رواية فارس بلا مأوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء محمد رفعت


_ كانت الخامسة مساءً بداخل منزل عائلة ورد التي قتلت غدراً.
_  أني هاتچن كيف ما رچعتش لحد النهاردة وتليفونها مجفول،  بجالي أيام عادور وألف عليها عند كل المعارف والجرايب حتي صحباتها الي چوة البلد والي بره جالولي مشوفهاش واصل ولا يعرفو عنيها حاچة،  والعمدة الي كانت عتخدم حداه في النچع مات وإبنه في السچن والدار مجفولة بالجفل،  هتكون راحت فين دي!. 
قالها شقيق ورد و زوجته تستمع له والعرق يتصبب علي جبهتها من الخوف،  فهي أكثر من هو قلقاً،  تعلم عنها كل شئ وتخشي أن يكون أصابها مكروهاً علي يد عشيقها،  ترددت أن تخبر زوجها بما لديها لكنها تخاف من ما قد يفعله بها،  فهذا ليس بأمر هين، إنه الشرف الأمر الذي لن يتهاون فيه زوجها عندما يعلم بما أقترفته شقيقته في حق نفسها وحقه،  لقد دفست رأسه في الوحل تحت مسمي وهم يدعي العشق،  حب من طرف واحد وقعت ضحية له،  لم يكن في الحسبان أن تكون حياتها ثمناً لهذا الحب المحرم اللعين.

توقف فجاءة من الذهاب والأياب عند ملاحظته توتر زوجته والخوف الواضح في عينيها،  أقترب منها و قبض علي تلابيب عباءتها وبللهجة شديدة سألها:  
_ أنتي خابرة حاچة ومخبيها عني؟.

أبتلعت لعابها بخوف وبإستنكار وكذب واضحاً إليه:  
_ أني،  لاء ما عرفش.

صاح بها بعنف:  
_ ماتكدبيش عليا إلا وقسماً بالله لأنزل فيكي ضرب لحد ما تطلع روحك وأرمي چتتك للديابة عند الچبل.

_ هجول، هجول،  بس جبل ما أجولك علي كل حاچة أني كيفي كيفك إكده عرفت بعد الي حوصل وياها.

_ جصري وجولي علي طول.

أستعادت رباطة جأشها للتفوه قائلة:  
_ خايتك تعرف واحد وهمها بأنه عيحبها ويتچوزها لحد ما ضحك عليها وحملت منيه،  ومن كام يوم جررت تروحله وتجوله إنه يچي لك يطلب يدها منك وبعد ما يتچوزها يطلجها،  المهم يكون فيه قسيمة تثبت بيها العيل الي في بطنها وفي نفس الوجت ما تتفضحش وتجتلها.

يستمع إليها ويشعر بما حوله من أشياء تدور كالساقية،  كيف حدث قال هذا بدون علمه،  كيف أن تتجرأ علي فعلتها تلك من قام بتربيتها منذ ممات والديهما،  وتركها كما أختارت أن تعمل في خدمة المنازل بإرادتها معطياً إياها الثقة برغم ما يتلقاه من لوم الآخرين له.

إذن لم يجد أمامه سوي أمر واحد،  فعليه الوصول لشقيقته ويفعل بها كما تربي عليه من عادات وتقاليد و أيضاً الوصول إلي من فعل به ذلك ويأخذ بثأره منه مهما كان ما سيدفعه من الثمن. 
_ يطلع مين ولد الحرام الي سوي وياها إكده؟.

أجابت بخنوع:  
_ إسمه زكريا.

ـــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تركض في الحقل وسط أعواد الذرة وتتلفت خلفها كل حين حتي أوقفها يحاوطها بزراعيه قائلاً  لها:  
_ عتچري ليه إكده وخايفة ؟.

شهقت غير مصدقة من رؤيته واقفاً أمامها،  رفعت يديها و وضعتها علي وجنتيه تتلمسهما بشوق وحنين،  تفوهت بإستفهام وفرحة عارمة:  
_ فارس؟.

أجاب والبسمة تعتلي ثغره ورماديتيه التي تنضح عشقاً إليها :  
_ أيوه أني يا جلبي.

عانقته وأجهشت بالبكاء،  ربت عليها بقلق:  
_ عتبكي ليه؟.

_ لأنك أتوحشتني جوي وفي بُعدك عتعذب،  مجدراش أستحمل أكتر من إكده.

أجاب عليها بصوت غير صوته:  
_ هتستحملي غصب عنك مش بمزاجكك.

أنتفضت وهي تبتعد عن صدره فوجدته سليم من يحتضنها،  صرخت وأخذت تركض مرة أخري وشبح فارس يظهر أمامها يناديها:  
_ زينب.

كلما تركض نحو شبحه وتصل إليه يختفي،  لكن صوته في أذنيها ما زال يناديها.

و بالعودة إلي الواقع،  بعدما دلفت إلي المرحاض ظل واقفاً خلف الزجاج حتي أنتهي من التدخين وألقي ماتبقي من سيجاره المحترقة في المنفضة،  ذهب إلي المرحاض فوجده موصداً، لاتعلم إنها مهما أوصدت من أبواب عليها لتحتمي منه فلا يمكنها الإختباء منه ولكي يثبت لها ذلك،  جلب نسخة أخري من مفتاح الباب وقام بفتحه ودلف متوعداً لها لكن ما تفاجئ به جعله كمن أصابته الصاعقة. 
ركض نحو حوض الإستحمام الممتلئ بالمياه وهي ممده بداخله في إستسلام تام،  حملها وأخرجها إلي الخارج وألقي بها فوق الفراش،  يربت بعنف علي وجنتيها بقلق وخوف:  
_ زينب، فوءي،  زينب.

وضع أذنه لدي موضع قلبها الذي ما زال ينبض لكن ببطئ،  قام بالضغط علي صدرها حتي تخرج أي مياه وصلت للقصبة الهوائية،  أخذ يضغط و وضع فمه بخاصتها يمدها بأنفاسه حتي قذفت القليل من المياه من فمها،  وبدأت تفتح عينيها، فرأته يحدق بها والخوف والقلق يسيطران علي ملامحه الحاده.

_ أي الي أنتي عملتيه في نفسك ده؟. 
سألها بغضب،  أشاحت وجهها جانباً غير قادرة علي التحدث أو الدخول في جدال يرهقها،  أمسك بفكها وحدجها بنظرة نارية:  
_ دي تاني مرة تحاولي تنتحري، للدرجدي مش عايزة تعيشي معايا!.

لم يجد منها رداً سوي شهقات وشيكة علي البكاء،  فلاحظ جسدها بدأ يرتجف دون إرادتها،  ترك فكها ورمقها بنظرة مظلمة، أمسك بدثار ثقيل وألقاه علي جسدها بالكامل، أقترب منها وبصوت كالفحيح قال:  
_ فكري تعمليها تالت يا زينب، وأنا أقسملك وقتها مش هارحمك من الي هعملو فيكي. 
نهض عنها ونظراته المرعبة تخبرها بصدق تهديده إليها،  أردف وكأنه الشيطان ذاته يتحدث:  
_ قرار موتك ده أنا الي أحدده وبالطريقة الي أنا عايزها،  فاهماني يا زينب؟.

أكتفت بنظرة مقيته حدجته بها كإجابة علي حديثه النابع من عقلية مريضة تعشق رؤية الدماء المصاحبة بصرخات ألم ضحيتها. 
_ هاسيبك ترتاحي لحد ميعاد الغدا، أنيتا هتطلع تصحيكي تلبسي وتنزلي علي طول،  وأعملي حسابك هنخرج نسهر بالليل.

أغمضت عينيها بعد أن شعرت بقليل من الدفأ،  تذهب في النوم هرباً من سماعه أو رؤيته.

ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ بعد أن أخبره رافع عليه بالإبتعاد عن النجع بل والبلده بأكملها حتي يستطيع نسيان ما أقترفه لاسيما تلاحقه الكثير من الكوابيس المزعجة وخوفاً من أن يتفوه بكلمات أثناء نومه فيفتضح أمره. 
سافر إلي عشيقته والتي عندما فتحت باب منزلها وجدته يقف أمامها كالطفل الذي عاد لوالدته بعدما ضل دربه، عانقته بحنان بالغ وسألته بإلحاح عن سبب حالته تلك،  لم يقل شيئاً لها سوي إنه فقط في أمس الحاجة إليها بشدة.

أدخلته إلي الردهة وجلست فوق الأريكة فتمدد ورأسه وضعها علي فخذها، أخذت تمسد فروة رأسه بأناملها متخللة خصلاته في صمت حتي غط في النوم وكذلك هي أيضاً.

أستيقظ من نومه علي صوتها وهي تناديه: 
_ زكريا.
وظلت تردد النداء، سار نحو مصدر الصوت فوجدها تقف أمام نافذة كبيرة موليه ظهرها إليه 
تتطاير خصلاتها في الهواء، رددت نداءها مرة أخري:  
_ زكريا،  واقف ليه إكده عنديك،  تعالي جرب.

وبخطي هادئة يلبي النداء كالمنوم حتي أصبح خلفها وقال:  
_ أنتي كيف لساتك عايشة؟.

أجابت بصوت عذب:  
_ أني عايشة چواك أنت وبس.

_ يعني....

أكملت بصوت مخيف مرعب وأستدارت له:  
_ أيوه أني ميته ولساتي عايشه چواك،  مهملكش واصل لحد ما أخد حجي منك،  وأنك تنجتل كيف ما جتلتني.

تحول وجهها ذو الملامح الوديعة إلي وجه شبح أمرأه شديدة القبح،  مدت يديها إلي نحره لتقوم بخنقه، أخذ يصيح مستغيثاً:  
_ ألحجوني،  أني مجتلتهاش،  مجتلتهاش.

_ الله يخربيتك أصحي،  مين دي الي مقتلتهاش،  أوم. 
قالتها سماره ولم تجد فائدة من التربيت علي وجهه أو لكزه بقوة ليستيقظ من الكابوس،  أمسكت بدورق المياه وألقتها في وجهه بقوة،  شهق بذعر وفتح عينيه يتلفت من حوله:  
_ أني فين؟.

رمقته بإمتعاض وأجابت:  
_ أنت هنا في بيتي،  ومن ساعة ماجيت أترميت علي حجري وروحت في النوم زي القتيل وأخرتها مصحيني مفزوعه علي صريخك الي قطعلي الخلف الله يسامحك.

وضع كفيه علي وجهه يزفر بينهما وأزاحهما فقال:  
_ معلش يا سمارة، كيف ما شوفتي ده حالي بجالي أيام،  ده أني ما دوجتش النوم غير عندك أهنه.

حدجته بإستفهام فجلست بجواره وسألته:  
_ أي الي حصل معاك ومين الي عمال تقول أنك مقتلتهاش.

نظر إليها بتوتر وأجاب بإستنكار:  
_ محصلش حاچة وماعرفش تجصدي أي.

وقفت أمامه واضعه يديها في خصرها تتشدق:  
_ زكريا يا قناوي هببت أي وجاي تداري عندي وخايف، من أمتي وأنت بتخبي حاجه عليا!.

لديها حق فهي بئر أسراره الذي يبوح إليه دائماً بكل ما في صدره حتي يشعر بالراحة، فلا مفر من أن يخبرها لعله يزيح ولو قليل من ثقل ما يضغط علي أعصابه.

رفع وجهه إليها وبملامح تائه في بلاد غريبة أجاب: 
_ هجولك كل حاچة.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ 
_ قربي يا مدام عاملين حرج أسعار،  قربي يا عروسه ودلعي عريسك، أشتريلو الأحمر والأسود وخلي ليلة أمه سوده ،  وأدحرچ وأچري يا رمان. 
صاح بها جنيدي وكان فارس قادماً نحوه يحمل كيس يحتوي علي شطائر، فوضع كفه علي فمه قائلاً:  
_ أي الي أنت عتجولو دي،  فضحتنا الله يخرب عقلك.

أشار له نحو الزبائن الذي بدأ عددهم يتزايد ويتهافتون علي شراء الثياب:  
_ أهو حديتي الي معاچبكش ده،  خلي النسوان تيچي تشتري.

قاطعت حديثهم إحداهن:  
_ بكام ده يابني؟.

أجاب جنيدي:  
_ بخمسين چنيه يا حچة وليكي مخصوص بخمسة وأربعين.

_ طب خديلك طجمين والواحد أحسبهولك بأربعين؟.

_ يبقي هاخد نص دستة.

_ عسل يا حچة نجي الألوان الي أنت عايزها. 
لكز فارس في زراعه وغمز بإحدي عينيه،  همس إليه:  
_ شوفت يا عمنا الكلام الملون عيچيب رچل الزبون ويخليك تبعولو كيف ما أنت رايد،  أتعلم بجي.

كاد يجيب عليه لكن أوقفه تلك العيون التي تتابعه من خلف الزجاج،  تتصنع صاحبتها بترتيب الثياب المعروضة علي التماثيل. 
_ واه أي الصدفة الغريبة دي،  مش معجول تالت مرة أشوفها،  شكلها عتشتغل في المحل الي واجفه فيه.

تدخل جنيدي وقال له ينظر نحو ما ينظر إليه:  
_ هي مين دي يا صاحبي؟.

أجاب:  
_ خليك في حالك ويلا كول جبل ما الطعمية ماتبرد. 
فأخرج الشطائر ليتناولها كليهما،  وأخذ كل حين والآخر يختلس النظر إليها ليجدها مازالت تراقبه،  تظن إنه لايراها ولاتعلم بأنه قد أكتشف أمر مراقبتها له.

وعلي مسافة قريبة يقف أمين الشرطة المسئول عن أمن المنطقة،  يعطيه صبي القهوة كوب الشاي:  
_ أحلي كوباية شاي لشوقي باشا،  كبير حتتنا وعمنا كلنا.

تناول منه الكوب وعينيه علي فارس وجنيدي ينظر لهما عن كثب قائلاً:  
_ إلا قولي يا واد يا هيما مين العيلين الي واقفين أدام محل الحاج نعمان وبكل بجاحة عاملين يبيعو.

حك هيما مؤخرة رأسه وأجاب:  
_ دول عيال لسه جايين إمبارح بيسترزقو.

أرتشف القليل من الكوب وقال بحنق:  
_ هو كل من هب ودب يجي يفرش علي الرصيف،  خد لما أشوف أي حكايتهم. 
أرتشف ماتبقي وأعطي القدح للصبي وذهب نحوهما.

لاحظ جنيدي قدومه فقال لصاحبه:  
_ ألحج يا فارس الأمين چاي علينا،  ودي هنتصرفو معاه كيف؟.

_ خليك طبيعي لأچل ما يشكش فينا، وهملني أني أتحدت وياه.

وقف بجوارهما وبعنجهية وتعجرف سألهما:  
_ بطايقك منك ليه؟.

أزدرد فارس لعابه فهذا آخر ما توقعه،  قد نسي أمر بطاقات الهوية فقال:  
_ معلش يا حضرة الأمين،  أصلنا وإحنا چايين في الجطر چه ولد حرام جلبنا وإحنا نايمين،  سرج المحفظة بالبطاقة والفلوس.

رفع زواية فمه بتهكم وقال:  
_ ومعملتوش محضر بالسرقة ليه إن شاء الله؟.

أجاب جنيدي وليته ماتفوه:  
_ لاء عملنا محضر ولساتهم ملاجوش الحرامي.

أشار بيده قائلاً له:  
_ وفين صورة المحضر؟.

رمق فارس جنيدي بوعيد وتحذير ليصمت،  فأجاب هو:  
_ معناش دلوق،  نسيناه في البيت.

ردد بسخرية:  
_ في البيت،  طب يا حلو منك ليه لم فرشتكو وتعالو معايا علي القسم نشوف حكاية المحضر وبطايقكو المسروقة.

قال جنيدي لعل الأمين يتراجع عن أمره:  
_ خلاص يا حضرة الأمين أحنا هنلم حاچتنا وهانروح نچيبلك الورجة وهنچي لك تاني.

جذبه الأمين بغضب من تلابيب قميصه يعنفه:  
_ جري أي يا روح أمك شايفني عيل فرفور تضحك عليه.

_ وليه بس يا بيه سيرة الوالدة،  إحنا ماسوناش حاچة ضد الجانون وعنبيع كيف الشباب الي واجفين أهنه وهناك. 
قالها جنيدي،  فأجاب الأمين بإصرار:  
_ كيفي كده،  ويلا أدامي بدل ما هخلي العساكر تعملكو تشريفه تليق بمقامكو وتكون سهره صباحي عليكو.

كانت تتابع الحوار عن قرب فركضت إلي والدها مسرعة:  
_ بابا،  يا بابا. 
رد الحاج نعمان وهو ينظر إلي دفتر ورقي يراجع حسابات المتجر:  
_ أصبري يا شهد هخلص الي في أيدي وقولي الي عيزاه.

قالت بللهفة وقلق:  
_ مينفعش الأمر يستني.

رفع وجهه إليها وسألها:  
_ هو أي الأمر الي ميستناش.

وبالخارج أشتد الحوار بين ثلاثتهم،  فلدي الأمين إصرار رهيب بالقبض عليهما وأخذهما إلي مركز الشرطة،  حتي جاء، الحاج نعمان:  
_ أي الحكاية يا أمين شوقي؟  .

ألتفت له الأمين وبإحترام أجاب:  
_ العيال دي واقفين يبيعو من غير أذن وكمان معهمش بطايق.

فقال جنيدي بإندفاع:  
_ ما جولنالك أتسرجت منينا.

أشار له الحاج نعمان ليصمت ونظر إلي فارس وسأله:  
_ أنتو فعلاً البطايق أتسرقت منكو؟.

يكره فارس الكذب لكن لا محالة منه حالياً فماذا سيخبرهم،  هل سيقول له إنهما متهمين هاربين من العدالة!. 
حاول الإجابة بثقة مزيفة:  
_ أيوه يا حاچ أتسرجنا لولا واحد معرفة لينا أهنه الله يباركله،  كنا زمانا جاعدين في الشارع.

ظل نعمان ينظر له في صمت فلم يستطع فارس النظر إليه مباشرة، ربما يذكره بوالده نفس الهيبة والهالة المحيطة به تجعلك تقف أمامه بإجلال وإحترام ومهما أتقنت الكذب والحيلة لم تقدر علي إقناعه.

_ خلاص يا أمين شوقي،  سيبهم علي ضامنتي أنا، ولو حصل أي حاجة منهم أنا المسئول. 
قالها نعمان وعينيه لاتبرح فارس الذي يتهرب من نظراته

رد الأمين بإمتعاض :  
_ تضمن مين يا حاج دول شكلهم عيال سرسجية وأقطع دراعي من هنا لو مطلعش وراهم مصايب.

رمقه نعمان بنفاذ صبر قائلاً:  
_ ما قولنا خلاص يا شوقي.

وأخرج من جيبه محفظته وأخذ منها بعض ورقات من المال:  
_ و خد دول تمن أرضيتهم.

أخذهم الأمين علي مضض و وضعهم في جيبه
تدخل فارس معترضاً:  
_ عتسوي أي يا حاچ إحنا هندفعو، معانا دلوق والحمدلله.

_ لما تقفو علي رجليكو وربنا يوسع عليكو أبقو ردو الفلوس.

فقال جنيدي:  
_ والله يا حاچ ماعرفنش نجولك أي ربنا يكرمك ويباركلك ويچعله في ميزان حسناتك.

ربت نعمان علي كتفه وقال:  
_ متقولش حاجة كفاية الدعوتين دول وربنا يباركلنا كلنا والكل يبقي متراضي،  خلاص يا أمين شوقي؟.

أطلق زفر و أجاب:  
_ الي تؤمر بيه يا حاج،  عن أذنك.

فقال نعمان للآخرين:  
_ وأنتو حاولو تخليكو في حالكو وتجنبو الأمين شوقي في أي مشاكل ولو فيه حاجه أديكو عرفتو مكاني فين،  تمام يا....

أكمل فارس :  
_ محسوبك قاسم و هو چمال.

_ عاشت الأسامي،  يلا هاسيبكو أنا بقي،  سلام يا قاسم. 
أتكأ علي نطق إسمه ملقياً نظرة تفهمها فارس،  أزدرد ريقه و رد:  
_ سلام يا حاج.

وبعدما ذهب،  أقترب جنيدي وسأله:  
_ هو ماله الراچل عيبحلج فيك جوي ليه إكده؟.

_ ما عرفش أي الي في دماغه،  ربنا يستر.

ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــ 
_ أحيه. 
تفوهت بها وهي تضرب بكفها علي صدرها بعدما أستمعت بإعترافه عن قتله ورد. 
أردفت:  
_ يا وقعتك السوده يا سماره يوم ما أتنيل وأحب وأتجوز،  أقع في واحد قاتل.

حدجها بنظرة عتاب وقال:  
_ يعني أني غلطان إن جولتلك!،  ماشي يا سمارة متشكر.

ونهض ليهم بالرحيل،  فأمسكت بيده وقالت:  
_ تعالي هنا رايح فين، حقك عليا أنا،  ما أنت عارف لساني مدب ومبعرفش أتحكم فيه وبعدين الي حكيته لي دلوقت مصيبة،  وزمان البت أهلها قالبين عليها الدنيا ولو وصلو للجثة والموضوع دخل فيه البوليس هيجبوك من قفاك.

عقد مابين حاجبيه بخوف وقال:  
_ هي خابرتني إنها ماجالتش لحد عنديها عن علاقتنا واصل،  فكيف هيوصلولي؟.

لوت شفتيها جانباً بتهكم وقالت:  
_ مش قولتلي إنها ملهاش حد غير أخوها ومراته الي عايشه معاهم،  يعني بالتأكيد ممكن تكون حكت لمرات أخوها ولو جزء بسيط،  ودي تبقي كارثة لأنها هتكون طرف الخيط الي هتدلهم عليك.

وضع كفيه علي رأسه بإنهيار جالساً علي أقرب كرسي له: 
_ والعمل يا سمارة؟، ده أني لولا رافع كان زماني ممسوك بچتتها ومرمي في السچن كماني.

صمتت لتفكر قليلاً ثم أجابت: 
_ العمل زي ما قالك إبن خالك خُط الصعيد ده، لازم تختفي اليومين دول من هناك وأديك هنا عندي متداري ومحدش يعرف عنك حاجة ولازم تقفل تليفونك وأنا هجبلك واحد جديد بشريحة جديدة عشان لو عايز تطمن علي أهلك بس من خلال رافع.

سألها بقلة حيلة وحائراً لايملك أي قرار يسعفه: 
_ يعني أنتي شايفة إكده؟.

_ أنا مش شايفة غير إكده يا سي زيكو وربنا يستر بقي والحكومه لما تعرف بالمصيبة ميقلبوش الدنيا ويوصلولك عندي.

_ ماتخافيش وجتها هجولهم ملكيش صالح وماتعرفيش حاچة واصل.

تشدقت بسخرية: 
_ جدع ياسي زيكو والله وطمر حبي ليك، الله يخربيت قلبي الي هيوديني في داهية بسبب الحب وسنينه.

رمقها بإمتعاض ولوم، فأردفت: 
_ والنبي ماتبص لي كده يا أخويا، ما أنا قولتلك لما ببقي متوترة وقلقانه هتلاقيني ببرطم بكلام كده ممكن يزعل الي أدامي فمتاخدش في بالك، وأوم بقي أدخل خدلك دش وغير هدومك عقبال ما أعملنا لقمة ناكلها، النهاردة الخميس وعندي شغل من بالليل للصبح ومليش مزاج أروح ولو ما روحتش هلاقي شوربجي صاحب الكباريه ناطط لي هنا.

تركته وذهبت إلي المطبخ تتمتم بدون أن يسمعها: 
_ الله يحرقك هو أنا كنت ناقصة، أدي أخرة ماشيك الشمال يا زكريا الكلب، لولا أنك كنت تعرفها قبلي وقايلي عليها كنت سودت عيشتك وسلمتك بنفسي تسليم أهالي للبوليس، بس أعمل إيه في قلبي إبن ال..... الي بيحبك ومتهونش عليه.

صدح رنين نغمة هاتفها الذي كان علي الطاولة الرخامية منذ أمس.
_ لتكون البت نواعم.

نظرت إلي شاشة الهاتف لتجده رقم غير مسجل، فأجابت: 
_ الو.

_ صباح الخير، معلش لو أتصلت بيكي في وقت غير مناسب أو صحيتك من النوم.

تمعنت في الصوت لكن لم تستطع أن تحدد هوية صاحبه: 
_ مين معايا؟.

ضحك وقال: 
_ لحقتي تنسي صوتي، أنا علي الحسيني.

أخفضت صوتها: 
_ سي علي، معلش متأخذنيش أصل لسه صاحيه من النوم فمبقاش مركزه.

_ ولا يهمك، أنا كنت بتصل أطمن عليكي وأسألك عندك شغل النهاردة في النايت ولا لاء.

أجابت بتوتر خوفاً من أن يسمعها زكريا: 
_ أيوه عندي ده حتي الليلة دي كمان بتبقي مميزه عن الي قبلها، تيجي وتشرف وتنور.

_ ده مين ده الي يچي يشرفك وينورك يا روح خالتك.
صاح بها زكريا من خلفها، شهقت بذعر وأغلقت المكالمة: 
_ سي سي زكريا، ده ده واحد معرفة بيسألني فيه شغل النهاردة ولا لاء.

أختطف من يدها الهاتف وألقاه علي الأرض، ودفعها نحو الطاولة الرخامية قابضاً علي عنقها قائلاً بتهديد: 
_ قسماً بالله لو طلعتي عتلعبي من ورايا وتخونيني لأخليكي تحصليها.

قالت بصوت مختنق بسبب قبضته:  
_ والله ما بخونك.

أرخي قبضته فألتقطت أنفاسها وأبتعدت عنه: 
_ بدل ما تيجي تلومني وتيجي تتهمني بالخيانة روح قول لنفسك الأول.

جز علي شفته السفلي بندم، أقترب منها و وضع يده علي كتفها: 
_ حجك علي يا سماره، أنتي لو مكاني وفي المصيبة الي أني فيها دي هتشكي في صوابع يدك، أني مبجاش ليا حد غيرك عاد، الوحيدة الي مأمنها علي روحي ونفسي وياها.

أستدارت إليه وقالت: 
_ و الي مهما عملت أي معاها برضو بتحبك ومليش غيرك يا روح سماره.

حاوط وجنتيها المنتفختين مثل ثمرة التفاح تغري كل من يراها لأكلها والتلذذ بها، وضع جبهته علي خاصتها وتفوه بكلمات نابعة من قلبه ومعلنة عن رغبة مكنونة: 
_ وأني روحي فيكي يا جلب زكريا، أحضنيني يا سماره.

عانقته فأردف: 
_ أحضنيني جوي.

زادت من ضغط عناقها له فبادلها بعناق أشد ورفعها علي الطاولة ليلتهم ثمرتي التفاح ومابينهما بكل شراسة كالجائع عندما يلتهم الطعام بنهم.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــ 
_ تمسك بعدة أوراق تقوم بترتيبها وتدوين مابها من بيانات بداخل دفتر ورقي كبير. 
صدح رنين الجرس يستدعيها الطبيب،  فنهضت تحمل الدفتر تاركة الأوراق جانباً،  طرقت الباب ثم دلفت:  
_ خلاص يا دكتور مفيش حالات بره، وسچلت كل الحالات الي چت أول مرة في الدفتر، تؤمر بحاچة تاني؟.

كان يرمقها بنظرات أربكتها وقذفت الشك بداخلها،  فملامحه لم تبدو طبيعية ككل يوم وما جعل القلق لديها  يزداد نحوه عندما سألها بثمالة:  
_ يعني العيادة فاضية خالص؟.

عقدت مابين حاجبيها وأجابت بإقتضاب:  
_ أيوه.

نهض من خلف مكتبه ليحوم  كالذئب حول فريسته:  
_ ما تقعدي يا سمسم،  مالك واقفة ليه.

تراجعت خطوتين إلي الوراء وتركت الدفتر علي المكتب وهمت بالمغادرة:  
_ أني خلصت شغلي ودلوق ماشيه.

أمسك رسغها ليمنعها من الذهاب قائلاً:  
_ وينفع تمشي وتسيبني لوحدي!.

نظرت ليده التي تمسك بها ثم رمقته بحده وقالت بقلق وخوف : 
_ رايد مني أي،  أني خلصت الي جولتلي عليه،  ممكن تهمل يدي بجي.

أقترب منها وهي تتراجع حتي حاصرها مابينه وبين سرير الفحص وبنظرة مليئة بالرغبة:  
_ ما تشغلي دماغك بقي ياسمسم وأنا هخلي مرتبك تلات أضعاف،  والي تطلبيه هديهولك بس بلاش تُقل عليا.

دفعته ليبتعد عنها:  
_ بعد عني يا دكتور عيب إكده،  ده أنت المفروض راچل محترم وليك سمعتك خاف ربنا.

حاصرها مرة أخري:  
_ طيب تعالي نكتب ورقة عرفي، وكده مش هيبقي عيب،  قولتي أي.

قالها ومد يده علي خصرها بجرأه،  فدفعته للمرة الثانية وصاحت به:  
_ يدك لأجطعهالك، أنت باين عليك شارب زفت وچاي تطلعهم عليا.

شرع بفك أزرار قميصه وبإصرار قال:  
_ شكلك من النوع الشرس وأنا بموت في كده،  وبماأن مش عاجبك العرفي ولا غيره يبقي أنا الي هختار.

وقبل أن يصل إليها تناولت سريعاً منفضة السجائر الزجاجية ورفعتها بتهديد قالت:  
_ قسماً بالله لو جربت لي خطوة كمان لأفتحلك دماغك الو.....  دي.

لم يهتم لتهديدها ظناً منه إنه أكثر منها قوة وسيسيطر علي حركتها،  هجم عليها ليقبلها فباغتته بضربة قوية بالمنفضة فوق رأسه مما فتحت جرح غائر تتقاذف منه الدماء،  صرخ بألم يمسك بجرحه والدماء تنسدل من بين أنامله.

صاحت بإختناق وشيك علي البكاء:  
_ عاچبك إكده!،  جولتلك بعد عني وأنت عملتلي فيها حمدي الوزير،  أشرب بجي يا حلو خلي دماغك مفتوحة أبجي خيطها لنفسك،  أتفو. 
بصقت عليه وغادرت مسرعة تناولت حقيبتها وكل متعلقاتها ورحلت وهي تبكي.

تبكي علي ما يحدث معها من تعثرات وعقبة تلو الأخري،  فهل القدر كتب عليها الشقاء ومقابلة كل من يطمع في جسدها،  فعندما ذهبت للعمل إلي هذا الطبيب الذي قرأت إعلانه في الجريدة عن طلب ممرضة ذات خبرة سابقة في المجال بشرط أن تتميز بلباقة الحديث وحسنة المظهر، ذهبت لمقابلته وأخبرته بعملها السابق في المشفي وتركته لظروف خارج عن إرادتها فتعجبت من موافقة الطبيب علي عملها لديه بدون أن يطلب منها ورقة رسمية تثبت إنها كانت تعمل حقاً في المشفي وأكتفي بصورة من بطاقة هويتها المدون بالمهنة ممرضة فقط.

فها هي الآن ستعود خالية الوفاض،  لم تمتلك سوي القليل من المال الذي تبقي لديها بعدما قامت ببيع خاتمها الذهبي التي ورثته عن والدتها،  فكيف ستواجه صاحب السكن الذي كلما يراها يطالبها بالإيجار التي دفعت جزء منه،  وما لديها لايكفي سوي لشراء طعام فقط. 
ظلت تسير و لاتعلم المسافة التي قطعتها حتي وجدت نفسها في الشارع الذي تقطن به، فوجدت أبو سعيد يقف مع إحدهم وينظر نحوها،  تجاهلته وأسرعت خطاها لتتفادي الحديث معه ومطلباتها بالمال. 
دلفت إلي البناء ثم إلي الشقة بعد فتح الباب بالمفتاح وأغلقته خلفها،  أستندت بظهرها  عليه تلتقط أنفاسها.

ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،، ـــــــــــــــــــــــــ

_ ترتدي النقاب و تتمم علي ربطه جيداً فقالت لها:  
_ إكده حد ممكن يعرفني؟.

أجابت عليها قمر وهي تسدل لها الحجاب من الخلف:  
_ كيف يعني ومفيش فيكي حاچة منك باينه واصل غير عنيكي، بس....

سألتها فاطمة بقلق:  
_ بس أي بالله عليكي منجصاش حديت أني متوترة لحالي.

_ بصراحة أنا جلجانه جوي من الخطوة الي هاتسويها وخايفة لرافع واد خالك يتهور ويسوي حاچة في دكتور يحيي.

جلست علي الأريكة تزفر بقلة حيلة،  رفعت النقاب لأعلي وقالت:  
_ ماتحيرنيش وياكي عاد،  مش أنتي الي جولتيلي لازم أخد موجف،  وأديني أخدته أهه،  وأني شايفه إن دكتور يحيي معچب بيا ومستعد يجف جصاد رافع وماخيفش منيه كيف كل الي أتجدمو لي،  وبعدين هطلب منيه تكون خطوبتنا في السر ونتچوز في سكن بعيد عن الصعيد إن شاالله أسكن ويا أهله.

جذبت كرسي خشبي وجلست أعلاه أمامها:  
_ يا حبيبتي خابره كل الي عتجوليه،  لكن أني خايفة من الي هيوحصل بعد إكده أو في وجتها،  و رافع أنتي جولتيلي جلبه ميت يعني ممكن يخلي يحيي جاعد چارك في الكوشة ويطخو من غير ما يتحرك له چفن واصل.

فكرت فاطمة فيما تقوله إليها الأخري فخشيت أن تتراجع عن قرارها وتصبح تحت رحمة رافع وتحكمه في حياتها رغماً عنها، أسدلت النقاب علي وجهها وقالت بحزم:  
_ عجولك أي أني خلاص قررت ومارچعاش عن قراري،  كل الي طلباه منك لما  أمي ترچع من بره وسألت عليا جوليلها أني روحت أزور واحده صاحبتي وچاية علي طول،  والحمدلله زكريا مش أهنه وبكر نايم وأبوي ما هيرچعش غير علي بالليل إكده.

_ ماشي الي أنتي شيفاه يا فاطمة،  ربنا معاكي ويبعد عنك شر رافع.

_ يارب،  سلام. 
رحلت فاطمة وقد رآها إحدي رجال رافع وظن إنها زوجة بكر المنتقبة،  فظل مكانه يستمع إلي المذياع اللاسلكي الذي يحمله في يده. 
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ

_ وبالعودة إلي الداخل، ذهبت قمر إلي المطبخ لتحضير الطعام قبل أن يستيقظ بكر، وقفت أمام الموقد وأشعلت النار أسفل الأناء التي وضعت بداخله الخضار واللحم وتقلبهما بالمعلقة،  شردت في أمر فاطمة ثم في أمرها،  كلما تتذكر إقتراب موعد زفافها تبتسم و وجنتيها تحتقن بها الدماء.

_ أول مرة أشوف قمر منور في عز النهار. 
جملة غزل قالها بكر الذي أستيقظ لتوه،  شهقت بذعر وألتفتت إليه:  
_ خلعت جلبي يا بكر،  حرام عليك.

أقترب منها وأمسك يدها يضع في كفها قبلة:  
_ سلامة جلبك يا قمري.

سحبت يدها بخجل وقالت:  
_ واه يا بكر كفياك بجي أني بتكسف من حديتك وحركاتك الي عتسويها معاي.

حدجها بنظرة عاشق يغرق في بحور من يحبها ومولع بها:  
_ معلش يا قمري أعذريني،  كل يوم حبك عيزيد في جلبي،  مبجاش جادر أستحمل فبعبرلك بحديت غزل أو بوسة بريئة في كف يدك لحد ما يتجفل علينا باب واحد،  والله ل....

وضعت كفها علي فمه:  
_ معوزاش أعرف عتسوي أي،  بجيت چرئ جوي ياسي بكر هتخوفني منك ليه عاد.

قهقه علي ما ظنت به فقال:  
_ ومين جالك أني كنت هتحدت عن الي هنسويه يوم الزفاف،  أنتي الي نيتك سوده وفهمتي غلط.

أشتدت وجنتيها من حمرة الخجل فقالت بإستنكار:  
_ لاء ما فهمتش إكده،  أني بس خايفة لحد يسمعنا يجول علينا أي.

أجاب ويقترب منها وهي تتراجع إلي الخلف حتي أوقفتها الحائط فأصبحت محاصرة بينها وبينه:  
_ وأني ما عجولش حاچة أخچل منيها،  أنتي مارتي وحلالي وأجولك الي أني رايد أجوله بالطريقة الي تلد عليا،  ولا أي ياقمري.

وضعت كفيها علي صدره الذي ينبض بعشقها وقالت بنبرة تفقده لبه:  
_ وسع إكده يا سي بكر الله يخليك،  أني ما عتلمش علي أعصابي وحاسه أن هوجع من طولي.

_ الله الله يا شيخ بكر يا بتاع ربنا وحافظ كتابه،  واجف لي في المطبخ ويا السنيورة عتتبوسو و.... 
شهقت عند رؤية دخان يتصاعد من الإناء بسبب إلتصاق الطعام به وإحتراقه:  
_ يا نهار أزرج  وكماني حرجتي الواكل الي هانطفحو.

أنتفضت قمر بذعر من دخول حماتها فجاءة و دب الخوف بداخلها عندما أحترق الطعام،  أجابت:  
_ أني والله كنت لسه مجلباه وكنت هوطي عليه النار ملحجتش.

صاحت ملوحة بيديها بغضب:  
_ ليكي حج متلحجيش،  ما الشيخ زانقك في الحيطة وأنتي وياه عتتمرجعي من غير خشا ولا حياء.

قال بكر مدافعاً عنها:  
_ أي الحديت ده يا أمي،  إحنا ماسوناش حاچة من الي عتجوليها دي وعيب إكده.

صاحت بتهكم:  
_ عيب!  ،  العيب ده علي الحلوه مارتك الي سارحه في الدار علي كيفها وكأنها صاحبتها،  و واخده راحتها علي الآخر.

_ لو سمحت يا أمي ملكيش صالح بقمر واصل وخلي حديتك معاي.

_ الله،  الله هي لحجت تجلبك علي أمك،  يا خيبتك يا چليلة في عيالك علي آخر الزمن ولدك واجف قدامك و يزعج فيكي لأچل مارته الي ما نعرفلهاش أصل وفصل.

تركتهما قمر وذهبت إلي غرفة فاطمة لتواري بكائها،  فلم تتحمل حديث تلك السيدة التي تصر علي معاملتها بقسوة عن تعمد كلما تراها برغم من محاولات قمر في التودد إليها وأن تنال رضاها لكن لا جدوي من ذلك.

_ بكفياكي بجي يا أمي،  قمر عمرها ما عتچيب سيرتك وياي غير بكل خير،  وعتحاول تكسب ودك ورضاكي وأنتي بدل ما تاخديها في حضنك كيف بتك عتعامليها بقسوة وتسمعيها حديت ماسخ لأچل تحرجي دمها.

وبدلاً من أن تشعر بذنب ما تقترفه في حق زوجة إبنها، أخذها الكبر وسيطر عليها الغضب فتشدقت باللهجة شديدة :  
_أسمعني زين يا ولد بطني أنت وهي أهنه في داري،  يعني أسوي وأجول كيف ما أني رايده،  والي ماعچبوش حديتي الباب يفوت چمل.

جز علي شفتيه بحنق من رد والدته الغليظ فمهما وصل من ذروة غضبه لم يقدر علي توبخيها،  فهي والدته مهما قالت أو فعلت معه،  فأتخذ قراراً بعدما تفوهت بعدم رغبتها بوجوده هو و زوجته في منزلها، فكرامة قمره من كرامته ولم يتحمل أكثر من ذلك.

أخبرها بقراره الحاسم:  
_ حضرتك الي أختارتي وهنفذلك رغبتك.

رمقته بعدم فهم فسألته: 
_تجصد أي يا بكر؟.

_ هاخد مارتي وهنهملك الدار كليتها،  أني يهمني راحتك يا أمي. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــ
_ وعلي ضفاف النيل حيث الهواء العليل يداعب أوراق الشجر وهنا علي الطاولة يجلس الطبيب يحيي وعلي محياه فرحة عارمة،  لم يصدق أذنيه عندما طلبت منه مقابلته والتحدث معه في شأنهما.

تنهد مبتسماً وكأنه أمتلك الدنيا بكنوزها التي لاتقدر بثمن، فقال وقلبه يرفرف كالطائر المحلق فوق زهرة يفوح منها أجمل العطور:  
_ تصدقيني لو قولتلك إن حاسس إن بحلم أن قاعد معاكي؟.

أجابت بتوتر:  
_ ليه إكده؟.

خلع عويناته و وضعها أمامه علي الطاولة:  
_ عشان كان نفسي أطلب منك المقابلة دي وكنت خايف من ردة فعلك،  عندي ليكي كلام كتير مينفعش يتقال في تليفونات وفي نفس الوقت مش عايز أعملك مشاكل مع قريبك.

نظرت بإمتعاض عند ذكر كلمته الأخيرة فقالت:  
_ بالله عليك بلاش تچيب سيرته لو رايدني أجعد أتحدت وياك.

أطبق علي شفتيه يفكر في قول شيء ما،  فقرر قوله:  
_ بصي يا آنسه فاطمة،  أنا عارف علاقتكو ببعض مش مجرد صلة قرابه وبس،  ده حب وحب قديم كمان ولولا طباعه وشغله الي رفضاه كان زمانكو متجوزين دلوقت.

رفعت إحدي حاجبيها وقالت:  
_ واضح چداً أنك مهملتش تفصيلة في مذكراتي إلا وقرأتها.

_ آسف لو ده ضايقك، الفضول بقي.

زفرت ونظرت نحو مياه النيل الجارية:  
_ طب أنت خابر ليه طلبت منك نتجابل؟.

_ عايزة تعرفي مشاعري من ناحيتك أي بالظبط.

أتسعت عينيها ورمقته بدهشة فأردف:  
_ قلبي الي قالي كده.

توترت ملامحها فأخذت تفرك أناملها في بعضهما،  أستجمعت شجعتها وقالت:  
_ ولنفترض وحديتك طلع صوح،  آخرة مشاعرك ناحيتي نهايتها أي عاد؟.

أعتدل في جلسته ليتحدث بجدية وثقة:  
_ أنا فاهم وعارف عادات وتقاليد أهل الصعيد إن التعارف بيتم في إطار رسمي،  عشان كده هاجي وأطلب إيدك من والدك الشيخ واصف.

صدمها مرة أخري،  فباغتته بسؤال هام:  
_ خطوبة وأنت خابر حقيقة مشاعري تبجي لمين!  .

_ عارف إنها مجازفة بس أنا الي يهمني أنتي يا فاطمة،  أنا واثق مليون في الميه حبك لرافع حب تعود الي هو فتحتي عينيكي ولاقتيه أدامك زي مابيحصل في أي عيلة، وقلبي بيراهن أن لو أديتي نفسك فرصة مع حد تاني هتلاقي الحب الحقيقي،  خاصة لو الإنسان ده مستعد يواجه أي خطر أو مصاعب عشان تكوني ليه في النهاية.

غرت فاهها تنصت لكلماته التي لأول مرة تسمعها،  فبرغم حب رافع المجنون والمتملك لها لكنه لم يفصح عن كامل مشاعره نحوها مثل مايفعل يحيي الآن بل هناك فرق شاسع بين الأثنين شتان مابينهما.

_ قولتي أي يا فاطمة؟.

رمقته بنظرة حائرة فأجابت:  
_ أني خايفة جوي من الي چاي.

أمسك بيدها ليبث بها الثقة قائلاً:  
_ متخافيش من حاجة طول ما أنا جمبك، ميغركيش إن دكتور ومن عيلة يبقي واحد فرفور، أنا مش هتعامل معاه بنفس مبدأ الإجراك والبلطجة الي ميعرفش غيره بس عندي معارف ممكن يحدفوه ورا عين الشمس.

سحبت يدها صاحت برجاء:  
_ لاء بالله عليك.

إبتسم وقال:  
_ أطمني أنا عمري ما هأذي حد من أهلك حتي لو رافع نفسه، أنا بعرفك بس أنا ممكن أعمل أي.

تنهدت وأنبلجت إبتسامة علي محياها تخفي ما تشعر به في قلبها الذي ينهرها، كيف لها تطمس حبها للآخر، فما عليها سوي أن تختار ما يمليه عليها عقلها :  
_ أني موافجة. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ـــــــــــــــــــــــ 
_ أستيقظت بفزع علي صوت طرقات عنيفة علي باب المنزل، زفرت بتأفف وبحنق قالت:  
_ ياربي مين الچحش ولد المركوب الي عيخبط إكده،  هو مفيش غيره أبو حزين الله يحرجه.

نهضت وألتقطت حجابها أرتدته علي عجالة: 
_ أيوه چاية،  اللهي يچيك خابط في نفوخك يا شيخ.

فتحت الباب فوجدته يرمقها بنظرة غاضبة:  
_ أي الأخبار يا ست الممرضة؟.

أجابت بتهكم:  
_ ولا أخبار ولا أهرام، معيش فلوس أعطيهالك دلوق فوت عليا يومين إكده.

ضرب علي الباب بعنف قائلاً:  
_ ولا يومين ولا حتي دقيقتين،  باقية الفلوس دلوقتي يا تاخدي شنطتك وتورينا جمال خطوتك.

_ تصدج بالله أنت خسارة فيك كلمة راچل،  يالي معندكش دم واصل عايز تطرد حرمة في الشارع لأچل جرشين ملهمش عزا.

جز علي أسنانه وبغضب قال:  
_ وعشان خاطر لسانك الي عايز قطعه ده أنتي مش بايته فيها أدامك عشر دقايق تلمي حاجتك وتتكلي علي الله يا إما هاجبلك ستات يجروكي من قفاكي ويطردوكي طردة الكلاب في الحارة.

رفعت قدمها تتناول نعلها قائلة:  
_ لاء و علي أي تچيب نسواين يضربوني،  ما أنت موچود أهه. 
وقامت بالهجوم عليه بكل قوتها تضربه بنعلها وتصيح به:  
_ يا راچل يا ناجص يا عره، روح أتشطر علي مارتك الي عترميلك كل شوية خلچاتك من البلكونة قدام الخلق.

أخذ يدافع ولم يكن قادراً عليها فأبتعد عنها و وقف أمام البناء يصيح بتوعد :  
_ و رحمة أمي اللي ما بحلف بيها كدب لأعرفك أزاي تمدي إيدك عليا ويانا يا أنتي.

قذفت نعلها عليه قائلة:  
_ أعلي ما في خيلك أركبه يا ولد البرطوش،  غور كتك داهية صحتني من أحلي نومه نمتها في المخروبة دي. 
عادت إلي الداخل تتثائب لتكمل نومها بلا إكتراث،  وما أن وضعت رأسها علي الوسادة لتجد طرقات أعنف من ذي قبل علي الباب:  
_ لاء بجي مابدهاش أني هچيب له عصاية المجشة وأنزل بيها فوج نفوخه أبو دماغ كيف البطيخة دي.

وأمسكت بالعصا الخشبية وذهب لتفتح لتتفاجأ برجال الشرطة أمامها،  أتسعت عينيها وتمتمت:  
_ معجول دكتور هاني ولد المركوب بلغ عني،  واه ليكون مات،  يا مُرك ياسمية.

_ أنتي سمية عبد الحق؟. 
سألها رئيس المباحث بنبرة حادة،  فأجابت بتوتر:  
_ أيوه أني يا بيه، بس هملني أحكيلك علي الي حوصل جبل ما تجبضو عليا،  والله دكتور هاني الكلب دي هو الي أبتدي وكان عاي.... 
قاطعها:  
_ هاني مين،  خدوها علي البوكس.

_ واه،  مش تجولي الأول جابضين عليا ليه؟.

أجابها مشيراً إليها بإزدراء:  
_ هناك في القسم هاتعرفي كل حاجة.

أمسك بها العساكر،  فقالت:  
_ كله منك يا أبو حزين الكلب من يوم ما چيت الخرابه بتاعتك دي والمصايب فوج دماغي.

صاح بها الضابط:  
_ يلا أنجري وبطلي رغي.

_ ما براحه عليا يابيه، جبر يلمك أنت راخر.

_ بتبرطمي تقولي أي يابت؟.

هزت رأسها بالنفي وهي تدلف داخل سيارة الشرطة:  
_ما جولتش حاچة.

أنطلقت السيارة وكان أبو سعيد يشاهد ما يحدث مع الجيران،  فنظر بتشفي وشماتة قال:  
_ متشكرين يا حكومة خلصتوني منها بنت ال......  اللهي ماترجع تاني.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ وفي إحدي الملاهي الليلية بالمدينة،  يجلس علي الطاولة يحتسي الزجاجة الخامسة من الخمر،  فقال له حارسه ومساعده:  
_ كفياك إكده يا كبير،  ما هتجدرش تصلب طولك وأنت خارچ.

ألقي بالكأس علي الطاولة:  
_ ملكش صالح، أني مفيش حاچة عتأثر فيا واصل.

_ طب جوم معاي نرچعو علي داري،  أني خليت الواد زرزور چابلي سرير چديد بفرشة چديدة لأچل تنعس عليه براحتك.

قهقه بثمالة قال:  
_ شوفت يا دبيكي علي آخر الزمن،  أبوي يمد يدو عليا ويطردني من الدار، وأچي أبات حداك أنت يا عفش.

رمقه دبيكي بإمتعاض:  
_ مجبولة منك يا كبير،  يلا بجي ريحني وجوم معاي.

نهض بثقل فقام دبيكي بمساندته حتي خرجا من الملهي وأدخله سيارته وأنطلق إلي النجع،  وبعد دخوله بالسيارة إلي داخل النجع،  أشار رافع له بالتوقف عن القيادة :  
_ أجف أهنه أني نازل.

أمسكه دبيكي من زراعه:  
_ يا كبير خابر الساعة كام،  دي داخلة علي تالتة الفچر،  هاتروح تسوي أي عند عمتك الحاچة چليلة دلوق!  . 
صاح بغضب به:
_ سوي الي جولتلك عليه أحسنلك.

_ أمرك يا رافع بيه الي رايده.

وقف بالسيارة علي بعد أمتار من المنزل،  ترجل منها يترنح يميناً ويساراً حتي وصل إلي الباب لكنه تراجع عن طرقه،  فأتت له فكرة وهي أن يدلف من الشباك،  وها هي قد نست أن توصد الشباك قبل نومها،  فقد عادت من الخارج في حالة شرود تهربت من أحداث اليوم بالنوم ولم تلاحظ عدم وجود قمر و شقيقها بكر.

أقترب بحذر من نافذة غرفتها ليجدها شبه مغلقة،  فقام بفتح خشبها الغير موصد بدون أن يصدر صوت و وثب إلي الداخل فوجدها تغط في نوم عميق وتبدو كالملاك في هيئتها،  خصلاتها الفحمية متناثرة علي الوسادة،  جلس بجوارها يتأمل ملامحها بإشتياق وهبط بشفاه علي وجنتها ليقبل شامتها التي يعشقها،  خلع عباءته وعمامته من فوق رأسه و وضعهما جانباً ليتمدد جوارها وأحتضنها حيث جعل رأسها تتوسد صدره العريض،  دنا بشفتيه علي جبهتها وهمس بصوت يغلبه النوم:  
_ تصبحي علي خير يا بطتي. 
ــــــــــــــــــــــ،،،

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات