رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو سلطان

 رواية في قبضة اولاد الراوي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميفو سلطان

كانت مليكة تقف في الشرفة شاردة الذهن يتردد في أعماقها صدى كلمات مها القاسية التي أشعلت في صدرها وجعا لا يهدأ.. كانت تهمس لنفسها بمرارة....

ليه مصممة تقعدي عند ناس غريبة؟ أهم قالوا عيب.. ده حقهم.. أختك ذنبها إيه تتربط بيكي وبمستقبلك اللي مش معروف؟ لازم تشدي حيلك شوية يا مليكة مفيش حد بيعمل كدة. اللي إنتي فيه ده مش طبيعي ولازم تتعالج.

تنهدت وجلست تفكر برهبه.. وتساءلت كيف ستمضي في أيامها المقبلة؟ وكيف ستقدر أختها أن تقتلع هويتها وماضيها تنهدت بحرقة وهي بتهمس....

الله يرحمك يا ملك ويسامحك على اللي حطيتينا فيه.. الناس دي طبعهم غريب وصعب قوي.

استدارت مليكه فتسمرت في مكانها وقد تجمدت الدماء في عروقها لتجد نفسها وجها لوجه أمام فتاه تقف لها ملامحها لا تبشر بالخير. كانت نظرات تلك الفتاة طوفانا من الغل يجتاح كيان مليكة الهش لترتعب مليكه علي الفور وتنكمس برعب.

اقتحمت ندي سكون المكان كإعصار من الحقد المكبوت لتنفجر في وجه مليكه بكلمات مسمومة تقطر كراهية.....

إيه كنتِ مفكرة إنك هتتهني بيه هاه..

كنتِ مفكرة إنك هتخطفيه وتعيشي وتفرحي..أهو راح وحرج جلوبنا وإنتي السبب..إنتي السبب... عايشه وتهنئه وإحنا محروحين.. بس لاه.. أنا هاخد حجي بيدي منك يا خطافة الرجالة..

انقضت عليها كوحش كاسر بينما تجمدت مليكه في مكانها من فرط الرعب لا تستوعب هذا الطوفان من العنف الذي انهال عليها بالضرب..

أنا هجتلك يا زبالة..أنا هموتك.. هدفنك إيه وابرد جلبي.. أنا يسيبني عشان كناسه الشوارع.. ندي هانم الراوي تتساب.

في تلك اللحظة كان عمار يراقب من الأسفل حين أبصر الهجوم المباغت فاندفع كالسهم وأنفاسه تختنق من الرعب ليقتحم الغرفة ويلقي بابنة عمه أرضا بينما انكمشت مليكه على نفسها تنتحب في ذعر حقيقي ترتجف بهستيريه من خوفها.

صرخ عمار بهياج وحرقه مجنونه وهو يكبل يديها ... إنتي عايزة الجتل.. يمين الله لأخلص عليكي يا زبالة..إيه إللي جابه هنا يا حيوانه.

صرخت ندي وهي تحاول الإفلات من قبضة عمار التي كانت كالسلاسل الحديدية..

إيه سيبني عليها خطافة الرجالة الواجعة.. مش دي اللي خطفته ومات بسببها.. أنا هعرفها..

وعندما حاولت الاقتراب مجددا اندفع عمار يصفعها بقوة زلزلت كيانها ليردع ذاك الغل الذي تخطى الحدود وهو يصرخ بوعيد ..

امشي من قدامي هاه.. يمين الله أجتلك وإنتي عارفاني يا ندي..تلمي نفسك.. دي مش مرت عُمر دي أختها.. ولو لجيتك مجربة منها هفطسك بيدي..

خرجت ندي وهيا تشعر بالغل ونسبه الفتيات بينما كانت مليكه تنتحب بقهر

أند فع وجذبها إلى أحضانه بقوة بينما كانت هي تنهار بين يديه في بكاء مرير وشعرها مشعث وملابسها مبعثرة من أثر الهجوم.. ظل يطوقها بذراعيه ويمسد على رأسها في محاولة لامتصاص رعبها.

ما إن عادت لنفسها حتى بدأت تتململ خجلا فتنهد وابتعد قليلا لكنه ظل قريبا منها مد يده ورتب شعرها بحنان وعيونه تجوب تفاصيلها رفع وجهها بيده ليرى عينيها بينما كانت هي تحاول الهروب بنظراتها..

فيكي حاجة؟ عملتلك حاجة؟..

هزت رأسها نفياً في رقة أربكت ثباته فظل يتأمل ملامحها الجميلة وقتا ليس بالقصير وهي تشتعل خجلا من لمساته حتى استسلمت أخيرا ورفعت عينيها لتلتقي بنظراته التي اقتحمت قلبها.. شعرت بشيء غريب رغم قسوته التي تخشاها..همس بلين ساهما بعيونها...

وجعتك؟..جولي فين طيب؟ جوليلي وجعتك فين؟..

ابتلعت ريقها وابتعدت خطوة وهي تهز رأسها ثم انفجرت بالبكاء من جديد...

هيا ليه؟ ليه أنا. ؟انا.

حاول الاقتراب منها ومسك يدها لتهدئة رجفتها.....

اهديي.. بتترعشي ليه أكده؟ أجيبلك حاجة تشربيها؟..

ابتعدت عنه وهي تنتحب بوجع.....

أنا.. أنا.. ما.. ما.. جيتش جنبها.. هي

. هيا بتقول إني أنا.. انا.. خطافة رجالة.. والله ما خطفت حد ولا..و لا بعرف.. بعرف أخطف ولا عايزة أخطف..

كانت كلماتها بريئة مبعثرة ومهلكة لقلبه في آن واحد فهمس بإعجاب خفي حاول كبته....

أجول إيه إنت تخطفي.. أومال إنت إيه بشكلك ده؟.. تنهد وقال بلين... خلاص ما هيحصلش تاني.. اهدي بقى..

تنهدت وإنت ملامحها..

اقترب ومسح دموعها.... اطمني أنا هنا اهوه ماحدش هياذبكي واصل..

ابتسمت بلين ابتسامه رجف لها قلبه ثم خمسة بنعومه هالكه ...

متشكرة إنك ساعدتني..

رفعت عيونها ابتسم رغما عنه.. تحول قلب الحجر لهلام ناعم يسري كالهشيم في اوصاله يسحب روحه لينصب علي تلك العيون...

لكن تلك الابتسامة لم تدم فقد تذكر عمار مظهرها في الشرفة وشعرها فاشتعل الغضب في عروقه مجددا وتاجحت نيران غيره لم يعلم ماهيتها وتبدلت نبرته إلى حدة قاتلة....

طب ما تبقيش تطلعي الشرفة تاني.. فاهمة؟. إنت مش محجبة.. واجفة ليه بشعرك هاه.. ولا هي مسخرة وخلاص؟.. البيت فيه رجالة وفيه حرس وما عايزنيش جلة حيا إهنه.. فاهمة؟..

انتفضت مليكه من صراخه وكلبشت يدها بوجع مره اخري

. فأغمض عينيه محاولا السيطرة على نفسه وسب نفسه علي تهوره.. لكنه اندفع ومسك يدها بعنف....

مش كل أما أجول كلمة تتنفضي كأني هدبحتك.. عادي الناس بتزعج وتغضب.. إحنا بلد بتحب الزعيج.. فاهمة؟..... كلنا بنزعح وبنغضب وبنعلي صوتنا... أنا بزعج وعامر وجدي وأمي ونجوان.. البلد كلاتها بتزعج.. إحنا بلد بتحب الزعيج فاهمه.. سلو بلدنا الزعيج مش كل ما أغضب ألاجيكي مكموشة كيف العيال.. إيه ده؟.. بطلي تتنفضي أكده.. هو فيه إيه؟ موتك أنا؟..

أمسك وجهها بقوة لتنظر إليه وهي ترتجف رعباً..

آخر مرة تطلعي البلكونة بشعرك.. شعرك ده يتغطي.. لو لمحتك بيه هخلص عليكي.. إحنا مش ناجصين مسخرة..

دفعها بعنف وخرج غاضبا يصارع رغبة داخلية في القرب منها لا يفهم سببها.

ما إن دفعها حتي صرخت بصمت حينها داهمها ألم حاد في قدمها فقد التوت كاحلها من فرط الاندفاع.. تنهدت بحرقة وجلست مكانها والدموع تغالبها من جديد وهي تهمس لنفسها بكسرة..

يا ربي.. كأن الدنيا كلها جاية عليا مرة واحدة.. هو فيه ايه بيزعق ليه ماكان كويس إيه العيله دي.. .. هروح فين بس وأنا مش قادرة أصلب طولي.. أعمل إيه اقعدي بقه إستني ملوك إنت مابتعمليش. الا تحدفي نصايب علي أختك. لا إنت لازم تتعالجي وفتحت تليفونها وبدأت الفحص عن علاج لحالتها تقوي نفسها.

خرجت ندى من الغرفة تشتعل نارا من الغيرة والحقد صعدت إلى غرفتها حيث كانت والدتها تنتظرها ومها تصرخ فيها بكلمات تقطر غلا..

شفتي يا ماما؟ أنا هموت من القهر.. عامر حاضن في البت الزبالة إزاي؟.. ده عامر! والبايرة دي تجف تتبجح عليه كيف؟.. ده إحنا بنترعب منه، ديه عينها جامدة جوي.. أروح فين بس؟..

صرخت ندى وهي تخبر أمها بما فعلته بمليكة..

أنا أكلت أختها علقة خلصت عليها..

نظرت سعدات إلى ابنتها بذهول ..

إيه؟ أختها ليه يا بنتي؟..

هتفت ندى بغل يحرق صدرها....

كنت مفكراها مرت عمر.. جلبي محروج يا ماما..

هتفت سعدات بنبرة باردة تخطط لشر قادم..

لاه.. إحنا بقى نفكر نطلعهم من اهنه إزاي.. البت الصغيرة شكلها هبلة ودي سهل نتخلص منها.. إنما العجربة الكبيرة دي هي اللي يتخاف منها..

هتفت مها بضيق وهي تلح على أمها..

اتصرفي يا ماما.. عامر طول عمره ليا والنادي كله عارفة كده.. عايزاني أنقهر ويشمتوا فيا؟.. بصي أجولك كلمي الواد صفوان ييجي مش كان بيدور على عروسة؟.. أهو ياخدها وتغور من هنا..

ردت سعدات بتفكير عميق وهي ترفض الاقتراح المتسرع..

لاه.. صفوان إيه؟.. دي عايزة تخطيط.. سيبيني بس أعرف أصرفها كيف..

*******

دخلت ملوك الغرفة منهكة لكنها ما إن أبصرت حالة مليكة حتى اندفعت نحوها تحتضنها بلهفة وخوف..

إيه..... فيه إيه؟..ايه اللي فيكي ده.

كانت مليكة تغرق في بحر من الدموع لترد بنبرة تقطر وجعا..

مفيش.. أنا عايزة أمشي.. خليكي إنتي وأنا هرجع بيتنا..

انتفضت ملوك بحدة وهي تضغط على جسد أختها وكأنها تخشى ضياعها..

إنتِ هبلة؟ إنتِ مش هتبعدي عن حضني.. فيه إيه مالك متبهدلة كده؟..

بدأت مليكة تسرد ما حدث بكلمات متقطعة ومع كل حرف كانت ملوك تشتعل غضبا حتى هبت صارخة والشرر يتطاير من عينيها..

مين؟ مين اللي ضربتك؟ ضربة في قلبها.. والله لأوريها الزبالة..

تشبثت مليكة بها تتوسلها بعيون مرعوبة..

أبوس إيدك بلاش مشاكل.. أخوهم جه وحاشها.. وزعقلها كتير..

توقفت ملوك قليلا وقد عقدت حاجبيها بدهشة

أخوهم مين اللي حاشهم؟..

همست مليكة وهي تخفض بصرها و ملامح عمار لا تزال تثير في نفسها رهبة غير مفهومة.

ماعرفش اسمه.. ماخدتش بالي..

تنهدت ملوك وهي تحاول تهدئة روع أختها تمسح دموعها بحنان الأم..

طب يا قلبي معلش.. حقك عليا..

نطقت مليكة بصدق يمزق القلب وهي تنظر حولها ..

الناس هنا شريرة قوي يا ملوك.. نفسي نرجع بيتنا.. أنا بخاف..

تنهدت ملوك وهي تحاول بث الطمأنينة في روح أختها المرتجفة..

طول ما أنا عايشة ماتخافيش.. بس لازم تحاولي شوية تتغلبي على خوفك..

هتفت مليكة بكسرة وكأنها تزيح حملا ثقيلا عن صدرها..

أنا عايزة أروح لدكتور نفسي يا ملوك.. أنا مش كويسة وبيجيلي ذعر مابعرفش أنطق.. من يوم ماما ماتت وأنا مش طبيعية..

احتضنتها ملوك بقوة وهي تعدها ..

حاضر.. هاخدك وأكلم ماجد ونروح لحد هنا..

همست مليكة وهي تتذكر الصغير... ..

عُمر فين؟..

ردت ملوك بحزن على حال الصبي....

مع ستّه تحت.. قافشة فيه ومابطلتش عياط.. والله صعبانة عليا قاعدة في وسط حوش..

قطع حديثهما صوت خبط على الباب، لتدخل نجوان بابتسامتها الطيبة..

إيه يا حبايبي غيروا هدومكم يلا عشان الوكل..

هتفت ملوك وهي تشعر بالثقل من النزول وسط الغرباء..

هو ينفع ناكل هنا؟..

شهقت نجوان بإنكار..

يا مري عيب أكده ده جدي وأمي موصيين..

اعتذرت مليكة وهي تشير إلى قدمها المصابة..

انزلي إنتِ يا ملوك.. أنا رجلي بتوجعني معلش ابقي هاتيلي أي حاجة آكلها..

تنهدت ملوك واستسلمت للأمر و غيرت ثيابها ونزلت إلى الأسفل..

بينما هيا تمر حاول عامر أن يفرض هيبته فوقف أمامها مباشرة ليقطع عليها الطريق لكنها لم تبالِ وحاولت تخطيه فقبض على ذراعها بحزم وهو يهتف..

مش وجفت جصادك؟.. هو أنا هوا عشان تعدي كدة؟..

تنهدت ملوك بملل وضيق وردت بنبرة ساخرة..

حاضر.. هروح أجيب التنورة عشان الباشا وقف قصادي..

تأفف عامر بضيق من أسلوبها وشدها جانبا لكنها شدت يدها بعنف ونظرت إليه باستنكار شديد ليهتف محاولاً تهدئة الأمور..

تهدي بقى ماشي؟.. البيت ده ليه أصول فبلاش طيحتك دي..

تنهدت وسكتت تماما فظن أنها لانت وقال بهدوء..

أنا أديت عمر الخاتم خلاص..

نظرت إليه بعدم فهم واستغراب..

يعني أعمل إيه؟..

تنهد بغضب من برودها وصاح..

يعني خاتم الراوي.. الراوي يا ملك. بقي يد ابنك.. بقي راوي.

ابتسمت باستهانة مريرة وقالت..

آآآه.. تمام.. شكرا إنك اتعطفت واعترفت بابنكم..

احتد عليها وعيناه تشتعلان..

أنتِ بتكلميني كدة ليه؟.. أنتِ مابتعرفيش تتكلمي بأدب واصل؟..

ردت بقسوة..

لا مافيش جربوعة بتعرف تتكلم.. ها؟ غيره عندك جديد وإلا أمشي؟..

انصدم عامر من ردها وشعر أنها لا تطيق الوقوف معه للحظة واحدة فسخر منها قائلاً..

تصدجي؟ أنتِ مش حاسة أنتِ واجفة قدام إيه..

رفعت حاجبيها بتحدٍ فابتسم بغرور مكملاً..

مش بشكر في نفسي بس أنا مش أي حد يجف معايا..

هزت رأسها بحركات مبالغ فيها كأنها مبهورة بجماله وعظمته فابتسم بزهو..

أمال أنتِ فاكرة إيه؟..عامر الراوي بتنزل مجالس.

فجأة انفجرت ملوك بالضحك فازدادت ابتسامته وهو يرى ضحكتها التي سحرته للحظة قبل أن تقصف جبهته قائلة..

فاكر عاطف؟..

قطب جبينه بإستغراب.. مين عاطف ده؟

ضحكت... بتاع العيال كبرت اللي كان بيهز رأسه ومش فاهم حاجة.. أهو أنا حاليا عاطف.. بهز لك راسي جايز ترتاح وتهدا على روحك.

اشتعل غضبه من جديد وقبض على يدها بقوة ألمتها..

أنتِ ليه بتحبي تخليني أطلع غضبي عليكي؟..

قالت بجمود وصمود..

والله ماتقفش قدامي..

رد بحده.. أنتِ مرت أخوي.. أجف براحتي.. إيه ده؟ ماشفتش اكده

ضحكت ملوك بمرارة وردت بكلماته التي صفعها بها سابقاً..

معلش.. أصل الباشا ماتعاملش مع جرابيع قبل كدة..

اشتعل من كلامها الذي يذكره بخطئه وبحركة سريعة مسك يدها وأخرج الخاتم من جيبه ووضعه في يدها فقطبت جبينها بذهول وهي تراه في يدها..

إيه ده؟ أنت خدت الخاتم من الواد؟.. أنت كنت بتعمل نمرة قدام الناس وبتضحك علينا؟

هتف عامر بحدة محاولا كبح جماحه وهو يرى نظرات الشك في عينيها...

بطلي تفكيرك الزبالة ده.. أنا خدته عشان ما يتنطورش ويضيع من الواد.

مد يده ووضع الخاتم في كفها فقبضت يدها باستغراب وقطبت جبينها قائلة...

بتدهولي ليه أنا مالي.. خليه معاك.

رد عليها بنبرة آمرة...

مش أمه؟

قالت ببرود وهي تحاول إرجاع الخاتم له...

آيوه.. برضه ماليش صفة لما يكبر ادهوله.. مش جايز مابقاش موجودة؟

هنا اشتعل غضبا واقترب منها بخطوات تهديدية وصاح...

هتروحي فين؟ تسيبي الواد وتتجوزي؟ إحنا حريمنا مابيتجوزوش.. بيطعدوا على عيالهم ويصونوهم..

شدت يدها منه بغضب وهي تشعر بالإهانة من تفكيره..

أتجوز إيه وزفت إيه ما جايز تكون غورت في نصيبة تاخدني.. خلي خاتمك معاك أنا مش منكم ولا عايزة حاجة تربطني بيكم.

لم يتحمل عامر كلماتها فشد يدها بقوة وفك أصابعها المنقبضة عنوة وأدخل الخاتم في إصبعها وهو ينظر في عينيها بتحد وجدية تامة...

أنتِ أم ولدنا.. يعني مننا.. الخاتم ده عهد وأمانة أنتِ الجلب وأنا الظهر وما بينا ولدنا."

نظرت إليه بذهول وكررت الكلمة بنبرة مهتزة...

ولدنا؟

رجف قلب عامر بلا قصد حين نطق الكلمة لكنه استعاد جموده سريعا وهتف...

معنى إن الخاتم معاكي يبقى اتربطتي بسلسال الراوي لحد ما ولدنا يحطه بيده.. فاهمة؟ الخاتم ده بروحك ما يتخلعش واصل وتحافظي عليه.

أكمل بنبرة يملؤها الفخر والاعتزاز...

عامر الراوي بنفسه حطه بيدك ودي مش جليلة.. أنتِ مرت أخوي وأم ولدنا اللي أبوه سابك أمانة لينا يبقى الخاتم ده عهد وأمانة مني ليكي وأنا مابديش أماني لأي حد.

تركها واقفة في مكانها مذهولة لا تعرف أتقبض على الخاتم أم تنزعه بينما رحل هو بخطوات واثقة تاركا خلفه دوامة من المشاعر المتضاربة.

اسزجمتت شتاتها واتجهت لمكان السفره حيث يجتمع الجميع فيها .. ظلت تجوب بنظرها في الوجوه حتى وقعت عيناها على شابة صغيرة تنظر إليها بحقد دفين.. وفي تلك اللحظة أدركت ملوك بغريزتها أنها هي من تجرأت وضربت أختها..

كانت الأم والفتيات ونجوان مجتمعات ولم يكن عمار وعامر والجد وفؤادة قد اتو ..

جلست ملوك وتحكمت في أعصابها بصعوبة.. هتفت مها ساخرة وهي تنظر لندى:

بت يا دودو الفساتين جت من البراند إللي طلبتيه..

ابتسمت ندي... ايوه عامر جال دائما عايزنا هوانم مش أي حد.. إلا الجربيع عايزين يعملو ستات...

ضحكت مها... .. هي يدك كانت جامدة جوي أكده؟باين الكتمه خرست ناس وضحكت بشماتة.

هتفت ندى بغرور...

اللي ياخد مني حاجة بخرسه بيدي.

نظرت إليها ملوك ببرود شديد وقالت...

تعرفي يا شاطرة.. إن اللي بياخد حاجة بياخدها عشان بيحبها ومابيبصش لحاجة واقعة كسر كدة مالهاش لازمة.. أصل القفص لما يبقى معطب هنختار منه إيه؟

هبت ندى بغل وصاحت...

بتجولي إيه أنتِ؟

ضحكت ملوك بسخرية...

بقول إن اللي يمد إيده على أسياده.. أسياده اقطعهاله.

هبت ندى واندفعت إليها صارخة بجهل...

هو مين يا خرج البيت اللي أسياد؟ دا أنتِ مصراوية مكشوفة ورخيصه .

صرخت نجوان محاولة التدخل...

ما تحترمي خالك يا بت أنتِ.. إيه جلة أدبك دي؟ أنا هروح أجيب أمي بقه.. أنتو لازمن تتلموا.

رحلت نجوان مسرعة لتستنجد بأمها فانتهزت ندى الفرصة وأكملت بسمّها...

لوفتي على ابننا بالعرفي واتحضنتي كيف ما عامر جال في الشجج بالرخص.. المرة اللي تسلم من غير أهل تبقى رخيصة يا رخيصة..

اشتعلت ملوك وتذكرت انكسار أختها وتمزق قلبها حين سمعت نعتها بـ الرخص لتنفجر كالقنبلة وتهجم على ندى وهي تصرخ بصوت زلزل أركان الغرفة..

الرخيص ده يبقى صنفك إنتي..يا زباله يا حيونه والله اهرسك تحت رجلي.

اندفعت تضربها بكل ما أوتيت من قوة وهنا تكالبت عليها سعدات ومها وعم العراك المكان.. كان الكل ينهال بالضرب على ملوك وهي لا تهتم.. تكيل لندى تحتها تتلقى ضرباتها بينما كانت مها وسعدات تضربانها وتجذبانها من شعرها بعنف.. كانت ملوك تتحمل الألم الجسدي بصمود الأبطال لكن قلبها كان يؤلمها بشدة وتشعر وكأنها أُلقيت في وسط النيران..

---

في تلك الأثناء كان عامر يجلس مع عمار في مكان هادئ وعلامات الحيرة والضيق ترتسم على وجهه وهو يهتف بقلق..

ماعتش ينفع خلاص يا عمار نخرجها من بيتنا حتى لو كنا ماريدنهاش ولا هي طبعنا.. هي خلاص أم ولدنا تجعد وخلاص هنصونها بينا كنها مننا ..

هتف عمار بسخرية لاذعة ونظرة تشكيك لا تفارقه..

تجعد؟ هو فيه مرة بتجعد؟.. بكرة يعدي سنة وتلاجيها مع واحد.. دول مابيعرفوش حاجة عن الإخلاص..

هتف عامر بغضب وعيونه تشع بالوعيد..

ساعتها كنت أخد روحها.. حريمنا مايروحش في حتة..

قطب عمار حاجبيه باستنكار وكأنه لا يصدق ما يسمع..

حريمنا؟ إنت مخبول؟ حريم إيه؟ هي لو حبت تمشي هتمشي..

صرخ عامر وهو يضرب كفا بكف من شدة الضيق..

وتمشي ليه؟ ماتجعد تربي ولدها.. ده إيه المرار ده؟..

تنهد عمار وهو يهز رأسه بعدم استيعاب وعقله يسترجع صورة أخيه الراحل..

إني بس كل اللي مستغربله دي كيف تبقى مرت عمر؟.. دي كيف الوحش.. أخوك كان طيب وغلبان إيه كانت راكباه دي؟.. استحالة عمر يحبها.. عمر إني عارفه الحنية بجلبه ياما..

رد عامر بنبرة حائرة وعيناه تلمعان بشكوك لم يجد لها تفسيراً بعد..

ماخابرش.. بس ممكن تكون مثلت عليه مثلاً ووجعته.. ماعرفش.. فيه حاجات مش مرتحلها واصل وحاسس إننا لازمن نحرس..

فجأة انطلق صراخ قريب من الشرفة فهب عامر وعمار في ذعر..

فيه إيه؟..

خرجا يركضان ليتفاجأ عامر بمنظر تجمدت له الدماء في عروقه.. كانت ملوك فوق جنة تنهال عليها بالضرب ومن الخلف تتعرض هي لضرب مبرح من مها وأمها سعدات.. اندفع عامر صارخا وهو يحاول فك الاشتباك..

فيه إيه؟.. بعدوا.. بعدوا..

توقفت مها وسعدات واندفع عامر يشد ملوك التي كانت في حالة جنون دفعها بقوة لتقع أرضا وهي تنهج بشدة.. كان وجهها مليئا بالكدمات وشفتها تسيل دما بينما ندى ملقاة على الأرض متهالكة.. صرخ عامر وهو ينظر للجميع بذهول..

إيه ده؟.. فيه إيه؟..

تحاملت ندى على نفسها وقامت وهي تصرخ في وجه عامر والغل يملأ صوتها..

شوف السافلة اللي كانت هتموتني.. اللي جبتوها من الشارع تجعد مع هوانم.. يرضيك كده يا كبير الراوي؟.. الهانم جاية تجول عليا إني كسر ووجيع وإن عمر سابني عشانها وإنها ستي وإننا جليلين..

أكملت مها الصراخ وهي تشعل نيران الفتنة أكثر..

دي ماخلت وشتمننا كلنا وأهانتنا.. إحنا جايبين دي تهينا في بيتنا؟.. أنتو بقيتوا قلالة الطيمة جوي كده يا سيادة المستشار؟.. هوانمكم يتهانوا من الأشكال دي؟..

اشتعل عامر غضبا واندفع يمسكها بعنف وصوته يخرج كالطوفان..

أنتِ إيه جادرة وطايحة؟.. جولنا خلاص تهدي إنما الطبع غالب والواغش بدأ يظهر.

لو مفكرة إنك مرة سايبة يبقى توعي لحالك.. اهنه حريم الدار دي هوانم مايتجالهمش أكده.

لوي ذراعها خلف ظهرها بقسوة وأكمل بوعيد...

ودلوك تعتذري منهم وإلا عجابك عيكون واعر جوي..

دفعته ملوك بكل قوتها وهي تصرخ في وجهه بكبرياء جريح...

أعتذر لمين؟ ده لما تموتوا كلكم قدامي ابقي أعتذر.. أنا باخد حقي ياللي ماتعرفوش الحقوق ولا تسمعوا عنها.

هتف عامر والغضب يعمي بصره..

كنه أكده خدتي حقك؟ ماشي.. إحنا بقه برضك بناخد حقنا واللي يمس طرفنا مانسكتلوش. والحرمة لازمن تتأدب وتعرف إن ليها رجالة تبقى تحت طوعهم.

اندفع نحوها وحملها فوق كتفه كالمغشي عليها وهي تضرب ظهره بقبضتيها وتصرخ..

ابعد عني يا حيوان.. نزلني..

بينما كانت مها وسعدات وندى يراقبون المشهد بقلوب تملؤها الشماتة. انطلق عامر بها نحو الإسطبل وجذب لجام فرسه وقذفها فوق ظهره وهي تصرخ بهياج.

انطلق بها كالريح وسط الأراضي الزراعية الشاسعة وهيا تتململ بعنف وهو قابض عليها من حديد... حتى وصل إلى بناية منعزلة وسط الزرع. نزل عن فرسه وحملها مجددا وهي تحاول الإفلات منه بكل قوتها لكن قبضة يده كانت كالأغلال التي لا ترحم ليدخل بها إلى الداخل وهو يهمهم بغضب مكتوم....

دفعها عامر داخل الغرفة في تلك البناية المهجورة لتقع أرضا بضعف بينما وقف هو فوق رأسها يهتف بنبرة تشبه فحيح الأفاعي..

هتجعدي اهنه لحد ما تتعلمي يعني إيه أصول وعيلة.. يعني إيه أدب وتاخدي بالك من كل تصرف. إحنا اهنه حريمنا مش طايحين.. إذا كنتِ جدرتِ على أخوي وكان أهبل وضحكتِ عليه يبقى مش هتضحكي عليا وتركبينا كلنا.. لاه. أنتِ تلمي نفسك وطايحتك دي ماتمشيش معانا.. تجعدي تشوفي الهوانم بيتعاملوا إزاي..

فصرخت فيه بغضب وهي تحاول استجماع شتات نفسها..

أنت واحد قادر ماعندكش ضمير وظالم.. أنا ماعملتش حاجة هي اللي قلت أدبها

فصرخ فيها مقاطعاً بجبروت..

اخرسي.. أنتِ إيه؟ هتكدبي كمان.

نظرت إليه بتحد رغم انكسارها وعيناها تلمعان ببريق القهر..

وأكدب ليه؟ تهمني في إيه أصلا عشان أكدب عليك؟..

اندفع نحوها كالمحروق وأمسك وجهها بعنف شديد جعلها تشهق ألماُ..

لاه.. لازمن أهمك عشان هبلعك لسانك يا مرت أخوي. هخلي شوفتك ليا رعب.. وأني الكلمة عندي بحساب والنفس بحساب!

دفعها بعنف لتسقط أرضا ثم استدار وخرج مغلقا الباب الحديدي خلفه بقفل حديدي

ليتفاجا عندما....


دفعها بعنف لتسقط أرضا ثم استدار وخرج مغلقا الباب الحديدي خلفه بقفل حديدي

لتفاحا عندما....احس بخبط في ظهره. هنا كانت ملوك قد نزعت الخاتم من يدها بغل وكأنها تخلع قيدا يحرق جلدها وصرخت بانهيار وهي تقذفه بكل قوتها خلفه. ليصطدم الخاتم بظهره الصلب قبل أن يسقط على الأرض.

تجمد عامر في مكانه ودار بجسده ببطء لتجحظ عيناه ينظر إلى الأمانة الملقاة تحت قدميه ثم رفع عينيه إليها بنظرة مرعبة وهو يهمس... بتخلعي الأمانة اللي امنتهالك بترمي خاتم الراوي في التراب؟

انفجرت فيه بصرخة مزقت سكون المكان... مابخدش أمانة ظالم.. الظالم مابيديش أمانات.. الظالم إيده مابتمدش غير بالخناجر... خليهولك بس أعرف إني مش مسامحاك وبدعي عليك ربنا يحرق قلبك في يوم زي ما ظلمتني.. هقف قدامك وبيننا سياج حديد عشان أقولك في وشك إنك ماتستحقش شارة القضاء.. مافيش قاضي ظالم بيتجبي ويتجبر على الخلق.

استمرت في صب غضبها وهي تلهث... أنا اللي طايحة أمال أنت تبقى إيه... منك لله تصدق.. أقسم بالله أنا فرحانة إن أخوك مات وقلبي اتدفن معاه تحت التراب لأننا كنا هنعيش إزاي وسطيكو؟

وتذكرت أختها الحنونة فصرخت بحرقة.... روح يا ابن الراوي.. دعوتي هتلف للسما وتنزل في يوم تقطم ظهرك.. يا قاضي العدل يا كلمة الله في الأرض.. أنا في حياتي ماكرهت حد زي ما بكرهك.. أنت عار.. والله عار.

كانت تقبض على السياج الحديدي بقوة حتى ابيضت مفصل أصابعها فاندفع عامر نحوها كالأسد الجريح ومسك يدها التي تقبض على الحديد بعنف وهو يهمس بفحيح مرعب...

خلصتي؟.. خلصتي سمك اللي بخيتيه؟.. اسمعي بقه يا بنت البندر.. اللسان اللي طال وغلط في الميت قبل الحي ده والله لأجطعهولك.. والضهر اللي فاكرة إنه هينقطم ده اللي شايلك وشايل ولدك من غير ما تطلبي..

ضغط على يدها أكثر وقال بوجع مكتوم أخفاه خلف قسوته...

بتجولي عار؟ العار الحجيجي هو إنك مش شايفة الراجل اللي وجف جدام أهله وعاداته ادهولك عشان يحميكي من لسانهم وتبقي منصانه .. والخاتم اللي رميتيه ده كان السور اللي هيمنع أي حد يجرب منك.. بس أنتِ اخترتي الغابة وخلاص.. من النهاردة ملوش وجود الأمان. وعامر الظالم اللي بتدعي عليه هو اللي هيعرفك يعني إيه جبروت بجد.. وماسمعش حسك واصل لأن كل كلمة جولتيها حسابها هيكون عسير.. وعمر ولد أخوي هيفضل اهنه وأنتِ معاه.. .

صرخت نظرة عينيه الغائرة بالوجع والغضب الأعمى.

نظرت إليه ملوك بعينين تلمعان بنار القهر ولم ترتجف أمام فحيحه بل اقتربت من وجهه أكثر وهي تقبض على السياج الحديدي حتى كادت عظامها تبرز وقالت بصوت بترَ جبروته في لحظة....

خلصت أنت؟.. خلصت الوهم اللي عايش فيه؟.. بتقولي شايلني وشايل ولدي؟.. أنت مش شايلنا يا عامر أنت كاسرنا.. والضهر اللي بتتباهى بيه ده الضهر اللي انحنى للظلم قبل ما يحميني.. والسان اللي عايز تقطعه ده لسان الحق اللي وجعك عشان كشف عورتك قدام نفسك.

ضحكت بمرارة وقالت بكلمات كأنها رصاصات تخترق صدره...

بتقول وقفت قدام أهلك عشاني؟.. أنت وقفت قدامهم عشان منظرك.. عشان سلطان الراوي اللي خايف عليه يتفضح مش عشان سواد عيوني.. والخاتم اللي بتقول عليه سور؟.. ده كان طوق عبودية وأنا حرة.. حرة بكرامتي اللي مابعتش فيها يوم.. أما عن عمر. فالولد ده لو كبر ولقى نفسه ابنك في الطبع هكون أنا أول واحدة تتمنى إنه ما كانش اتولد.. لأن العار مش في الاسم العار في القلب اللي بيقسى على الضعيف ويفتكر نفسه إله.

ثم بصقت كلمات الأجهز على ما تبقى من صموده:

وعامر الظالم اللي بتهددني بيه؟.. أنا مش خايفة منه.. لأن اللي ذاق الموت في غيبة أهله مابيخافش من خيال مآتة زيك.. أنت مش قاضي أنت جلاد لابس توب قاضي.. ويوم ما تقف قدام قاضي السماء وقتها بس هتعرف إن كل الخناجر اللي طعنتني بيها كانت في الحقيقة بتدبح في شرفك أنت.. مش فيا أنا...

اقتربت ورفعت اصبعها بقرف....

واعرف اني مش مستنياك تفتحلي ويوم ماتفتحلي اتمني أكون ميته يابن الراوي.. بس وقت ما خرج أعرف أن نهايتك بحياتي حلت. قرار وخدته انت ماتستاهلش حتي يبص عليك .. إستني خرجتي يابن الراوي واستدارت واعطته ظهرها.

صمت عامر تماما وسكنت ملامحه في ذهول وكأن لسانها قد شل قدرته على الرد وظل يحدق فيها وهو يشعر لأول مرة بصغر حجمه أمام شموخ هذه المرأة التي حطمت كبرياءه بكلمات لم يستطع أمامها دفعا. استدار مبتعدا علي الفور بعيدا عنها.

جلست ملوك وحدها في الظلام تشعر بقهر يمزق أحشاءها فهو لم يكلف نفسه عناء سؤالها وصدق الاتهامات دون تحقق.. قامت مقهورة تحاول أن تجد أي وسيلة للخروج ولكن دون جدوى فصرخت بعلو صوتها صرخة هزت أركان المكان لعلها تخرج بعضاً من قهر قلبها..

خرج عامر من الغرفة هائجا ووقف بالخارج لم يعلم لماذا يغلي بداخله بهذا الشكل.. اندفع يبتعد بخطواته ليتوقف فجأة عندما دوى صراخها في المكان.. أحس بقدميه مكبلتين تمنعانه من الرحيل وتركها يشعر بغضب عارم لأنها تناطحه ولا تنكسر ولكن هناك شيء غامض يشده إليها ويجعله عاجزا عن التمادي في إيذائها.. صرخ في نفسه بقسوة..

ماتغور.. هيا لازم تتربى..

أجبر نفسه على التحرك وتركها خلفه ورحل..

في الدار أتت فؤادة مسرعة ولم تجد ملوك فهتفت نجوان بقلق..

إيه حوصل فين ملوك عملتوا فيها إيه؟..

زغدت مها أختها ندى لتصمت فاندفعت ندى تدعي المظلومية..

بهدلتني يا مرت عمي والله.. حتى شوفي..

ردت عليها نجوان بحق لم تستطع كتمانه..

ما إنتِ اللي جليتي أدبك وجولتِ عليها كلام واغش..

نظرت إليها مها بغيظ وحنق..

أكده يا نجوان؟ بتجفي جنب البندرية جدامنا؟..

صرخت نجوان وهي متمسكة برأيها..

إني بجول الحج.. وبجف عند الحج..

هتفت فؤادة بنبرة لائمة وهي تنظر إليهن بضيق..

إنتو برضك بتنكشوا عالخراب مش إني حذرتكم وإلا هو خلاص يا سعدات عيالك فلتو.. عموما هنشوف إني هتصرف فيكو ماهتكماوش اكده. .. وهيا فين دلوك؟..

كادت مها أن تنطق بالحقيقة وتقول جه عامر وخدها ولكن ندي زغدتها بقوة وهتفت بسرعة..

جالت إنها طلعت فوج تعبانة وهتنام جنب خيتها ..

تنهدت فؤادة بتعب وهي تحاول تهدئة الأجواء المشحونة..

أجول إيه ماتتلموا بقه.. مش كل يوم حرايج في البيت ده..

ردت نجوان وهي تحاول صرف أمها عن الأمر..

خلاص يامه اهدي.. روحي إنتِ لعمر

وإني حبة أكده هطلع أشوفها تكون ارتاحت..

---

في الأعلى كانت مليكة تنتظر عودة أختها ملوك بفارغ الصبر ومع مرور الوقت ازداد قلقها.. تحاملت على ألم قدمها وقامت تتسند على الحائط بضعف. خرجت لتجد الرواق خالياً تماماً.. لم تكن تعرف كيف ستنزل الدرج وهي في هذه الحالة، لكن لهفتها على أختها كانت أقوى من ألمها.. مشت بصعوبة بالغة.

وفي تلك اللحظة فتح عمار باب غرفته ليجدها تترنح وتتجه نحو السلم بحالتها تلك.. اندفع نحوها بسرعة وأمسكها قبل أن تسقط فانتفضت بين يديه كالعصفور المذعور ليرد بنبرة حاول أن يجعلها هادئة..

اهدي.. مافيش حاجة..

تذكرت مليكة على الفور صراخه في وجهها منذ قليل وكيف وبخها ونعتها بقلة الحياء لأنها كانت تقف بشعرها فانكمشت على نفسها من الخوف..

همست ببعض الحدة وهي تحاول جاهدة أن تبدو قوية أمام جبروته..

من فضلك تفضل أنت بلاش تزعج نفسك..

إلا أنه لم يتحرك وظل كحائط سد يقف أمام السلم يراقب محاولاتها الفاشلة..

تنهدت بغلب وهي تنتظر منه أن يفسح لها الطريق لكنه تحرك ليقف أمامها مباشرة فبهتت وتملكتها حالة من الخوف جعلتها تنكمش على نفسها كعصفور صغير.. زفر عمار بضيق وهو يستغفر ربه بصوت مسموع..

استغفر الله..

دمعت عيونها من فرط الضغط النفسي الذي تعيشه منذ وصولها وهمست بتوسل..

ابعد.. أنا ماعملتلكش حاجة والنبي..

اقترب منها أكثر ومسكها من ذراعها برفق لم تعتده منه..

ماهتعرفيش تنزلي برجلك أكده.. هتجعي..

هتفت بطفولية وعناد محاولة الإفلات منه..

لا هعرف.. ابعد بقه الله.

اقترب وشدها إليه لتصطدم بصدره فوضعت يدها عليه وهي ترتجف بشكل ملحوظ.. مسك وجهها بيده ورفعه إليه لتنظر في عينيه مباشرة وهتف بنبرة آمرة لا تقبل الجدال..

عمار لما يجول كلمة يتجال قدامها حاضر وطيب.. مفهوم؟..

خافت من نبرته وهزت رأسها بسرعة فهتف وهو يلاحظ رعبها المستمر..

وبطلي تنكمشي أكده.. جولت..

ظهرت اختلاجات على وجهها وهي تحاول كتم أنفاسها حتى لا تنفجر في البكاء أمامه.. لم يحتمل عمار منظرها الطفولي الضعيف.

لتعلو شهقتها عندما انحنى فجأة وحملها بين ذراعيه فتعلق يدها تلقائيا حول رقبته من الصدمة..

إيه.. إيه.. نزلني..

رفعها أكثر وأطبق عليها في أحضانه وهو يهتف بصرامة أخفت خلفها اضطرابا داخليا..

اكتمي.. ماسمعش نفسك..

فانكمشت في أحضانه من فرط الخجل والخوف ونزل بها الدرج بخطوات ثابتة..

كانت فؤادة تجلس ومعها نجوان في الأسفل وقد مر أكثر من ساعتين على خروج عامر وهي تجلس تهدهد الصغير عمر وتغني له بحنان..

يا جلب ستك يا حليلة.. حبيب ستك يا حليلة..نورت الدار يا حليله..

كانت سعيدة في عالمها الصغير لكنها رفعت وجهها لتتجمد ملامحها وتفتح عينيها في دهشة عارمة.. أبصرت عمار وهو ينزل الدرج حاملا مليكة وهي منكمشة في أحضانه كأنها جزء منه.. ظلت تطرف بعينيها وهي لا تكاد تصدق ما تراه..

إيه ده.. فيه ايه.. الواد شايل البت إزاي؟.. ده عمار ولد.. ! هو فيه إيه؟ العيال اتلبست؟..

هتفت نجوان بذهول وهي تهمس لأمها..

إنتِ شايفة اللي أنا شايفاه يامه؟..

وصل عمار إلى حيث تجلس أمه، وانحنى بهدوء ليضع مليكة بجوارها بينما ظلت أمه تراقبه في صمت مريب..

استدار عمار ليغادر فهمست مليكة بصوت خافت جداً..

متشكرة..

استدار ليخرج لكنه توقف فجأة وكأن تذكر شيئا ما وقال بلهجة جافة أخفت قلقه..

هاتي مرهم وادهني رجلك عشان الورم يمشي..

هتفت أمه بلهفة وهي تتفحص الفتاة..

إيه يا بنتي رجلك مالها؟..

.

تنهدت مليكة بألم وهي تحاول إخفاء وجعها..

مافيش.. اتلوت بس..

هتفت فؤادة محاولة طمأنتها..

طب هتبقي كويسة بس ارتاحي..

تدخل عمار بنبرة آمرة وهو يوجه حديثه لأمه..

ادهنلها يامه رجلها عشان تخف بسرعة..

قطبت فؤادة حاجبيها وهي تنظر حولها..

مافيش يا ولدي مرهم اهنه.. الواد محمود في مشوار أما يرجع هبعته..

فاجأها عمار برد فعله السريع والحاسم..

لا تبعتيه ولا طين.. هيتأخر واصل هروح أجيب إني..وارفعيلها رجليها من الأرض.

هتفت فؤادة وهي تراقبه بنظرات ذات مغزى..

كتر خيرك يا ولدي.. ده مليكة ينجابلها الحلو كله البت كيف الجطة وجمر يا فرحة اللي هينسعد بيها..

انحنت مليكة برأسها خجلا من كلمات فؤادة بينما اشتعل عمار غضبا وهتف بحدة..

بلا ياخد بلا يطين.. إني رايح أجيب الزفت.

هنا قررت فؤادة أن تزيد من اشتعال الموقف بخبث شديد..

لاه ماتروحش.. ده أدهم ابن عمك جه من السفر من بره هنادم عليه يشوف رجلها..

توقف عمار فجأة وكأن صاعقة أصابته استشاط غضبا حين ذكرت والدته اسم أدهم ورفض تماما فكرة أن يلمس رجل آخر مليكة حتى لو كان طبيبا ثم استدار وعاد نحو مليكة ومد يده من سكات وحملها فجأة بين ذراعيه لتعلو شهقتها من جديد..

هتفت فؤادة وهي تتصنع الدهشة..

فيه إيه؟..

هتف عمار بغيرة واضحة وصوت جهوري وهو يتجه بها نحو الباب..

هاخدها الصيدلية الدكتورة تشوفها وتكتبلها حاجة.. بلا أدهم بلا زفت..

وهتف بغيرة عمياء..

ومابحبش راجل يحسس على مرة إني..

هتفت فؤادة بدهشة من حالته..

أنت محبول ده دكتور.. حط البت.

رد عمار بإصرار وهو يحملها..

أما بجول هروح للدكتورة..

حاولت فؤادة سحب مليكة من يده وهي تلح عليه..

يا واد هجيب أدهم.. هو دكتور أشطر من الدكتورة..

شدد عمار قبضته على مليكة وابتعد بها وعندما حاولت أمه سحبها مرة أخرى كادت الفتاة أن تسقط فاحتضم خصرها بيديه بقوة وهتف بحزم..

جولت لاه يعني لاه هيا دكتورة وإلا ماحدش هيكشف رجلها.. ده مرار إيه ده؟.. أوعي.. ناجصين الحزين يجي يحسس قدامنا.. أوعي بلا مسخرة.

همست مليكة برعب من نبرته..

نزلني.. عايزة طنط تجيب هيا..

صرخ فيها عمار بانفعال..

اكتمي بلا.. تجيب بلا.. تهبب.

حملها وخرج بها، بينما وقفت أمه مذهولة.. اقتربت نجوان منها وهي لا تصدق عينيها..

أمه.. هو عمار عجله خف؟ دكتورة إيه اللي رايح ليها؟ دانا لو مصاريني قدامي شبرين مابيبصش حتى.

بينما وقفت فواده ابتسامتها تتسع بزياده وتحضن الصغير... يا مجيب الهنا والسعد وعادت تغني له بسعاده.

وصل عمار إلى الصيدلية أجلس مليكة ونادى الطبيبة وعندما حاول طبيب يدعى الاقتراب للمساعدة وقف عمار كحائط سد يحجب عنه الرؤية.. إلا أن طلبت الطبيبة مساعدة زميلها فاقترب الدكتور وبدأ يمسد على قدم مليكة وهو يسألها بابتسامة..

حاسة بإيه؟..

همست بخجل..

اتلوت بس.. وبتوجعني شوية..

رد الطبيب بظرافة..

* معاش اللي يوجع الجمر..

عندها فقد عمار سيطرته تماما شد يد الطبيب بعنف وأنزل ملابس مليكة ليغطي قدمها وهو يزأر..

خلاص خلاص كشفت.. أدينا بقى الدوا عشان نغور من هنا.

نظر إليه الطبيب بدهشة وهو يحرك رأسه يمينا ويسارا، ثم قام ليبحث عن الأدوية وأعطاها لعمار.

اقترب عمار مرة أخرى وحمل مليكة بين ذراعيه ليهم بالخروج لكن الطبيب استوقفه بسؤال... جريبتكم دي؟.

تجمد عمار في مكانه وهتف بحدة... أنت مالك يا دكتور؟ جريبتنا ولا مش جريبتنا بتسأل ليه؟.

رد الطبيب بإعجاب... شكلها مش من البلد.. بلدنا ما بتجيبش الجمال ده.

اشتعل عمار غيظا وهدد بصوت منخفض وخطير... طب جصر بقى عشان أوريك بلدنا بتجيب إيه.

ترك عمار المكان وهو يغلي ووضع مليكة في العربة ووقف

خرجت الدكتورة من الصيدلية لتسأل عمار بنبرة عاديه... هي مخطوبة؟.

في تلك اللحظة أحس عمار بقلبه سينفلق من الغيظ والغيرة وهتف بحدة... وأنتِ مالك بتسألي ليه؟.

ردت الدكتورة محاولة توضيح الأمر... أصلها عجبت الدكتور إبراهيم ويعني بيسأل وعايز يجي البيت و...

لم تكمن كلمتها حتى قاطعها عمار بصوت كالرعد وهو يشتعل غضبا... جولي لإبراهيم بتاعك ده لو لمحته في دارنا هشيل راسه من على رجبته.. ده واجف يكشف والا يعاين ويتميلح؟.

ركب العربه ثم انطلق بها بسرعة جنونية. وفجأة كبح جماح السيارة ونظر إليها بغضب شديد ثم أمسك يدها بقوة

فلم يعد يرى أمامه سوى صورة الطبيب وهو يلمس قدمها ويتغزل بجمالها. أطبق بيده على يد مليكة داخل السيارة بقوة جعلتها تتأوه ونظر إليها بعيون يملؤها الغضب الجارف وهتف بصوت مخنوق من الغيرة...

آخر مرة تتبسمي لحد قدامي.. فاهمة؟

إنتِ مبسوطة بكلمه؟ ولا عجبك إنه عمال يحسس على رجلك ويقولك يا قمر؟

ارتجفت مليكة من هيئته وحاولت سحب يدها وهي تهمس بخوف...

أنا مابتبسمتش.. هو اللي كان بيتكلم، وبعدين ده دكتور عيب كده

صك عمار على أسنانه وهو ينطلق بالعربة بجنون والشرر يتطاير من عينيه..

*دكتور في عينك ده كان ناجص ياخدك في حضنه وإنتِ جاعدة مبسمة له.. عمار لما يجول كلمة تتسمع.. ملمحش طيف ضحكة على وشك لراجل وإلا والله يا لهتشوفي وش تاني مش هيعجبك واصل.

ساد الصمت الثقيل داخل السيارة ولم يقطعه إلا صوت أنفاس عمار بينما انكمشت مليكة في مقعدها وهي تشعر أن القادم مع هذا الرجل سيكون أصعب مما تخيلت.

عادت مليكة مع عمار إلى الدار وهي في حالة ذهول من تصرفاته بينما كانت فؤادة لا تزال غارقة في تساؤلاتها..

فجأة سألت مليكة بلهفة..

أمال ملوك فين يا طنط؟..

بهتت فؤادة وردت باستغراب..

فين إيه يا بنتي؟ ما هي طلعت ليكي فوق..

مليكة بخوف..

فوق فين ماطلعتش.. أختي فين؟..

دخل عامر في تلك اللحظة وتفكيره لا يزال معلقا بملوك التي تركها وحيدة ليسمع نجوان وهي تقول..

ما هي طلعت يا خيتي ليكي.. البنات جالوا إنها طلعت فوج بعد العركة..

قطب عامر حاجبيه وسأل بوجوم..

مين اللي طلع فوج؟ بتجولي إيه أنتِ؟..

هتفت نجوان موضحة لعامر حقيقة ما حدث في غيابه...

ملك اتعاركت مع ندى لما جلت أدبها عليها وقالت كلام سو (سيء).. رحت أجيب أمي قالوا إنها طلعت فوج.

عندها توقف قلب عامر من الصدمة والندم وسأل بوجوم وهو ينظر لمليكة...

بتقولي إيه؟

همست مليكة والدموع في عينيها وهي ترتجف...

واحدة جت شتمتني وبهدلتني وقالت لي خطافة رجالة.. وأنا ماعملتش حاجة. وملك نزلت أكيد تشوفهم... أختي فين آنتو موتو أختي وانفجرت بالبكاء..

في تلك اللحظة تجمدت الدماء في عروق عامر وهو يدرك أن ملوك كانت تحمي أختها بينما قام هو بمعاقبتها وحبسها في البناية الزراعية بناءً على افتراءات ندى.

عامر أدرك برعب الحقيقة الصادمة ملوك لم تكن المعتدية بل كانت تحمي مليكة من بنات عمه..

توقف قلب عامر وشعر بمدى ظلمه وخطأه الجسيم..شعر بوجع وفوقه رهبه حقيقية تذكر كلمتها...

إستني خرجتي يابن الراوي...

اندفع كالمجنون ومليكه تصرخ وأمه تنادي وهو ليس هنا كان قلبه هناك خلف السياح والذعر يميح بقلبه...

ركب فرسه وانطلق كالمجنون نحو البناية الزراعية.. نزل مسرعاً وفتح الباب بقوة ليرتعب ويشعر بقلبه قد اتفلق تصفين عندما ..

•تابع الفصل التالي "رواية في قبضة اولاد الراوي" اضغط على اسم الرواية

تعليقات