رواية فارس بلا مأوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء محمد رفعت


_ بعدما أصطف بالسيارة أمام المنزل وهي بجواره تتلوي من قبضته المغروزة في عضدها،  وجدت لاجدوي فأخذت تردد من بين أسنانها:  
_ هملني أحسن ما أصرخ وأفضحك قدام أهل البلد.

_ وعتهدديني كماني يابت ال..... 
صاح بها ثم هبط علي جسدها و وجهها بكفيه،  فتعالت صرخاتها بالإستغاثة،  خرج والديه من المنزل ليرا ماذا يحدث فوجدا نجلهما يعنف زوجته وينزلها من سيارته عنوة. 
صاح به والده:  
_ واد يا رافع.

وركضت والدته للجهة الأخري لتنقذ إبنة شقيقتها:  
_ والله لو ما هملتها من يدك لاتكون ولدي ومتبريه منك ليوم الدين.

توقف عن ما يقترفه،  وحدج زوجته بتوعد قائلاً:  
_ عاچبك الفضايح دي!، لينا باب هيتجفل علينا إما وريتك.

أنزلتها والدته وأحتضنتها وقالت بتهديد له:  
_ ومارتك ما هتروحش وياك في مطرح واصل.

فقال خميس:  
_ أغزي الشيطان يا رافع وأدخل چوه،  وهمل مارتك مع أمك دلوق.

وقف بتحدي أمام والديه وأمسك بيد تلك المسكينة يجذبها نحوه:  
_ أديك جولتها،  مارتي وأني حر فيها.

جحظت عينين خميس بغضب:  
_ عتتحداني يا كلب. 
وهبط علي وجهه بصفعة مدوية لأول مرة منذ أن كان طفلاً،  فأعاد بداخله أسوء ذكرياته وسبب ما جعله بهذا السوء.

_ والدار دي ملكش مطرح فيها غير لما تتأسف لمارتك وتحب علي راسها و فوج دي كله تتعلم كيف تحترم أبوك.
_ واه. 
صاحت بها رسمية ولطمت علي وجهها،  بينما رافع ظل واقفاً أمام والده يحدجه بنظرات تجمعت بها كل الكراهية والحقد الذي يحملهما منذ الصغر إليه. 
حاول ألا يصدر قولاً أو فعلاً منه إتجاه والده،  فشيطانه يتملك منه الآن، وحتي لا يفعل شئ يندم عليه لاحقاً تركهم جميعاً وصعد إلي داخل سيارته وأنطلق بها.

ربتت رسمية علي نوارة التي تبكي من ألم ماتلقته:  
_ تعالي چوه يابتي وأني هاچبلك حجك من حباب عينيه ربنا يهديه.

ردت نوارة بتوسل ورجاء:  
_ بالله عليكي أنتي يا خالتي همليني أرچع لأمي،  أني خلاص معوزاشي أعيش وياه تاني.

تنهد خميس بأسف عليها فقال لها:  
_ تعالي يابتي وأوعدك ما هخليه يچي چمبك غير لما يندم ويبوس يدك.

فقالت خالتها:  
_ عشان خاطري إسمعي حديت عمك هو عايز مصلحتك، يلا أدخلي ويانا ولا مليش خاطر عندكي، والواحدة منينا مهما حوصل بينها وبين چوزها ملهاش غيره في الآخر.

بدأ بكائها يخبو ورمقتهما بإستسلام، خاصة بعد رجاء خالتها إليها، وتذكرت كيف كان موقف والدتها الضعيف أمام ثورة غضب رافع عندما طلبت منه الطلاق، لم تتخذ أي موقف حاسم للدفاع عن إبنتها وتركته يعنفها ويوجه إليه أبشع الألفاظ وهو يجذبها من حجابها في مذلة ومهانة  خشيت أن تتدخل بينهما خوفاً منه،  فشعرت نوارة حينذاك شعور بالخذل فليس لديها من يحميها من غدر وظلم زوجها،  وها هنا الآن وجدت من دافع عنها هي خالتها وزوجها،  فأستسلمت للرجوع والعيش معهم،  فهما سندها وحمايتها من شر هذا الرافع وبطشه.  
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ

_ آتي صباح اليوم التالي لتستيقظ عيون بعدما ذاقت نوم كان يجافيها الليالي المنصرمة، يحدق في سقف الغرفة المتكون من ألواح الخشب المتراصة ويتدلي من المنتصف سلك كهرباء في نهايته مصباح إضاءة من النيون الأبيض.
أنتفض من هذا الصوت البغيض الذي صُدر من أنف وفم صاحبه النائم علي الأريكة المقابلة للأريكة الأخري الذي يتمدد عليها.
هز رأسه مبتسماً بتهكم من ما يحدث معه وكيف آلت الأمور به حتي أصبح مما هو عليه، متهماً هارباً من العدالة يمكث في غرفة لا تفرق عن الزنزانة فكليهما أربع جدران مع الفارق البسيط إنه يملك حريته الآن، حتي لو كانت حرية زائفة محدودة، فعليه التنكر بإسم دون إسمه الحقيقي حتي لاينكشف أمره ولا يستطيع الوصول إلي براءته قبل عودته إلي السجن مجدداً، فجسده هو من تحرر بينما ذاته هي التي أصبحت أسيرة.

نهض وألقي بالدثار البالي جانباً، أخذ ثياب قد جلبها لهما عم عربي ليبدلوها بثيابهما المتسخة وخرج إلي المرحاض قبل أن يستيقظ الآخرون من ما يسكنون الغرف المجاورة، قام بالإستحمام مستمتعاً بالمياه ورائحة الصابون المنعشة، وبعد إنتهاءه أرتدي الثياب الجديدة بسيطة المظهر، ثم توضأ ليؤدي فرضه في الهواء الطلق.

وعندما ألقي تحية السلام، فقال له إحدهم يقف خلفه: 
_ تقبل الله يا بلدينا.

وقف وألتفت إلي صاحب الصوت فوجده شاب يرتدي بدلة مهندمة ذو ملامح تتميز بالوسامة ويبدو إنه في نفس عمره، أبتسم الشاب ومد يده إليه: 
_ أنا شريف شريك التالت في الأوضة، عم عربي كلمني وبلغني بوجودكو.

صافحه فارس ويرمقه بتعجب من مظهره الثري الذي يتنافي مع هذا السكن : 
_ أهلاً وسهلاً.

لاحظ شريف نظراته فقال: 
_ ميغركش البدلة والشياكه الي أنا فيها، ده لزوم شغلي، أصلي بشتغل في فندق كبير سوبر فايزر الويترز الي في المطعم هناك.

قال فارس بإقتضاب: 
_ ربنا يوفجك.

_ تعالي بقي نفطر سوا، أنا جايب كباب وكفتة وصاية وعملت حسابكو معايا.

خرج جنيدي من الغرفة يتثائب قائلاً: 
_ أني شامم ريحة كباب.

نظر كل من فارس وشريف إليه وأخذا يضحكا عليه.
وبعدما تبادلو ثلاثتهم الأحاديث أثناء تناولهم للطعام، نفض فارس يديه وقال: 
_ الحمدلله، متشكرين علي الواكل يا أستاذ شريف.

رد شريف: 
_ متقولش كده يا...
صمت وأردف بإستفهام:
_ ألا صح عاملين نتكلم مع بعض من بدري وكلنا وشربنا ومعرفش أسمائكو.

توقف جنيدي عن الأكل ونظر إلي فارس يغمز له بإحدي عينيه، فأجاب علي شريف وهو يفكر: 
_ قاسم، إسمي قاسم.

وقال جنيدي بإبتسامة مصتنعة: 
_ وأني چمال.

سألهما شريف مرة أخري:
_ أنتو قرايب ولا أصحاب؟.

نظر فارس إلي الآخر فقال جنيدي: 
_ ولاد عم وأتدلينا من الصعيد علي أهنه لأچل نشتغلو.

هز شريف رأسه وقال: 
_ أحسن ناس، عموماً زي ما شفتو كده برجع من شغلي الصبح باجي أفطر وأنام بصحي علي المغرب وبروح شغلي،يعني مش هاتحسو بيا خالص، فخدو راحتكو علي الآخر.

قال فارس: 
_ ليه عتجول إكده، إحنا الي چايين عليك ويارب ما تكون متضايج من وچودنا.

إبتسم له بترحاب وقال بنفي: 
_ بالعكس خالص، ده أنا فرحت لما لقيت ريس عربي كلمني وقالي هيسكن معاك جماعه تبعي وأضمنهملك برقبتي وفرحت لما قالي أنكو بلدياته، أصل عم عربي جدع جدا وخدوم وشكلكو متتخيروش عنه.

قال جنيدي رافعاً كفه بإمتنان: 
_ الله يكرمك، ده من كرم أخلاجك، لا مؤاخذة بجي ممكن تجولنا الساعة حداك كام، أصلنا معناش موبايلات ولاد الحرام جلبونا في الجطر.

أخرج شريف هاتفه الحديث والذي يبدو باهظاً ليثير تساؤلات عديدة بداخل فارس.
_ الساعة تمانيه وربع.

نهض جنيدي وينفض بقايا الخبز من يديه: 
_ إكده أتأخرنا، يلا بينا ياصاحبي، زمان الراچل الي مستنينا هيتصل بعم عربي وهيجولو دول ماچوش.

تناول كوب ماء وشربه كاملاً وأردف: 
_ تسلم يدك علي الفطور يا شريف بيه، ده الواحد معدته نشفت من جلة الواكل لما كان في السچ.....

قاطعه فارس قبل أن يفتضح أمرهما: 
_ يلا يا چمال مش وجته، أني هستناك عجبال ماتغير خلچاتك أكون شربت كوباية الشاي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ  
_ كاد يجن جنونه،  لايعلم عنها شيئاً  فإحدي الرجال الذي كلفهم لمراقبة منزلها أخبره إنها ليست في المنزل حيث علم من الحارس بطريقة غير مباشرة إن زوجها قد أخذها إلي المشفي في حالة إعياء، جاءت في ذهنه الكثير من الظنون ويتمني أن لايكون قد حدث لها مكروهاً، ولكي يطمأن قلبه ويهدأ قرر الذهاب إلي منزل عائلتها الذي يحفظ مكانه عن ظهر قلب طالما كان يوصلها بالقرب منه أيام الجامعة.

وبعدما تناول فطوره في إحدي المطاعم القريبه من مسكنه،  أستقل سيارته وبدلاً من أن يتجه لمقر شركته ذهب إلي إتجاهاً آخر بدون ملاحظة تلك المراقبة التي كظله،  فهناك رجل ما يتبعه إينما ذهب وذلك منذ يومين،  وهناك من كانت تستقل سيارة أجرة وتتبعه لتجده يتجه إلي منزل أسرة من تدعيها صديقتها فأضرمت نيران الغيرة بداخلها وأخبرت السائق:  
_ أطلع ورا العربية السيلڤر ده ياسطا.

و في طريقه قام بشراء علبة فاخرة من الشيكولاتة،  وبعد قطع مسافة نصف ساعة من القيادة توقف أمام البناء،  ترجل من السيارة وأرتدي نظارته الشمسية وألقي نظرة علي البناء الذي لم ينس معالمه، فدلف إلي الداخل وصعد الدرج.

_ وبداخل منزل والد ندي، أنتهت والدتها من جلي الصحون بينما هي كانت تدرس لإبنتها:  
_ و دي تبقي أي؟.

أجابت الصغيرة وهي تستهجأ حروف الكلمة:  
_ ش.. ج.. ر.. ة،  شجرة.

ربتت والدتها علي رأسها:  
_ براڤو.

رن جرس المنزل،  فأنتبهت إليه وقالت:  
_ طيب أكتبيها هنا أدام الصورة بتاعتها عقبال ما أروح أشوف مين.

خرجت من الغرفة فأوقفتها والدتها:  
_ رايحة فين،  أدخلي أقعدي مع بنتك وأنا هاروح أفتح ليكون الأستاذ ليه عين وجاي يشوفك بعد الي عمله، ده يبقي هو الي جابه لنفسه.

تراجعت ندي وقلبها خفق تخشي إن يكون هو الزائر،  لاتريد رؤيته حالياً،  دلفت إلي غرفتها و وقفت خلف الباب وتنظر في خفاء.

فتحت والدتها الباب لتجد هذا الغريب بالنسبة إليها،  يخلع نظارته وأبتسم:  
_ صباح الخير يا أمي،  أنا علي الحسيني مدير مدام ندي وجيت أطمن عليها.

تنهدت بعد دهشتها حتي علمت هويته، فقالت:  
_ أتفضل حضرتك.

ولج إلي الداخل وعينيه تبحث عنها، لايعلم إنها قد رأته وقلبها كاد يتوقف من تلك المفاجأه بل الكارثة التي حلت فوق رأسها داعية ربها بأن يمر اليوم بلا كوارث.

أستقبلته والدتها في غرفة الضيوف،  قائلة:  
_ أتفضل يابني لما أروح أقولها،  تحب تشرب أي؟.

أومأ لها بإحترام وخجل:  
_ مفيش داعي لتعبك يا أمي،  أنا جاي أطمن علي مدام ندي وماشي علي طول.

_ و حد قالك إن أحنا مبنعرفش في واجب الضيافة؟.

_ حاشا لله يا أمي،  أنا قبل ما أجي فطرت وشربت قهوة فمش قادر.

قالت بإصرار وحبور:  
_ يبقي تحلي،  أنا عامله طواجن رز بللبن فرن هتاكل صوابعك وراه،  هجبلك طاجن.

أومأ لها بإستسلام:  
_ زي ما حضرتك تحبي.

_ عن أذنك يابني.

_ أتفضلي يا أمي.

ذهبت لتخبر إبنتها،  فدلفت إليها وحدجتها بنظرة ذات مغذي :  
_ قومي غيري هدومك،  المدير بتاعك جاي بنفسه يطمن عليكي ومعاه علبة شيكولاته،  أي العُبارة يا ندي هانم؟.

أزدردت ريقها وأجابت بتوتر:  
_ قصدك أي يا ماما،  أنا زي زيك قاعده معاكي ومعرفش حاجة.

رمقتها بعدم تصديق وقالت:  
_ طيب يا ندي، لما أضايفه تكوني خلصتي وطلعتي له.

ذهبت والدتها،  فزفرت الأخري بضيق:  
_ الله يحرقك ياعلي،  هي كانت نقصاك.

وألتفتت إلي إبنتها فلم تجدها، فأبدلت ثيابها علي عجالة و أرتسمت الجدية علي وجهها،  كانت تسير بخطي وئيدة إلي الغرفة،  ولجت إلي الداخل لتري صغيرتها تجلس بجواره وتضحك وتلهو معه،  نهضت عند رؤية والدتها وأمسكت بعلبة الشيكولاتة: 
_بصي أونكل علي جابلي علبة شيكولاتة كبيرة وقالي كوليها أنتي ومامي.

_ سبيها وروحي كملي الهوم وورك الي أديتهولك.

أذعنت لها علي مضض فأمسك علي يدها الصغيرة ويعطيها العلبة وقال: 
_ خديها يا حبيبتي.

نظرت بحزن طفولي: 
_ لاء مامي هتزعقلي بعد ما أنت هاتمشي.

أحتضنها وربت عليها: 
_ متخافيش أنا هقولها متزعقلكيش.

رفعت عينيها إلي أمها، فحدجتها ندي بتوعد وهي تجز علي شفتيها: 
_ خديها يا لارا ويلا أدخلي جوه زي ماقولتلك.

ركضت الصغيرة بخوف وغادرت، نهضت ندي تقف بمنتصف الغرفة تعقد ساعديها أمام صدرها وبنبرة حادة سألته: 
_ أنت مين سمحلك تيجي هنا؟.

رمقها بإستعطاف قائلاً: 
_ ممكن تقعدي ونتكلم بهدوء ومن غير أي أنفعال، أنا جايلك بصفتي مدير شغلك عرف أنك كنتي في المستشفي وجه يطمن عليكي.

لوت شفتيها بتهكم وقالت: 
_ ماشاء الله وكمان مراقبني والله أعلم مشغل جواسيس عليا أنا وجوزي، بص يا علي أنا حصلي كوارث من تحت راسك كتير، كنت هاموت بسبب....

صمتت ولم تكمل حينما دلفت والدتها تحمل صينية طاجن الأرز بالحليب، وضعته امامه علي الطاولة: 
_ أتفضل بالهنا والشفا.

_ الله يهنيكي يا أمي.
نظرت أمها إليها بإستفهام عن سبب وقوفها هكذا وبعض الكلمات التي وصلت لسمعها.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_ و في المخفر يسير متجهاً نحو مكتب رئيس عمله،  توقف أمام الباب وطرقه ليأتيه صوته من الداخل:  
_ أدخل.

فتح الباب وبجدية قال:  
_ صباح الخير يافندم،  طارق قالي إن هعدي عليك ضروري أول ما أوصل.

أشار إليه ليجلس قائلاً:  
_ صباح النور، أتفضل أقعد يا أكرم.

جلس أمام المكتب بإنتباه وبجدية بالغة بادية علي ملامحه،  فأردف الآخر:  
_ بالتأكيد طارق بلغك بسفرية سليم العقبي لأمريكا وحكاية جوازه من أخت رافع القناوي الي رجالتنا هناك عيونهم علي الأراضي بتاعته الي كل شوية يزرعها كوكايين ونحرقه له قبل ما حتي يسقيه.

_ أيوه بلغني بكده بس كان ورايا مهمة القبض علي العيال بتوع دار السلام وقولت أول ما هنقبض عليهم هبتدي تحريات عن رافع ده وأخته.

قال الآخر بزهو مبتسماً:  
_ وإحنا روحنا فين يا بطل، ده أنا كنت عايزك عشان أقولك إنك تعرفهم كويس أو بمعني الأصح تعرف إبن عمهم.

زاد إهتمامه بإنصات متسائلاً:  
_ و ده مين ده كمان؟.

_ فارس قاسم القناوي.

حاول التركيز في الأسم حتي تذكر صاحبه،  رفع حاجبيه بتعجب،  أردف الآخر:  
_ أيوه إبن صاحب والدك الله يرحمه،  وفضلتو فترة أصحاب لحد ما والدك توفي وأنت إنشغلت بعدها  في جوازك وشغلك،  شوفت الدنيا صغيرة إزاي!  .

_ أنا عمري ما جه في بالي أو مركزتش،  قولت ممكن يكون تشابه أسماء لأن والدي الله يرحمه الي كان عارفهم ومعرفتي بفارس كانت سطحية مجرد معرفة مش أكتر.

تنهد وعاد بظهره إلي الوراء مستنداً علي ظهر كرسيه بأريحيه،  ويتحدث بيديه:  
_ فارس ده بقي لسه راجع من فترة وفي نفس يوم رجوعه أتوفي والده الحاج قاسم ولما خلص مراسم الدفن أتقدم فيه بلاغ بأنه راجع من السفر ومعاه حمولة كوكايين حوالي عشرة كيلو وهيسلمها لتجار التوزيع هناك،  وبالفعل راحو فتشو البيت لاقو تحت سريره شنطة كبيرة بتحتوي علي نفس الي أتقدم في البلاغ،  قبضو عليه وفضل علي ذمة التحقيق لحد ما رحلوه علي النيابة،  ولو متابع الأخبار من يومين عربية الترحيلات الي كان فيها و معاه أخطر المجرمين من سفاحين وتجار مخدرات،  أتعمل للعربية كمين من رجالة واحد من المجرمين دول وطلعو بالأسلحه وقتلو كل الظباط والعساكر وهربو الي في العربية وحرقوها بالجثث الي قتلوهم.

_ أولاً دول بالتأكيد عصابة كبيرة الي عملو كده وليهم عيون في القسم الي كان فيهم الريس بتاعهم، ثانياً بالنسبة لفارس إستحالة تكون الشنطة دي بتاعته، والدي الله يرحمه كان ديماً بيحكيلي عن عم قاسم وإبنه وأخلاقهم ده غير الخدمات الي قدمها لوالدي في القبض علي مافيا المخدرات والسلاح لما كان بيجيلو مهمات في الصعيد، والي أعرفه عن فارس آخر حاجة إنه دخل هندسة ، فبالتأكيد فيه حاجه غلط في الموضوع أو دي مكيده من حد بيكرهه.

أومأ له وقال:  
_ بالظبط كده، هوجاري البحث عن العصابة دي وعن المساجين الي هربو والي من ضمنهم فارس صاحبك، فالوزارة بعته لكل مديرية أمن لكل محافظة أوامر بتمشيط المناطق المسئولة عنها ويلاقو المجرمين دول بأي طريقة، وباعتين لكل قسم قايمه بأسماء وصور المساجين.

_ وطبعاً حضرتك هتقولي مهمتك القبض علي فارس.

هز رأسه وقال:
_ و دي مهمتك المكلف بيها.

نهض أكرم بإمتعاض وقال معترضاً: 
_ أنا بعتذر يا فندم، حضرتك عارف إن هدفي الأساسي هو سليم العقبي، ممكن تكلف حد غيري بمهمة البحث دي.

أمتعضت ملامحه فقال بحزم: 
_ ده مش خيار يا سيادة النقيب، دي أوامر ولازم تتنفذ.

_ يا.......

قاطعه وأشار له بالإنصراف: 
_ الكلام أنتهي، وأتفضل علي مكتبك وعايز كل يوم تقرير علي مكتبي لحد ما تلاقي فارس القناوي.

كظم أكرم حنقه بصعوبة، جز علي أسنانه وقبضتيه، فغادر المكتب وبداخله عاصفة تريد إقتلاع كل ما أمامها.
دلف مكتبه وتبعه إحدي مخبريه: 
_ أكرم باشا، أكرم باشا.

صاح بغضب: 
_ عايز أي أنت كمان علي الصبح.

تردد الرجل بتوتر وقال وهو يعود أدراجه: 
_ خلاص يا باشا هجيلك وقت تاني.

زفر بنفاذ صبر: 
_ أستني عندك، أنجز وأقول الي كنت جاي فيه.

أبتلع لعابه وأجاب: 
_ علي الحسيني الي حضرتك مكلفني بمراقبته.

هنا تسمر وتهيأ لما سيقوله، فأردف الآخر: 
_ خرج بعربيته وراح فطر في كافيه قريب من الفيلا بتاعته، والمفروض زي كل يوم يروح الشركة فلاقيته غير خط سيره ونزل قدام بيت وطلع فيه، الي أستغربته البيت ده يبقي الي ساكن فيه أهل جماعتك الست ندي هانم.

تحولت رماديتيه إلي الأسود القاتم، صاح في الرجل: 
_ أخرج بره أنت دلوقت.

وأردف مع نفسه: 
_ وصلت بيك الوساخة يا علي الكلب ورايح لمراتي في بيت أهلها، أنت الي جيت برجلك لقضاك.
وأخرج سلاحه من حافظته الجلدية وشد أجزاءه و وضعه مكانه مرة أخري، ثم غادر مكتبه وعينيه تندلع بنيران الإنتقام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ 
إزدحام سيارات تتسابق أصوات أبواقها والمارة يسيرون علي الأرصفة ومنهم من يقف أمام المتاجر،  ولا ننسي أصوات البائعون فوق الرصيف كل منهم يعلن عن بضاعته وثمنها المغري للمستهلك، وعند تلك الزواية يقف كل من فارس وجنيدي أمام بضاعتهم التي تتكون من ثياب خاصة بالنساء. 
_ قربي يا آنسه،  قربي يا مدام عندنا حرق أسعار تاخدي طقم والتاني عليه هدية. 
يصيح بها جنيدي،  فضحك فارس وقال:  
_ الي يسمعك وأنت عتتحدت كيف الناس أهنه مايصدجش إنك صعيدي.

_ عيب عليك يا صاحبي، أني ممكن أتحدت لك كماني بالأفرنچي،محسوبك كان عيتعامل مع أچانب فأتعلمت منيهم حبة كلمات علي قدي.

_ طيب شوف الزباين الي چايين علينا عجبال ما أروح أچبلنا علبتين كشري.

و في المتجر المقابل لهما يقف هذا البائع خلف الكاونتر يرص الثياب أمام تلك السيدة وإبنتها. 
_ وبكام الأسود ده يابني؟.

رد الشاب وهو ينظر إلي الورقة المعلقة بالقطعة:  
_ ده ب 120 جنيه وبعد الخصم ب 100 بس.

شهقت السيدة وصاحت بحنق:  
_ ميت عفريت ينطوطوك،  ده العيال الي علي الفرشة الي أدامكو بيبيعو الطقم كامل وب 50 جنيه بس.

زفر الشاب بضيق من أسلوب السيدة الحاد وتطاولها عليها فقال: 
_ إحنا بضاعتنا أورچينال يا حجه والي بيتباع بره علي الرصيف بيبقي تقليد.

لاحظت تلك الحسناء التي تجلس خلف المكتب الخشبي هذا النقاش الحاد مابين الشاب العامل لديها وبين السيدة،  نهضت لتري ما الأمر.

_ أي الحكاية يا حموده؟.

_ كل الحكاية يا آنسة شهد أن الحجة بتسألني علي سعر القطعة وقولتلها علي السعر قبل وبعد الخصم لاقيتها هبت فيا وتقولي بتتباع بره أرخص والطقم كامل، فهمتها إن بضاعتنا أصلي والي بره ده تقليد معجبهاش الكلام.

رمقتها شهد بحدة وقالت: 
_ و هو زي ما قالك كده يا مدام، دي أسعارنا والحمدلله زباينا كلهم يشهدو بجودة بضاعتنا، والسعر ده مش هتلاقيه في أي محل تاني لأننا بنزل بسعر الجملة.

رد السيدة بتهكم:
_ جملة أي، ده حتة قطعة واحدة وبميت جنية وبره الطقم ب 50 ونفس المصنع، أنتو الي بتستعبطو وعايزين تكسبو وخلاص فاكرينا زباين هبلة.

جزت شهد علي أسنانها وضربت بيدها علي الكاونتر: 
_ شيل البضاعة يا حموده، وأنتي يا ست خدي القمورة بنتك وروحي أشتري من بره.

صاحت السيدة بتشدق: 
_ ما براحه علي نفسك يا بت وأتكلمي عدل أحسنلك.

صاحت شهد بنفاذ صبر تلوح بيدها: 
_بت ما تبتك يا وليه، هو عشان شايفني بكلم بإحترام ولابسه الي علي الحبل، فكراني بتاعت مامي وبابي، لاء ده أنا أقفل المحل عليكي أنتي وبنتك وأعلمكو الأدب، ده أنا شهد بنت الحاج نعمان الي أكبر شنبات فيكي يا وسط البلد كلهم بيقف له إحترام.

حدجتها السيدة بإزدراء وهمت بالذهاب ممسكة بيد إبنتها: 
_يلا يابنتي من هنا بلا أرف، أشكال عره بصحيح.

وقفت شهد خلفها: 
_ العره دي تبقي أنتي وبنتك يا.....

صمتت عند دلوف هذا الرجل ذو المظهر المهيب، يرتدي جلباباً وفوقه عباءه، يمسك في يده اليمني سبحة حباتها من المرمر، يغلب الشيب خصلات شعره.
سألها بصوته الرخيم: 
_ مالك يا شهد عماله تزعئي وصوتك جايب آخر الدنيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــ
_ وقفت بالقرب من البناء بعدما ترجلت من السيارة ورأت الآخر يصعد إلي داخل البناء،  ترددت في أن تصعد أيضاً حتي لا يفهم إنها تتبعه إينما ذهب وتخشي من ردة فعله أمام صديقتها وعائلتها. 
ظلت تنتظره حتي ينتهي من زيارته تلك لكن حدث مالم تتوقعه، رأت سيارة تقف أمام البناء وهبط منها أكرم،  أعتلت الإبتسامة ثغرها فها هو جاء من سيلقنه بدل الصفعة التي أعطاها إياها في الملهي،  آلاف الصفعات،  مهلاً يبدو الأمر أسوء من ذلك،  حيث أخرج أكرم سلاحه ويتجلي من ملامح وجهه عازماً علي الشر،  تخيلت إنه يطلق الرصاصات،  علي من يهواه قلبها برغم قساوته معها فلم تتحمل المشهد كخيال حتي،  شهقت بفزع:  
_ يانهار أزرق،  لما أطلع ألحقه قبل ما المجنون أكرم يموته.

وركضت تصعد خلفه.

وبالأعلي أنتهي من تناول الأرز:  
_ تسلم إيدك يا ماما،  أحلي طاجن رز بللبن دوقته في حياتي.

كادت تجيب علي شكره فقاطعها رنين جرس المنزل وطرق بعنف علي الباب،  نهضت والدة ندي:  
_ ده مين الي هيخلع الباب ده.

أنقبض قلب ندي من الخوف وتتمني أن لايكون هو الطارق،  ذهبت أمها ففتحت الباب،  دلف والشر يتطاير من عينيه،  يصيح بغضب باحثاً في الأرجاء:  
_ هو فين؟  .

صاحت به حماته بتعجب وغضب في آن واحد:  
_ مالك يا أكرم داخل تزعئ ولا عامل إحترام لأهل البيت.

لم يجيب عليها وذهب إلي غرفة الضيوف فتوقف عند عتبة الباب يحدج هذا الذي نهض فور رؤيته بكم من النظرات النارية.

وقبل أن تغلق والدة ندي الباب وتلحق به منعتها مروة التي دلفت بللهاث:  
_ أزيك يا طنط عاملة أي؟.

أجابت بإندهاش عليها:  
_ الحمدلله يابنتي مالك أنتي كمان؟.

_ بعدين يا طنط،  هو فين علي وندي. 
قالتها وقبل أن تجيب عليها ركضت مسرعة إلي غرفة الضيوف،  ولجت إلي الداخل لإنقاذ من تعشقه،  وقفت بجواره وأمسكت في زراعه وبتمثيل متقن قالت:  
_ أزيك يا سيادة النقيب،  أعرفك علي علي الحسيني خطيبي،  بالتأكيد تعرفه وندي حكتلك عنه،  يبقي حبيبي وخطيبي ومديري في الشغل كمان، جينا نطمن علي ندي لما مبقتش تيجي الشركة، صح يا لول؟.

جز علي علي فكيه من حديثها،  فقد أستغلت الموقف عن جدارة لكنه حمد ربه بإنها قامت بإنقاذ الموقف وخاصة محبوبته، لم تمر الكذبة علي أكرم فحدج علي بإزدراء وكراهية،  وأجاب علي ببرود وتمثيل متبادل :  
_ صح يا حبيبتي،  ومفيش داعي تعرفينا علي بعض،  ولا أي ياسيادة النقيب؟  .

أعاد أكرم سلاحه بداخل حفظته،  ثم تقدم نحو ندي ووقف بجوارها ليحاوط جسدها بزراعه بتملك، وقال:  
_ آه طبعاً أستاذ علي غني عن التعريف،  ده كفاية جمايله معانا في القرية لما كنا في الساحل، وإن شاء الله هردها له قريب أوي.

قال آخر جملة بنبرة توعد شعر بها علي وكذلك ندي التي وجدت زراعه تضغط علي خصرها،  تكره إلتصاقه بها و ودت لو تدفعه بعيداً عنها لكن لاتريد أن يشمت بها هذا العلي ويفرح لأنه حقق هدفه وهو التفريق بينها وبين زوجها.

_ العفو يا سيادة النقيب،  جمايل أي إحنا أخوات. 
وحدجه بإبتسامة صفراء،  فتدخلت مروة قبل أن يحتد الحديث بينهم:  
_مش يلا يا علي إحنا بقي، عشان لسه ورانا كذا مشوار.

كان متسمراً في مكانه يتبادل مع أكرم نظرات بآلاف الكلمات،  لكزته في زراعه:  
_ علي، بكلمك.

أجاب ومازال ينظر لأكرم وندي: 
_ سمعك يا حبيبتي،  يلا بينا.

_ عايزه حاجة يا ندوش يا حبيبتي هبقي أكلمك فون بقي لما اروح. 
قالتها مروة فأومأت لها الأخري:  
_ ميرسي يا مورو.

وقبل أن يذهب هو وهي ألتفت إلي ندي وقال:  
_ حمدالله على سلامتك يا مدام ندي مرة تانية.

هزت رأسها بطيف إبتسامة علي وجهها وشعرت بضغط زراع أكرم علي خصرها يزداد،  يبدو أنه يشتعل من داخله. 
ذهب علي ومروة،  وبمجرد رحيلهما سار أكرم نحو باب الغرفة وأغلقه وحاول أن يرتسم الهدوء علي ملامحه،  باغتته ندي بنبرة حادة:  
_ أنت أي الي جابك؟.

ضغط علي قبضتيه يحاول كظم غضبه السريع كالعادة، فأجاب:  
_ جيت أطمن عليكي وعلي لارا.

رفعت إحدي حاجبيها وقالت:  
_ أنا تنساني خالص  وملكش دعوة بيا وبالنسبه لبنتك أنا هادخل أناديهالك تيجي تقعد معاك وتطمن عليها براحتك. 
وهمت بالذهاب،  أمسكها برفق ولانت ملامحه برجاء:  
_ ممكن نقعد نتكلم شويه.

كادت تصيح في وجهه لكنها لاتريد أن يصل حديثها لوالدتها،  فقالت من بين أسنانها: 
_ الكلام بينا أنتهي، و لو كنت فاكر بعد الي عملته فيا إن ممكن أسامحك يبقي بتحلم،  أنت موتني بالحيا،  حكمت عليا ونفذت من غير ذرة رحمة ولا كأني مراتك وأم بنتك،  ولا أبنك الي مات بسببك قبل مايشوف الدنيا، أنا مرضتش أمشي في إجراءات المحضر ضدك مش ضعف مني ولا عشان خايفه منك لكن مش عايزه أشوف نظرة لوم ليا في عيون لارا أو تكرهني.

بدأت عبراتها تتجمع علي مقلتيها،  وهو يقف أمامها منكس الرأس غير قادراً علي رفع عينيه في عينيها،  فأردفت ببكاء:  
_ هتبرر عمايلك إن سببها الغيرة،  هقولك مفيش حد مهما حصل من الي بيحبه يعمل فيه كده،  يذله ويكسره ، خلتني مجرد حطام بني آدم عايش، سيبني يا أكرم كل واحد يروح لحاله بالمعروف أحسن.

وقف أمامها و وضع كفيه علي كتفيها يرمقها بتوسل وإعتذار:  
_ آسف، ومش هبرر الي عملته معاكي وأستاهل أي حاجة هاتعمليها فيا ومش هطلب منك تسامحيني،  بس بالله عليكي إلا الي بتطلبيه مني ده، كله إلا أن أسيبك،  أنا مليش غيرك يا ندي أنتي ولارا بنتنا.

إبتسمت بتهكم من بين دموعها: 
_ مبقاش ينفع،  أنت كسرت جوايا حاجات كتير،  أنت حولتني من واحدة كانت بتحب بيتها وحياتها لواحدة تانية بقت خايفة وضعيفة ومن أقل حاجة ألاقي دموعي تنزل لوحدها، كرهت نفسي وحياتي حتي بيتنا خايفة أرجعه وأفتكر الي عملته فيا، أوضتنا الي شافت أجمل لحظات مابينا بقت بالنسبه لي أوضة عذابي وجحيمي،  ربنا يعلم أن الي مخليني واقفه علي رجلي وبحاول أبقي كويسه هي بنتنا الي ملهاش ذنب في كل الي حصل.

_ وعشان خاطر بنتنا أديني فرصة أرجع حياتنا أحسن من الأول وأصلح كل حاجة، ولو كارهة الشقه أوي كده ممكن أشوف واحده تانيه المهم نكون مع بعض.

أومأت رأسها بالرفض، و ولت ظهرها إليه :  
_ مش قادر تفهمني ليه!  ،  أنا بقيت بخاف منك أنت،  الحب والثقة الي مابينا مبقاش ليهم وجود،  حبك أتحول لإنتقام دفعت تمنه غالي والثقة بقت خوف وعدم الإحساس بالأمان الي فقدته معاك.

كلماتها كالسياط الحديدية الآتية من نيران الجحيم،  جلدت قلبه بكل قوة،  تمني لو عاد الزمن به ولايفعل ما أقترفه،  كيف سيجعلها تعود له مرة أخري وتشعر معه بالأمان والثقة!  ،  لم يجد أي كلمة يتفوه بها فقرر الذهاب حالياً ويتركها مؤقتاً للأيام لعلها تنسي وتغفر له أخطائه. 
_ أنا هامشي يا ندي،  هاسيبك فترة تهدي وتفكري مع نفسك وأي حاجة هتطلبيها أنا تحت أمرك،  إلا حاجة واحدة أنتي عارفها، لأن لسه بحبك وإستحالة نفترق،  سلام. 
قالها وغادر مسرعاً ولم يلاحظ حتي وجود حماته التي كانت تقف في الخارج وسمعت كل ما دار بينهما.

ولجت إلي إبنتها وبملامح واجمه سألتها:  
_ عملتي أي يابنت بطني خلي جوزك كان هيموتك؟.

ألتفتت إليها ورمقتها بأعين متسعة فهذا آخر ما ينقصها. 
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــ 
نظرت لأسفل بتوتر ثم رفعت وجهها بإبتسامة تخفي خلفها خوفها منه: 
_ مفيش يا بابا ده واحده كده كانت بتقل أدبها عليا أنا والولاه حمودة وقفتها عند حدها ومشيت.

ضيق عينيه وبإمتعاض يحدق بها: 
_ شكلي كنت غلطان لما نزلتك معايا المحل بدل حبستك في البيت، معرفش أنك هتجبيلي مشاكل مع الزباين.

نظرت بإستنكار وبدفاع عن نفسها قالت: 
_والله يا بابا هي الي غلطانه، واقفه من صباحية ربنا تقلب في البضاعه ومطلعه عين حموده معاها ولما جه يقولها السعر قلت أدبها عليه جيت أتكلم معاها وأفهمها هبت فيا وشتمتني عايزني أسكت لها!.

رد بتهكم: 
_ لاء طبعاً تسكتي لها إزاي، ده كنتي تجبيها من شعرها وتخلي الي مايشتري يتفرج عليكي وفضحتنا تبقي بجلاجل.

تدخل حموده بدفاع عن إبنة رب عمله: 
_ معلش يا حج، الست شهد كان عندها حق في الي عملته.

صاح به نعمان: 
_ وأنا الي بقول عليك عاقل يا حموده، قولت ميت مرة الزبون مهما أتكلم ولا أعترض مينفعش نرد عليه بنفس أسلوبه، الي مش عجبه ميشتريش ولو حد أتجاوز حدوده تكلموني أجي أنا أتعامل، مش ده الي وصيتك بيه يا ست شهد؟.

أومأت له وتنظر لأسفل بخجل: 
_ حقك عليا يا بابا، مش هتتكرر تاني، بس كنت عايزه أقول حاجة، العيال الي بره دول بجحين أوي، مكفهمش أنهم بيبيعو نفس الحاجات الي عندنا لاء كمان منزلين الأسعار جامد وكل ما حد يدخل ميشتريش ويروح لهم.

_ ربك الي بيقسم الأرزاق يا شهد يابنتي، و كل بضاعة ليها زبونها الي بيقدرها وعارف قيمتها،  فالي بيشتري حاجة بقرش مش زي الي بيشتري أم عشرة قروش،  وظروف الناس مش زي بعضها،  والحمدلله إحنا زباينا معروفين وبيجو مخصوص لينا.

هزت رأسها كدلالة علي إعجابها بحديث والدها:  
_ الله عليك يا حاج ده أنت دكتوراه.

_ أنا جبتك هنا عشان تتعلمي أصول التجارة وتعرفي تفرقي بين الزبون والتاني وأهم حاجه تتحلي بالصبر،  لازم تكوني صبوره لأنك لو فضلتي تتعاملي مع الناس بعصبيتك دي في خلال شهر المحل محدش هيهاوب ناحيته.

_ خلاص من هنا ورايح هحاول أكون هاديه ولو حصل موقف زي من شويه كده هناديلك تتصرف.

تنهد وبداخله يعلم أنها لم تتغير بسهولة:  
_ لما نشوف.

_ طيب لما أروح أطلب لينا شوية سندوتشات كده عشان مفطرتش من الصبح.

_ ما تخلي حموده يروح يشتري.

_ المرة الي فاتت الراجل ضحك عليه وأداله غير الي طلبه وكمان ناقصين،  وبالمرة أفك رجلي شوية ده أنا زهقت من قعدة المكتب.

ضحك نعمان وأخرج من جيبه ورقة مالية:  
_ روحي وخدي بالك من نفسك.

_ خلي أنا معايا يا حبيبي.

قالتها وخرجت تنظر يميناً ويساراً قبل عبورها الرصيف،  وفي طريقها أخرجت هاتفها فأصتدمت بإحدهم فوقع من يدها مرتطماً علي الأسفلت، تسمرت في مكانها كالتمثال، شهقت ولطمت علي صدغيها:  
_يالهوي الموبايل أبو خمس آلاف جنيه.

أنحني وألتقطه وأخذ يتفحصه فلم يجد به أي خدوش،  تنهد بأريحيه ومد يده به ليعطيها إياه:  
_ أتفضلي  الحمدلله لساته سليم مفيهوش ولا خربوش واصل.

مهلاً، هذا الصوت يبدو مألوفاً لها، رفعت عينيها لتتأكد من حدسها وفي ذات الوقت نظر إليها فتذكرها، هي نفسها الفتاة ذات اللسان السليط التي رآها بالأمس عندما كان جالساً علي الرصيف، وفي صوت واحد: 
_ أنت!.
_ أنتي!.

ضيقت عينيها وسألته بحده وبداخلها تشعر بالتوتر من النظر في رماديتيه الغامضة: 
_ أي حكايتك معايا يا جدع أنت، كل شويه تطلعلي من تحت الأرض وتخبط فيا!.

_ ما تجولي الحديت ده لنفسك، أنتي الي ماعتركزيش في طريجك، وعتغلطي كمان بدل ما تعتذري عاد.

قالت بإستنكار وإصرار: 
_ أنا مش غلطانة.

_ لاء غلطانة. 
صاح بجدية بالغة،  مما جعلها تراجعت خطوتين إلي الوراء و ركضت مثل الأمس،  ظل واقفاً ينظر في آثرها حتي أختفت مابين الزحام. 
عاد إلي صاحبه ولم يلاحظ أختبأها ومراقبتها له.

قال جنيدي فور رؤيته:  
_ فين الواكل يا صاحبي؟.

أخرج ورقة صغيره من جيبه:  
_ المحل عليه زحمة كتير والواد بتاع الكاشير عطاني ورجة وفيها رقم دوري،  جالي تعال بعد عشر دجايج.

تفوه جنيدي بسخرية:  
_ حتي الكشري عليه طابور،  أني هاروح أشتري باكو بسكوت تصبيره،  أشتريلك معاي؟.

_ لاء شكراً.

و وقف يعلن عن بضاعتهما وتوالت الزبائن من السيدات والفتيات فمنهن من تشتري ومنهن أيضاً من تشاهد بدون شراء. 
وهناك زوج من العيون التي تشبه حبات اللوز تراقبه،  فأشارت لعامل القهوة:  
_  يا هيما.

ركض إليها يحمل صينيه فارغه: 
_أمرك يا ست البنات، تشربي أي؟.

أشارت له نحو فارس: 
_ مين الشاب الي واقف أدام المحل ده أول مرة أشوفه النهاردة.

أجاب وهو يحك ذقنه النامية: 
_ دول عيال جايين جديد يسترزقو وحظهم أن الأمين شوقي أجازة النهاردة لو شافهم كان جرهم علي القسم، حد فيهم ضايقك؟.

_ فشر مين ده!، محدش يقدر يضايقني، روح أنت وأبقي تعالي عشان تبقي تاخد الحساب.

ذهب الصبي، بينما هي ظلت واقفه تتأمل فارس قائلة: 
_ ياتري أي حكايتك يا أبو عيون رمادي تجنن!.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ تدلف سيارته الفراري السوداء ساحة هذا المنزل الذي صُمم من الصخور الحجرية والزجاج العاكس كالمرايا حيث من بالخارج لايري من بالداخل،  فهو إحدي أملاكه في تلك المدينة الصاخبة المعروفة بالنوادي الليلية ودور السينما والمسارح وأيضاً من الجانب المظلم شهيرة بعصابات مافيا السلاح والإتجار بالبشر.

فتح السائق الباب له فترجل و وقف يغلق زر سترته وأتجه إلي الداخل،  وقفت الخادمة تنحني له بإجلال وإحترام،  تقول بالإنجليزية الأمريكية:  
_ مرحباً بك سيدي.

أجاب عليها بأمر:  
_ أعدي الفطور وأجلبيه إلي الغرفة.

_ أمرك سيدي.

صعد الدرج الزجاجي بهدوء، لم يراها منذ وصولهما بالأمس، فعندما وصل كليهما من السفر جاء إليه إتصال هاتفي من إحدهم،  أمرها بالصعود إلي الغرفة لتستريح ريثما يعود. 
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة،  فكانت السابعة صباحاً بتوقيت ولاية لاس فيجاس فهناك عشر ساعات فرق توقيت بين مصر وولايات أمريكا.

تقدم منها وجلس بجوارها علي طرف التخت المستدير المحاط بأربع أعمدة يتدلي منها ستائر سوداء شفافة. 
فك الزر وخلع سترته و وضعها جانباً ثم رابطة عنقه و قام بفك أزرار قميصه،  نهض ودلف إلي المرحاض ليستحم.

ما زالت نائمة كما هي بل ويبدو من ملامحها المقتضبة تري حلماً مزعجاً، تتمدد علي تخت في غرفة مظلمة مكبلة اليدين والقدمين، تسمع صوت فحيح أفاعي يحاوطها مما دب الرعب في قلبها وهمت بالصراخ لكن الصرخة لم تخرج منها، أخذت تتلوي حتي أضاء من فوقها مصباح ذو إضاءة شديدة جعلتها تغلق عينيها بإنكماش ثم قامت بفتحهما بإتساع عندما سمعت صوت ضحكاته المخيفة تقترب منها، فوجدته يعتليها حتي أصبح وجهه أمام وجهها مباشرة، وبنبرة أشد رعباً: 
_ لازم تخافي لأنك تحت رحمتي، حياتك كلها ملكي يا زينب.
أنقض عليها كالوحش وظل صدي صوته يردد إسمها وهي تصرخ من أسفله.

شهقت وهي تنهض بجذعها ونظراتها يملؤها الذعر، تنظر من حولها حتي وقعت عينيها علي باب المرحاض يفتحه ويخرج مرتدياً مأزر قطني وخصلاته الفحمية منسدلة علي جبهته العريضة،أمسك بمنشفة قطنية صغيرة وأخذ يجفف شعره قائلاً: 
_ صباح الخير.

لم تجيب.
أردف: 
_ شكلك نايمة من إمبارح والدليل إنك لسه بالفستان الي عليكي.

نهضت من الفراش ولم تكترث لحديثه إليها متجهة إلي المرحاض، صرخة شقت حنجرتها عندما أوقفها قابضاً علي خصلاتها الغجرية، يقرب وجهه من وجهها وبصوت هادر: 
_ لما أكلمك تردي عليا ولا مستعجلة علي عقابك.

عقاب!، تلك الكلمة يرددها علي مسمعها كلما قامت بالتمرد أو تجاهله، ماذا يقصد بها

ألقي بها بعنف وكادت تسقط علي الأرض، ألتفتت إليه وقالت بكراهية شديدة: 
_ كيف رايد مني أتحدت وياك وأنت بتتعامل معاي بعنف وقسوة.

_ أنا مبتعاملش معاكي كده غير لما بلاقيكي بتعصي أوامري أو تتجاهلي كلامي، وسبق وحذرتك، وأعملي حسابك كل حركة ليكي هيسبقها أذن مني.

رفعت حاجبيها وبدهشة أعتلت ملامحها قالت: 
_ كيف دي؟.

رفع زواية فمه جانباً وساد الظلام عينيه، أجاب وكأنه شخصاً آخر: 
_ يعني أكلك شربك مواعيد نومك وصحيانك أي حركة ليكي قبلها تستأذنيني الأول.

قالت بسخرية معقبه علي حديثه المجنون: 
_ ده ناجص تجولي دخولي للحمام بأذن كماني.

أومأ لها وقال:  
_ كده بدأتي تفهميني.

رفرفت أهدابها تحدقه بصدمة،  لم تستعب ما يقوله إليها،  أكمل حديثه:  
_ أنا عارف الي بقوله صدمة عليكي،  بس واحدة واحدة هتتعودي،  و زي ما قولتلك أي عصيان أو تمرد منك هيبقي مقابله عقاب.

سألت بسخرية:  
_ ويا تري يطلع أي العقاب دي؟.

أنبلجت إبتسامة علي ثغره لم تصل لسوداويتيه الحادة القاتمة:  
_ هاتعرفيه وقتها،  ولكل غلط عقابه الخاص بيه.

حدجته بسخط ولم تريد جداله في تلك الترهات التي يلقيها عليها، فقالت: 
_ طيب يا سليم بيه، ممكن تعطيني تليفونك أتحدت ويا أهلي وأطمنهم عليا.

كاد يرد فقاطعه طرقات الخادمة وتقول من خلف الباب: 
_ الفطور سيدي.

_ أدخلي أنيتا.
دلفت الخادمة تجر عربة أمامها فوقها أطباق مختلفة من الطعام وأقداح فارغة بجوارها براد شاي وآخر حليب.

أوقفت العربة أمام الأريكة المقابلة للتخت وقالت وهي تنظر لأسفل: 
_ أي أوامر أخري سيدي؟.

أجاب بإقتضاب: 
_ لا، أذهبي.

أنحنت بإحترام و غادرت، فقال للأخري:
_ أدخلي خديلك شاور وغيري هدومك عقبال ما ألبس وهستناكي نفطر.

أتجهت إلي المرحاض وهي تقول: 
_أفطر أنت أنا مليش نفس عاد.

لم تجد منه رداً وتركها دلفت وأنتهت من أخذ حمامها وأبدلت ثوبها بثوب أبيض قطني بأكمام تصل لرسغها وطوله يصل إلي كاحليها، جمعت خصلاتها لأعلي علي هيئة كعكة، خرجت من المرحاض لتجده قد أنتهي من تناول الطعام ويرتشف الشاي، عينيه لم تبرحها حتي جلست علي مقعد قريب من الشرفة الزجاجية تتجنب الجلوس بالقرب منه أو حتي النظر إليه، تتأمل منظر الأشجار والأزهار في الخارج بصمت لاتعلم ما ينوي عليه إليها لمجرد إنها رفضت تناول الطعام فتركها تفعل ما تشاء علي راحتها، إذن لاتلومه علي ما سيفعله بها للتو.

_ أومي.
قالها بأمر فأنتبهت إليه و رمقته قائلة بإستفهام: 
_ نعم؟.

أشار لها بسبابته بالمجيئ: 
_ أومي وتعالي أقفي أدامي.
ودفع عربة الطعام من أمامه جانباً، زفرت بتأفف وتمتمت في نفسها: 
_أستغفر الله العظيم، أبتدينا الچنان علي الصبح.

نهضت وأذعنت لأمره وقفت أمامه علي بُعد مسافة متر، أومأ لها بالنفي وقال: 
_ أقفي هنا.
وأشار أمام قدميه، ففعلت كما أمرها.
أردف بأمر مرة أخري: 
_ أقعدي علي ركبك وعينك لتحت.

رمقته بتعجب لما يتفوه به، فصاح بصوت هادر جعلها ترتجف من الخوف: 
_ نفذي الي قولتلك عليه.

جلست علي ركبتيها وجسدها ينتفض وجلاً.
_ قولت عينيكي لتحت.
نظرت لأسفل، أنحني بجذعه نحوها فشعرت بأنفاسه وكأنها حرارة تتصاعد من مراجل تتأجج بداخلها المياه، مد يده إلي رأسها وجذب مشبك الشعر فأنسدلت خصلاتها، أزدردت ريقها بدون أن تتجرأ وتنظر له فقالت: 
_ ممكن أفهم أني سويت أي دلوق؟.

أمسك بإحدي خصلاتها وقام ببرمها علي سبابته يجذبها مما سبب لها الألم: 
_ لما أقولك هستناكي نفطر، يبقي ده أمر، مش أختيار، قولتي مليش نفس سيبتك تعملي الي أنتي عيزاه،بس زي ما نبهتك كل عصيان مقابله عقاب، وعقابك هاتفضلي علي وضعك كده لحد ما هقولك تقومي.

قالت بعتاب وتحاول منع عينيها من البكاء: 
_ عيب ياسليم، أني مش عيلة صغيرة تسوي فيها إكده!.

أجاب وهو يربت علي وجنتها، ربت أشبه بالصفعة في حدتها: 
_ ولما أنتي كبيرة وناضجة ليه بتعانديني ومصره إنك تستفزيني.

رفعت عينيها لتواجه خاصتيه وليتها ما نظرت إليه، قالت بصوت متحشرج وشيك علي البكاء:
_ أني فعلاً مليش نفس للواكل، معدتي بجالها يومين عتوچعني جوي.

قطب مابين حاجبيه وسألها:
_ ومقولتليش حاجة زي دي ليه؟.

أجابت بتهكم وكأنه يهتم لآلامها الذي هو السبب في حدوثها: 
_ يعني لو جولتلك هتسوي لي أي عاد!.

قبض علي ذقنها بقوة وبغضب قال: 
_ هكلملك الدكتور يجي يكشف عليكي ويكتبلك علي علاج، أي حاجة هتحصلك لو مبلغتنيش بيها هاحاسبك عليها، ومش محتاجه هقولك أنا هعمل فيكي أي وقتها.

حدجته بسخط وقالت: 
_ ملهوش لازمة الدكتور، التعب الي أني فيه سببه نفسي وأنته خابر زين.

أدرك ما ترمي إليه من وراء كلماتها، نهض و وقف ينظر إليها وهي ما زالت علي وضعية جلوسها، جز علي فكيه وقال: 
_ أحمدي ربنا علي بعمله لحد دلوقت معاكي، يعني العقاب الي أنتي فيه ده شئ لايُذكر، أنا كان ممكن أخليكي تقعدي نفس قعدتك دي بس من غير هدوم خالص، قولت لنفسي بلاش تقسي عليها في الأول كده، هي لما تجرب عقاب بسيط هتحرم ماتسمعش كلامك بعد كده.

فاض بها الكيل لتنهض وسألته: 
_ أني سويت فيك أي لأچل تعمل فيا إكده!، أتچوزتني غصب و خدتني غصب حتي عيشتي وياك كليتها أوامر وغصب عني لازم أنفذها كيف ما أمرت وألا هتعاقبني وكأني لسه طفله بتتعلم، جولي لو ده إنتجام من الي سواه أخوي وياك هجولك وأني ذنبي أي!، كنت حاسبه هو.

لم يهتز قلبه لكلماتها أو للعبرات التي تجمعت في عينيها ونبرة صوتها التي تدمع لها القلوب وتدمي ألماً.
كشر عن أنيابه فصاح بها ويمسكها من عضديها يهزها بعنف:
_ أنا ما أتجوزتكيش إنتقام من الي عمله معايا أخوكي زي ما أنتي فاكرة، أنا أتجوزتك عشان أنا عايزك، وسليم العقبي لما بيحط حاجة في دماغه لو أنطبقت السما علي الأرض بياخد الحاجة دي وتبقي ملكه، وأنتي ملكي يا زينب، والي يفكر بس يبص لك أو حتي يحاول يبعدك عني هامحيه من الوجود.
أشتدت لهجته بشراسة وبدأ يظهر جانبه المظلم المسيطر، يدفعها نحو الفراش حتي سقطت عليه بظهرها،  تري في عينيه نفس تلك النظرة التي كانت في ليلة ذبحها كما أطلقت عليها.
أنتفضت وحاولت أن تنهض وتبتعد لكنه منعها قابضاً علي يديها ويحاوطها بجسده الذي يفوق قوتها أضعافاً.
_ فاهمة يا زينب، أنتي بتاعتي أنا وبس.

صرخت وهي تتلوي بجسدها أسفله: 
_ هملني ياسليم، مش هعصاك واصل، أبوس يدك هملني.

ـــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لم يسمع توسلاتها ولم يراها أيضاً بل كان أمام عينيه مشهداً من أعماق ذاكرته السوداء، يري أمامه طفل صغير ذو خمسة أعوام يختبأ خلف الستار و رجل في العقد الرابع يعتلي فتاة شقراء مكبلة اليدين والقدمين علي تخت حديدي، يعتدي عليها بسوط من الجلد وتتأوه بألم مصتنع، فألقي بالسوط وأنقض عليها بضراوة وعنف، بينما هذا الصغير يتابع ما يحدث بخوف ورعب يبكي بصمت حتي لم يشعر بنفسه وهو يبلل بنطاله.

عاد إلي واقعه، فنهض من فوقها يلتقط أنفاسه وأرتمي متمدداً بجوارها، أسرعت بإلتقاط الدثار تغطي جسدها العاري بعدما قام بتمزيق كل ما كانت ترتديه من ثياب.
قام ليرتدي سرواله وأخذ من فوق الكمود علبة فتحها وألتقط سيجار من داخلها وقام بإشعاله، نهض وسار حتي توقف خلف زجاج الشرفة، قال: 
_ أنا النهاردة هاعفو عنك وهاسيبك براحتك تتحركي زي ما أنتي عايزة، لكن بعد كده ما أوعدكيش بالأوبشن ده.

تريد أن تصرخ، لكن كيف الصراخ وحنجرتهاالتي تمزقت من ألم صرخاتها عندما كان يعتدي عليها أصبحت غير قادرة علي التفوه بحرفٍ واحد.
نهضت من فوق التخت ملتفة بالدثار وبكل ماتبقي لها من قوة واهنة ركضت إلي داخل المرحاض وأوصدت الباب، فتحت صنبور الإستحمام وصعدت إلي داخل الحوض أسفله بعدما ألقت بالدثار علي الأرض، أنهمرت المياه علي جسدها كإنهمار عبراتها من عينيها، جلست في الحوض حتي أمتلأ بالمياه، لم تعد قادرة علي التحمل أكثر من ذلك، فعليها أن ترضخ له وتصبح مجرد جسد يطاوع أوامره بلا نقاش يا أو أن تتخلص من هذا العذاب والجحيم بالتخلص من حياتها نهائياً، ومالبثت ثوان في التفكير حتي مالت للأختيار الثاني، لتستسلم لوساوس الشيطان مرة أخري، تمددت في الحوض وغمرت المياه جسدها بالكامل تُرحب بالموت غرقاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات