رواية عطر الخيانة الفصل السابع عشر 17 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل السابع عشر 17 - بقلم داليا الكومي


الطريق للعذاب ..

الوصول للهدف يحتاج للمثابرة والصبر وحتى لاستخدام الطرق الملتوية ففي الحرب تستطيع استخدام  كل الامتيازات المتاحة ومع قدر لا يستهان به من الخسة ستصل,, النصر قريب ويتبقى فقط القليل ..

الجميع يعتقد هدى ذكية وخبيثة لكن الفضل الأوحد يعود له ولذكائه ولتخطيطه المتقن ..

- هل ارسلت عواد للعاصمة كما امرتك ..؟

- نعم يا حاج ,, وسيقضي هناك يومين كاملين ..

- هذه الفرصة التي ننتظرها منذ زمن ..

- وهل أنت واثق من أن ولد ابو اسماعيل سيذهب لزوجة عواد ثم انها قد تذهب لمنزل أسرتها كى لا تبقى وحيدة فلا طفل لها يؤنس وحدتها..؟؟

وامسك بشعر ذقنه يفتله بتفكير ..

- ربما لن يفعل لكن سيكون علينا حثه على الذهاب فبعدما اخلينا له الجو وهيئنا لهما الرذيلة لن يتم المراد وتذهب جهودنا هباءً؟؟ .. جد طريقه وارسله لسهيرقبلما تغادر لمنزل عائلتها فلابد أن يمسكا بالجرم المشهود اليوم قبل المجلس .. يجب أن نضغط على غالب بكل الطرق ..

- اشعر بتوتر رهيب ولا اريد أن اتعلق بحبال الأمل المتهتكة ..

- تعلق يا ولدي وتشبث فيها بكل قوتك فقد اقتربنا جدًا يا ماهر وستكون أنت الشيخ كما وعدتك ..

- لكن اللعين ما زال يعافر,, هل تعتقد أنه سيعيد المجلس حقًا يا أبي ..؟؟

- هو خاسر في كلتا الحالتين لو اعاده سيؤنب نفسه ولن يحتمل فمبادئه السامية لن تحتمل القتل العرفي الذي سيتم بأمره وسيترك المكان طواعية بعدما نفضح ولد ابو اسماعيل اليوم ونكشف خيانته وعلاقته بسهير زوجة عواد وسيكون عليه الحكم بقتلهما رجمًا كما هو العرف لذلك سيترك المكان لأنه لن يحتمل هذا ,, وبعدما تنحى معتصم ستكون أنت المنشود ولو تزوج هدى سيموت قهرًا عندما تتركه زبيدة جميعنا نعلم كم يعشقها .. اعاده أم لم يعيده سندمره بالبطيء وستتمكن أنت من الحكم ..

- داهية أنت يا والدي .. كنت أنت أكثر من تستحق المكان ..

- حينما حرمت منه خططت لسنوات لاستعادته حتى ولو من خلالك  سنحكم بالحديد والنار وقريبًا جدًا فلا يساورك الشك في هذا أبدًا ..

                                                                     **

لا تعلم كيف اجتازت المسافة للأسفل وربما كان القفز خلفه هو الطريق الاقرب للاطمئنان عليه في التو واللحظة لكن التعقل ضربها فكيف ستساعده وهي مصابة مثله وأيضًا حماية لجنينها الذي هو قطعة منه ومنها فقفزت على الدرج وهرعت للحديقة حيث سقط وكان سبقها للمكان كل حاشيته واتصل بعضهم بالإسعاف بالفعل ..

الألم الذي اختبرته منذ لحظة سقوطه لا يوصف .. وكأن قلبها هو الذي سقط وارتطم بالأرض مسببًا لها صدمة عصبية حادة والم جسدي محسوس واخترقت الرجال لتصل إليه .. الحمد لله كان واعيًا ويتحدث فصاحت بانهيار:

- أدهم والقت بنفسها عليه ..

واحتواها بحنان غامر .. لو كانت حياته هي الثمن ليرى مثل هذه اللهفة في عينيها فسيدفعها راضيًا .. وتحمل الم لا يطاق وهو يضمها إليه ..

لقد تلقى الصدمة بالكامل على ذراعه اليمنى وربما كسرها .. من حسن حظه أنه تمكن من تفادى صدم رأسه..

- هبة اقسم بالله أنا لم اكن المسها أنا فقط كنت اسندها لأنها كانت على وشك فقدان الوعي وتأكدي من الجميع في المنزل لقد طلبوا لها اسعاف ورحلت فيه ..

واسكتته بتربيته حانية على كفه..

- لاحقًا أدهم المهم الآن أن اتأكد أنك بخير ..

- الآن اصبحت بخير ..

الحمد لله هبة ستتفهم أخيرًا حتى ولو كان الثمن الحادث الذي حدث له وتأملها بحب وحينما انتبه لحالة شعرها زمجر بغضب ..

- هبة أين حجابكِ ..؟؟

ووضعت كفها على شعرها بصدمة .. من لهفتها خرجت ركضًا من الغرفة ولم تنتبه لحالة ملابسها ومن حسن حظها أن الصدمة جعلتها تشعر بالبرد فلفت نفسها بروب قبل محاولته اقتحام غرفتها وإلا لكانت خرجت بملابس شفافة ..

- سامحني حبيبي,, لهفتي عليك لم تترك مجالًا لأي شيء اخر ..

الحل الوحيد  أمامه  كان قميصه .. فخلعه وهو يتحمل الم رهيب ووضعه على شعرها ليخفيه عن الرجال الذين تجمعوا قربه في انتظار الاسعاف وتظاهروا بأنهم لا يرون ما يحدث لاعفائهما من الحرج  ..

وخفق قلبها بعنف .. يشعر بالغيرة عليها وخلع قميصه ليلفها به وهو مصاب .. انه الحب بكل تفاصيله الصغيرة التي تشعل القلب ..

وتأوه قليلًا وهو يخفي عنها المه حينما ضمت نفسها اكثر إليه فالحركة أصبحت تسبب المًا لا يحتمل ..

فنظرت إليه برعب وقفزت للخلف:

- أدهم هل تأذيت ؟؟

- ربما كسرت ذراعي ..

واخر ما كان يتوقعه أن يري الدموع في عينيها لأجله .. السقوط رائع اذًا ..

وتحامل وحاول أن يجذبها له مجددًا لكنه لم يستطع مد ذراعه من شدة الألم وحينما فشل ابتسم بألم ليقول:

- ها قد كُسرت ذراعي التي ابكتكِ جميلتي .. في الواقع استحق ذلك طالما تسببت في احضار الدموع لأجمل عينين على وجه الأرض ..

                                             **

- لا يكفي هذا غسان,, انهي طبقك .. هذه لا تصلح لتكون أكلة رجل في عمرك ..

- سلمت يداكِ يا ست الكل.. الفطير حقًا رائع ورائحته شهية لكن لا استطيع الاكثار منه .. قطعة صغيرة تكفي وتزيد لأنه دسم للغاية وصنع بحرفية ,, أنه اجمل فطير تذوقته ..

 - اذًا سيكون عليك مدح زوجتك فهي التي صنعته اليوم ولا تحزني أكثر بحديثك هذا .. أنت تعودت يا ولدى على الفطور الخواجاتى,, والدك في سنك كان يأكل عدة فطائر على الفطور بمفرده ..

وقهقه غسان بمرح..

- بالهنا عليه يا أمي فوالدي لطالما كان أسدًا لكن أنا تعودت على الأكل الصحي وممارسة الرياضة ..

- ستعتاد يا ولدي علي عاداتنا مجددًا فالزوجة المصرية ستعيد غرس جذورك في تربتنا وستأكل الفطير بدلًا من الحبوب يوميًا كما اعتدت هناك في الغربة .. اهم شيء أنك عدت لحضني والبقية تأتي تباعًا .. بالمناسبة ماذا تفضل للغذاء اليوم ...؟

بط محشي بالمرتة أم لحم ضآن في الخضار ...؟؟

لا يكفي هذا .. سيزداد وزنه وسيصبح بحجم الفيل إن بقى لوالدته لتزغطه هكذا ناهيك عن ترسب الدهون في أوعيته الدموية والحق يقال الطعام مغري ويغريه ويكون ضعيفًا أمامه كضعفه أمام كل شهواته .. ثم عليه قطع دائرة زواجه من أساسها .. الانفصال عن العائلة سيكون خطوة تمهيدية للطلاق بعدما يرتب أموره ..

- سنرحل اليوم للقاهرة ..

وكانت جملته مثيرة للشجن .. لم يفرحوا بعودته بعد  ليعلن الرحيل مجددًا ..

- غسان ولدي ابقوا معنا قليلًا بعد ..

- حياتي الجديدة بحاجة لترتيب يا والدي .. سأرتب افتتاح مركزي الخاص لجراحات التجميل وامر مدرسة إياد,, أنت تعلم جميع المدارس تحجز من الصف السابق ونحن تأخرنا كثيرًا وغدًا لدى موعد مع سمسار لمعاينة مركز فاخر خاص  بجراحات التجميل والسمنة هاجر صاحبه قبل افتتاحه  وكأن الصدف ابدلت بيننا بالإضافة آريام بحاجة لزيارة أهلها .. طالت غيبتها هنا ..

- عداك العيب يا ولدي .. لكننا سنفتقدكم ..

- اعدك يا والدي سأرتب الأمور وسنعود في اقرب وقت ..

- طالما أنت داخل أرض الوطن فستبرد ناري كثيرًا وسأكون مطمئنة عليكما أنت وإياد طالما آريام تعتنى بكما ..

من يعتني بمن ؟؟

الرحيل للقاهرة بداية أم نهاية ..؟؟

 فصل جديد يضاف لقصتهما وحبكة اخرى تحتاج لصياغة متقنة ..

أن يغلق عليهما باب .. مدخل كبير للشيطان ليتسلل منه ويعبث بهما كما شاء لكنها خطوات مرسومة ولا قبل لهما بتغييرها ..

أما هي فحكم عليها بالعذاب .. اقامتها في الصعيد اكتشفت انها كانت منحة وطريق لبدء حياة جديدة,, القاهرة تعيد لها كل الماضي بألمه وبقذارته وشقته تعيد لها اهانتها ورعبها ..

الأيام السعيدة معدودة ولها نهاية وأيام العذاب مفتوحة بلا نهاية لكن رحمة الله وسعت كل شيء..

                                           **

صرخت بصوت مخيف :

- حسام !!!!

فتخشب في مكانه " جالك الموت يا تارك الصلاة " ..

والدة سلمى ستفقأ  عينيه الآن على ما فعله ..

واستدار على الفور والتقط كفها ليقبلها باعتذار ..

- لا تغضبي مني يا أمي .. لكن اقسم لكِ لم يكن هناك أي حل اخر ..

هذا الشاب يلعب في وتار قلبها .. تحبه عليى الرغم من كل عيوبه .. في الواقع هو كتلة عيوب وذنوب متحركة بلا أي ميزة سوى قلبه المحب واستعداده لطلب المغفرة والتوبة .. صحيح هو يخطأ مجددًا وبصورة أكبر لكن لا يصر على الخطأ ويطلب التوبة ..

- لا تعتقد يا حسام اني راضية عن فعلتك .. لكن ما حدث لسلمى مع زوج مريض نفسي شاذ جعلها تخشي الحياة وأكثر ما كان يخيفني هو أن تغلق على نفسها صومعة وتخشى خوض أي تجربة جديدة وهذا كان سيكون رد فعل مناسب جدًا لما مرت به فمن المستحيل أن تسلم طواعية لرجل اخر ..
- ارجوكِ لا اريد أن اعلم ماذا كان يفعل بها والا سأذهب لقبره واقتله مجددًا.. واقسم لكِ أنا لم أؤذيها بأي شكل أو المسها خلال الليلة السابقة وكنت اكيدًا من عدم جدوى محاولت  للتقرب منها بصورة سلمية ووجدت أن العمر يضيع من بين يدينا وسأتحمل كامل وزري وسأتوب عنه لكنىي اعلم أن الله لن يعاقبن فليس علي ىالمجنون حرج ..

- ثق  يا حسام أنها فرصتك الأخيرة ولو اذيتها مجددًا فستخسرها هذه المرة للأبد حقًا .. سلمى لم تعد حمل خيبات ولا تجارب .. أنت صحيح أهوج , أحمق  ومندفع لكنك تعشقها وهذا ما تحتاجه سلمى حاليًا لذلك تغاضيت عن فعلتك الخرقاء .. سلمى تحتاج للحب وللجنون لكن اذكرك هذه فرصتك الأخيرة ..

- شكرًا لكِ لدعمكِ وتفهمكِ ..

المجنون قد يفهمها خطىء ويزيد من جرعة جنونه ليخرج سلمى من حالتها.. لا هذا يكفي عليه أن يعقل .. فخشنت صوتها:

- حسام أنا صحيح احبك وهذا ما يجعلنى اغفر لك تهورك  لكنى لن احبك أكثر من ابنتي ..احذر من حرق قلبها مجددًا وإلا سترى وجهي الاخر ..

تعقل كثيرًا وركز فيما تفعله وتوقف عن التصرفات الصبيانية اكتفينا من الجنون وقام بدوره على أكمل وجه   لذلك اظهر من الآن وصاعدًا الحب فقط .. وتأكد سلمى لن تمرر ما فعلته عل خير وستسود حياتك فتحمل ..

- أنا عليى استعداد لتحمل أي شىء طالما ستصبح زوجتي وسأجعلها تسامحني ..

ها قد حضر المأذون اقنعيها بارتداء الفستان الأبيض واعدكِ لن تندمي على مساعدتي أبدًا ..

                                          **

- ماذا ستفعل يا راضي ..؟؟

- صدقًا لا اعلم ليال,, لكنى لن اسمح لغالب بالتضحية بنفسه في سبيل معتقدات بائدة ..

وغمز بعينه وهو يقول..

- ربما سيكون علي أنا الزواج منها لأجل شقيقتكِ ..

ومع أنها كانت تعلم أنه يغيظها عن عمد ويمزح لكنها شعرت بنار حارقة ..

لكما الله يا شيرويت ويا زبيدة لما شعرتما به من الم الغيرة الحارق ..

أنه كألم شرب الحمض القوى تمامًا ويترك اثارًا حقيقية وجرح لا يلتئم في اعماق الأعماق .. الم قد يدفعها للتصرف بغباء من شدته وبدأت تعطي لمعتصم وشيرويت القليل من العذر لما فعلاه في بعضهما البعض..

نجح في اثارة  غيظها وغيرتها واثارة كل شيء ..

ووجدت نفسها تقول بغيظ ..

- أنا لست زبيدة  يا راضي لأنسحب في هدوء .. سأتركك إن فعلتها ..؟؟ بالتأكيد سأفعل لكن قبلها سأجعلك تندم .. خراب قلبي ثمنه كبيرًا جدًا واحذر أن تدفعه أنت ..

وعلى الرغم من نبرة الغيظ في صوتها لكنه شعر بالفخر .. وصل للنقطة التي تمناها لسنوات ..

- هكذا اريد أن تكون حبيبتي .. " قوية عنيفة " في الدفاع عن حقها وأنا حقكِ أنتِ ليال .. الحب الذي اكنه لكِ يستحق الحرب صدقيني حبيبتي .. ليت زبيدة تملك قوتكِ لكانت ساعدتنا كثيرًا .. مشكلة غالب أنه مثالي ومن الممكن أن يضحى بنفسه بسهولة في سبيل البشرية ..  ومع استسلام زبيدة سيكون الطريق ميسرًا له للاستسلام هو الاخر ..

- أنا اخشى مما سيحدث في المجلس اليوم .. ارجوك راضي خذني معك ..

قهقه بخبث:

- لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين حبيبتي .. لا اضمن اقتحامكِ للمجلس مجددًا ثم أن منزل شقيقتكِ يخلو منها ولن يكون لائقًا دخولكِ له بدونها .. سأصطحب معتصم معي ونذهب لغالب لنتحدث معه .. صمت معتصم للآن يخفيني واخشى أن يكون استسلم هو الاخر ..

- لا غالب معتصم يغلي من الغضب لكنه لا يشعر بالغضب من غالب بل من الوضع .. هو أكثر من يعلم أن هناك مؤامرة تحاك ضده ولذلك يقدر ما يفعله غالب فهو حمل عنه الوزر والهم ..

- الوضع صعب لن انكر لكن أن يجعل غالب من نفسه كبش الفداء فهذا أمر غير مقبول ..

- والبديل ..؟؟

 - اخبرتكِ اني حقًا لا اعلم لكن مجلس اليوم سيضع النقاط فوق الحروف  .. وصلنا حبيبتي وثقي اني ومعتصم لن نترك النجع يدار بواسطة الأطماع والأحقاد ..

                                         **

الطريق للعذاب ..

الطريق للراحة الأبدية مفروشًا بالشوك والعقبات لكنه هو الطريق الوحيد المتاح حاليًا ولا بديل له لذلك كان كطريق للعذاب وربما تتساقط الذنوب خلاله وعلى نهايته نتطهر.. تمامًا كلعبة الكترونية تتم على مراحل وللآن لم تفتح له سوى المرحلة الأولى وليصل للتالية عليه تخطي المرحلة الأولى بنجاح ..

وجود آريام في منزله كارثة بكل الطرق كان كمن يأوي عقربة سامة في منزله وهو يعلم .. أكثر ما كان يخشاه أن يستميلها ذكر بأمواله فتسلم له وهي ما زالت تنتمى إليه لذلك عليه التعامل بحكمة مع الأمر من خلال بضعة قواعد,, أهمها لا خروج من المنزل مطلقًا ولا اتصال بأي شخص وفي أثناء غيابه كلف فاروق بوضع كاميرات مراقبة في كل المنزل تسجل الأحداث في ذاكراتها والشاشة الوحيدة ستكون بجوار الباب ليعلم من اتى في غيابه على الفور دون الحاجة لتفريغ الكاميرات ..

وقطع الطريق للقاهرة في صمت مطبق .. حتى إياد كان حزينًا لمغادرة النجع بعدما ترك صديقه طلال .. طلال كان الحافز الذى يشجعه على تقبل التغيير الجذري في حياته وحرم منه ..

وراودتها كثيرًا فكرة الهرب والاختفاء عن الوجود .. أن تغادر السيارة في منتصف الطريق وتتوه في الزحام .. أن تلقي نفسها أمام أي  شاحنة لترتاح لكنها لم تواتيها الشجاعة لتفعل ..

وحينما دخلت للشقة مجددًا عادت إليها الذكر حية وكأنها اليوم فقط  وليست ذكري اىلاغتصاب فقط بل ذكرى سقطتها ايضًا,, ففي نفس المجلس جلست تستمع إليه وهو يخبرها عن زواجه وقادها للأعلى و...

- نظفي المنزل بكامله واعدي الطعام الآن على الفور .. تولي الغسيل والكي .. كل شيء ستفعلينه وبنفسكِ وأنا احب المنزل نظيفًا جدًا بزيادة وكل شيء في موضعه.. ستكونين خادمة طوال اقامتكِ هنا .. لا اريد أن اراكِ تجلسين بلا عمل .. اريد الغذاء جاهزًا بعد ساعتين تأخرت عن موعد غذائي اليوم ..

ساعتين تشكر حقًا انك سمحت لي بوقت لتجهيزه .. لكنها كانت تعلم أنه وقت دفع الثمن وفقط كان يفند لها بنود هذا الدفع لتسير عليها كالألة ..

ها قد بدأ العذاب الحقيقي  لتوه وما مضى كان فقط الاستفتاح .. وكلما ضاقت بها السبل رددت " تكفير ذنوب " عذاب الدنيا اهون بكثير من عذاب الاخرة ..

وصمتها وعدم رفضها لما  يقول استفزه بزيادة فامر إياد بأن يذهب  لغرفته وجذبها من معصمها بقسوة..

- لن تنعمي بلحظة واحدة من الراحة .. أم قاسم لن تدخل هذا المنزل طالما أنتِ فيه .. سترفعين السجاد يوميًا وتنفضين عنه التراب وتمسحين تحته  وتلمعين كل الأثاث ثم تنظفين المطبخ وتطهين الطعام بعدما تكوني اهتميتي بالغسيل والكي مع استبدال كل مفروشات الاسرة يوميًا .. وستطبقين هذا البرنامج بحذافيره  " أنا استيقظ في السادسة وستعدين لي عصير طازج لاشربه ثم سأذهب للتريض وحينما اعود في الثامنة اريد أن يكون فطوري جاهز وهو عبارة عن طبق أومليت بالخضروات وفنجان قهوة وشريحة خبز اسمر وبعد نزولي توقظي إياد في التاسعة وتعدين له الفطور مثلي مع استبدال القهوة بالحليب واضافة ثمرة من الفاكهة ثم تعدينه للخروج لناديه الرياضي ففاروق سيقله في العاشرة يوميًا عدا الجمعة وستستقبلينه حين عودته وتتأكدي من سلامته وعدم تعرض أي شخص له  صحيح فاروق لن يتركه لثانية واحدة لكن عليه الشعور باهتمام المنزل أيضًا وبعدها تسمحين له باستخدام الالكترونيات لمدة ساعة  فقط إذا ما نهض في  المنتصف وشرب كوبًا من العصير مع اخذ حبوب الشوفان بالحليب لتصبره حتى موعد الغذاء .. واذا لم يتناول وجبة الظهيرة سيحرم من الالكترونيات ولا تدعيه يجلس الساعة كاملة يجب أن يقطعها في المنتصف هل تفهمين ما اقوله ..؟؟ "

مسكين إياد ينقص أن تحركه بجهاز التحكم عن بعد .. لكن ما باليد حيلة حكم قراقوش واجب التنفيذ ..

وحينما هزت رأسها دفعها بعنف وبعد صمت قليل كان يرتب فيه لستة طلباته عاد ليقول بشراسة:

- وحينما اعود في الرابعة اريد خضروات مطهوة على البخار ولحم مشوي طري  جيد التسوية  مع التنويع يوميًا بين  دجاج ولحم وأنواع الخضروات وطريقة طهوها وإياد لا يسمح له بالاكل الغير صحي سوى يوم واحد في الاسبوع ويمنع تمامًا من أكل الشيكولاته والحلويات إلا ايضًا في يوم واحد يختاره هو .. حذار آريام من التهاون فيما امرتكِ به وخصوصًا فيما يتعلق بإياد وإلا ستندمين ..

- الندم  شق طريقه إلي بالفعل ولا شيء ستفعله سيزيد منه..

- جيد أنكِ تشعرين بالندم فهذا أفضل لكِ كيلا تحاولي التصرف بقذارة مجددًا وتذكري أنتِ لم تختبري غضبي بعد ..

وارتجفت بعنف .. كل هذا ولم تختبر غضبه فكيف سيكون غضبه هذا ..؟؟

                                           **

الالام التي تشعر بها تجعلها متخشبة بالكامل .. حتى حينما كانت تنظف منزلها لم تكن تنظفه بكامله في يوم واحد وتعد الطعام أيضًا ولم يكن حتى بربع حجم منزل غسان في واقعه ..

لكن أخيرًا ستلقي بجسدها المنهك فوق الفراش لتريحه بعض الشيء بعدما نفذت كل طلبات جلادها  القاسية وعرجت من شدة الالم وهي تكاد تزحف لتصل لغرفتها التي سمح لها غسان بالبقاء فيها .. كانت تعلم أنه لولا المظاهر لكان جعلها تقيم في غرفة الخادمة الملحقة بالمطبخ لكنها في النهاية تحسب عليه فترك لها غرفة في الطابق الثاني بفراشين تبدو أقرب لغرفة طفال تصلح للبنات والغرفة التىي وضع فيها إياد تصلح لإقامة الأولاد وهي بالفعل تكون غرفته في الفترة التي كانوا يقيمون فيها في المنزل في السابق ..

واثناء مرورها استمعت لبكاء مكتوم صادر من غرفة إياد .. هل يبكي الصغير ..؟؟

ترددت كثيرًا ثم حسمت امرها .. حتى ولو لم تتحدث معه بشكل مباشراليوم وانشغلت في مسح المنزل وتنظيفه ثم الطهو  لكنه طفل  يبكي ويحرق قلبها أن تشعر بقهره  حتى ولو لم تتحدث معه..

فطرقت الباب ودخلت لتجده يلتف بالغطاء ولا يظهر سوى عينيه وسارع لمسح دموعه على الفور واخفي بكائه عنها..

- تصبح على خير يا صديقي .. لم نتعرف جيدًا اليوم لكن غدًا سنقضي المزيد من الوقت سويًا ..

كانت تعلم أنه سيكون عنيدًا بالتأكيد مثل والده ولن يعترف بالسبب الذي جعله يبكي لكنها علي الأقل ستحاول ..

- أنا آريام وأنت إياد,, هذا اسمك اليس كذلك ..؟؟

 - بلي,, لكن ماذا سيكون علي  مناداتكِ به .. ؟؟ زوجة أبي ..؟؟

زوجة أبي ,, لا لا هذا لقب مريع ..

انتابتها الحيرة ومطت شفتيها لكنها عادت تقول :

- فقط ناديني آريام .. وبما أننا أصبحنا أصدقاء فسيكون عليك اخباري عن سبب بكائك ..

- سأخبرك شرط ألا تخبري أبي كي لا يغضب مني .. أنا اكره البقاء بمفردي .. في الواقع لم اكن هكذا من قبل فقط منذ أن تركتني والدتي اقضي كل الليلة في المنزل بمفردي أصبحت اكره النوم وحيدًا وتنتابني أحلام مخيفة واستيقظ مفزوعًا لأتأكد من انني لست في المنزل بمفردي ..

ماذا ..؟؟ والدته تركته في المنزل وحيدًا طوال الليل ..؟؟ إياد في السادسة تقريبًا .. كيف طاوعها قلبها لتفعل ذلك ؟؟؟ ولولا أنها تعلم عن نية غسان المسبقة لطلاق زوجته لتأكدت من أنه طلقها لهذا السبب ..

- هل أنت خائف حقًا ..؟؟ حسنًا ما رأيك بمشاركتي لغرفتي .. ؟ أنا أيضًا لا اريد النوم وحيدة .. ولدى فراشين في غرفتي سيحتل كل منا واحد منهما ..

- لكنكِ زوجة أبي والمتزوجون ينامون سويًا وسيرفض أبي بقائي في فراشكما كما كان يفعل مع والدتي ..

تلعثمت بإحراج وهي تجيبه  فإياد صدمها بشدة والهمها تفكيرها لرد كانت تأمل أن يبدو مقنعًا له..

- هذا يحدث بعد الزواج بفترة لكن أنا ووالدك تزوجنا منذ فترة قصيرة فقط لذلك سينام كل منا في غرفته حتى نعتاد علي بعضنا البعض ..

 - حقًا لن يعترض أبي .. ؟؟

- لا لن يعترض ..

ودبت الحيوية فيه ونهض من الفراش وركل الغطاء بقدمه وتعلق في رقبتها في حركة صدمتها ..

وتجاوزت صدمتها وضمته .. كان جسده دافئًا ويرتعش ونقل الذبذبة لها فشعرت بالقشعريرة ..

- إذًا هيا بنا ..

وحملته لغرفتها ووضعته في الفراش وغطته جيدًا واستخدمت هي الفراش الأخر .. ربما طوال حياتها لم تكن مفيدة لأي أحد بل وكانت مصدرًا للشقاء لكل عائلتها  وربما ارسل الله لها إياد لتشعر بأهميتها .. فالاهتمام بالأخرين يمنح سلامًا ويغطي على رثاء النفس  ..

                                          **

" نام يا روحي نام "..

الجو مريح ويشجع على النوم ورائحة نور منعشة بعدما اخذ حمامه اليومي ورضع وجلست به في الحديقة قبيل الغروب لتعرضه لفيتامين ( د ) طبيعي من الشمس فشعرت هي شخصيًا بالاسترخاء لدرجة انها لم تشعر باقتراب ياسين منها من الخلف وهو يعرج مستندًا على عصاه ويقترب معتمدًا على حاسة السمع لحيث تجلس جلستها الشاعرية مع نور ويتنصت على ما تقوله له ..

كان يشعر بالغيرة .. فعلًا كان يشعر بالغيرة من نور .. من اهتمامها به ومن حبها له .. ليته يعود رضيعًا لتضمه بحب هكذا ..

مشاعر مهلكه تمزقه .. ويشعر بلهفة لضمه وضمها .. يريد استعادة حياته واستعادة شيماء لكن ذنبه أكبر من الغفران ..

كان يتخيل ماذا سيفعل لو كانت شيماء هي من خانت لذلك كان يستبعد أي احتماليه منها للصفح فهو كان سيقتل بلا تردد ..

الصفح وارد في أي شيء إلا في الخيانة ..

واكمل اقترابه ودفن أنفه في رقبتها من الخلف فتخشبت لثوان قليلة ثم قفزت تصيح بألم :

- ابتعد فانفاسك تحمل عطرًا لا يطاق  .. تحمل عطر الخيانة ..

ومع أنها وعدته بعودتها لفراشه لكنها لم تحتمل لمسته لكنها في الصباح احتملتها وليته لم يعترف وامتلكها  لتعود له من جديد  ..

واعترف لنفسه .. لن يستعيد شيماء سوى بالخسة .. ربما حينما تعود زوجته حقًا ستغفر وستتأكد من صدق ندمه ..

-  شيماء  أنا ارسلت اليوم عينة لفحص الحامض النووي ..

هزت رأسها بعدم تصديق ..

- كيف فعلت هذا أنا لم اغفل عن نور للحظة فكيف سحبت منه الدم ..؟

- فى فحص الحمض النووي لا حاجة لعينة دماء أي نسيج من الجسم يكفي.. وأنا استعنت بالشعر من فرشاة شعره  وارسلته للمختبر وسيظهرون النتيجة بعد اسبوع تقريبًا ..

وانخلع قلبها .. هل من الممكن ألا يكون نور من صلبه واعترفت بآسى سبب حبها الكبير له اعتقادها أنه جزء منه .. هو لم يكن غريبًا عنها فوالده كان جزءً منها وبالتالي كان هو أيضًا .. احتمالية ألا يكون من تفزعها ..

- لا ياسين لا تفعل .. هو نسخة منك اقسم لك .. ماذا يجعلك تشك في غير ذلك ..؟؟

- حسنًا شيماء اعدك أني لن افتح المظروف الذي سيصلنى بالنتيجة ولن احاول معرفتها مهما أن كانت  لكن في المقابل عدينى بأنكِ ستكملين كتابة الرواية لي وستعلمين منها سبب شكي في نسب نور .. لكن قبل ذلك,, اليوم ستنامين في فراشي وستمنحينى جسدكِ وستتغاضين عن رائحة الخيانة وستمنحيني الفرصة لابدلها بمسك التوبة .. تضحيتي بمعرفة حقيقة كون نور ابني أو لا تستحق مقابل واحتفاظكِ بنور يستحق مقابل أيضًا ,, اذًا فى صفقتنا لا وجود لمضحي من طرف واحد كلانا سيتحمل في مقابل اكثر شيء يحبه وأنتِ أكثر شيء احبه في هذا العالم ..

                                 **

في المجلس مجددًا ..

ودخل الخادم حاملًا  صينية القهوة ليمر بها على الرؤس وكأنه في عزاء تمامًا وتوتر غالب لم يطفئه دعم معتصم وراضي له,, اخر ما انتهى عليه الحديث كان رجائه لمعتصم ..

" معتصم ارجوك استعد مكانك وارحمني "

لكن معتصم بالتأكيد اذكى من ذلك ولن يفعلها,, مكانة الشيخ السابقة تركت ندوبًا على جلده ستخلد ليوم الدين ..

في عرف الرجال الحقيقيين  المكانة والسلطة مسؤولية وحمل ثقيل ووعد بالاصلاح  أما فى عرف أشباه الرجال من الطامحين للمناصب هي وسيلة لزيادة الشهرة والمال ولو على حساب الأبرياء ..

واقتحم أحد الرجال المجلس فجأة وهو يهتف ..

- فضيحة مدوية ,, لقد سمع الجيران جلبة مريبة تصدر من منزل عواد وبما أنه غير متواجد في منزله وزوجته اعلنت انها ستذهب للاقامة  لدى عائلتها اقتحموا المنزل ظنًا منهم بوجود لصوص ليفاجئوا بوجود إمام  ولد ابو اسماعيل في فراش زوجة عواد وهما عرايا ..

- ماذا ..؟؟ يلا المصيبة .. لقد اضعت يا غالب هيبة النجع لو كانا يعلمان باستمرارية المجلس لما كانا فعلا هذا والآن بما انك اعدت المجلس عليك الحكم عليهما بالموت .. لن يعود عواد من السفر ليتهمنا بأننا فرطنا في شرفه ..

- صبرًا عمي مندور واترك الفرصة لغالب ليقررماذا سيفعل .. لا يحق لأحدهم فرض القرارت على الشيخ واملاء التصرفات عليه ..

وأخيرًا جاءت فرصته ..

- هذا إن كان شيخًا حقًا .. انت اخر شيخ حقيقي حكم النجع يا معتصم وخسارتك كانت فادحة وها أنت ترى بنفسك ما وصلنا له  ..

هل كانت زوجة عواد تجرأ على فعل ما فعلته أثناء فترة حكمك وهى تعلم مصيرها ..؟ اترك الحبل على الغارب وستشرد كل البهائم  من الحظيرة وسلسلها بالحديد وستظل حيث هي على الرغم من رغبتها في الفرار.. ومن الجيد  يا غالب انك عدت لرشدك وستعلن عودة المجلس اليوم ليصبح للجميع رادعًا ..

وانتصب  غالب ونيته تشتد .. ما حدث كان مرتبًا بالتأكيد  وبالتأكيد الجيران مدفعوين للبلاغ بفعل فاعل ويعلم من هو ..

-  ما تقوله ينطبق على البهائم عمي لا علي البشر .. أنا سأظل كما أنا متواجدًا هنا في هذا المكان للمشورة فقط ولن اتدخل في أحكام القضاء .. اخبر رجالك الذين اكتشفوا إمام  في فراش زوجة عواد بابلاغ السلطات وحين يعود عواد من سفره فليقرر إما يتهمها بالزنا ويترك الأمر للقضاء يأخذ مجراه أو يتنازل عن البلاغ ويقتلها بيده أو حتى يسامحها هذا عرضه هو فلماذا اتحمل أنا الذنب عنه ..

وهتف مندور بغيظ ..

-إذًا لا عودة للمجلس العرفي ..؟؟

- لا عمي سيكون فقط مجلس مشورة ..

وتكاتل عليه العجائز .. كلًا مدفوعا بدافع غير الأخر ..

بعضهم يساند مندور في خططه وسيستفيد منه بطريقة أو بأخرى  حلفاء  بمعنى أصح والبعض الاخر مدفوعًا بتقاليد بالية وثورة مغلوطة للدفاع عن باطل يظنه حقًا .. والبعض يرفض التغيير لمجرد الفكرة...

 " قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا "

 واتفق الجميع ..

" قرر يا غالب إما عودة المجلس أو زواجك من هدى ..؟؟ " الأمر بات أشبه بالعقاب ..

أنه طريق  العذاب وسيخوضه لأجل مبادئه ولأجل البشرية جمعاء  ..

" يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ "

- لا عودة للمجلس ولن نعود للظلم من جديد وسأحاربه لأخر نفس فى صدري .. أنا لن احكم على الخاطئين دون اعتراف صريح منهما وأنا اعلم أن هناك لعبة احكيت ضدهما بمهارة وسيكون قراري رادعًا لكل من تسول له نفسه استخدام الناس وأعراضهم لأجل مصالح شخصية .. سأتزوج هدى وسيسود النور على الرغم من كيد الحاقدين ..

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات