رواية ومنك اكتفيت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم داليا الكومي

 رواية ومنك اكتفيت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم داليا الكومي


كبريائي بعدي عنك أو هواني وقربي منك ..

بمفردها مجددًا وغرقت في نوم عميق تخللته أحلام سعيدة لتستيقظ  منه على صوت رنين معدني اشبه باصدام حلقات ببعضها البعض بطريقة عشوائية ورتم سريع  ..

الصراع حسم لصالح  قلبها لكن على كرامتها العمل قليلًا .. هي قد تموت  إذا ما خسرته مجددًا لكن كل ما عملت لاجله لسنوات بات مهددًا ورهن كلمة منه تعيدها للماضي بكل كوابيسه ..

فكان الاقتراح  الذي وجدت نفسها تصر عليها ...

-  حازم .. دعنا نبدأ بطريقة صحيحة ..اخطبني .. تقدم لخطبتي وانتظر رأيي .. تودد  لي لتفوز برضاي.. واعطيني وقتًا للتفكير وربما اقبل أو ارفض ..

كان يضرب كف بكف وهو يمازحها بخبث ..

- تالا حبيبتي هل جننتِ .. ؟؟ أنتِ قد تكوني تحملين الآن عشرات الأطفال لا طفل واحد .. هل تجوز الخطبة بعد  الدخلة ؟؟

احمرت لوقاحته لكنها اصرت ..

- هذا شرطي الوحيد  للاستمرار يا حازم .. سأعود  للنوم بمفردي في غرفتي وأنت ستنتقل لغرفة الضيوف وستتقدم لي من جديد وإلا اقسم لك سأترك  المنزل وانتقل للاقامة لدى أمي ..

وأمام اصرارها اذعن ,, وتأكد أنها جدية تمامًا حينما نهضت من الفراش بحركة طفولية محببة وجمعت كل أغراضه ونقلتها لغرفة الضيوف ..

وعلى الرغم من استنكاره الشديد إلا أنه لم يجد أمامه سوى التنفيذ والانتقال على مضض .. علاقتهما كاللبن الحليب وأي شائبة ستغير من طعمه ومن خواصه ,, وهكذا هي علاقتهما شديدة الحساسية وقابلة للتعكير  ..

وعادت للانتباه على تكرار الصوت المعدني المتكرر  .. وتجمدت الدماء في عروقها حينما شعرت أنها ليست وحيدة في الغرفة وباتت على وشك الصراخ  وطلب النجدة من حازم لكنه بالتأكيد سيعتقد أنها تجذبه لفراشها مجددًا بحيلة مكشوفة .. ربما الصوت يصدر من النافذة التي لم تغلقها جيدًا .. لا هذا كثير الصوت يقترب منها ويبتعد عن النافذة .. فاستجمعت شجاعتها لتنظر أسفل فراشها ولصدمتها الحقيقية وجدت هرًا أبيض اللون رائع الجمال يحمل في طوق عنقه خاتمي زواج يصدمان ببعضهما مع كل حركة ويقترب منها بألية وكأنه ينفذ أمرًا لا يستطيع عصيانه مطلقًا ..

                                          **

- لا انتظري لا تلقي بهكذا صدمة وترحلين ..

جذبت ذراعها من قبضته  التي كانت تتعرق وترتجف لدرجة أرسلت الذبذبات لكل جسدها ..

- ماذا تريد أن تعلم ...؟؟  تريد أن تطمئن أليس  كذلك ؟؟ اطمئن لم يقدر له  أن  يرى النور ولن يكون لك طفل من عشيقة عادية من منزلة خدمك لا تليق بلقب أم طفلك..

لقد خسرته بعد رحيلي مباشرة ولزيادة اطمئنانك  لم أكن أنوي أن أطالبك باثبات أبوته مطلقًا مهما حييت لو كان قدر له الحياة  .. كان لن يعلم عنك أي شيء,, كنت قادرة على تربيته بمفردي .. كنت سأخبره  أن والده مات ودفن لأنني لم اكن أريد أي علاقة تربطني بك حتى عن طريق السمع ..

حقارته بلغت حدها .. لم يكتفي بطردها من حياته بل حينما فعلها كانت تحمل طفله .. لقد عذبها كثيرًا لدرجة لا يلومها معها على كراهيته الآن .. تخلى عنها في أحلك لحظات حياتها وشاهدته مع اخرى بأم عينها في الشقة التي كانت من المفترض عش حبهما ..

لكنها قوية وتملك كرامة لم يرى مثلها في حياته .. اخريات غيرها كن انتهزن فرصة الطفل ليعيشن في النعيم لكن هي اشترت كرامتها وداست على مليارته  بكبرياء ..

اختنقت الكلمات في حلقه وتركها تنظر له بتشفي قبل أن تختفي من أمامه ..

                                             **

وفي مكتب مدير الأمن بالمشفى جلس وكأنه يجلس علي كرة من اللهب ..

لولا تدخل خالد لكان الأمر تحول للنيابة العامة ولسوء حظ الحقير عامر أنه لم يجد من يشهد معه على اعتدائه عليه .. ليس فقط لأنه لم يستطع اثبات حقه بل لأنه سيكون حرًا طليقًا وسيواصل ضربه حتى يقتله..

- أنها مشكلة عائلية سيدي ولا داعي لتدخل الشرطة للحد من الفضائح ..

اكتفى مدير الامن بهز رأسه .. واسطة خالد يسري ليست بالهينة ليتجاهلها وخصوصًا حينما يكون حسام أمين هو الطرف الآخر المتورط في العراك ..  والطرف الأول لم يصر على حضور الشرطة كما كان يتوقع واغلق الموضوع حاليًا لصالح حسام أمين الذي خرج من العراك فقط بجرح قطعى في جبهته ..

- المصاب يتلقى افضل العلاج لا تقلق عليه سيد خالد ..

- أفضل العلاج ..؟؟!!

هتف حسام باستنكار ..

- الحقير يستحق الدفن حيًا لا العلاج ..

ونظرة الغضب من عيني خالد اوقفته عن الاسترسال .. كلمة مدير أمن المشفى كانت تورية عن سكوتهم عما فعله فلا داعي لاستفزازه مجددًا بتهديد آخر .. الحساب سيكون في الخارج .. سيكون قتال شوارع  على اصوله ليليق بحقارته ..

ليكمل مدير الأمن وهو يضغط على أسنانه ..

- سيد خالد المصاب لديه ثلاثة أضلاع مكسورة وتهشم في عظمة الترقوة وخلع في أربعة من أسنانه وارتجاج  في المخ .. على صديقك الانصراف فورًا من مشفاي لا اريد المزيد من الفضائح والعراك .. المصاب فور استطاعته سينهض ليكمل عراكه ولحسن حظك هو ايضًا لم يصر على حضور الشرطة مما يدل على نيته المبيته في الانتقام ..

وهتف حسام بعناد ..

- لن انصرف طالما سلمى مازالت بالمستشفي .. وياليته ينهض لأهشم الباقي من أضلاعه ..

كان فقط ينقصه قول واخبطوا رؤسكم في اسمك جدار وهذا ما استشفه الجميع من لهجته ..

آه منك يا حسام .. معرفتك كلها مشاكل لكن من يختار أصدقائه ..؟؟

معضلة تلك .. سلمى انهارت واضطر الأطباء بحقنها بمهدىء والا اصيبت بانهيار عصبي حاد ومع حرصه على اخفاء وجودها بالمشفي أصبح تواجدها أمن نسبيًا لكن حسام لن ينصرف ويتركها تحت نفس السقف مع زوجها الحقير حتى ولو وضع هو ألف رجل من رجاله على بابها ..

                                            **

الشغف .. الشغف هو المحرك الأساسي لكل حياتنا ..

كان يعلم وكانت تلك هي الكارثة .. كان يعلم كم يحبها وكم تؤثر فيه فتبدله لذلك  قاومها بكل ما أوتى من قوة .. قاوم تأثيرها الضار على هيبته ..

كانت تجعله يعود كمراهق صغير ويتصرف تصرفات لا تليق بالشيخ فقسى عليها متعمدًا حتى اكتفت ولم تتحمل قسوته ..

واليوم عاد يراها نفس البريئة التي لطالما احبها وانتهكها بقسوته .. حتى هذه اللحظة تعاني بسبب حبه .. اخبرها سابقًا أنتِ كنت تعلمين من أحببتِ فلا تتعجبي .. لكن العجب أصبح من نصيبه .. كان يعلم كم يحبها لكنه لم يكن يعلم ما هو مستعدًا لفعله كي يستعيدها ..

ربما لو طلب منه غيرها حلاقة شاربه لكان قتله لكنه فعلها راضخًا من أجل 
أمل ضئيل لاح في الأفق ..

كان يستعيد كل لحظاتهما معًا وهو يراقبها من خلف الزجاج والأطباء يفحصونها بعدما عادت لغيبوبتها .. شيرويت الطفلة الجميلة التي كان قدومها للنجع بمثابة قدوم العيد فكانت تأتي لتلون حياته وشيرويت المراهقة التي خطبها من عمه منذ أن انتقلت للمرحلة الثانوية وكان حريصا على أن يبلغه بامتلاكه لها ليحفظها له في غربتهم .. وشيرويت الأنثى المتفجرة الانوثة التي حملته للفردوس يومًا وكافئها هو بصنع جهنم خاصة لها ..

كان ريان يتمسك بيده بقوة وهو يبكي في صمت .. بفطرته علم أن أمه في خطر .. لم ينهار كمعظم الأطفال في سنه لكنه فقط تصرف مثله وسمحا لدموعهما للنزول في صمت ..

ما لم يكن يعلمه حقًا هل كان ريان يقف بجواره ليستمد منه الدعم أم ليمده هو بالدعم ..

- اريد الحديث معك في مكتبي سيد معتصم ..

من اقسى العبارات التى لم يكن يتمنى سماعها يومًا .. بالتأكيد ما سيقوله الطبيب قاسيًا واشفق على ريان من سماعه لكنه لا يعلم أنه حاليًا يفوق ريان في الضعف بمراحل ..

كان يراقبها بكل حواسه وهو يبتهل لعودتها سالمة وحينما سأل الطبيب عن زوجها احتارت عيني ريان بينه وبين أكرم في تساؤل صامت حسمه أكرم حينما جذب ريان من يده وهو يخبره..

 - هيا حفيدي دعنا نجلب لك بعض العصير ثم نتحدث مع جدتك على الهاتف حتى يعود والدك من مكتب الطبيب..

 - تفضل بالجلوس سيد معتصم ..

لم  يكن بحاجة لدعوته فساقيه عجزتا عن حمله للحظة أخرى بعد لينهار جالسًا أمام الطبيب ولا يجرؤ على سؤاله .." من الحب ما قتل " وهو قتلها بحبه ..

ليته لم يحبها يومًا فربما كانت لاتزال بينهم للآن ..

- طبيًا لحظات استعادتها للوعي غير مفهومة وتفوق استيعاب العقل الطبي الذي يستند للحسابات والأرقام فالتجمع الدموى الذي تركه النزيف حجمه كبير ويزيد من ضغط الدماغ بصورة كبيرة تمنع عودتها للوعى لكن أمام بعض الحالات يقف الطب عاجزًا عن الشرح..

كان  يشير بضوء ليزر على لوحة مضيئة وضع بها صورة ثلاثية الابعاد لجمجمة شيرويت .. وأكمل ..

- حالة زوجتك مستقرة بنسبة كبيرة وتوقف النزيف لكنه للأسف شكل تجمع دموي كبير يضغط على نسيج الدماغ مسببًا العديد من المضاعفات .. توقف النزيف بالتأكيد مؤشرًا جيدًا ويبشر بالخير  لكن التجمع الدموي في حد ذاته بتدخل جراحي أو بدونه يتركها عرضها للكثير والكثير بدءً من اضطربات الشخصية وحتى الصرع وضعف الذاكرة وقد يتعافى النسيج تمامًا ولا يترك أي مضاعفات تذكر وهذا امرًا وحده الله يقدره ..

اعنى أنها في الحالتين قد تتعرض للمضاعفات ونحن نفعل كل ما في استطاعتنا لكن النتيجة النهائية تظل في علم الغيب ..

خرج  صوتًا لا يشبه صوته بأي حال ليتساءل بجمود ..

- والحل ..؟؟

- بدون تدخل جراحي فرصتها للحياة بصورة طبيعية تكاد تكون معدومة .. قد ينكمش التجمع الدموى لكنه سيسبب معه تليفًا للأغشية المحيطة بالمخ مما يؤدى لاصابتها بالصرع والصداع المزمن مع اصابة أي مركز حساس آخر يتواجد في الفص الأمامى حيث الاصابة .. ما سنفعله هو شق في الجمجمة مع شفط للتجمع بشفاط صغير والتعامل مع مصدر النزيف في أثناء العملية مهما أن  كان ..

العملية خطيرة لكن فرص نجاحها نظرًا لسنها وصحتها العامة جيدة جدًا لكنها تحتاج لموافقتك الخطية .. عليك توقيع اقرار بموافقتك على دخولها للعمليات يتضمن اقرارك بمعرفة نسبة الخطورة ..

كان يعجز عن النطق لكنه تحامل ليقول ..

- افعل كل ما تستطيع فعله لأجلها .. وفر لها الأفضل على الاطلاق .. أموال الدنيا كلها لا تساوي لحظة من تواجدها معنا .. أنا اعلم أن المال لا يشتري العمر لكنه يشتري الامكانات التي قد تقلل من المضاعفات .. سأتحمل اتعاب عمليات مثلها لكل الغير قادرين وفي هذا المشفى بالذات فالصدقة تداوي المرض وتستأصله من   جذروه .. لديك اعتماد مفتوح مني وكلما قابلتك حالة تعجز عن الدفع  أنا سأتكفل بها لكن أولًا اعد لي حياتي لاتمكن من المساعدة ..

- اذًا اتفقنا ..  العملية ستكون غدًا باذن الله في تمام العاشرة صباحًا .. سيتم تحضيرها بدءً من الآن ... مبدئيا ستحتاج لكيسين  من الدماء عليكم توفيرهما .. هتف بلهفة ..  

- أنا سأتبرع بهما ..

ربت الطبيب علي كتفه باشفاق ..

- لا يجوز لمتبرع أن يتبرع بأكثر من كيس لمصلحته ولمصلحة المريض ثم هناك  اختبارات التوافق .. التبرع مسالة روتنية والمشفى يغطى احتياجات المريض من الدماء لكن علي البنك أن يظل ممتلئًا .. 

 - لا تقلق سيدي دمائنا واحدة .. أنا اكيدًا من ذلك .. ولو يفيدها اسحبوا كل دمي لأجلها .. بدونها لن اعيش لاستفيد من الباقي من دمائي التي ستكون ببرودة القطب الشمالي ..

 - حسنًا على كل حال الكيسين مسألة روتنية للاحتياط ليس إلا واعدك حال توافقكما سأبدء بدمك أولا ..

ساعات وتواجهه أكبر أزمة في حياته .. قرار العملية اتخذه بمفرده لكنه اجبر على ذلك .. الدكتور حسن هنداوي أكبر طبيب مخ واعصاب في الشرق الأوسط بل وربما في العالم كله لذلك كان واجبًا عليه الموافقة ..

وظل الليل بطوله يتمسك  بقبضتها الباردة بأصابع ابتلت بالدموع .. دموع  الندم والحب .. ليتهم اخذوا المزيد من دمائه لتبث الحياة في عروقها ,,, لتعوضها عن قسوته ,, فكيس واحد اجبروه على الاكتفاء به لا يكفي ... ربما دفء دمائه  يصلح ما أفسده غبائه ..

وقبل وداعها بلحظات  حينما حانت لحظة دخولها للعمليات همس في اذنها بصوت اجش ..

غيرة الراجل نار في مراجل
نار بتنور مبتحرقش 
وإحنا صعايدة بنستحملش 
شمسنا حامية وعرقنا حامي وطبعنا حامي
واللي تخلي صعيدي يحبها .. يبقى يا غلبها !

أنا لم اتوقف يومًا عن حبك شيرويت .. وعلى مقدار حبي كانت غيرتي ..

وفرك عينيه ليتأكد ,, كانت وكأنها تحركت قليلًا في فراشها وهي تستمع لكلماته العنيفة بعنف لهفته وشغفه ..

                                             **

ومهما بلغ جبروت الانسان يظل بضعف الباعوضة أمام حادث بسيط .. الروح هي سر الحياة ويبثها الخالق فينا طالما كان لنا عمر وحين نصل للخاتمة تسحب منا الروح ومن يحبه الله يهون عليه سكرات الموت والأقسى أن تسحب روح الشخص وهو حي يرزق وبكامل صحته ليرى أحبابه في أشد لحظات ضعفهم ويصارعون الموت ..

رحلت ذكرياته لطفولته ومراهقته .. كيف أن الانسان لا يدرك كم يعني له بعض الأشخاص حينما يسلم بوجودهم ويدرك مقدار غلاوتهم حينما يبدء في خسارتهم ..

الحياة تفرقنا ببأسها ثم تعود لتجمعنا بقسوتها ..

لم يذكر تجمع العائلة هكذا من قبل .. الكل على قلب رجل واحد ويوحد الدعاء .. مسكينة ليال لم تمنحها الحياة الفرصة للفرح .. وإن كان تصرف راضي الغير مبرر غير مفهوم بالنسبة له لكنه اكتفى بصمت راضي ورفضه الافصاح عن السبب الذي جعله كاد يفقد حياته لأجله .. بالتأكيد مبرره قوي وهذا يكفي ليصبر وينتظر ..

- كيف كانت ليلتك الأولى في منزل زوجك..؟؟

خانقة كريهة مؤذية ... ماذا ستخبره فاكتفت بالصمت .. ربما يفسر صمتها علي أنه حزن فليفسره كيفما شاء حتى اقتص منه ..

- عادية كأي ليلة أخرى..

- سيكون بخير ليال لا تقلقي ..

- نتعشم ذلك واكملت في سرها حتى انتقم منه بنفسي..

كانت تدير دفة الحوار بذكاء ...

- أرى أن أمورك أفضل مع ريان .. تقبلك الطفل بشكل جيد ..

أجابها بفخر ..

- بصورة مدهشة .. كنت اتوقع منه أن يرفضني أو علي الأقل أن يتحفظ لكن جدي غسل له دماغه في اليومين اللذان احتفظ فيهما به ..

- لا تتعجب من قوته معتصم من شابه أباه فما ظلم .. ريان مثلك تمامًا نتاج خليط من قسوة مع حب .. اخفي حقيقتك عن الناس كلها لكنك لن تخفيها عنى .. أنا اقرأك ككتاب مفتوح ..  أنت تخفي ضعف والدنا بقسوتك وتتملص من لقب ابن الخادمة الذي يخشى الناس الجهر به أمامك لكنهم يرددونه من وراء ظهرك فتثبت لهم أنك سمالوطي أصيل ورثت كل صفات جدنا الأكبر القاسية والذي كان يخيف حتى الطيور في أعشاشها .. نا ايضا مثلك تماما مع الفارق اننى ل

 أنا أًيضا مثلك تمامًا مع الفارق أنني لم استلم سلطة لأنني لم اضطر إليها .. النجع بحاجتك معتصم لكن بدون قشرة القسوة التي تتعمد وضعها .. كن كما أنت فقط بلا أقنعة وسترى الفارق ..

ليال .. بحورك واسعة وفلسفتك عميقة وتنفذين تحت الجلد .. اكثر امرأتين يخشاهما في حياته  .. شيرويت بسيطرتها عليه وليال بفلسفتها .. يخشى تأثيرهما عليه في الواقع ..

 - كنا نتحدث عن راضي هو بحاجة لكِ الآن ,, دعكِ من ريان ومني ومن النجع واهتمي بزوجك  ..

ليال تشجعي واذهبي لرؤيته قبل دخوله العمليات ..

هو لا يعلم أنه طردها من قبل ولا يريد رؤية وجهها ورؤيته لها ستجعله يغضب .. ربما هي فكرة جيدة اظهار القليل من الشماتة قبل دخوله العمليات التي تتمنى ألا يخرج منها ابدًا ..

ومع اصراره اضطرت للاذعان .. غرفة راضي كانت في الجوار تمامًا وأي حجة ستتخفي خلفها لعدم توديع عريسها ..

طرقت الباب على مضض لتفاجىء به حاملًا لمصحف صغير بين كفيه ويقرأ بعض الآيات القرآنية ودون شعور وجدت نفسها تهتف بسخرية ..

- شعورك باقتراب الموت أعاد ضميرك للعمل أم ماذ ؟؟؟ لم اكن اعلم أن المغتصبين يقرؤن القرآن ..

في الواقع هو لا يخشى الموت لكن يخشى أن يموت وهي تعتقد أنه اغتصبها أو على الأقل حاول ذلك ..

أكمل قراءة القرآن عله يريح قلبه ويزيح همه .. لو كان يستطيع لكان اعاد الشرح والتبرير وركع عند قدميها .. ربما كان يفعلها عندما كان في كامل قوته وسيطرته لكن مع حالة الضعف التي هو عليها لن يتحمل رؤية شفقتها .. الكراهية أفضل من الشفقة .. لن يبرر لن يدافع عن نفسه لن يتذلل لامرأة مهما أن كانت حتى لو كانت ليال .. ولن يندم علي ما فعله فيكفيه أنها سترت وحفظت كرامتها ..

وكأن بروده استفزها فهجمت علي فراشه وانتزعت المصحف من يده ووضعته بحرص على الطاولة بجواره ..

- أنت لا تستحق التوبة قبل الموت  .. لا تستحقها فعلًا .. اريدك أن تتلظى في الجحيم ..

وتوتره بلغ أشده ألا يكفيه ما به لتأتي ليال وتقلب عليه الأحزان  .. للآن لا تدرك ماذا فعل لأجلها .. وإن كان يعتقد أنه يستطيع تحمل كراهيتها فقد اخطأ ..

- غادري غرفتي فورًا .. لا اريد أن اراكِ أمامي ..

                                          **

اليوم الأصعب على الاطلاق على كل عائلة السمالوطي .. من عجائب القدر أن يتزامن وقت عمليتي راضي وشيرويت وكأن القدر رفق بمعتصم ليحميه من التوتر المضاعف .. إن كانت شيرويت هي النسيم الذي يتنفسه فراضي هو الظهر الذي يستند عليه .. نفسه وظهره مهددان..

عاد ينظر لساعته للمرة التي لا يعلم عددها ولا يقاوم لمعان الدموع في عينيه .. - لقد طالت العملية .. ألم يخبرنا الطبيب أنها في حدود الثلاث ساعات ..

- الصبر معتصم .. ستكون بخير إن شاء الله ..

- سيكونا بخير .. الله اللطيف لن يحملنا مالا طاقة لنا به ..

وعلى الرغم من كراهيتها له لكنها لا تنكر أنه يصيبها بالحيرة .. وكأن هناك حاجز خفي  يمنعها من كراهيته المطلقة ولا تدري لماذا المها طرده لها ..

لماذا تفكر فيه من الأساس ؟؟؟ أو حتى تهتم ..

فكرة معتصم كانت سيئة للغاية .. بقضائها ولو لليلة واحدة في منزله أصبحت زوجته حقًا ..

لا تنكر أنها انبهرت برقيه وثقافته في مكتبته وفي ذوق منزله وفي ترتيب أوراقه على مكتبه على الرغم من أن حارس البناية اخبرها أنه لا يزور شقته تلك بصورة كبيرة بل يقضي فيها فقط أيام معدودة كل بضعة شهور ..

الشقة الفاخرة ذات الطابقين والحديقة كانت تحتل نصف مبنى عملاق في كمبوند شهير ومع ذلك كانت تحمل رائحة الصعيد وأصالته ولا تدري كيف ..

والسؤال الأهم كيف لمغتصب أن يكون بهذه الاخلاق  وهذا الرقي  في اختيار ما يقرا وما يسمع ..؟؟ هل ظلمته ..؟؟

لا الضربة التي تلقتها علي رأسها حقيقية وصوته العفن لا يبارح اذنيها ..

لكن معتصم يقدره ويحترمه وهي تحترم رأي معتصم في الناس ..

باتت مشوشة لدرجة أنها كانت على وشك التقيء من شدة الترقب والقلق ,, كانت وكأنها تركض على الجمر حافية القدمين ومشوارها مازال ممتدًا على مدى البصر ولا نهاية له ..

وفي النهاية أي كلمة تغادر فمها الآن تفتح بها النار على الجميع حتى معتصم نفسه الذي هزته العواصف واضعفته المصائب ..

ربما هى صدفة لكن شاربه كان مصدر قوته وبدونه أصبح أضعف وبالتأكيد شيرويت وراء تلك الخطوة " شمشون ودليلة " دليلة ارادت الانتقام لكنها لم تكن تعلم أن اضعاف شمشمون يعنى نهاية الجميع بما فيهم نهايتها ..

أما هو فكان يكذب نفسه بشأن ليال لكن لا مجال الآن للتحقيق ..  فليشفي الله المرضى أولا ثم الصراعات الزائلة بين البشر ستحل تباعًا ..

وتعلقت عيناه الدامعتين بلهفة بباب العمليات وهو يفتح .. كاد يغشى عليه لكنه تماسك وعاد قلبه للنبض بانتظام حينما هتفت الممرضة ...

- المريض راضي الشامي في غرفة الافاقة الآن ..

                                        **

صرخت بانهيار فور استعادتها للوعي وحاولت الفرار على الرغم من عدم قدرتها على الرؤية بشكل جيد أو حتى الوقوف دون مساعدة وشعرت بأيدي لطيفة تعيدها لفراشها بحنان حازم..

- سلمى اهدئي أنت في امان الآن ..

عن أي أمان يتحدث .. لقد وجدها عامر ولن يهدأ قبل أن يقتلها .. وكما وجدها بالأمس سيجدها اليوم أوغدًا أو يومًا ما مهما حاولت الفرار من بطشه سيجدها ..

وحاولت النهوض مجددًا وهى تترنح من تأثير المهدئات مما داعاه ليهتف بصوت أكثر حزمًا ..

- سلمى عودي لفراشك وإلا اقسم بالله تصرفي لن يعجبك علي الاطلاق  ..

- ماذا ؟؟ ستضربني أنت الاخر .. ؟؟

كانت تهتف بمرارة ودموعها تنهار .. ورده الصادم اعادها للفراش علي الفور ..   - لا سلمى لست أنا من يضرب امراءة فما بالك بحبيبتي لكني سأثبتك بجسدي على الفراش حتى تتحسن حالتك إذا لم اجد حلًا اخرًا ..

الاصرار على الرحيل لن يفيد معها .. عليها اقناعه ..

- لقد وجدني يا حسام وسيقتلنى .. دعنى ارحل ..

 - أنتِ في حمايتي الآن يا سلمى ولن يتجرأ ذلك الحقير على المساس بشعرة من شعرك طالما أنا حي ارزق .. ثم أنا تركته في وضع لا يستطيع معه إيذاء باعوضة...

- أنت..؟؟ هل نسيت فعلتك يا حسام أم ماذا ..؟؟ أنت لا تفرق عنه ربما أنت الواجهة المتحضرة للذكر الذي لا يضرب زوجته لكنك تظل ذكر متعفن ذو فكر رجولي .. لا تتباهى بقوتك أمامي على الأقل فالقوة الجسدية تخيفني يا حسام .. دعني ارحل لاختبأ في غرفتي .. لا اريد حمايتك ولا حماية غيرك كل ما اريده هو الوحدة هل تفهمني ..؟؟

ومع أنه لم يكن يريد اخبارها لكن موقفها لا يترك له بديل .. الأسوء لم تعلمه بعد ..

- سلمى ,,هناك شيء لم تعرفيه بعد  ..

من بريق عينيه علمت أن  ما سيقوله خطيرًا فانتظرت وقلبها يخفق بعنف ..

كان يتصفح في هاتفه النقال وكأنه يبحث عن امرًا ما ثم ناولها اياه .. الهاتف كان يعرض موقع جريدة الفضائح وخبرًا يتصدر الصفحة الأولى .." وأخيرًا ظهرت السيدة الغامضة في حياة حسام أمين   .. "

 وصورة بالألوان الطبيعية لها وهى تخفي وجهها بين وجنتيها وفي الخلفية صورة عراك عامر مع حسام..

فضيحة بكل المقاييس لن تتحملها أسرتها وسيقتلها عامر مرات ومرات لأجلها ..

حتى غرفتها لم تعد لتكون ملاذًا امنًا يقيها منه بعد الآن ..

وكان دخول خالد وسارة للغرفة في هذه اللحظة بمثابة طوق الأمان .. ومع دخولهما هتف حسام باصرار..

- خالد .. سلمى ستقيم في المزرعة حتى طلاقها لتكون في حمايتي فتأمين المزرعة جيد كما تعلم ولا يستطيع صرصور النفاذ دون اذن ..

ماذا ستقول بعدما شهرت الجرائد بسمعتها وباتت فضيحتها تلوك بها كل الألسنة .. كيف ستواجه أسرتها من الاساس ..

نظر خالد بقلق لسلمى وهو يقول ..

- طبعًا بكل تأكيد ..  المزرعة مزرعتكما وأنت تعلم ذلك لكن على سلمى اتخاذ القرار بنفسها ..نان أ

والسكوت علامة الرضا .. ستصبح منبوذة في المجتمع بعد تلك الفضيحة .. حياتها تتشكل كالعادة رغمًا عنها لكن منذ متى يملك الأسير حق تقرير المصير ..؟؟

                                       **

الحب  يكمن في الاهتمام بالتفاصيل ..

أن يتذكر رجل ما تحبه امرأته ويحرص على تحقيقه هو الحب حتى ولو كان كيف تشرب قهوتها أو متى تحب شرب شايها الصباحى ..

لطالما تمنت هرة لكنها كانت ترفض اقتنائها لانها لم  تكن على استعداد للعناية بها .. كانت أنانية لدرجة عدم تحملها حتى مسؤولية هرة ففضلت الاستغناء عنها وعاد حازم ليتذكر أنها اخبرته سابقًا بأمنيتها تلك..

وربما مجرد احضاره لها دليلًا على اقتناعه بنضوجها أو ربما يختبرها .. أنانيتها مقابل الاهتمام بكيان صغير تصير مسؤولة عنه بالكامل ..

ولدهشتها توقف الهر قرب قدميها بعدما اعتلى الفراش وخفض رأسه سامحًا لها بالتربيت على ظهره برهبة بعد أن حررته من حمله الثقيل ..

رسالة صغيرة مطوية بعناية كانت مدبسة أيضًا للطوق .. وفقط كل ما احتوت عليه جملة لها صداها .." هل تقبلين الزواج مني حبيبتي ...؟؟"

يا الله .. أخيرًا طلبها للزواج حتى ولو بعد سنوات من الزواج .. ربما ذلك أول دليل علي أن الله قبل توبتها ومن سعادتها حملت الهر بحب واحتضنته ثم لتسمع صوت حازم يتنحنح عند الباب ..

- تالا .. هل أنت محتشمة ؟؟ اريد الحديث معك  ...

قيمت ملابسها بنظرة سريعة .. كانت محتشمة بالفعل في منامتها الحريرية لكنها منكوشة الشعر متوردة الوجنتين من اثر النوم وفي الواقع هو لم يمنحها فرصة للقبول أو الرفض وكأنه فقط يمثل ويطلب الاذن قبل الدخول فاقتحم غرفتها ليجدها تحتضن الهر ..

هل حقًا يشعر بالغيرة من هر ..؟؟

لم يتأكد إذا ما كان هذا الهر ذكرًا أم انثى قبل شرائه يالا غبائه .. تسرع واشتراه قبل أن يسأل عن نوعه.. غبي ..

كان يتحدث بغيظ ..

- تالا .. صباح الخير ..

وعلي الرغم من محاولته التحدث بتهذيب لكن الغيظ ظهر واضحًا في صوته ..   - شكرًا حازم .. هل ما زلت تتذكر رغبتي في امتلاك هر ..؟؟

كانت عيناها غارقتين في الدموع .. لن يحبطها ويخبرها أنه سيستعيد الهر الآن ..

- اتذكر كل تفاصيلك تالا ..

كانت في أشد لحظات تأثرها .. تريد سارة الآن .. كلما شعرت بالتوتر كلما احتاجت لنصفها الآخر وكأن سارة شعرت بها لاحتياجها إليها لتجد هاتفها يرن والاتصال منها ..

- تالا حبيبتي .. ننتظركما على الافطار ..  لا تتأخرا سلام ..

                                            **

- سأسلم على عمه نادية أولًا ..

تحبها كوالدتها تمامًا ..  والدة خالد مصدر يشع حبًا .. كانت تقف في المطبخ منذ الصباح الباكر لاعداد فطور شهي لاحبائها .. رائحة الفطائر شهية ..

-  اهلًا حبيبتي تالا ..

دفء العائلة يطيل العمر .. قبلت وجنتها بحب واتجهت لحيث يجلس الجميع في الحديقة ..

لينهض الرجلان لتحيتها بلطف ثم يقول خالد ..

- انظر كما هما مميزتان محظوظين نحن اليس كذلك ؟؟

ابتسمت الفتاتان في خجل وليزيد حازم من احراج تالا حينما قال بخبث ..

- نحن في فترة تعارف .. لقد تقدمت لتالا اليوم وانتظر ردها ..

كان دور خالد ليقهقه بصوت عالي ..

- سبحان الله .. نفس الطلب طلبته مني سارة بعد زواجنا بفترة .. هما نفس التفكير ونحن نفس الغلاظة ..

الفطور كان اشهى ما يكون في لمة الأحباب ولتنظر سارة في ساعة يدها ..

- علينا الذهاب للمشفى الآن .. لقد سمحوا بزيارة شيرويت ..

                                    **

كملاك فقد أجنحته وتعلق بالحياة عن طريق خرطوم غليظ ..

هكذا كانت شيرويت .. ما يربطها بالحياة الآن جهاز تنفس صناعي ..

وكعادته من بعد خروها من العمليات ظل لجوارها ليل نهار يتحدث إليها ..

تحسس وجنتها بحب وهو يقول بشغف ..

- سامحيني حبيبتي .. أنا اعلم أنكِ تسمعيني وتشعرين بندمي لكن ماذا كنت افعل وأنتِ تجعليني أبدو أحمقًا .. كنت اعتقد أني قوي وكنت اعلم أنكِ نقطة ضعفي الوحيدة .. قاومي حبيبتي لن اجرؤ لأقول لأجلي فأنا لا استحقك لكن لأجل طفلنا ..

كانت مازالت لا تستجيب لكنه يعلم أنها استمعت لكل حرف .. حديث القلوب لا يحتاج للوعي فهو يخرج من القلب للقلب مباشرة ..

والندم هو فقط خط الرجعة الذي معه نعود للشعور بآدميتنا من جديد ..

                                   بعد مرور شهر ..

الحياة لذتها في القدرة على اتخاذ القرار.. الرجال تتشكل بقدرتهم تلك والأهم حينما يكون الندم أبعد ما يكون عن التفكير وخصوصًا وقت تحمل الشخص لعواقب أفعاله ..

بقدرته على المشي أو بدونها سيظل فخورًا بما فعله والندم لن يطرق بابه مطلقًا ولو عاد الزمن للوراء فسيفعل نفس ما فعله بالتحديد حتى وهو يعلم ..

ربما الجبس الذي وضع جسده بكامله بداخله يمنع الأطباء من معرفة ما إذا كان سيكون بخير تمامًا أم لا لكنه يشعر بأنه سيكون بخير ومع تفاؤل الأطباء بعد العملية وتأكيدهم علي أن الكسر لم يمزق الحبل الشوكي تمامًا بل فقط تسبب في جرحه ونسبة تركه لاعاقة مستديمة تتضاءل لكن كل تلك تكهنات وتمنيات وتظل التجربة هي خير دليل ..

- صباح الخير مريضي العنيد كيف حالك اليوم ..؟؟

تأفف وهو يجيبه ..

- لن اتحمل تلك العطلة كثيرًا .. خلصني من هذا الجبس اللعين ..

ابتسم الطبيب وهو يجيبه ..

- الانسان لا يحمد الله مطلقًا .. منذ شهر كنا نتمنى أن نصل لتلك النتيجة ولا تصاب بالشلل الدائم واليوم لا تتحمل فقط بعض الوقت تقضيه راقدًا ..

- لم اتعود على الكسل دكتور .. لكم من الوقت علي تحمل هذا السجن ...؟؟

- عليك البقاء في الجبس لثلاثة شهور كاملة ..

عاد لتأففه ...

- حقًا لن استطيع .. بالاضافة للملل وتعطيل أعمالي وشركاتي الحكة تكاد تصبيني بالجنون ..

ابتسم مجددًا ..

- عن أي ملل تتحدث ..؟؟   أنتم تحتلون المشفى والعائلة بالكامل تقيم هنا .. وبمناسبة الحديث عن العائلة.. كيف حال زوجتك اللطيفة ؟ اراها تقضي الكثير من الوقت معك ..

زمجر بغضب ..

- لولا أنك في سن أبي لكنت تصرفت بصورة أخرى لن ترضيك .. ما دخلك أنت بزوجتي ..؟؟

ابتسامته تحولت لقهقهة وهو يقول ..

- أنا ؟؟!! ليس لي أي دخل على الاطلاق .. المعنى في بطن الشاعر والمقصود هو أنت .. اريد أن اطمئن على الأمور الرجالية هل تعاني من أي مشاكل أو تلاحظ أي شيء غير طبيعي .. بالتأكيد وجود زوجتك لجوارك يفيد في ادراكك للأمر .. لاكون صريحًا أكثر كيف حالك سيد راضي ؟؟
  خبيث هذا الطبيب .. وتحول غضبه لابتسامة ملئت وجهه هو الآخر ..

- اطمئن الأمن مستتب ..   

- جيد جدًا .. في هذه الحالة عليك التحمل لشهر آخر بعد ومن بعدها تخضع للتقيم وربما نزيل وقتها الجبس إذا ما التحمت العظام جيدًا ..

- إذًا سأظل في المستشفى حتى تقرر ماذا سنفعل ..؟؟

- بالطبع تستطيع البقاء كما تريد,, وهذا سيكون لمصلحتك,, العناية هنا أفضل كما تعلم ..  خصوصًا أن معظم عائلتك في الجوار وستجد من يسليك ..

في الواقع لن يتحمل البقاء تحت سقف واحد معها وهو بتلك الحالة ..

البقاء معها التعذيب الخالص والألم في انقى صوره حتى وهو في كامل صحته فماذا سيكون الوضع وهو يضطر لطلب المساعدة كلما احتاج شيئًا ولا العناية الشخصية به ناهيك عن الاستحمام الذي لم يناله من شهر اللهم سوى غسيل لرأسه فقط وذراعيه الطليقتين ..

- حسنًا يا بطل .. الوضع مطمئن بنسبة كبيرة .. اراك الأحد القادم إن شاء الله

وصوت طرقات ليال المميزة التي لا يمكن أن يخطئها علي الباب اثارته مجددًا .. على الرغم من طلبه منها البقاء بعيدًا لكنها بالتأكيد وحفاظًا على المظاهر أمام الناس كانت تواصل زيارته .. وهذه المرة لم تكن وحيدة وقدمت مع نهال وابنتها الصغيرة ..لتهتف بأدب جم ..

- كيف حالك اليوم ..؟؟

المزيد من التصنع أمام عائلته لكنه يعلم ما في قلبها من غل ..

- راضي حبيبي ..الطبيب طمئننا,, شاهدناه عند الباب واخبرنا أن الوضع مستتب..

كان يرتشف بعض الماء ليهديء من ثورة مشاعره حتى قالت نهال ما قالته فاختنق برشفاته وأحمر وجهه..

الوضع مستتب ؟؟ هل قالها الطبيب لهما حقًا هكذا ..؟؟

                                **

- أمى أين ذهب شعرك الجميل ..؟؟

كان لأول مرة منذ الحادث يراها بدون ضمادات كثيفة تغطي جمجمتها ..

تمسكت بكفه بضعف ناتج عن وهن عضلاتها تستنشق رائحته ..

- لقد اضطروا لازالته حبيبي في العمليات .. كان لدى عملية كبرى في المخ كما تعلم والشعر يعيق عملهم..

ونظرات الامتنان على وجه معتصم عبرت عما يشعر به .. حتى هذه اللحظة تداري على أفعاله الشنيعة ولا تفضحه .. من أكثر ما ندم عليه في حياته هو تلك الفعلة الشنيعة لكنه يومها كان في أكثر درجات غضبه ولم لم يحلق شعرها لكان قتلها بدلًا من ذلك من شدة غضبه وغيرته ..

- سينمو حبيبي ليكون أفضل مما كان .. أحيانًا نضطر لازالة بعض الأجزاء التالفة لتنمو أفضل وهذا ما سيحدث لشعر والدتك بالتأكيد .. ثم علينا أن نحمد الله أنها عادت لنا سالمة .. هل تتذكر كم كنا سنموت من القلق وهي في الرعاية المشددة .. الأهم أنها معنا الآن ريان وفي غرفة عادية وكل ما تلف سنعيد بنائه اعدك بذلك ..

ومع تحسنها الواضح لكنها مازالت ضعيفة ومصابة بوهن في العضلات وعدم القدرة على تحريك رقبتها.. التحسن موجود لكن بطىء ولكن ما يطمئنه هو تحسن قدرتها اللفظية .. كانت قوية حتى في مرضها ..

- ريان حبيبي .. انتظر في الخارج .. اريد التحدث مع والدك علي انفراد ..

قبلها بحب وهو يستجيب ويخرج لغرفة الانتظار الملحقة بالغرفة حيث يتواجد جده أكرم يجلس يقرأ القرآن كعادته ..

طلبها للانفراد به وهي مازالت لم تتعافى بعد لا يبشر بالخير ..

واستمع لها وهى تهتف بضعف ..

- معتصم .. أنت لست اهلًا لحماية ريان لقد طلبت من جاريد استعادة مهامه وحمايتنا ..

وعلى الرغم من ضعفها قتلته بكل بساطة .. جملة فقط هدمت كل كبريائه وغروره وجبروته ..

زوجته لم تعد تثق في قدرته على حماية ابنه ومعها حق وطلبت من الغريب حمايته ..

لقد اختطف من منزله ومن بين رجاله ولولا لطف الله وفطنة جده  لكان قتل في الجبل .. وأكثر ما يقتله أنه شاهد بعينيه لهفة ذاك المسمى جاريد  عليها .. الأمر يتخطى وظيفته وربما يهتم بها بصورة شخصية .. والغيرة ستقتله فهتف بضعف يفوق ضعفها ..

- كفى يا شيرويت .. صدقيني لم اعد احتمل انتقامك والغيرة ستقتلني .. أنها نار في مراجل ..

وكأنها سمعت تلك الجملة من قبل .. والحيرة ظهرت جلية علي وجهها ..

- نار في مراجل ؟؟!!

لقد وصلتها في غيبوبتها كما كان أكيدًا فاكمل بألم يعيد نفس حواره السابق لها لكن وهي في وعيها هذه المرة بعدما اعلن راية استسلامه ..

- أسطورة قوتي تبخرت حينما شاهدت أصابعك والحنة السوداء تغطيها .. لم اكن اتخيل أن افقد سيطرتي على نفسى كما فعلت يومها فتصرفت كالسكارى .. لكن رشفات شفتيكِ كانت تسكر أكثر من كاسات الخمر المعتق بمراحل .. كنتِ كالخمر تذهبين العقل وتجعليني اتصرف بصورة لا تشبهني ولا استطيع السيطرة معها على غرائزي وشهواتي فحرمت حبكِ على نفسي حتى اتخلص من ادمانك ..حبك صار كالادمان وكان الحل هو الامتناع عنه لكني لم استطيع وأعراضه الانسحابية قتلتني .. كنت اعاقبك على ما تفعلينه بي لكن صدقيني كنت اعاقب نفسي أضعاف بحرمانها من ابتسامتك .. لو تعلمين ماذا تفعل الغيرة في عروقي لاعطيتيني العذر .. يوم زفافي حينما شاهدتك ترتدين ذلك الفستان اردت قتلك .. بل كنت على وشك فعلها شيرويت .. أنتِ لي وحدي حبيبتي .. والآن الا تشعرين بتغيري ..؟؟ حلاقتي لشاربي لا تثبت لك أنى تغيرت ..

وشمك على صدري لا يخبرك بأنى احملك قرب قلبي في كل لحظة .. حبي عنيف شيرويت أنا اعلم ذلك هو عشق من نار في حقيقته ..

تحبه لا تستطيع الانكار لكنه فعل الكثير لايذائها .. استجمعت قوتها لتقول ..

- طلقني معتصم فأنا منك اكتفيت  مع اني كنت اريدها وبك اكتفيت .. قصتنا وصلت لنهايتها واسدلت ستارة الختام ..  كما قلت  أنت قصتنا هي عشق من نار لكن ناره اللاهبة حرقتنا بقسوة حتى تبقي منا بعض الرماد الذي ستذروه الرياح في الهواء .. نعم أحببتك وبجنون لكن لا يمكن أن انسى ولا يمكن أن اغفر .. لن اعود للهرب وسأصفي أعمالي في نيوزلندا وسأقيم في منزل والدي مع والدتي بعدما اخرج من هنا حتى لو حكم على بالموت من قبل  العشيرة  .. طلقني معتصم واطلق يدي فقيدك أدمى قلبي قبل معصمي ..

•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية

تعليقات