رواية ومنك اكتفيت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم داليا الكومي
واشتعلت النيران
لا يعلمان كيف مر الوقت لكنهما انتبها على صوت خالد .. في خلال الدقائق أو الساعات المنصرمة وحينما سألها كيف حالك سلمى وجدت نفسها تكشف عن كل شيء .. كانت تخبره بمعاناتها النفسية فيعاني في صمت ..
- حسام .. متى اتيت ..؟؟
تنحنح في حرج بعدما فوجئ بخالد يظهر في الصالون أمامه..
- منذ بعض الوقت...
وتنبه لسبب حضوره الأصلي ..
- خالد هل علمت آخر أخبار معتصم السمالوطي ؟؟
كانت سارة التي هتفت من خلف خالد ..
- ما أخر أخبار ذلك الجلف ..؟؟
ما سيقوله سيؤذي السيدتين بالتأكيد لكن عليه قولها هكذا دفعة واحدة ..
تنحنح مجددًا وهو يصفي صوته ..
- لقد عادت شيرويت مع ابنها ثم اصيبت هي في حادث واختفى الطفل ..
كان صوت صراخ السيدتين مزيجًا من الدهشة والألم ...هتفتا في نفس واحد ..
- ماذا تقول ؟؟
شيرويت ظهرت أخيرًا لكنها عادت وعادت معها المصائب ..
بالنسبة لسلمى مصائب شيرويت غطت على حالتها النفسية لتجد من هي اسوء من وضعها فركزت كل انتباهها على شيرويت في محاولة منها لإيجاد طريقة لمساعدتها أما سارة فهتف بكراهية ..
- بالتأكيد الحقير معتصم وراء اصابتها واختفاء طفلها ..
وخالد كان مصدومًا .. بالنسبة له الاخبار جديدة كليًا ويعجز عن الادلاء برأي قبل التأكد .. هو ليس عاطفيًا كسارة ليلقي التهم جزافًا وفي نفس الوقت لا يلومها على ذلك فتاريخ معتصم الأسود يدينه ..
وقبل أن يهتف " تريثي سارة لا نعلم كل الملابسات لنحكم بعد "
هتف حسام بحسرة ..
- لا للأسف ليته كان هو فعلى الأقل كان مصير الطفل وقتها سيصبح معلومًا .. معتصم يكاد يجن .. حاولت الاتصال لمواساته لكني فشلت,, كان في الجبل يطارد خاطف ابنه أما حادث شيرويت نفسه حدث أثناء تواجده في الجبل وكانت هي تحاول انقاذ طفله من زوجته الأخرى من السقوط من النافذة لتسقط هي بدلًا منه ..
وللمرة الثانية هتفتا سويًا ..
- وأين هي الآن ..؟؟
- هنا في القاهرة في مستشفى علاج التخصصي ..
يا الله يبدو أن اصابتها خطيرة ..لتهتف سلمى بجزع ..
- وكيف حالها ..؟؟
- هذا لم اعلمه بعد .. فور معرفتي بالأخبار اردت اخبارك يا خالد .. لكن امنحوني خمس دقائق وسأعلم ..
وفي دقائق كان يجري بعض الاتصالات ويهتف بأسى ..
- يبدو أن اصابتها خطيرة .. سقطت على رأسها واصيبت بنزيف خارج الأغشية المحيطة بالمخ وهي الآن في العناية المشددة ..
وثالثًا ليهتفا بارتياع ..
- يا إلهي .. الطف بها يا الله ..
وكانت تلك الاشارة ليتحركوا .. شيرويت عادت وفي خطر .. لما الصديق اذًا إن لم يكن وقت الضيق ؟؟
ليضع خالد ذراعه على كتف سارة ويقودها للخارج وهو يهتف ..
- حسنًا سنستعد للخروج وسنوافيكما علي الفور ..
بمفردهما مجددًا وكأن الوقت توقف وعادا لنفس الشعور وكعادتها في حضوره كانت تعجز عن الكلام حتى أنها لا تعلم كيف تمكنت من الشكوى واخباره عما عانته .. في الواقع هي فقط اخبرته عن احتجازها لسنوات والضغط النفسي الذي كان يمارسه عامر عليها أما الضرب والرغبات الشاذة فذلك سيظل سرًا لن تبوح به لأي مخلوق .. كرامتها لا تسمح بذلك..
ورهبة الموقف أقوى من احتماله .. مفاجأة رؤيتها قلبت كيانه ولم يراها فقط بل دموعها وشكواها احييا الأمل بداخله ..
وبحركة مضطربة ناولها بعض العصير ليكسر من حدة التوتر القائمة والجو المشحون وكأنهما علي شفا حفرة وأي حركة غير محسوبة ستسقطهما بداخلها ..
وباستجابة عفوية رفعت يدها لتلتقط العصير منه فانحسر كم فستانها للخلف كاشفًا عن جزء صغير من ذراعها ليظهر بلون أزرق باهت وبكدمة كبيرة تعبر عن الدم المحبوس بداخلها والذي بدء في التلاشي ..
- ما هذا ..؟؟
هتف باستنكار وغضب مخيف ..
- سلمى .. ما هذا..؟؟ ما هذه العلامات التي اراها على جسدك ؟؟ هل كان ذلك الوغد يضربك ؟؟ اريد الحقيقة كاملة ..؟؟
ونظرتها المنكسرة للأرض اغنته عن جوابها بالكلمات,, وبحركة جريئة كشف الكم للأعلى أكثر وهى تقاومه بإحراج وتحاول التملص من قبضته..
- حسام ماذا تفعل هل جننت..؟؟
لكنه واصل وبعزم تفحصه لذراعها بالكامل ثم رفع وجهها بلطف لينظر في عينيها ..
- اقسم لك يا سلمى,, اقسم لك سأضربه عدد مضاعف من الضربات التي وجهها لك وبقوة تفوق قوته بمراحل ..
**
لقد جف الجسد من كل سوائله وانت العضلات لكن مازالت العزيمة نار وشرار..
كان ينبش تحت الأحجار عن حق ويفتش كل المنازل والكردون الذي فرضته الشرطة على حدود المحافظة كان محكمًا لدرجة لا يستطيع معها فأر المرور دون أن يسأل عن تصريحه وبمساعدة رجاله والمطاريد اغلقت كل منافذ الجبل وباتت المنيا كمصيدة ضخمة لكن مازال لا جديد ..
وفي طريقه لمح منزل جده القديم .. تفقد المنزل الآن سيكون جيدًا ..
ربما العجوز قرر فجأة الاقامة في منزله القديم اعتراضًا منه على تصرفاته كما كان يهدده .. لطالما عانى جده من قسوة ابنته وتسلطها ومن عنده هو وعصبيته وحاول مرارًا اصلاحهما وحينما فشل ربما قرر المغادرة تاركًا حياة الرفاهية لحياة التقشف وربما لم يسامحه بعد علي كلمته له " ما ادراك أنت يا جدي عن قرارات الأسياد ..؟؟ "
وفقط وجود ليال كان يشرح قلبه فبلطفها كانت تمتص غضبه وتصبره على العيش معهم ..
كان احتمال تواجد جده في تلك الخرابة يتباعد مع اقترابه أكثر لكنه سيتفقده على الرغم من ذلك ولو كان الاحتمال يصل للصفر.. ومع وصوله للباب الخارجي فوجئ بتصاعد أصوات من الداخل ليفتح الباب من فوره ..
وكان أبعد شيء عن تخيله أن يجد جده العجوز يلاعب ريان ..
في مشهد تعجز الكلمات عن وصفه كان جده جاثيًا علي ركبتيه وريان يحاول اعتلاء كتفيه وهو يضحك بمرح ثم وكأنهما شعرا بأنهما لم يعودا وحيدين فيلتفان بفضول ثم يهتف ريان بمرح أكبر ..
- انظر يا جدي لقد نجح والدي في لعبة الغميضة وعثر علينا .. كم هو ماهر والحمد لله أنه عثر علينا سريعًا فمخزوننا من الطعام بات على وشك النفاذ ..
ثم اشار لجسده بفخر ..
- صبي الكشافة يتحمل المعيشة تحت أي ظرف ..
**
وخطواتها المتوترة عبرت عما تعانيه .. حينما خطت خطوتها الأولى وهي تغادر السيارة التي خصصها لها معتصم لتقلها للقاهرة وشاهدت المشفى العملاق بدأت في الشعور بالندم .. هل فعلًا هي بذلك تنتقل لمنزله وتتحول لزوجته الشرعية ..؟
كلمات معتصم كانت صريحة وهو يودعها على باب المنزل قبل مغادرتها بلحظات ليصرخ بصوت جهوري سمعه الجميع وفي نيته الاشهار ..
- اشهدكم أن ليال انتقلت لمنزل زوجها منذ هذه اللحظة ..
كان معتصم يكتب شهادة وفاتها دون أن يدري .. وارادت الهرب .. القاهرة واسعة ولن يجدها أحدهم لكنها تذكرت فعلة شيرويت وخطئها الوحيد بعدم بقائها والدفاع عن حقها في الاختيار ولن تكرر فعلتها .. ستبقى وستواجه والمخطئ هو من سيعاقب لا هي وبإصرار تابعت رجلي معتصم لحيث يذهبان لكنها فجأة توقفت عن متابعتهما وهتفت بصرامة .. - يكفي هذا .. أنا سأمر على والدتي وزوجة أخي اولًا قبل الذهاب لغرفة زوجي ..
هي نفسها شعرت بغرابة وهى تنطقها " زوجي " !!
الحرية تحتاجها الآن لتقرر ماذا ستفعل .. لن تساق كشاة حان وقت ذبحها .. ستتنفس بعض الحرية أولًا ..
زبيدة كانت تقيم في جناح خاص في نفس طابق الرعاية لتكون بالقرب من والدتها وفي انتظار الفرج وفور خروجها من الرعاية ستنقل والدتهم له بالتأكيد ..
- زبيدة ..
كانت تشعر بالأمان في أحضان شقيقتها الكبرى .. لا حضن يعادل حضن الشقيقة الكبرى سوى حضن الأم ..
- لا تحزني حبيبتي .. زوجك سيكون بخير إن شاء الله ..
تماسكت وهي لا تحاول حتى اخفاء دموعها ..
- كيف حال أمي ..؟ اريد الاطمئنان عليها أولًا ..
- لا جديد ليال .. للآن هي في الرعاية المشددة وكأننا حجزناها لحسابنا .. في الزيارة اتمزق بين زيارة أمي وشيرويت لكن الخبر الجيد أن أمي بدأت في استعادة الوعى أما شيرويت فما زالت تهيم في ملكوتها الخاص .. علي كل حال هناك اخبار تفيد باقتراب انتقال والدتنا لغرفة عادية وكان الله في عونها الجلطة ربما تتركها طريحة الفراش لباقي عمرها ..
كان انهمار الدموع كافيًا ليعبر عن ما تريد قوله ..
وانتزعتها زبيدة من أفكارها بسؤالها ..
- هل تعتقدين أن معتصم سيقيم عزاءً لعبلة ..؟؟
هزت رأسها بتأكيد ..
- بالطبع لن يفعل .. ولن يستطيع أحد لومه .. سبحان الله شيرويت تنقذ طفلها وتتسبب في الأذى لنفسها والأخرى تخطط لقتل طفل ضرتها بكل برود .. مما صنعت تلك البشعة ؟؟
- لا نملك إلا أن نقول اذكروا محاسن موتاكم ..
- محاسن ؟؟!! أي محاسن فعلت لنذكرها بها ..؟؟
- الآن حسابها عند رب العالمين .. اذكريها بالخير يا ليال عسى أن يخفف الله عنها العذاب .. ما ستلاقيه أمرًا لا اتمناه حتى لأعدائي فما بالك بابنة خالتي حتى لو كانت سيئة كعبلة .. المهم هل رأيتِ زوجك ؟؟ كيف حاله الآن ..؟؟
هزت رأسها بالنفي ..
- لا لم اره بعد,, اردت رؤية أمي والاطمئنان عليها أولا ..
- اذًا اذهبي للبقاء لجواره لديك حوالي ساعتين قبل أن يسمحوا لنا برؤية أمي ..
- وشيرويت ؟؟
- نفس الشيء ,, مواعيد زيارة العناية المشددة دقيقة جدًا ,, الزيارة تسمح لمرتين بينهم حوالى خمس ساعات فارق وكل مرة حوالي ثلاثين دقيقة .. الساعة الآن تقترب من الرابعة والزيارة لن يسمح بها قبل السادسة لكلًا من أمي وشيرويت فلا تريني وجهك قبل السادسة .. هيا زوجك بحاجة إليكِ ..
لا مفر اذًا من اكمال مسيرتها ..
كانت علي وشك فتح الباب حينما استوقفتها زبيدة ..
- ليال ,, زوجك سيكون حساسًا جدا لوضعه الجديد .. إما ان تتقبلي ما ستجدينه بكامله أو تنسحبي الآن ,, هو لن يشكرك على بقائك لجواره من باب الواجب وملامحك تدل على تأففك منه .. لن يجبرك أحد على مواصلة هذا الزواج لكن لو اخترتِ فتح بابه اليوم والبقاء لجواره فاعلمي أن هذا قرار لا رجعة فيه ..
سألتها دون أن تنظر إليها ..
- ولو كنتِ أنتِ مكاني ماذا كان سيكون قرارك ...؟؟
- المقارنة مستحيلة ,, أنت بها تظلمين نفسك أنا احب غالب منذ أن علمت ماذا هو الحب وكنت سأبقى لجواره حتى ولو كان كومة عظام في حقيبة .. أما أنت فعلاقتك براضي حديثة العهد لذلك اريدك أن تكوني أكيدة مائة بالمائة من توابع قرارك ..
توابع قرارها !!
وكأن زبيدة حسمت الباقي من صراعها لصالح راضي .. توابع قرارها تحملتها منذ زمن وعليها تحملها للنهاية ..
**
العناق الثاني وبنفس قوة العناق الأول .. لا يعلم إن كان هو الذي هجم علي ريان أم ريان الذ تعلق برقبته لكنه فوجئ أنه بأحضانه وبأن رائحته تعيد ملأ عروقه الجافة .. لم يكن يتخيل أنه يحبه كل هذا الحب ..
ثم ريان بات يعلم ويقول عليه والدي وعلى جده جدي ..
لا يهم كيف وصل ريان ليد جده لكن ما يهم فعلًا أن الطفل في أمان ويلعب مع جده العجوز الذي وفر له منطقة نظيفة آمنة ..
بطرف عينه لمح بيت صغير من أوراق أشجار الموز العريضة صنعه جده لريان ليرطب من حرارة الأرض ويكون في نفس الوقت نظيفًا وبجوار المنزل الأخضر كان يوجد كرتونًا صغيرًا من المياه المعدنية وكرتونًا آخرًا من المعلبات وبعض الخبز وبعض الخضروات ..
وبعد أن ارتوى من عناقه لم يتركه .. كان لا يزال يتمسك به ولم يجرؤ عن سؤال جده كيف عثر عليه ..
لكن الجد الخبير لم يتركه لحيرته كثيرًا .. أشار لريان اشارة تبدو وكأنها شفرة خاصة بينهما فاتجه ريان للكرتون على الفور ثم رفع رأسه وسأل جده باهتمام ..
- اليوم الغذاء سيكون لثلاثة أشخاص .. أليس كذلك ؟؟
- أسأله ريان .. اسأله هل سيبقى للغذاء أم لا ..؟؟
وكطفل عاد يتلعثم في الكلام .. فأجاب دون حتى أن يسأله ريان ..
- طبعًا حبيبي سأتناول معكما الطعام لكن اولًا سأسأل جدي عن بعض الأشياء ..
- حسنًا أنا لا اريد مساعدة هذا دوري اليوم لإعداد الطعام ..
وفور انشغال ريان في فتح المعلبات التفت معتصم لجده والحيرة تنهشه .- كيف حدث هذا ..؟؟
كان يتلفت حوله ويهمس بصوت حرص على ألا يصل لمسامع ريان .. - من منظرك الآن تأكدت أنك لا علاقة لك بتلك الجريمة .. للحظات شككت أنك وراء قتل الطفل لكني كنت اكذب نفسي واقول مستحيل أن يفعلها معتصم ويؤذي طفلًا فما بالك لو طفله ومما زاد من شكي أن الطفل لم يكن يعلم أنك والده واستلزمني الأمر الكثير من الشرح ليفهم أني جده وأنت والده وأن ما نفعله هو لعبة .. يومها أنا كنت ذاهبًا لصلاة المغرب في المسجد حينما شاهدت علوان يحمل شيكارة تبدو وكأنها تتحرك ويتلفت حوله بذعر .. لم أكن املك سوى الشك فما كنت اعلم بنواياه لكنى استفتيت قلبي واخبرني بتتبعه .. تابعته من بعيد ووجدته يتجه لخارج النجع مما زاد من قبضة قلبي .. انتظرته حتى رحل وتفحصت الشيكارة لأجد ما وجدته,, وكنت محقًا في شكوكي والشيكارة كان بها طفلًا يشبهك معتصم,, لم أكن اعلم وقتها عن نواياك وهل كنت أنت المحرض لتلك الفعلة أم لا وحتى ولو لم تكن أنت أردت تأديبك واجعلك تشعر بحسرة فقدان الضنى لم يعجبني تعاملك مع أمر زوجتيك في المجمل ولا طريقة عقابك لزوجتك الشاردة فأخفيت ريان حتى تعيدك الصدمة لرشدك حال كنت بريء من محاولة قتله واقنعته أنها لعبة علينا لعبها وكان متعاونًا جدًا بارك الله فيه .. لكن الحمد لله اطمئن قلبي الآن فلم يكن أحد أحفادي وراء تلك الجريمة.. عقاب الأم واجب أما الطفل فلا ذنب له .. احضرته هنا واتصلت بعويضة ليجلب لي الطعام والماء وشددت عليه على عدم اخباركم عن مكاني لأني غاضبا منك لأنك لم تعاقب زوجتك فصمت عن مكاني..
- أنا لم أفعلها جدي اقسم لك أنا فقط حرق قلبي لكن فعلها أحد أحفادك بالفعل ..
ومن هول الصدمة لم يستوعب ما يقال .. إن كان معتصم بريء فيظل أحد أحفاده قاتلًا لطفل .. لكنه تمالك أعصابه ليتساءل بصوت مهزوز ..
- من ؟؟؟
- أنت اختفيت مع ريان يا جدي منذ مساء الخميس وحدث الكثير منذ ذلك الوقت ..
- اخبرني التفاصيل كلها ولا تهمل أي شيء مهما ظننته تافهًا ..
حتى ولو حاول اخفاء بعض الحقائق عنه فسيعلمها من احدهم بالتأكيد .. - جدي,, حينما علمت والدتي باختفاء ريان اصابتها جلطة ونقلت لمشفى في القاهرة وحالتها مستقرة حاليًا وأنا علمت أن علوان وراء الاختطاف وكان قد فر للجبل فتتبعته مع راضي وغالب ومعظم رجالنا لهناك واصيب راضي في حادث وأنا تمكنت من استعادة علوان الذي اعترف أن عبلة وعدته بمليون جنيها مقابل قتل الطفل ..
كانت عيناه تبرق من شدة الغضب ..
- اياك يا معتصم من تسليمها للشرطة ,,, اتركها لي وأنا سأقتلها بنفسي .. عارنا سأغسله بيدي ..
- الأمر لم ينته بعد .. حينما علمت عبلة أن علوان أصبح في قبضتي فرت من المنزل وصدمتها سيارة وقتلت علي الفور ..
**
الأصوات المتصاعدة من الداخل جعلت الأمر شاذًا بالنسبة لحالة غرفة مريض في مشفى .. كانت أصوات أطفال ورجال ونساء متداخلة ..
كانت أكيدة من تلك هي غرفته لذلك قرعت الباب ودخلت على الفور دون حتى أن تنتظر السماح لها بالدخول .. وفور دخولها تحولت الغرفة العائمة في الأصوات للسكون التام وكأن وجودها صدم الجميع .. تعرفت عليهم جميعا فادي شقيق راضي الأكبر وزوجته وأولاده .. شقيقة راضي وزوجها وحماتها .. جميعهم قابلته مفي عقد القران..
كل أسرته بجانبه في جو تلاحمي مميز جعلها تتمنى فعليًا لو كانت جزء من جو الأسرة ذاك .. لطالما كانت والدتها فاشلة في جمع أبنائها حولها فبمعاملتها السيئة لغالب وكراهيتها له أصبحت زبيدة تقل من الزيارات وفرت شيرويت مع طفلها وهي كانت تفضل الاقامة في القاهرة معظم الوقت متعللة بالدراسة .. أما جو الدعم هذا فجديد عليها .. وعلى الرغم من معرفتها بخطورة اصابة راضي والعملية الخطيرة المقرر اجرائها في صباح الغد لكنها ميزت صوته " كان يضحك ويلاعب أولاد شقيقه "
وبعد السلامات والتحية انسحب الجميع بالتتالي لتجد نفسها وحيدة معه وجهًا لوجه ..
كان يرقد في فراشه وجسده بالكامل مدعومًا بدعامات طبية ملونة ويتدلى من الفراش كيس يمتلئ بسائل أصفر اللون وليتغير وجهه فجأة من السعادة للكآبة فور لمحه لها ويهتف بصوت عديم المشاعر ..
- ليال ؟؟ ماذا تفعلين هنا ..؟؟
تلعثمت بحرج ..
- ألم يخبرك معتصم بإشهاره لزواجنا ..؟؟
- بلى فعل لكني اسألك أنت ماذا تفعلين هنا ؟؟؟ توقعت أن تنتهزيها فرصة وتلغين هذا الزواج .. أو على الأقل أن تكملي فيه دون زيارتي ..
كانت كلماتها متوترة متلبكة غير مرتبة فقاطعها هاتفًا بصرامة ..
- ليال .. لولا أن السبب الرئيسي من زواجنا مازال قائما ألا وهو سترك لكنت طلقتك على الفور لكن بمجرد اشهار معتصم لزواجنا أصبحتِ زوجتي شرعيًا ويحق لي معاشرتك وهذا في حد ذاته غطاءً جيدًا أمام الناس لكنى لا أريدك أمامي اختفي من حياتي ,, لا أريد أن اراكِ حتى اخرج من المشفى على الأقل واعدك بعد خروجي من المشفى بفترة مناسبة اقررها أنا لغرض ما في نفسي سأمنحك حريتك ولن يشك أحدهم في الأمر .. لكن احذرك حتى اقرر أنا الطلاق ستظلين زوجتي أمام الناس واياك من الاعتقاد بعكس ذلك .. منزلي في القاهرة مفتوحًا لكِ وفي انتظارك كما اتفقت مع معتصم وعليك البقاء فيه لإثبات اتمام الزواج لاحقًا ..
لماذا يهاجمها هكذا ..؟؟
كانت تقف متصلبة كلوح من الخشب وهو يواصل نبذها من حياته ..
ومع دخول زوج من الممرضات انقلبت سحنته أكثر وأكثر ليهتف بصوت كالفولاذ ..
- انتهى وقت الزيارة .. شكراً لزيارتك ليال ..
لقد قلب عليها الطاولة وأصبح هو من ينبذها .. اتت لزيارته لتغذي كراهيتها له فنبذها من حياته معلنًا رغبته الصريحة في عدم رؤيتها وأثناء انسحابها المرتب سمعته يعود لضحكاته وهو يتحدث مع الممرضتين بحبور ..
**
- أنا سأقل سلمى للمستشفى ..
وبحركات مترددة تبادل خالد وسارة النظرات عدة مرات .. خالد ليس له على سلطة على سلمى ليمنعها ولكن كنوع من الشعور بالمسؤولية عنها اراد الرفض .. أما سارة فوجهت حديثها لحسام لتقول بلهجة حاسمة ..
- الاختيار لها .. هى تملك القرار لا أنا ولا خالد ..
وعلى الرغم من أن خالد لم يعجبه ما قالته سارة إلا أنه اثر الصمت ,, بالفعل القرار يعود لها كانسانه بالغة مسؤلة عن تصرفاتها ولثقته في صديق عمره ..
وهي كانت في حيرة .. ارادت التمرد وارادت الشعور بالاهتمام لكنها مازالت زوجة لعامر ويفرض عليها احترام وضعها ..
- سأتي معكِ يا سارة ..
كان قرارها هو الأصوب نظرًا لكل الظروف .. نظرًا للماضي بقسوته .. لن تثق في حسام مجددًا ولن تثق في أي رجل مجددًا ..
المهم الآن الاطمئنان على شيرويت التي ربما تكون تصارع الموت ..
ووجهت كل انتباهها للدعاء بسلامتها .. وهتفت بتصميم بصوت لم يغادر شفتيها " فاتت فرصتك يا حسام "..
وعلى باب المشفى أوقف خالد سيارته خلف سيارة حسام ليتجهوا لطابق العناية على الفور فقد اقترب موعد الزيارة الثانية لهذا اليوم وعلى الباب الخارجي للعناية خارج غرفة شيرويت كانت تتواجد فتاة في أوائل العشرينات تنتظر بقلق بالغ .. ومن الواضح أنها من عائلتها من انتظارها للزيارة ومن القلق البادي على وجهها ومن انتفاخ مقلتيها من شدة البكاء ..
- هل تلك غرفة شيرويت السمالوطي ..؟؟
هزت الفتاة رأسها بتأكيد ..
- نعم هي ..
ولم تتركها سارة لحيرتها فاكملت ...
- أنا سارة منصور الجباس صديقة شيرويت المقربة منذ الجامعة وهذه سلمى صديقتها المقربة أيضا وعلمنا لتونا عن اصابتها وعن عودتها من الخارج فاردنا الاطمئنان عليها ..
- مرحباً بكم .. حتى الآن لا جديد عن حالتها والأطباء يتعشمون أنها مسألة وقت ولا داعي للتدخل الجراحي .. حاليًا لا يوجد لديهم سوى انتظار انحسار النزيف ليخف الضغط عن الدماغ تلقائيا فتعود لوعيها أو يفشل العلاج التحفظي ولا يتوقف النزيف فيلجئون لعملية جراحية كبرى وعلي كل حال القرارالأخير للبروفسيور مندور هو من سيبت في حالتها اليوم .. أوه لم اعرفكم بنفسي أنا ليال السمالوطي ابنة عمها وشقيقة زوجها ..
تبادلوا جميعًا نظرات عدم الارتياح .. شقيقة العدو ..
هاهي شيرويت لم يطمئنوا عليها بالمرة .. وكان دور خالد ليسألها ..
- والطفل ..؟؟ هل وجدتموه ..؟؟
- للأسف لا جديد أيضًا حتى هذه اللحظة لكن أؤكد لك أن معتصم يبذل قصارى جهده لايجاده ..
والاعلان عن فتح باب الزيارة قطع المزيد من الحديث العام .. وكانت ليال البادئة بالحديث مجددًا ..
- الزيارة تكون لشخصين فقط كحد أقصى .. سنتبادل رؤيتها تفضلا أنتما أولًا سارة وسلمى بالدخول وأنا سأراها بعدما تنهيان لكن تذكرا كل وقت الزيارة نصف ساعة فدعا لي بعض الوقت ..
بالطبع خالد وحسام لا مجال لدخولهما لرؤيتها ولا يجب ذلك من الأساس لذلك تنحيا جانبًا وتقدمت الفتاتان بالدخول كما اقترحت ليال ..
**
بعد عشر دقائق ..
كانت سلمى الأكثر انهيارًا من سارة ..
- لم تتعرف علينا .. سارة .. هي مشوهة بطريقة بشعة ..
وفي لحظات تدخل حسام .. المسكينة على وشك الاصابة بصدمة عصبية حادة ..
- تعالي سلمى أنتِ بحاجة لشرب القهوة إلا ستنهارين .. خالد,, سارة هل ستأتيان ؟؟؟
- لا حسام,, أنا وسارة سنقابل الطبيب أولًا ..
- حسنًا .. نحن سنكون في مقهى المستشفى .. مرا علينا بعدما تنتهيان ..
من الواضح أن أصدقاء شيرويت يحبونها فعلًا ولم يفلح البعد في جعلهما ينسيان ..
من الجيد أن يحاط الشخص خصوصًا وقت أزمته بمن يحبونه فعلًا بلا أي غرض وبالتأكيد شعرت بهما شيرويت وستفهم أيضًا رسالة معتصم ..
الرسالة التي طلب منها ايصالها لها .. كانت تهمس بلطف عند اذنها وتخبرها " معتصم اقسم يا شيرويت أنه سيعيد ريان سالمًا وأنت تعلمين مدى صدق قسمه "
انتهت الآن من زيارة اثنين ويتبقى والدتها .. زيارة والدتها حان دورها ..
النجع احتل المستشفى بالكامل وكان الله في عون الأطباء ..
وفي لحظات كان تجثو على ركبتيها تحت فراش والدتها تبكي بانهيار ..
- أمي ..
وكأنها ارادت الحديث .. كانت تحاول قول شيء ما لكنه صعب الفهم وغير مترابط فاقتربت ليال من اذنها لتحاول السماع ..
وبصعوبة تمكنت من تجميع بعض ما تقوله .. لدهشتها كانت وكأنها تقول ..
" أريد شيرويت "
**
فرصة ذهبية اتته على طبق من ذهب .. الانفراد بسلمى لبعض الوقت بعيدًا عن خالد الذي يتصرف وكأنه الدجاجة الأم,, وبحركة تلقائية غير محسوبة العواقب حينما انفتح باب المصعد وضع ذراعه خلف ظهرها ليساعدها في الخروج نظرًا لحالة انهيارها وقبل أن تنهره هي وتعترض وقبل حتى أن يندم هو ويرفع يده عنها .. ظهر أمامه على باب المصعد رجلًا غاضبًا يبدو كثور هائج انتزع سلمى من ذراعها بقسوة كادت تخلعه ثم صفعها بقوة ألف رجل لتطير عبر الممر وهو يصرخ ..
- خائنة لعينة ..
لم يكن بحاجة للذكاء ليعلم من هذا الحيوان .. قضائه احضره حتى قبضته ..
لم يهتم لافتعاله مشهد أو لفضيحة وخصوصًا أنه شخصية عامة ,, كل ما يهمه هو الانتقام لسلمى ..
اقسم سابقًا لضربه عددًا مضاعفًا من الضربات لكن تلك اللطمة التي شاهدها بنفسه سيبتر كفه مقابلًا لها ..
مجرد رؤيته لها تضرب ابدله .. استجمع كل قوته وانهال عليه بصفعات وركلات لم تمنحه وقت للرد فخر صريعًا تحت قدميه .. كان يهتف بغل ..
- انهض واضربني ام أنك فقط تظهر قوتك على النساء يا جبان ..
كان يريده أن يقاوم ويضربه ليزيد من ضربه .. حالة استسلامه أمام قوته الهائلة التي لا يعلم من أين تحصل عليها والتي جعلته بقوة عشرات الرجال فرضت عليه التوقف عن ضرب من خر صريعًا على الأرض لكنه لم يستطع التوقف ثم امسك بكفه وهوى عليها بكل قوته بحذائه حتى أنه سمع صوت عظام تتحطم وبصعوبة تدخل الأمن لفض الاشتباك ووسط الهرج والمرج وانهيار سلمى وصراخها لمح ضوء فلاش كاميرا تصوير يوثق ما حدث ..
**
كان يسابق الوقت ويقود السيارة بجنون ليطوي الطريق ويصل إليها في اقرب وقت .. لقد نفذ وعده وسيحمل ريان إليها .. صحيح هو لم ينقذه من مختطفه والفضل في انقاذه لجده وحده لكنه سيكون الأول الذي سيجعلها تراه ..
وفي خطوات عملاقة طوي الدرج ولم ينتظر المصعد وهو يحمل ريان الذى كان يعلم أنه أخيرًا سيرى أمه ..
لم يكن يريد أن يكون أول لقاء بينهما وهي في تلك الحالة لكنه يعترف " أنا السبب " أنا المسؤل عن اصابتها وفقدان ريان ..
كان زيارته للمستشفى حافلة .. القلق ينهش قلبه لأجل كل احبائه لكن الاختيار صعب فبمن سيبدأ .. واختار ..
وفي حركة جريئة اقتحم باب العناية المشددة ليمنعه حارس الأمن بغلاظة.. - أنت ,, ماذا تفعل يا هذا ؟؟؟ الزيارة ممنوعة ..
وكالمعتاد ما لا يحل بالذراع يحل بالرشوة ,, لا وقت لديه ليتصل بصديقه صاحب المستشفى او حتى يطلب شرائها بالكامل الذي كان يضعه في حساباته كالاختيار الثاني بعد اختياره أن يهشم وجه حارس الأمن العنيد والدخول بالقوة لكن اذا كانت بضع الاف من الجنيهات يحتفظ به في جيبه تنهي الأمر حاليًا وتنفذ غرضه فلما يصعب الأمور على نفسه ..
ومفعول الأموال كان له مفعول السحر .. من حسن حظه أن الطبيب لم يكن في الجوار وتغاضى الطاقم المتواجد بعدما مليء جيوبه عن تواجده بعد انتهاء موعد الزيارة اليومي بكثير ..
كان مازال يحمل ريان وتوقف برهبة أمام فراشها يحاول ترتيب أفكاره ..
لو كان توقف قلبه الآن عن العمل يعيدها لوعيها فسيمنحها اياه راضيًا لكنه يريد البقاء في وعيه لأطول فترة ليساعدها على تخطى محنتها والخطوة الأولى ستكون في شعورها بطفلها الذي حرمها منه ..
وكان ريان يحاول التملص منه وهو يبكي ويصرخ ..
- أمي أمي ..
فلم يكن أمامه حل سوى أن يقترب أكثر كثيرًا ويضع الطفل برفق على بطنها وبحرص بحيث لا يجعله يلمس رأسها أو يحركها بعنف ورمى ريان نفسه في حضنها يستنشق رائحتها ويلمس بكفه الصغير وجهها بحب واحتياج وهو يلتصق بها لأقصى حد ويعيد قوله " أمي " ..
وظل ريان هكذا لبعض الوقت وظل هو يراقبهما والندم يأكل أحشائه ..
لو يملك أن يعيد الزمن للوراء لكان فعلها .. كان سيعيده لسنوات كثيرة ماضية وكان سيركع تحت قدميها مساء عيد ميلادها ويتذلل لها لتوافق على الزواج منه .. أه لو فقط يعود ..
ووسط الدموع التي كانت تلهب عينيه لمح يد شيرويت تتحرك لترتفع وتستقر على ظهر ريان .. يا الله أنها تتفاعل .. فاقترب منها أكثر ليهمس في اذنها بحب .." سامحيني حبيبتي أنا احبك "
وفجأة فتحت عينيها لتفاجىء بوجود ريان في حضنها وبالطبع الصدمة كانت أقوى من احتمالها فعادت لاغلاق عينيها مجددًا .
•تابع الفصل التالي "رواية ومنك اكتفيت " اضغط على اسم الرواية