رواية فارس بلا مأوى الفصل الاول 1 - بقلم ولاء محمد رفعت

  رواية فارس بلا مأوى (كاملة جميع الفصول) حصريا عبر دليل الروايات بقلم ولاء محمد رفعت

رواية فارس بلا مأوى الفصل الاول 1 - بقلم ولاء محمد رفعت


تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.

_ آه يابا... آه يابا 
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة 
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار 
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار 
آه يابا... آه يابا

يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني: 
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد.

صمت الذي يغني وقال له بتهكم: 
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.

حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال: 
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! .

أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما: 
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.

أجاب الشخص الأول: 
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.

_ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.

عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال: 
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي.

ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.

تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية: 
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.

تعجب الآخر وقال: 
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .

أرتفعت شفتيه بسأم وقال: 
_ مليش في الدخان.

رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال: 
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.

أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل: 
_ مبحبش السچاير.

لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة: 
_ مجولتليش إسمك أي؟.

زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب: 
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ.....

قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة: 
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.

جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته: 
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف: 
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.

_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.

رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه: 
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.

ضحك الآخر قائلاً: 
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.

نظر له منتظراً فأردف: 
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.

وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال: 
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.

لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية، يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.

صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ: 
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.

قتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل: 
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.

أجاب الآخر و هو يحمل منه سلاحاً نارياً: 
_ عفارم عليكم يا رچالة.

ورحل جميعهم علي الفور، و أستغل السجناء تلك الفرصة الذهبية وهرب كل منهم بعد أن تخلصو من أصفادهم.
بينما كان فارس يتجادل مع جنيدي:
_ أنت أتچننت عايزني أهروب وأثبت عليا التهمة؟.

قال الآخر ساخراً: 
_ ما تفتح مخك الي كيف الحچر الصوان، التهمة كيف الخلچات أنت لابسها وماهتجدر تخرچ منها لأن هو ده الجانون، روح أتاوي لك في مُطرح لأن الحكومة عتطلج دبابيرها علينا في كل مكان وما عيهدلهومش بال غير بعد ما يجبضو علينا كلاتنا.

كان يفكر في كلماته، ورأي أن لديه حق فذهابه إلي النيابة لإستكمال التحقيق ومنها إلي المحكمة والقاضي لم يرأف به و سيحكم عليه بالقضاء في السجن لمدة قد تصل لخمس وعشرون عاماً يفقد فيها شبابه و آماله، فعليه بالهروب والبحث عن دليل براءته لاسيما الذي حدث معه في الزنزانة أكد له من وراء دخوله إلي السجن.

وأخيراً وافق علي الهروب فقال: 
_ والكلابشات كيف نخلصو منيها؟ .

أشار له جنيدي نحو الأمين المسجي علي الأرض وغارقاً في دمائه، فهو من يحمل مفاتيح الأصفاد، ألتقط فارس المفاتيح و حاول إدخال إحدهم ونجح في فتح الأصفاد. 
أبتسم جنيدي وهو يزفر بحرية قائلاً : 
_ يلا بينا علي أجرب مزلجان للجطر، هنتسطحو علي الي رايح نواحي بلاد بحري ونتدلي علي مصر، وهناك أرض الله واسعه.

ذهب كليهما بعد ركض مسافة ميل وأكثر حتي وجدوا مزلقان يبدو مهجوراً، وظلا ينتظران قدوم القطار المتجه إلي محافظات الدلتا، ونجحا بالقفز إليه والصعود إلي سطحه وتمدد كل منهما فوقه، ولأنهما علي معرفة أن الرحلة ستستغرق أكثر من ثماني ساعات، فأستسلم جنيدي للنوم بينما فارس ظل يحدق في السماء، يتأمل النجوم التي تذكره بمعشوقته وتمني لو يراها لو لدقيقة واحدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_( قبل مرور أسبوعان )

في مطار القاهرة الدولي يخرج من البوابة يسحب حقبيتيه خلفه، ينتظره سائق والده الحاج قاسم القناوي عمدة نجع الشيخ نور الدين الذي يتميز أهله بالطيبة والسماحة ، ولقد كانو يحبون عمدتهم الذي يتصف بالعدل و يجلب للمظلوم حقه ويعاقب الظالم علي جرائمه بلا هواده، فشعاره الكل سواسية.

_ حمدالله على السلامة يا فارس بيه. 
قالها السائق بإبتسامة مرحبة وهو يري من كان صغيراً وتربي أمام عينيه أصبح رجلاً في الثلاثين ورث عن والده الطيبة والدماثة وبعض ملامحه كالبشرة المائلة للسمرة قليلاً والبنية الجسدية القوية ، و من والدته قد ورث منها لون عينيها الرمادية وخصلات شعرها مثل لون خشب الماهوجني.

بادله بإبتسامة من ثغره المحاط بشارب ولحية مشذبة وقال: 
_ الله يسلمك يا عم چابر، كيف حالك يا راچل يا طيب؟ .

أجابه الآخر ويأخذ من يده الحقائب ويضعها خلف السيارة: 
_ الحمدلله زين، وكيفك أنت يا ولدي؟ .

_ كيف ما أنت شايف، بخير الحمدلله، ياه يا عم چابر مصر عتوحشتني جوي، چوها وناسها والنچع و الأكتر من كل ده أبوي الحاچ قاسم وأنت والخالة هنادي.

_ وإحنا كمان يا ولدي، عتوحشتنا جوي، والي صبرنا علي غربتك وفراجكك لما كنت بتحدت ويانا صوت وصورة في المحمول.

_ وأني كمان، كنت بصبر نفسي، لحد ما الحمدلله ما صدجت أخد أچازة كبيرة لأجل أجعد وياكو، ولأجل أتچوز بنت عمي.

_ واه، أحلي خبر عاد، الحاچ قاسم أول ما عيعرف هيطير من الفرحة، كان مستني اليوم ده علي أحر من الچمر.

_ ما أني كنت عاملها مفاچاءة جولت أخبركو لما أنزل.

_ طب يلا يا ولدي خالتك هنادي موصياني أرچعك جبل المغرب، بتحضرلك كل الواكل الي بتحبه.

_ والله وفكرتني بواكل الخالة عمري ما دوجت ولا هادوج زيه، يلا بينا يا راچل يا طيب.

دخل كليهما السيارة وأنطلق جابر في طريقه إلي محافظة قنا، أخرج فارس هاتفه الذي ترك شاشته علي صورتها التي لا تفارقه إينما ذهب، فهي حب طفولته ومراهقته وشبابه، وقبل أن يسافر منذ ثلاث سنوات قام بخطبتها وأراد أن يعقد قرانه بها لكن رفض شقيقها و لم يبوح بالسبب، يعلم فارس أن رافع يحمل بداخله ضغينة وحقد وكراهية هذا لربما بسبب والده طالما وضعه مقارنة به في التعليم والعمل.

ففارس قد تخرج من كلية الهندسة بتقدير إمتياز وبسبب تفوقه أراد أن يكمل تعليمه بالخارج والحصول علي الماچيستير في مجال الإتصالات والبرمجة وبالفعل حصل عليه ولكن توقف بعد ذلك بسبب حصوله علي وظيفة مرموقة في إحدي فروع شركات ميكروسوفت العالمية في الولايات المتحدة، وحاز علي إعجاب رؤساءه بسبب ذكاءه وسرعة بديهته في العمل، بينما آنذاك كانت زينب إبنة عمه وزوجته المستقبلية مازالت تدرس نظم وحاسبات، أرادت أن تدخل كلية هندسة مثله وكان يحثها علي ذلك لكنها لم تحصل علي المجموع المناسب الذي يؤهلها للدخول حيث في وقت الإمتحانات توفت جدتها أم والدتها وكانت متعلقة بها بشدة وبكت وحزنت كثيراً علي فراقها مما أثر علي أدائها في الإمتحانات.

وبعد تخرجها قرأت إعلان يقدمه مركز تكنولوچيا المعلومات التابع للمحافظة عن حاجتهم عدة تخصصات في البرمجة والحاسبات، وبرغم وقوف شقيقها أمامها وعارض هذا بأن الفتاة لا عمل ولا خروج لها سوي الذهاب إلي بيت زوجها، تفكيره الذكوري المتسلط و ربما غيرته البغيضة بأن شقيقته الفتاه أعلي منه تعليماً وشأنناً برغم تصغره عدة سنوات، لكنها لجأت إلي عمها الحاج قاسم وقام بإقناع والدها الذي وافق بصعوبة.

وبالعودة في السيارة، قرر الإتصال بها فهو لم يخبرها بعودته وأراد أن يفاجئها، فلم يتحمل أكثر من ذلك يريد أن يسمع صوتها الذي يطرب فؤاده بأجمل الألحان، ضغط علي علامة الإتصال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ في غرفتها تتمدد علي مضجعها تغط في النوم كعادتها بعد العودة من عملها، خصلاتها الفحمية كالحرير المنسدل علي الوسادة، يبدو من إبتسامتها الخافتة تري حلماً جميلاً فقاطعها رنين هاتفها بالنغمة المخصصة له فقط، كادت تتجاهل الرنين لكن عندما أنتبهت إلي نغمة الرنين دقات قلبها تسارعت وأستيقظت،أمسكت بالهاتف ونظرت إلي الشاشة لم تصدق عينيها، رقمه المحلي وليس الدولي الذي كان يهاتفه منه في أمريكا، بلي إنه هذا الرقم الذي يمتلكه منذ سنوات وهي تحفظه عن ظهر قلب.

أجابت بللهفة وشوق وحنين: 
_ الو يا فارس جلبي.

_ مهجة الفؤاد أتوحشتك.

أبتسمت بخجل، فأردف لها وكأنه يراها: 
_ أني خابر خدودك دلوق بجو زي التفاح الأمريكاني، لساتك عتستحي مني يا جلبي؟ .

_ ما أنت خابر بجي عادتي يا إبن عمي.

_ إبن عمك!، رايد تنادمي عليا بالأسم الي بعشجه من شفايفك.

صمتت لكن صوت أنفاسها يتعالي وقد وصل لأذنيه، فقالت بصوت خافت: 
_ فارس جلبي.

_ الله الله، كل يوم بعشج إسمي، عشان إكده لما نتچوز هخليكي تجوليه وأنتي في حضني.

أزدادت خجلاً مما جعلها تبدل الحديث فقالت: 
_ مجولتليش أنت وصلت ميتي وليه مخابرتنيش من جبلها؟.

_ كنت عاملهالك مفاچاءة، وأطمني لستنا أنا وعم چابر متحركين من قدام المطار يعني كلها ست لسبع ساعات ونوصل بإذن الرحمن.

_ توصل بالسلامة يا حبيبي، عتلاجيني مستنياك، خد بالك علي روحك زين.

_ حاضر، وأنتي كمان.

وقبل أن تجيب لاحظت ظل أسفل الباب فعلمت من صاحبته التي دائماً تسترق السمع عادتها السيئة.
فقالت بصوت منخفض: 
_ في حفظ الله يا جلبي، مع السلامة.

وأغلقت المكالمة وبدون أن تشعر الأخري، تسحبت علي أطراف قدميها وفتحت الباب لتتفاجئ الأخري بفزع: 
_ واه، في أي يا زينب؟.

حدجتها بإزدراء وقالت: 
_ أني برضك الي في أي!، واجفه قدام أوضتي وعتتصنتي عليا وأني بتحدت في التلفون.

قالت بتوتر وبإستنكار: 
_ مين جالك أني بتصنت عليكي!،أني كنت معديه من أهنه رايحة أچيب خلچات لأخوكي الي بيتسبح چوه.
وأشارت نحو المرحاض الموجود في آخر الممر

رمقتها بعدم تصديق فقالت: 
_ هعمل حالي مصدجاكي يا نواره، لكن وربي لو جبصتك مرة تانية، ما هجولك هعمل فيكي أي،فهماني يا مرات أخوي!.

_ مالك منك ليها واجفين إكده كيف الضراير! 
قد أتاهم صوت شقيقها الأكبر وقد خرج لتوه من المرحاض يرتدي جلبابه ويجفف وجهه بالمنشفة، ألتفتت له زوجته وأبتسمت بتصنع: 
_ ممفيش ياخوي، زينب كانت بتسألني عن حاچة.

ألقي عليها المنشفة وقال: 
_ ياريت تسيبكم من حديت النسوان واللت والعچين وروحي حضري لي لجمة عشان خارچ.

سارت خلفه وتساءلت: 
_ علي فين رايح؟.

أجابها بضيق: 
_ ملكيش صالح، مين متي بجولك رايح فين ولا معاود منين!.

قالت بحزن وإستياء من أسلوب حديثه الغليظ: 
_ إكده يا رافع!،حجك علي معدش أسألك تاني واصل.

_ يبجي أريح.

بينما زينب تركتهما وذهبت تبحث عن والدتها فوجدت والدها يشاهد التلفاز، فقالت:
_ أمي فينها يا أبوي؟.

أشار لها بيده قائلاً: 
_ راحت تشجر علي خالتك سعاد، الظاهر إنها عيانه.

عادت إلي غرفتها لتعد الثياب التي سوف ترتديها عند إستقباله، فتحت الخزانة وأخذت تمسك بثوب وآخر حتي وقع الأختيار علي ثوبٍ بللون الزمرد وحجاب بللون الرمال، فهو من أهداها إياه.

وفي غرفة شقيقها دخلت نوارة تحمل صينية الطعام و تفكر كيف تتودد إلي زوجها الذي دائماً يعاملها بجفاء، ولأن الحماقة من شيمها السيئة قررت تخبره بأمر تعلم إنه سيثور بعدها وظنت سيقربها له، فقالت: 
_ سي رافع؟.

كان يرتدي عمامته البيضاء أمام مرآة الزينة، أجاب: 
_ أي؟.

وضعت الصينية فوق الطاولة وأقتربت منه تساعده في إرتداء عباءته التي يرتديها فوق جلبابه: 
_ كنت عايزة أجولك علي حاچة.
ترددت فقال: 
_ قصري وجولي يا نوارة.

أبتلعت لعابها بتوتر وقالت بصوت منخفض: 
_ عجولك...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ و في دار القناوي تقف الخالة هنادي مع الخادمة يعدان عدة أصناف من الطعام من أجل هذا القادم. 
وفي إحدي الغرف يقف الحاج قاسم أمام صورة زوجته المتوفية يتأملها بشوق وحنين قائلاً : 
_ عتوحشتيني يا غالية يا أم الغالي، كان نفسي تكوني عايشة وتشوفي ولدك بعد ما بجي مهندس أد الدنيا في بلاد الخواچات، و كمان عيبجي عريس، ومارته عتكون كيف ما وصيتيني يتچوز زينب بت عمه وكأن جلبك كان حاسس إنه ولدك عيعشجها.

زفر بأريحية وتمدد علي تخته وهو يشعر بالدوار فجاءة، مد يده نحو الكمود وتناول علبة دواءه ليأخذ قرص صغير الخاص بعلاج القلب، كانت يديه ترتجف ولم يستطع بإمساك العلبة فوقعت من يديه.

رن جرس الباب ويتبعه طرقات متتالية، فقالت الخالة هنادي: 
_ عتلاجيه الواد حسنين چاب اللحمة المفرومة للرجاج.

قالت لها الفتاة: 
_ عروح أخدها منيه أني يا خالة؟.

أجابت الخالة: 
_ لع، عاروح أني وأنتي روحي طُلي علي الحاچ.

و قامت بمسح يديها في المنشفة وذهبت لتفتح الباب، وجدت الغفير حسنين ذو الضحكة البلهاء: 
_ أتفضلي يا خالة المفروم كيف ما طلبتيه.

أخذت الكيس من يده وقالت: 
_ تسلم يدك يا حسنين.

_ أي خدمات يا ست الكل؟ .

_ متشكرين، لو أحتاچت حاچة عنادم عليك.

_ ألحجيني يا خالة، دخلت علي سيدي قاسم لاجيته واجع علي الأرض ومبينطجش . 
صاحت بها الفتاة بملامح مذعورة خائفة، شهقت الخالة بخوف قائلة: 
_ ياستير يارب.

وذهبت مسرعة إلي الغرفة فوجدت الحاج قاسم متمدد علي الأرض في حالة إغماء، صاحت في الفتاة: 
_ بت يا ورد، أخرچي بسرعة جولي للغفير حسنين يتدلي علي الحكيم بسرعة.

أجابت ورد: 
_ أمرك يا خالة.

وذهبت مسرعة لتخبر الغفير الذي أنتفض خوفاً علي رب عمله، وذهب إلي الطبيب وجلبه علي الفور. 
دلف الطبيب فوجد الخالة هنادي تجلس بقلق و خوف، بعد محاولات عديدة لإفاقة الحاج قاسم. 
فقال: 
_ السلام عليكم يا خالة.

أجابت و الخوف يعتري ملامحها: 
_ وعليكم السلام، ألحجنا يا دكتور، كنا مهملينه الصبح زين ويا دوب ساعتين وجولت للبت ورد تطمن عليه، دخلت لاجته واجع علي الأرض وعلبة دوا الجلب جاره واجعه، شكلها وجعت منيه وملحجش ياخدها.

أخرج الطبيب أدواته الطبية من الحقيبة وقال:
_ إن شاء الله خير يا خالة.

قام بفحصه لمدة دقائق، ثم غرز في ظهر كفه إبرة الكانيولا وقال:
_ أنا هعلقله محاليل، عشان واضح عنده هبوط فلازم يفوء الأول وبعد كده ناخده علي المستشفي.

قالت الخالة وهي تنظر للحاج بحزن: 
_ مشتشفي! ، چيب العواجب سليمة يارب.

- و بخارج الدار، تحديداً في الخلف تتلفت الخادمة ورد يميناً ويساراً حتي تأكدت من خلو المكان من أي شخص ما، فأخرجت هاتفها من طيات جلبابها لتهاتف إحدهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وفي منزل آخر، فوق السطح تحمل تلك الفتاة وعاء مليئ ببواقي الطعام وتلقيه إلي الدجاج والبط، و ملأت لهما أوعية الفخار بالماء، وبعدما أنتهت من عملها كادت تلتفت لتهبط الدرج فتفاجأت به واقفاً خلفها، شهقت بخوف: 
_ بسم الله الرحمن الرحيم.

حدجها بنظرة سخط تحولت إلي أخري ماكرة: 
_ شوفتي عفريت إياك؟ .

قالت وهي تتراجع إلي الخلف: 
_ مجصدش ياسيدي، أني بس معرفاش إنك أهنه، فأتخضيت.

أقترب منها ونظراته تتجول علي جسدها قائلاً : 
_ معلش، المرة الچاية عبجي نكح لأجل متتخضيشي. 
انهي كلماته واضعاً يديه علي خصرها يجذبها إليه وهم بتقبيلها فأوقفه صوت والدته التي صاحت: 
_ زكريا؟ .

أبتعد عن الفتاة التي قامت بصفع وجنتها وبخوف قالت: 
_ يا مُري ستي چليلة.

رمقتهما جليلة وبغضب قالت: 
_ واجفه عندك بتهببي أي؟.

أبتلعت لعابها وأجابت بتوتر: 
_ والله ياستي كنت بواكل الطير كيف ما جولتيلي و.....

قاطعتها الأخري بصرامة: 
_ خلاص يلا أتدلي من أهنه وچهزي الواكل.

أومأت لها متجنبة نظراتها الحادة: 
_ أمرك ياستي.
و ذهبت مسرعة، فألتفتت جليلة إليه فوجدته يقف ينظر لأسفل، فقالت بحده: 
_ كم مرة نبهتك وحذرتك عن عمايلك العفشه دي؟.

أجاب بإستنكار: 
_ معملتش حاچة.

_ واه!، والي حوصل دلوق كان أي يا ولد بطني؟.

تحمحم وحك ذقنه قائلاً: 
_ كنت بجولها حاچة.

قالت بسخرية: 
_ أوعي تكون يا واد فاكرني داجة زرازير إياك!، أني خابرة زين الي بتعملو سواء مع البت عبير ولا ورد الي بتجابلها في السر، وبجول بكره يعجل وربنا يهديه ويتچوز لكن لساتك كيف ما أنت و..... وعتفضل إكده، ولأخر مرة بحذرك يا زكريا لأن المرة الچاية عيكون ليا تصرف معيچبكش واصل.

وقف أمامها بتحدي وقال: 
_ الحديت ده تجوليه لبكر أخوي الصغير، لكن أني راچل وحر أعمل كيف ما أني رايد و مفيش مخلوج في الدنيا يجولي تعمل ولا ما تعملش.

هوت بكفها الغليظ علي وجهه: 
_ بتعلي صوتك علي أمك! .

تابعت بللهجة حادة: 
_ياريتك كنت كيف أخوك في أخلاجه، لكن أنت كيف الشيطان ڤاچر ولا تعرف عيبة ولا حرام.

حدجها بنظرات نارية فهم بالذهاب قائلاً: 
_ و الڤاچر عيهمهلهالك وما عتشوفي خلجتي واصل.

وتركها ورحل، بينما يهبط الدرج جاءه إتصالاً هاتفياً، أنتظر حتي أصبح خارج المنزل، فأجاب: 
_ عايزة إيه أنتي كمان؟.

_ أتصلت عليك كتير جوي، كنت عايزة أجولك فارس بيه راچع من السفر وچاي في الطريج، وسيدي قاسم تعب فچاءة وعنده الحكيم.

وقبل أن يجيب لمح المقبل عليه فقال: 
_طيب أجفلي دلوق وهبجي أتصل عليكي، سلام.

_ أي الي موجفك إكده في عز القياله؟.
قالها رافع، فأجاب الآخر: 
_ أني رايح علي المطُرح بتاعي نواحي المعبد الجديم.

قهقه رافع وقال: 
_ عمتي عملتها معاك وطردتك إياك؟.

زفر بحنق وقال: 
_ أني الي مهمل الدار.

أقترب رافع و ولكزه في كتفه وسأله بخبث:
_ ليكون جبصتك مع البت عبير الخدامة؟.

أشاح بيده و بضيق قال: 
_ وهي أول مرة عاد!، شكلها حاطني في دماغها لأچل تچوزني لبت عمتي الي لساتها عيله صغيره.

_ وماله يا أخوي، ماتتچوز وأعمل الي أنت رايده، كيفي إكده.

_ أني كيف الطير بيحب يحلج ويعيش حر، بلا چواز بلا هم.

زفر رافع بتأفف: 
_ علي جولك، لسه مهمل نوارة و زينب ماسكين في خناج بعض، والأولي كيف تنتجم مين خايتي چاية تخبرني إنها سمعتها بتتحدت ويا فارس واد عمك وبتجول راچع و خيتي عتروح تجابله.

أبتسم زكريا واضعاً كفه علي كتف الآخر، فقال: 
_ ما أني كنت عخابرك نفس الحديت، لساني عارف من البت ورد، وكمان عمك قاسم تعبان جوي والحكيم عنده شكله والله أعلم بيودع.

ضيق رافع عينيه وقال: 
_ ياريت الي في بالي يوحصل، وجتها هيكون الوجت مناسب جوي.

رمقه الآخر بعدم فهم وسأله: 
_ تجصد أي؟.

صوب بصره نحو الفراغ وقال بنبرة ذات مغذي: 
_ عتعرف كل شئ في أوانه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وبعد مرور عدة ساعات، مازال الحاج قاسم ممدد علي فراشه بعدما أستيقظ من إغماءه، حاول الطبيب إقناعه بالذهاب إلي المشفي لكن الآخر أصر علي بقائه في الدار ولم يغادر فراشه سوي علي قبره.

توقفت السيارة بالخارج، ترجل منها فارس بللهفة يطرق الباب، فتحت له ورد: 
_ حمدالله علي السلامة يا سيدي.

نظر لها مبتسماً: 
_ الله يسلمك يا ورد، فينها خالة هنادي والحاچ.

أجابت: 
_ الخالة عند سيدي قاسم چوه. 
وطأطأت رأسها بحزن، مما دفعته قائلاً : 
_ ماله أبوي؟ .

وركض إلي غرفة والده بقلق وخوف، فوقعت عينيه عليه راقد علي مضجعه في حالة يرثي لها من التعب والوهن، يتصل بيده أنبوب المحلول. 
أبتسم والده حينما رآه مقبلاً عليه: 
_ حمدالله على السلامة يا ولدي.

أنحني فارس علي يد والده وقبلها: 
_ مالك يابا؟.

تحدثت الخالة هنادي:
_ تعب فچاءة والحكيم جال لازم يتنجل علي المشتشفي، وهو معاند ومش رايد يتحرك من السرير.

رمقه فارس بعتاب: 
_ ليه إكده يا أبوي؟ .

تفوه بصعوبة قائلاً: 
_ خلاص يا ولدي، شكلها هي دي نهاية رحلتي في الدنيا، كنت بدعي ربنا إن عشوفك جبل ما أروح له.

أزدرد الآخر ريقه ويمنع عبراته فقال: 
_ بعد الشر عليك يابا، متجولش إكده، أني هاخدك علي المستشفي الدكتور يطمن عليك ونعاود علي الدار، أني خابر كرهك للمستشفيات.

رفع يده المرتجفة علي وجه نجله يلمس ذقنه بحنان وكأنه يتأمل ملامحه: 
_ ريح جلبي يا فارس، وأسمعيني زين.

ألتفت برأسه نحو الخالة وتابع قائلاً : 
_ جربي يا هنادي.

أقتربت ووقفت بجوار فارس: 
_ أمرك يا حاچ؟ .

أشار بيده إلي الدورق: 
_ لافيني بوج ميه.

أسرعت بسكب الماء في الكوب، فحاول فارس مساعدته في نهوض جذعه قليلاً ليتمكن من إرتشاف الماء حتي أنتهي وعاد إلي التمدد مرة أخري، تابع وقال: 
_ الي هجوله دلوق وصيتي ليك يا ولدي، أولاً الخالة هنادي وكل الي بيخدمو في الدار أمانة في رجبتك.

أندفعت الخالة وبدأت تبكي: 
_ متجولش كده يا حاچ، بعد الشر عل...

رفع يده وقاطعها: 
_ متجاطعنيش جلبي مش حمل مناهده عاد، خليني أكمل وصيتي لأجل أكون مرتاح.

عاد بالنظر إلي فارس وأردف: 
_ عمك خميس وعمتك چليلة، أني خابر كرههم وحقدهم ليا وليك وعذرهم الله يسامح چدك معاملته الجاسيه ليهم والتفرجه بيني وبينهم ، خلت جلوبهم مليانة سواد ومع إكده عمري ما أتخليت عنيهم لأنهم أخواتي مهما سو، متجطعش الود وياهم يا ولدي و أتچوز زينب وأعملها فرح يتحاكي بيه النچع كلاته، وحطها چوه عينيك، ثاني هام وهي وصيتي ليك في أهل البلد أحكم بينتهم بالعدل ولو چالك مظلوم أنصفه وچيبلو حجه، وإياك والظلم يا ولدي.

أنسدلت من عينه عبرة فقام بإزاحتها وقال: 
_ كفياك حديت يا أبوي، وغلاوتي عندك تعالي نروحو المستشفي.

أعتدل في نومه وينظر إلي شئ ما لايراه سواه قائلاً : 
_ أني شايفها كيف البدر، عتستناني، وأنا رايح لها.

أغمض عينيه في سلام وطمأنينة، أنتفض فارس وأتسعت حدقتيه بشدة غير مصدق، وضع يده علي عنق والده: 
_ أبا؟، أبا؟ .

أخذت الخالة تبكي وتعالي صوت بكاءها بنحيب: 
_ سيدي قاسم.

صاح فارس بصراخ: 
_ أبا! . 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ في مشهد تدمع له العيون وتدمي له القلوب، يقف أهل النجع جميعاً في المقابر، الرجال في المقدمة يشاهدون مراسم الدفن والنساء خلفهم بين صراخ وعويل علي موت هذا الرجل الذي كان محبوباً من أكبرهم لأصغرهم. 
بينما كان حال نجله المسكين تنتفض له خلايا الجسد، يحمل مع الرجال كفن والده ليضعوه بداخل المقبرة التي تعلو التربة، فالمقابر لديهم أعلي سطح الأرض ويعلوها قباب أو شواهد.

وهناك يقف رافع وبجواره زكريا يتصنعان الحزن علي عمهما، لكن في صدورهم كانت تتراقص السعادة، فأخيراً ستكون العُمدية من نصيب خميس القناوي لكن كيف وهناك فارس! .

تقدم رجل ضخم البنية ذو ملامح مخيفة، أقترب من رافع وأنحني نحو أذنه وأخبره شيئاً ما، فربت الآخر علي كتفه وقال: 
_ عفارم عليك يا ديبكي، روح أنت وحضر للعزا مع الرچالة.

رحل ديبكي، فأقترب زكريا من رافع هامساً: 
_ سويت أي يا واد خالي، أنا خابرك لما بيظهر دبيكي بيكون وراه مصيبة واعرة.

أجاب الآخر بنبرة إنتصار مليئة بالسعادة: 
_ كلها ساعتين وعاتيعرف، ولو الفضول جاتلك جوي أبجي أسأل عشيجتك ورد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ وفي منزل القناوي، تلملم أشياءها بداخل تلك الحقيبة المتهالكة، وقبل أن تغلقها أمسكت بظرف أبيض وقامت بفتحه لتطمأن علي المال وتحدق فيه بفرح، سمعت بأصوات في الخارج يبدو أنهم قد أنتهو من مراسم الدفن، أسرعت بدفس الظرف بين ثيابها وأغلقت الحقيبه مسرعة. 
ألقت وشاحها الأسود علي رأسها وركضت إلي الخارج ثم غادرت من الباب الخلفي قبل أن يراها أحد، فكما أمرها هذا الديبكي بأن ترحل من النجع بأكمله وإلا سوف يقتلها ويرمي جثتها في الصحراء إلي الذئاب الجائعة.

دلفت الخالة هنادي تبحث عنها تنادي بصوتها الباكي الحزين:
_ ورد؟، بت يا ورد. 
لا إجابة، جففت ماتبقي علي وجنتيها من عبرات وقالت: 
_ راحت فين البت دي؟ .

وذهبت نحو غرفتها لعلها تكن بالداخل، فأوقفها صوت الغفير حسنين قائلاً : 
_ خالة هنادي، سي فارس بيجولك أفتحي الدار لأچل الحريم الي چايين يعزو.

_ و في دار خميس القناوي، تصرخ وتبكي: 
_ آه يا عمي، كنت ليا الأب والسند ياعمي.

في ذلك الحين ولج رافع يخلع عباءته قائلاً : 
_ كفاياكي عويل و ولوله، أبوكي وأخوكي لسه عايشين، عتبكي علي مين إياك.

رفعت وجهها وحدجته بنظرات كراهية: 
_ ملكش حديت معايا واصل، تجفل عليا باب الأوضة بالجفل لأجل ما أروحش الدفنه.

قال بتهكم: 
_ عتروحي الدفنه ولا عتشوفي حبيب الجلب وتواسيه!، حطي الكلمتين دول حلجة في ودانك فارس ده صفحة وأتجفلت أو نجول أتجطعت.

نهضت وباغتته بهجوم صارخه في وجهه: 
_ ليه بتكرهه جوي إكده! ، إكمنيه أحسن منك، چدع ومهندس والناس كلاتها بتحبه وأنت كيف الشيطان لو حد شافك يستعيذ بالله منك ومن شرك.

لم يتحمل كلماتها القاتلة، فلم يشعر بحاله وهو يهوي علي وجهها بكفيه، فكانت تتهاوي يميناً ويساراً من قوة صفعاته، وفي تلك الأثناء عاد والديهما ونوارة، صاحت السيدة رسمية وهي تمسك به تمنعه عن صفع شقيقته: 
_ عتعمل أي يا واكل ناسك.

توقف عن صفعها ويلتقط أنفاسه يرمقها بشر ولم يحيد بعينيه عنها قال: 
_ بترفع صوتها وتجل أدبها علي أخوها الكبير، وجسماً بالله ما أنتي عتعتبي باب الدار واصل.

_ والله عال يا ولدي، بتضروب خيتك وتجمر وتنهي وأني لساتي عايش. 
صاح بها خميس، ألتفت له رافع وبخجل تطأطأ رأسه قائلاً : 
_ حجك علي يا أبوي، مجصديش، كل الحكاية الهانم خرچتني عن شعوري لما غلطت فيا.

نظر نحوها والدها ليجدها ترتجف وتبكي بين زراعي نوارة التي تربت عليها، فبرغم خلافتها معها لكنها شعرت بالشفقة فهي تعلم قسوة زوجها عندما يفقد أعصابه وتثور أغواره. 
قال خميس: 
_ صوح الي جاله أخوكي يا زينب؟.

أجابت ببكاء و ترمق شقيقها بكراهية شديدة: 
_ أيوه، جولت له إن فارس برجبته و الكل شايفه شيطان رچيم.

زجرها رافع بنظرة مرعبة قائلاً : 
_ سامع يا ابوي! .

رمقتها والدتها بإمتعاض وقالت: 
_ كيف بتجولي علي أخوكي الكبير شيطان! .

صاح خميس بأمر: 
_ إعتذري لأخوكي يا زينب.

صاحت برفض تام: 
_ لع يا أبوي.

زفر خميس بغضب وقال: 
_ إكده عتكسري كلامي؟، يبجي منك ليه والي عيجولك عليه أخوكي عتنفذيه بالحرف الواحد، أني رايح العزا، أبجي حصيلني يا رافع.

فقالت رسمية: 
_ وأني رايحة ويا چليلة خيتك دار القناوي.

_ خديني وياكي يا خالتي.
قالتها نوارة، فقال رافع بأمر حازم: 
_ مفيش مرواح، عتقعدي ويا المحروسة عجبال ما نيچي، ولو خطت خطوة برة الدار عتكوني أنتي المسئولة قدامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بعد أن عاد من المقابر ولج إلي غرفة والده يتأمل كل ركن وكل أثاث تحتويه، فهنا علي الكرسي المقابل للتخت كان والده يجلس ويتلو آيات القرآن الكريم و في ركنٍ آخر كان يؤدي فريضته، وأسفل التخت كان ملاذه عندما يخطأ ووالدته تركض خلفه وتريد معاقبته فيختبئ بالأسفل ويأتي والده يقول له: 
_ ما تخافش يا فارس، أطلع من عندك.

يخرج وينظر ببراءه إلي والده ويقول: 
_ أني معملتش حاچة يا أبوي، رافع واد عمي هو الي جص حبل الخلچات الي أمي لساتها غسلاهم وراح جالها فارس الي عملها.

جذبه والده بين زراعيه وأحتضنه بحنانه الذي يغمره به دائماً وقال: 
_ مصدجك يا ولدي، هو طالع كيف أبوه يعملو المصيبة ويلزجوها لغيرهم، ربنا يهديهم.

أشتد الصغير من عناق والده وقال: 
_ أنا بحبك جوي يا أبوي.

أجاب عليه بعناق أقوي: 
_ وأنا كمان يا غالي يا ولد الغالية.

_ تذكر ذلك المشهد وكأنه حدث للتو، لم يشعر بالعبرة التي أنسدلت منه رغماً عنه، أتجه إلي الخزانة ففتحها وأخذ جلباب والده الذي ما زال متعلق به رائحة عطره المكون من المسك والعود، أستنشقه بشده وأجهش بالبكاء كطفل صغير و أخذ يردد: 
_ ليه سبتني لوحدي يابا! ، ملحجتش أترمي في حضنك وأتحدت وياك، أحكي لك عن أيامي في الغربة، آه يابا، آه يابا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ تخطو غرفتها ذهاباً وأياباً تريد أن تذهب وتلقاه، تعلم كم يحتاج إليها في هذا الوقت، لابد إنه يحتاج إلي عناقها ويفيض ما بداخله من حزن وآسي علي فقدان والده.

خرجت من غرفتها بدون أن تصدر أي صوت تبحث بعينيها عن نوارة فوجدتها تجلس علي الكرسي أمام التلفاز وتغفو رغماً عنها، فها هي فرصتها في الهروب لدقائق فقط، أرتدت الحجاب علي عجلة من أمرها وذهبت لكي تفتح باب المنزل فوجدته موصداً من الخارج بالمفتاح، زفرت بتأفف، حتي توصلت إلي فكرة الهرب من نافذة غرفتها التي تطل علي حديقة فلم تكن بالإرتفاع الذي ستتأذي إذا قفذت منها.

وبالفعل نجحت في القفز، وتسللت إلي الخارج عبر بوابة الحديقة التي يبدو أنهم قد نسو إغلاقها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

- ظل هكذا لدقائق حتي بدأ يهدأ، طرقات علي باب الغرفة فقال: 
_ أتفضلي يا خالة هنادي.

دلفت هنادي تحدجه بحزن علي حالته، فقالت بصوتها الحنون الهادئ: 
_ لساتك عتبكي يا ولدي؟ .

أجاب وهو يواري وجهه عن عينيها: 
_ لاء مفيش حاچة يا خالة.

أقتربت منه وربتت عليه بحنانها المعتاد وقالت: 
_ طب يلا أخرچ فيه ناس رايدين يجبلوك.

قال برفض تام: 
_ وأنا ما رايدش أجابل حد عاد.

فجاء صوت أنثوي رقيق يقف لدي باب الغرفة: 
_ حتي أني يا فارس! .

ألتفت لصاحبة الصوت فها قد جاءت في أشد الأوقات إحتياجاً لها، رمقها بنظرات حزن وألم وهي كذلك بل كانت نظراتها مليئة بالشوق الجارف، خرجت الخالة هنادي لتتركهما في هذا اللقاء القوي، وبالفعل لم يشعر بساقيه وهو يركض نحوها ليرتمي بين زراعيها وقال ببكاء مرير: 
_ أبوي مات يا زينب، الحب والحنية وكل حاچة حلوة راحت ومش راچعة.

ربتت عليه وقالت: 
_ متجولش إكده يا واد عمي، أني وياك.

نظر في وجهها وملامحها التي يحفظها عن ظهر قلب ويعشق كل تفاصيلها الدقيقة، كم أغرقت ذهبيتيها لُب فؤاده عند التحديق بداخلهما، رفع يده وأخذت أنامله تلامس وجنتها المياس، تلاقي إبهامه عبره تنحدر ببطئ، فقام بإزالتها وقال: 
_ المفاچاءة الي كنت عجولك عليها، هي إن عنتچوز في خلال أسبوعين، وبعد الفرح اخدك وياي ونسافرو علي أمريكا، لكن كيف ما أنتي خابره وشايفه.

بداخلها يتراقص من السعادة لكن لم تظهر ذلك مراعاة لمشاعره، فقالت: 
_ ولا يهمك يا حبيبي، عمي قاسم الله يرحمه كان عمي وأبوي ما في حد في حنيته وطيبته، و مفيش مشكلة لو أچلنا جوازنا لحد الأربعين، بعدها نكتبو الكتاب و نسافرو وياك، معوزاش فرح، فرحتي هي أكون حدك وچمبك ولا حاچة تفرجنا.

ومن شيمه التي تعلمها لم يستطع الرد علي كلماتها التي تأسر حواسه بل كان يجيب عليها بأفعاله، فجذبها إلي صدره وعانقها بقوة لايعلم ما ذلك الشعور وتلك الإنقباضة التي تسري بداخله، يخبره حدسه بأن هذا العناق ربما لم يتكرر، وكلما زاد إحساسه بالخوف كلما يشتد من إحتضانه لها وتفوه بكل ما يُكن إليها من مشاعر عشق و تيم: 
_ بعشجك جوي يا زينب.

دفنت وجهها في عنقه، تشعر بالخجل وتختبأ بين زراعيه، وما لبثت تلك المشاعر الجامحة إلا دقائق معدودة ليقاطعها طرقات قوية علي باب المنزل، أنتفضت مُبتعده عنه وبخوف فقال لها: 
_ مالك خايفه إكده؟ .

تمسكت في زراعه كالطفلة وقالت بملامح مرتجفة: 
_ عتلاجيه رافع أخوي، لو خابر أني إهنه ممكن يجطعني.

قطب حاجبيه بضيق فقال وهو يربت عليها: 
_ متخافيش وخليكي أهنه، محدش يجدر يجربلك وأنا وياكي.

خرج من الغرفة وأغلق الباب وذهب ليري من الطارق، فوجد الخالة أقبلت عليه بتوتر قالت: 
_ ده، ده.

_ في أي يا خاله ماتنطجي؟ .

أتاه صوتاً غليظ من خلفها قائلاً : 
_ حمدالله علي السلامة يا باشمهندس فارس.

كان ضابط المخفر التابع للنجع، أجاب فارس: 
_ الله يسلمك يا حضرة الظابط، أتفضل.

تحمحم الضابط بإحراج وقال: 
_ أنا عارف الظرف الي عندك، والحاج قاسم الله يرحمه كان عزيز علينا كلنا، بس للأسف ده شغلي، جايلي أوامر بتفتيش البيت.

رمقه فارس بإمتعاض وقال: 
_ كيف يعني تفتشوه، چري أي يا مچدي بيه! .

أخرج الضابط من سترته ورقة و أعطاها له: 
_ ده أمر من النيابة يا باشمهندس.

ألقي فارس نظرة علي محتواها، زفر بضيق وأعطاها له قائلاً : 
_ أتفضلو.

أشار الضابط إلي العساكر ليدلفو إلي الداخل وأنتشروا في أرجاء المنزل، كاد إحدهم يفتح باب غرفة والده، صاح به فارس: 
_ وجف عندك.

فأنفتح الباب وخرجت زينب تنظر لهم بقلق، ركضت نحو فارس وتشبثت به كطفلة صغيرة وقالت : 
_ الي بيُحصل يا فارس؟ .

حاوطها بزراعه ليطمأنها وينظر إلي الضابط في آن واحد، قال:
_ مفيش، الظاهر إكده حد مجدم بلاغ كيدي.

خرج عسكري من غرفة فارس يحمل حقيبة جلدية: 
_ تمام يا مچدي باشا، أني لاجيت الشنطة دي تحت سرير الباشمهندس.
وضعها أعلي المنضده وقام بفتحها فظهرت أكياس تحتوي علي المخدرات، شهقت زينب و ضربت كفها علي صدرها بصدمة: 
_ يا مُري.

وكانت الصدمة تلجم لسان فارس الذي يحدق في محتوي الحقيبة غير مصدق، فقال الضابط بتهكم: 
_ أي ده يا باشمهندس؟، واضح الي قدم فيك البلاغ كان متأكد.

هز رأسه بالنفي وقال: 
_ مليش صالح بالي قدامك ده، ولا أعرف كيف وصلت لأوضتي.

فقالت الخالة بدفاع:
_ يا حضرة الظابط، جسما بالله فارس ما خطاش أوضته عاد، كان راچع من السفر وأتدلي علي أوضة الحاج قاسم الله يرحمه وملحجش حتي يغير خلجاته و يا دوب لساته راچع من دفنة أبوه.

رد الضابط بحزم: 
_ الكلام ده يبقي يقوله في المحضر.

صاحت زينب بتوسل:
_ فارس عمره ما يعمل إكده، ده بالتأكيد حد دسله الشنطه تحت سريرو.

لم يكترث الضابط لكلماتها بل أعطي أمره إلي العساكر:
_ هاتو معاكو الحرز وهاتوه علي البوكس.

أمسكو به وأتجهو إلي الخارج في ظل صرخات الخالة وزينب التي تركض خلفهم، صعدوا إلي داخل صندوق السيارة، وقبل أن تذهب صاح فارس: 
_ خدي زينب يا خالة هنادي و روحيها علي بيت عمي.

أجابت وهي تبكي علي إبنها التي لم تنجبه: 
_ أطمن يا ولدي، عاتصل بعبدالمچيد المحامي وعجوله يحصلك علي القسم.

_ فارس برئ يا حضرة الظابط، فارس برئ.
أخذت زينب ترددها وتتلوي بين يدي الخالة التي منعتها من الركض خلف السيارة وهي تنطلق.
لم تتحمل ما حدث وفاة عمها الذي كان بمثابة والدها وأكثر أم ما حدث للتو، تلفتت من حولها وجدت أهل النجع يتجمعون مرددين بعض عبارات الأسف والحزن علي ما يحدث.
ما زالت تبكي وتنادي بأسمه: 
_ يا فارس، يا فارس.

وقعت جاثيه علي ركبتيها وعبراتها تتساقط علي الأرض، فتوقفت عن البكاء عندما وجدت حذاء صاحبه يقف أمامها بطوله الفارع، رفعت رأسها لتري آخر وجهه تتمني رؤيته الآن.
جذبها من زراعها بعنف وقال من بين أسنانه: 
_ أي الي خرچك من الدار يا فاچرة؟.

حاولت التملص من قبضته وهي تضربه بكفيها: 
_ بعد عني.

_ حجك علي أني يا رافع بيه، هي چت تسألني علي حاچه وكانت راچعه لكو تاني.
قالتها الخالة فأجاب الآخر بحديه: 
_ أخرسي أنتي يا وليه، محدش جالك تدافعي عنها، وأنا خابر أعلمها كيف متسمعش كلامي وتكسرو لأجل عيون حبيب الجلب الي هيشرف السچن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

_ و بداخل مكان يسوده الظلام سوي بقعة ضوء خافته مسلطة علي هذا المقيد من معصميه لأعلي بسلاسل من حديد صدأ، يذرف دماء من أنفه وفمه، يردد بصوت خافت: 
_ عطشان، عطشان.

توقف عندما سمع صوت الباب الحديدي يصدر صريره المزعج وخطوات أقدام تدلف المكان، لم يتمكن من رؤية أصحابها، لكن هناك ما دب في أوصاله الرعب وتمني الموت قبل أن يري صاحب ذلك الصفير الذي يدوي صداه في الأرجاء، من سواه له تلك العادة عند لقاء ضحيته!.

دقات قلبه تكاد تصم أذنيه من الخفق بقوة خوفاً قاتلاً، يا ألهي فلقد أقترب و وقف أمامه، وقعت عينيه علي حذاءه الأسود يخشي أن يرفع بصره، لكن صاحب الحذاء قال بهدوءه المرعب موجهاً حديثه إلي إحدي رجاله: 
_ ها، لسه ما قالكوش مين الي سرق البضاعة؟.

أجاب الرجل بصوته الغليظ: 
_ لاء ياباشا، برغم إننا جربنا معاه كل حاجة.

لاحت إبتسامة علي شفتيه فقط، فقال: 
_ خلاص كفايه الي عملتوه، هزرنا معاه كتير.

أشار للرجل، فأسرع الآخر بإحضار حقيبة كبيرة سوداء و وضعها فوق المنضدة: 
_ أتفضل يا باشا.

وما أن فتح الحقيبة ظهر بريق أدوات الجحيم التي بداخلها، ألتقط منها قفازاً مطاطياً وأمسك بهاتفه وأخذ يضغط حتي صدح صوت موسيقي هادئة، وضعه جانباً ثم ألتقط سكين ذو حافة مُدببة وشفرة حادة، وبدون أن ينظر للرجل المقيد المسكين قال: 
_ زمان في أوروبا لما كانو عايزين يعرفو معلومة صاحبها مُصر علي الكدب زيك كده، فبيلجأو معاه لكذا طريقه يالحرق يا يحطوه علي أي آلة تعذيب يا.
أقترب من أذنه وقال بنبرة جعلته يتبول رغماً عنه: 
_ بيسلخو جلده ولحمه عن عضمه.

وما إن رأي الآخر يده ترتفع وبها السكين نحو صدره ، أخذ يصرخ و يقفز برعب في مكانه: 
_ هقول علي كل حاجة، هقول علي كل حاجة.

وقبل أن تخترق سن السكين جلده المتعرق من الخوف، توقف الآخر مستمعاً لأعترافه: 
_ رافع القناوي هو الي أمر رجالته بسرقة البضاعة من مخازن المينا.

تراجع إلي الخلف وترك السكين في الحقيبة، أخرج من جيب سترته سيجاره الخاص وقداحة ليشعلها وقام بوضعها بين شفتيه ثم زفر دخاناً كثيفاً، وبنظرات شيطان قد جاء من قاع الجحيم ردد بتوعد: 
_ رافع القناوي!.

ــــــــــ

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات