًا عنها سقطت دموعها فسارع لتهدئتها.. - لا تخافي ربى هذا أنا..

الحسنة الوحيدة التي تركها لها والدها ووالدتها هي " عاصم " لولاه ما كانت صمدت لكن وجوده يهون عليها الكثير.. صحيح هو لم يبلغ الثانية عشر بعد لكنه بعقل يماثل عقل البالغين وحنية تعوضها عما تعانيه من شظف العيش والمشاعر..

كان وجه عاصم مبيضًا من الخوف مثلها تمامًا حتى وهو يحاول تهدئتها.. - لقد استمعت لحديث هذا المقيت.. صحيح لم أفهم منه الكثير لكني استنتجت.. هذا الرجل يدعي أنه اشتراكِ بالمال هل هذا صحيحًا؟؟

وضمته بقوة.. - لا تحمل الهم أخي الصغير.. سأجد حلًا بإذن الله.. ثم لم يكن من اللائق التصنت عاصم هذه ليست أخلاقك..

 - لم أكن لأترككِ بمفردكِ معه والآن اجيبيني ربى ماذا يعني هذا؟؟ 

كان مصرًا على الفهم.. ماذا ستخبره؟؟ أبانا الراحل باعني لرجل ليلمسني كيفما يشاء؟؟ أي أب هذا؟؟ لكنه منذ البداية لم يعرف حدود الله فلماذا تتعجب الآن؟؟!! كان سيبيع أي شيء ليواصل المقامرة حتى أنت عاصم..

نحن كنا مجرد أغراض في حياته كان سيبيعنا حينما يحتاج لثمننا.. حتى أنت يا عاصم كان سيأتي دورك يومًا ما..          

- سيفصلني عنكِ أليس كذلك؟؟؟ هذا الرجل لن يجعلني أراكِ مجددًا..

هو كل ما تبقى لها في هذه الدنيا ولن تتخلى عنه مطلقًا.. مرت أيام قليلة منذ وفاة والدهما والغريب أنهما لم يشعرا بالحزن لوفاته كما شعرا عند وفاة والدتهما العام الماضي ولم يدخلا في حداد وكأنهما اعتادا ذلك أو انزاح همًا عن كتفيهما على الرغم من تردي أحوالهما والتي وصلت للحضيض حرفيًا..

وضمته بقوة أكبر واختلطت دموعهما.. - لا يا غبي لن يفرقني عنك سوى الموت..

ربما لا تفهم ما أقوله لكني لن أستسلم وسأقاضيه.. سأعمل وسأعيلنا مجددًا لا تحمل الهم..

- ربى أنتِ لم تكملي تعليمكِ.. ماذا ستعملين؟؟ هاه.. وأين سنعيش لقد خسرنا حتى المنزل.. ألا يوجد لدينا أقرباء لنلجأ إليهم؟؟

- أنت تعلم عائلة أمنا في سوريا ومع الأحداث الدائرة هناك لا نعلم حتى إن كانوا على قيد الحياة أم لا، انقطعت صلتنا بهم منذ الحرب وخاصة من بعد وفاتها وعائلة أبي لم يتبقى فيها سوى عمة واحدة تركت المنزل منذ زمن لتتزوج بدون رغبة والدنا أوجدنا الكبير ومن يومها انقطعت صلتنا بها..

- إذًا فلنذهب إليها..

- هذا ليس واردًا عزيزي.. أنا لا أعلم عنوانها أيضًا قد لا تستقبلنا.. لقد أذاها والدنا كثيرًا..

- إذًا لن نعرف حتى نحاول.. دعينا نتسلل في صمت ونذهب إليها.. أرجوكِ ربى..

هناك ما لا تعرفه عاصم وأعرفه أنا.. ما حدث يومها حفر بوشم من نار في ذاكرتي..

لكنها هزت رأسها به ما يكفيه حقًا ولن تزيد همومه.. كان يتحدث عن عمتهما بلهفة وكله أمل.. هل تستطيع قتل هذا الأمل بداخله؟؟ من يستطيع بكلمه قتل أمل يجعل العينين تبرقان مجددًا بالحياة بعد انتكاسة طويلة من اليأس؟؟ من يستطيع أن يكون بمثل تلك القسوة؟؟

- برشوم ...؟؟

- ماذا؟؟

- هذا كل ما أتذكره عن محل إقامتها.. مكان يسمى برشوم حتى لا أعلم في أي محافظة يقع..

وجذبها بأقصى قوة.. - هيا فلنهرب الآن قبل عودة هذا المخيف.. سنذهب ل " برشوم " ونبحث عن عمتنا وستستقبلنا.. لو كانت مثل أبي لما كانت فرت وتركت له المنزل.. هي بالتأكيد مختلفة عنه..

وفغرت فاهها.. كم كبر عاصم!! بل ويقول حكم.. لقد عجنته الحياة وخبزته وصقلته ليصبح بعمر يفوق عمره بكثير..

واختمرت الفكرة في رأسها.. لم تكن لتبني الكثير من الأحلام على مساندة عمتهم لهما لكن فكرة الهرب نفسها والاختباء كانت تبدو الحل الوحيد.. فليهربا الآن من هذا الجحيم وما سيحدث لاحقًا مرهونًا بالنصيب وحده.. ما يخبئه القدر قد يكون بسواد الليل المظلم لكن الظلام يحيط بهما بالفعل من كل جانب فلا مفر..

                                                       ** 

السيارة الفارهة التي أقلتها من مدرستها للمنزل عبرت الحديقة ككل يوم لكن في هذا اليوم بالتحديد كانت الحديقة تعج بالرجال وكلاب الحراسة تعوي بشراسة أرعبتها وكانت الكلاب تحاول الخروج من سيطرة الرجال والهجوم على الغريبين وأخرج أحدهم سلاحًا وأخذ يهدد رجل بصحبته فتًى مراهقًا.. وصاحب ذلك صوت والدها الغاضب يصرخ.. - لا شقيقة لي تسمى زينب.. اغربا عن وجهي يا لصوص.. ألقوهما في الخارج..

لكن الرجل الأكبر سنًا استمات في التمسك بالبوابة وامتلئت عيناه بالدموع.. - أرجوك.. حياتها في خطر.. لا أطلب منك اعطائنا أي أموال ولا أطالبك بنصيبها في الميراث.. فقط سدد حساب المستشفى كي أتمكن من إدخالها ولن ترانا مجددًا.. حياتها في خطر حقيقي..

لكن والدها استمر في السباب ليقول بلهجة مخيفة.. - عودا ل برشوم  الحقيرة خاصتكما ولا تريني وجهيكما بعد الآن وإلا أطلقت عليكما كلابي مجددًا.. أنا لا شقيقة لدي تسمى زينب..

وأمام نظراتها المرتعبة رفع الرجل الكبير يديه للسماء ليقول..  " اللهم إني أعوذ بك من الهم، والحزن، والعجز، والكسل والجبن، والبخل، وغلبة الدين، وقهر الرجال "..

واستفاقت من ذكرياتها الأليمة على توقف الحافلة في الموقف الذي يمتلئ عن آخره بالبشر وكأنه يوم القيامة.. لم ترى في حياتها كل هؤلاء البشر مجتمعين سويًا.. وضجيج يصم الآذان جعلها تتوتر بزيادة ونادى السائقين بنغمة مميزة وكأنها غناء.. " سوق العجول، سوق التلات واللي ما يشتري يتفرج "..

مدينة برشوم وجهتهما المنشودة واللذان عثرا عليها بعد البحث في الخريطة ليجداها تقع في محافظة القليوبية وبالتحديد في مدينة طوخ لكن!!

كانت آخر مئة جنية بحوزتهما تلك التي طارت لتوها..

وبدأت تشعر بحماقتها حينما تلفتت حولها لتجد مدينة صغيرة غريبة.. اندفاعها وراء مشاعرها ربما كلفها قوت يومين كاملين بل بالأحرى آخر قوت تملكه..

لكن تجربة الفرار في حد ذاتها كانت تجربة مثيرة، في الواقع الفرار من المنزل كان بالغ الصعوبة بعدما اضطرا للقفز من على السور الخلفي ليفرا من مراقبة رجال يزيد المسعورين وخرجت بإصابات عديدة في جبهتها وفي ركبتيها لكن هذا لا يهم الآن..

وهتفت بيأس.. - ماذا سنفعل الآن؟؟

كان عاصم يتمطع ليفرد جسده بعد رحلة الحافلة.. وقال بإصرار.. - فلنذهب لمكتب البريد ونسأل عنها؟؟؟

 - مكتب البريد؟؟

- في الأفلام الأمريكية يفعلون هذا..

- هذا يحدث في أمريكا عاصم، هنا في مصر هذا الأمر غير وارد لأنه لا توجد قاعدة بيانات..

وظهر الإحباط على وجهه.. - إذًا ماذا سنفعل؟؟

كانت لحظات من الاندفاعية وها هي تدفع ثمنها.. العثور على عمتهما كالعثور على إبرة في كوم قش.. وأكملت بنفس اليأس.. -لا أعلم حقًا، هل سنوقف الناس في الشارع ونسألهم عن عنوان زينب تيجان؟؟

كانا يتصببان عرقا مع حرارة يوليو اللاهبة ومع وجود نسبة عالية من الرطوبة وحمل كل منهما حقيبته الصغيرة على ظهره واتجها للظل.. - بالطبع لا ربى كنت أظننا سنسأل في مكتب البريد لكن الآن علينا التفكير مجددًا..

ولاحظت أنه يلعق شفتيه باستمرار.. الصبي كان عطشًا ويرفض اخبارها.. وانخلع قلبها من الألم.. حتى جنيهات قليلة ثمن المياه لم تعد بحوزتها.. وعلى الجهة المقابلة من الطريق شاهدت مبردًا ضخمًا للمياه مفتوحًا للعامة فأشارت لعاصم.. - هيا دعنا نشرب الماء البارد أولًا.. والسرور الواضح على وجهه علمت منه كم كان يتحمل العطش مما أثار لديها عاصفة من الحزن والشجن.. المبرد قد تكون مياهه ليست نقية تمامًا لكنه سيسد عطشهما فالحمد لله على هذا لكن وواجهتهما مشكلة عويصة.. - كيف سنشرب بدون كوب؟؟

وأشار عاصم لرجل يتكئ بأريحية على المبرد ويشرب عبر كفيه.. - مثله ..

وغمغمت بحيرة.. - في كفينا؟؟ سنحاول على أية حال..

وانتظرا حتى أنهى الرجل شربه وملأ دلوًا كبيرًا بالمياه الباردة ورحل لشاحنة قديمة تنتظره عند بداية الطريق وتقدما للمبرد يجرا قدميهما جرًا.. - هيا ربى فلنقلده..

وفتحت كفها لاستقبال الماء لكن الماء لم يستقر وأغرق ثيابها.. - فلتحاول أنت..

وتعلق عاصم في المبرد ليصل للصنبور لكنه لم يستطع فرفعته من الخلف بكل قوتها وتحاملت حتى نجح في الشرب.. ولم يلاحظا النظرات المندهشة التي كانت تتابعهما من بعيد.. كان يقدم الماء لخرافه حينما شاهدهما يتقدمان للمبرد.. صدمة رؤيتها جعلته يحدق مجددًا.. صهباء برأس ناري مشتعل وصبي له نفس الملامح ولون الشعر لكن بدرجة أقل حدة  يحاولان الشرب من المبرد وشعر بوخزة في صدره وعاوده نفس الألم ونفض ذكرياته الأليمة..

وحاول الالتهاء بالتفكير في أي شيء غير الألم النافذ الذي يثقب صدره.. من غير المعتاد رؤية فتيات بدون حجاب في مدينتهم الصغيرة وخاصة لو كانت صهباء متوهجة مثلها.. الصهباء الوحيدة التي يعرفها توفت منذ زمن طويل ولم تكن تخرج بدون حجاب لتظهر كشمس ساطعة مثل تلك الشمس بل وتغطي على الشمس الحقيقية التي تحتل كبد السماء بدون أي عناء من طرفها..

لكنه هز رأسه بعدم اكتراث فهذا شأنها وقدم الماء للخراف لكن الخراف أنهت الدلو بكامله على الفور.. وتحدث مع نفسه بصوت عالي.. " يحتاجون للمزيد يا منذر"..

اليوم الحرارة لا تطاق ومازال أمامه طريق سفر حتى يصل لمزرعته لذلك عليه الاحتفاظ بالدلو ممتلئًا طوال الطريق ليجنب خرافه الإجهاد والعطش فعاد للمبرد ليعيد ملأ الدلو.. 

ومع وصوله انزلق الصبي من يد الصهباء التي كانت ترفعه فدفعهما هذا أرضًا ليتلطخا بالكامل بالوحل ثم وقبل أن يستوعب كانت الصهباء تتعلق في أسفل سرواله بحركة لا ارادية وتسقطه معهما..

وهز رأسه بعدم تصديق.. هذان طفلان غبيان!! هل يمزحان أم ماذا؟؟

لكن الفتاة شهقت بإحراج وحاولت إيقاف الصبي على قدميه وهي تعتذر.. - أسفه جدًا..

كان الموقف مثيرًا للجنون.. الآن ثلاثتهم تغطى بالوحل فالماء المتسرب من المبرد كان يصنع بركة من الوحلة من تحتهم.. وصرخ بحنق وهو يحاول النهوض.. - اللعنة.. من أين أتيتما؟؟

وبتلقائية أجابه عاصم.. - من القاهرة..

أوه توقف عاصم هو لا يقصد هذا..

كانت تتوقع هجوم الرجل على عاصم بسبب إجابته العفوية التي لا تناسب الموقف ولا مزاج الوحل الذين يغطون فيه فبادرته هي بالهجوم..

- إياك أن تتعصب على الطفل.. هو لم يفهم سخريتك..

وصفق منذر بسخرية.. - برافو.. حقًا لأول مرة أشاهد بطيخة تتعصب.. لمعلوماتكِ صغيرتي أنتِ طفلة مثله تمامًا فلا تحاولي الحديث كالبالغين.. طفلة وبطيخة هل أقول المزيد؟؟

وصرخت بقهر.. بطيخة يا له من وقح..  وأكمل عاصم بنفس التلقائية.. - نحن حضرنا من القاهرة لزيارة عمتنا..

ورفع منذر حاجبة بسخرية.. - وكيف سمح لكما والدايكما بالسفر بمفردكما؟؟

وكانت إجابة عاصم القشة التي قصمت ظهر البعير.. - لقد توفي كليهما..

الكلمة وتأثيرها؟؟ حقًا لم يكن يعلم عن وفاة والديهما كيف كان سيعلم وخرجت كلماته عفوية لكنه شعر بالندم.. حقًا شعر بالندم.. لو يستطيع مسك لسانه لكنه هكذا دائمًا " يكون مندفعًا وأحمقًا " حينما يتعصب والصهباء أثارت جنونه لا  مجرد عصبيته..

وخفف منذر من حدته ليقول بتأثر.. - البقاء والدوام لله..

وهنا هتفت ربى بغضب.. - عاصم توقف عن الحديث مع الغرباء..

ونظر تجاهها عبر نظاراته الشمسية التي مازال يرتديها ليقول بنبرة اعتذار لم يكن لينطقه بلسانه.. - حسنًا على الأقل دعيني أوصلكما لمنزل عمتكما.. لن تستطيعا التجول بكل هذا الوحل يغطيكما..

وعاد عاصم ليقول بنبرة كلها أمل قبل أن تستطيع منعه.. - نحن لا نعرف عنوانها فلربما تستطيع مساعدتنا، كل ما نعرفه هو أن اسمها زينب تيجان وتعيش هنا في برشوم..

                                                  **

الخوف شعور غريزي ينبع من الداخل لا سيطرة لنا عليه وخاصة حينما تشعر بضعفك وقلة حيلتك.. لم يكن ابن السابعة عشر هزيل الجسد يستطيع فعل شيء أمام هجوم غاشم من كلاب حراسة مدربة على الفتك وكل جريمتهما المطالبة ببعض من حقوق والدته المريضة والتي تنازع الموت بسبب الحب.. لم يكونا يسرقان أو يبتزان أو حتى يتسولان.. كانا فقط يطالبان بحق مسكينة كانت كل جريمتها الحب وأيضًا كانت كل جريمتهما فلم يكن والده عزيز النفس ليكرر طلب الأموال من هارون تيجان لو لم يكن يعشق والدته المريضة ويحاول بكل الطرق توفير مصاريف المشفى الخاص والذي رفض دخولها لإجراء القيصرية قبل تسديد ثمن العملية بالكامل مما اضطرهم لدخول المشفى العام الذي لم يكن فيه أي إمكانيات ولا حتى مكان في عناية القلب الفائقة.. كانت تعلم أنها مريضة بالقلب وحذرها الأطباء من الحمل مجددًا لكنها فاجئت الجميع وفعلتها.. فعلتها من أجل الحب..

ونهش أحد الكلاب ساعده غارزًا أنيابه فيه حتى العظام ولم يتمكن من حبس صرخة الألم الممتزجة بالقهر وحينها فقط تراجع والده وتخلى عن تمكسه بالبوابة ليهتف ...

- حسبنا الله ونعم الوكيل حسبنا الله ونعم الوكيل.. وهجم على الكلب المسعور ليبعده عنه فيهاجمه الكلب الآخر بضراوة لكنه يستميت في الدفاع عنه..

والآن بعد كل هذه السنوات التي حاول فيها نسيان الماضي الأليم وتجاوز ألمه وقهره يجد أمامه ابني أكثر رجل كرهه في حياته..

الآن يرى الكلبين أمامه لا مجرد مراهقين تائهين.. الفتاة والصبي تجسدا على هيئة الكلبين اللذين هاجماه هو ووالده يومًا حتى أن جرحه الذي مضى عليه سنوات طوال أصبح ينبض بالألم وكأن الكلاب تنهش فيه مجددًا..

كان مستغرقًا حتى النخاع في استرداد مشاعر الكراهية التي حاول نسيانها كثيرًا بمحي اسم هارون تيجان من ذاكرته وكاد ينجح ويعيش براحة بال حتى اختل كل توازنه الآن بصدفة غير متوقعة فهاجمته ذكريات شديدة السواد أظلمت روحه من الداخل وانفصل عن واقعه يتذكر ويتذكر..

وعاد عاصم ليقول بإحباط.. - ربى يبدو أنه لا يعلم عنها..

ونهرته ربى.. - بالطبع يا عاصم هل تتوقع أن يعلم عنها الجميع؟؟ صبرًا وأنا سأتصرف..

وظهر الندم جليًا على وجه عاصم..

- آسف ربى لأني ورطتكِ في هذا.. كانت فكرتي ومن الواضح أنها فكرة سيئة.. ماذا سنفعل الآن.. وهمس لكن صوته كان مازال مرتفعًا.. - كيف سنعود للقاهرة ونحن مفلسين؟؟

- عاصمممم!! أرجوك توقف عن مناقشة أمورنا الشخصية أمام الغرباء..

وجذبته من ذراعه وهمت بالمغادرة والتفتت تجاه منذر لتقول باعتذار مجددًا..- سامحني على تلطيخ ثيابك ونشكرك على دعوتك بتوصيلنا لكن علينا الرحيل الآن وبدأا في التحرك لكنهما تجمدا في مكانهما حينما هتف..

- أنا أعلم عنوان زينب تيجان..

                                                  **

حقًا؟؟ من قمة اليأس لباب كبير من الأمل.. الرجل الذي تسببت في تلطيخ ثيابه  ربما أوقعه النصيب في طريقهما ليكون الخلاص.. 

اكتشفت فداحة فعلتها حينما وصلت بعدما اطمئنت أن يزيد لن يعرف طريقها لكن وقتها كانت فكرة عاصم هي أملها الوحيد فحينما تتذكر الطريقة التي حاول فيها ذاك الزفت ملامستها تكاد تموت رعبًا وقرفًا..

وهتف عاصم بحبور.. - حقًا؟؟ إذًا اصطحبنا لهناك..

وفجأة شعرت بالخوف.. لماذا يكون يقول الصدق؟؟ لماذا تصدقه؟؟ صحيح هو لا يبدو مجرمًا بوسامته القاتلة وسمار بشرته المميز لكن لا أمان في هذا العالم.. ولا يمكن للصدف أن تكون بهذا الشكل فتراجعت بخوف وقالت.. - وكيف نعرف أنك تقول الحقيقة؟؟ ربما تريد اختطافنا؟؟

وغشت نظرة سخرية قاتمة وجهه الذي تبدل بدون سبب.. - ولماذا أفعل هذا؟؟ بسبب جمالكِ الخلاب أو ربما لبيعكما كأعضاء بشرية؟؟

أنه يسخر منها لكنها لم تهتز..  وستتجاهله تمامًا.. - هيا عاصم.. سنذهب..

وجرت عاصم الذي كان يقاومها.. - انتظري ربى فلنسأله عن العنوان على الأقل ولا داعي لتوصيلنا فلنذهب بمفردنا..

اللعنة كم أصبحت غبية حتى عاصم أصبح أذكى منها.. لكنها هتفت بعناد.. - لا، لا أثق به أنه يضللنا وقد يرسلنا لهلاكنا.. نحن حتى لا نعرف اسمه..

- هارون تيجان!!

كانت تلك الجملة الوحيدة التي نطقها لكنها تعني الكثير.. كيف سيعرف اسم شقيق زينب تيجان إن لم يكن يعرف عمتها زينب شخصيًا فتوقفت عن المشي واستدارت لتواجهه.. كان قد خلع نظارته ويحدق بهما بقسوة أخافتها.. وفجأة توقف رجل من المارة وانضم لاجتماعهم بدون إذن وليس هذا فقط بل وأخذ يحدق في شعرها وجسدها بصورة فجة ووجه كلامه لمنذر قائلًا.. - هل جهزت خرافي يا منذر؟ العيد اقترب وأريد خراف الأضحية سمينة وبكامل صحتها.. الناس ينتظرون خرافهم ..

وغمغم منذر بضيق واضح.. - لا تتغابى مخلوف وإلا أكلتك الخراف حية.. ارحل الآن وسنتحدث لاحقًا..

- حسنًا‘‘ حسنًا لا تغضب سأرحل..

لكنه لم يرحل واستمر في التطفل وفي مراقبتها بطريقة فظة جريئة.. فجذبه منذر بعنف من ياقة قميصه ..

- مخلوف!!اقسم بالله سأذبحك أنت بدلًا من الخراف إن لم ترحل الآن وتغمض عينيك عنها ..

وانسحب الرجل على مضض فلا طاقة له به بمواجهة غضب منذر الشهير بعصبيته وهتف منذر بتهديد..      - أنا لا وقت لدي لأضيعه.. سترافقاني أو سأرحل وسأترك لكما عنوانها..

وترجاها عاصم بصمت.. يبدو إنها مضطرة لمرافقته فالوضع الذي ورطت نفسها فيه يجبرها وعاصم لن يحتمل المزيد من الحرارة والبهدلة فهتفت على[mu1]  مضض .. ثم أنه نطق بكلمة السر التي تطمئن جبل بكامله ..

- حسنًا سنرافقك ..

مشاعره ثائرة كبركان كان خامدًا لسنوات ثم ثار فجأة ولا يستطيع إيقافه أو حتى التحكم به ..

وهتف منذر بنبرة انتصار.. - لكن سيكون عليكما الركوب مع الخراف في الصندوق.. لن تلطخا شاحنتي بالوحل..

                                                         **

الشعور بالأمان شعور فطري لا يمكن أن تشعر به إلا إذا كنت حقًا مرتاح البال .. ولا تشعر بالخطر لا من .. الجلسة الغير شاعرية في صندوق الشاحنة القديمة ولا من الصحبة مع بعض الحملان الصغيرة  التي لم تكن في الواقع خرافًا حقيقية فقط بعض الحملان الوديعة لذلك لم تشعر بها مهينة أبدًا لكن شعرت معها بالأمان طوال الطريق فأغمضت عينيها وتنفست هواء الريف ..  

لأول مرة في حياتها تغادر القاهرة المزدحمة ذات رتم الحياة السريع.. وشعرت بالطبع بالحرارة الشديدة وفوجئت بعاصم يرشها بالماء من دلو الحملان ففتحت عينيها وصرخت بذهول ثم أعجبتها الفكرة فبادلته رش الماء وتعالت صرخاتهما .. ثم خطرت في رأسها فكرة بالتأكيد الحملان أيضًا تشعر بالحرارة مثلهما والماء رطبها كثيرًا فبدأت ترش الماء على الحملان وهتف عاصم بتعجب .. - ربى أنتِ كنتِ تخشين كل أنواع الحيوانات..

- هذه حملان رائعة كالطفل الرضيع لا أشعر بالخوف منها وواصلت رش الماء وكرد فعل أخذت الحملان في الجري وإصدار صوت المأمأة المحبب وتحولت السيارة لتصبح كالسيرك..

وانطلقت ضحكات ربى وعاصم لتصل لمسامع منذر الذي كان يراقبهما عبر مرآته..

تلك الطفلة طفلة حقًا وتثير الفوضى في سيارته لكن في الخلف كانت هناك ومضة من سعادة افتقدها منذ سنوات .. ذهبت سنوات مراهقته في العمل الشاق ليجمع الأموال بعدما أيقن أن المال هو الأمان الوحيد حتى أنه بات يقتصد في كل شيء.. هو لا يعني أن يكون بخيلًا لكن ذكرى الكلاب وهي تنهش لحمه لأنه كان يعاني من الفقر والعوز والحاجة ذكرى لن ينساها.. وترجمها لحصيلة جيدة من أموال تكفيه وتجعله يشعر بالأمان لن يجعل عوزه يذله لشخص فالسؤال لغير الله مذلة وشعوره بالأمان يأتي من أمواله التي يجمعها لتكون أرضية صلبة يقف عليها بثبات..

والآن يتحسر على سنوات مراهقته تلك وهو يستمع للضحكات لكن من السبب في ضياع تلك السنوات .. هما السبب ولن يسامح .. هو لم يسعى يومًا للانتقام لكن القدر أبى أن يتركه لحاله .. كان كل ما يريده هو النسيان حتى أتته تلك الطفلة فأيقظت بداخله كل ما رغب في دفنه من مشاعر سلبية وحقد وكراهية .. هي السبب فلتتحمل إذًا ..

- أوه انظر يا عاصم هناك ..

ونظر عاصم لحيث تشير ربى .. كانت السيارة قد غادرت الطريق الأسفلتي الممهد لتسير في طريق ترابي سلس الأرضية ومن حولهما أشجار رائعة الجمال ولها رائحة مميزة تصل للمخ مباشرة وببساطة علق عاصم.. - عمتنا تعيش في الجنة..

ومع جملته انخلع قلب منذر .. ليته لم يصطحبهما وليته لم يلقي أذنيه ليستمع لحديثهما.. " عمتكما حقًا في الجنة " لكنها ليست جنة الأرض .. جنة الأرض تلك ليست جنة حقيقية إنها جنة وهمية أنا صنعتها لكن زينب تيجان في الجنة الحقيقية في السماء والسبب " والدكما " .. وازداد سخطه عليهما لقد كان يعيش في راحة بال حتى ظهرا في حياته .. ووضع غضبه في قدمه فانطلقت السيارة بسرعة أكبر على الطريق الترابي مثيرة عاصفة من الغبار خلفها غطى على الجمال المحيط بالمكان وسعلت ربى بشدة وسألها عاصم بقلق ..- ربى هل أنتِ بخير؟؟

- بخير لا تقلق .. لكن صوتها كان متقطعًا وسعالها كان شديدًا مما أصابه بالخوف والقلق .. وتوقفت السيارة أخيرا لتظهر من وسط غيمة الغبار بوابة خضراء حديدية ومنزل ريفي بسيط من طابقين .. هل هذا منزل عمتهما؟؟ وكيف يدخل هذا الوقح منازل الناس بهذه الطريقة؟؟ لكنها ابتلعت لسانها فهذا شأنه وليعترض أصحاب المنزل بأنفسهم .. وحذت حذو عاصم وغسلت وجهها من دلو الخراف فلا تريد أن تراها عمتها لأول مرة وهي مغطاة بالتراب بيضاء الرموش ..

وسمعت صوت رجل يصيح بتعجب ..- منذر ما بك؟؟ هل جننت؟؟

كما توقعت سيعترض أصحاب المنزل على الدخلة الدرامية تلك .. وتساندت على حاجز السيارة الخلفي وقفزت تتبع عاصم وحمدت الله أنها كانت ترتدي السروال ووسط دهشتها هتف صاحب الصوت بذهول فور رؤيتها ..- زينب ..؟؟!!

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات