رواية عطر الخيانة الفصل السادس عشر 16 - بقلم داليا الكومي

 رواية عطر الخيانة الفصل السادس عشر 16 - بقلم داليا الكومي


عنق الزجاجة

واغلق على الكراهية باب ..

الباب الذي اغلقه غسان الآن اغلقه على كل الكراهية التي تجمعت وتشكلت لتصبح وحشًا على استعداد لقتل كل شيء في طريق رغباته واثباته لذاته ..

وتواجها أخيرًا بنفس الكراهية وكأن الوقت الذى مر لم يغير شيء من شعور البغضاء ..

وقيمها بقرف .. العز بدأ يظهر عليها واضحًا .. ملابسها نضارة وجهها.. تحولت بفضل ملابسه وأمواله من الخارج كما اراد تمامًا وسعى لذلك لكن يظل داخلها عفن كما يعلم تمامًا أيضًا..

- تغيرتِ آريام وظهر عليكِ العز .. اخشى أن تكوني صدقتِ أنكِ زوجتي حقًا ..؟؟ 

- اتلون لأناسب المكان لكن أكثر ما يقلقني أن تكون صدقت أنت أنك تصلح لتكون رجلًا..

كانت تشعر بالدخان يتصاعد من اذنيه .. لكنها تشجعت وتحملت لتصمد أمام احتقاره .. صحيح هو اهداها حياة لم تكن تحلم بها لكن اعد التفكير زوجي العزيز ماذا كان الثمن الذي دفعته في المقابل ..؟؟

وابتسم بسخرية..

- اصلح جدًا هل تريدين المزيد من التأكيد ؟؟

وابتلعت تلميحه المخيف وحاولت ايجاد رد تفحمه به لأنها تعلم أنه لن يلمسها مجددًا كما اعلن مرارًا وتكرارًا ولأنه يعلم أنها مسممة بالفعل وتقتل كل من يقترب منها ألم يجرب بنفسه سمها..؟؟

لكنه لم يتوقف عند هذا الحد  وينتظرها لتجيب عن سؤاله الهمجي المقصود به اخافتها وسألها بقسوة متعمدة:

- كم دورة شهرية مرت عليكِ منذ الزواج ؟؟

الرد المفحم وجاءها راكضًا .. جلبته لنفسك غسان ..

- تعني منذ الاغتصاب .. ضع الأمور في نصابها الصحيح ..

الملعونة تصر على استفزازه ..

- اكان اغتصاب حقًا ؟؟؟ اذًا لمن كان السوار ..؟؟ في الواقع آريام اعتقدتكِ متمرسة وتتدللين بل وتحبين العنف هكذا بدا عليكِ يومها ..

وأصبح الدخان يخرج من اذنيها هي وسألته بحقد ..

- ثم اكتشفت ..؟؟

- اكتشفت أنكِ هرة شوارع صغيرة مازالت في بدايات الطريق .. تعشمين الرجال وتمنحيهم القشور من جسدكِ ثم تخلعين بالغنيمة لكن سوء حظكِ وضعكِ في طريقي هذه المرة فأنا لم اكن الغر الساذج الذي يخدع .. لا تعتقدي أني ابريء نفسي,, لا مطلقًا فأنا اعلم ما فعلت جيدًا لكن أنتِ السبب منذ البداية,, لولاكِ لما كنت وصلت للحضيض  ولا كنت تذوقت الم الخيانة المبرح ونخر السوس في عظامي واستفحل لذلك ثقي أنكِ ستدفعين الثمن,, ستدفعين حتى عن ما فعلته غيركِ وكلما شعرتِ بالظلم تذكري أنكِ ركبتِ معي سيارتي بارادتكِ بل وسعيتِ لذلك  وقبلتِ هديتي وحضرتِ على الموعد وصعدتِ لفراشي و...

قاطعته بانهيار..

- كفي لم اعد اتحمل .. اريد العودة للقاهرة .. طلقني ارجوك .. 

- للأسف آريام وضعي الحالي لا يحتمل طلاق اخر .. ستظلين زوجتي لبعض الوقت  لسوء حظي ..

علمت عن طلاقه بالطبع لكنها لم تتوقع أن تكون معنية بالأمر وعن أي خيانة يتحدث..؟؟

 لكن في الواقع الامر لا يهمها على الاطلاق كل ما يهمها أنها ستجبر عليى الاقامة معه لبعض الوقت ..

واسقط في يدها .. هل لليأس نهاية ؟؟

- ماذا ..؟؟ وما دخلي أنا بمشاكلك ؟؟؟ أنت تفرغ في خيباتك واحباطاتك .. أنا لست مسؤولة عن ذنوب الكون يكفيني ذنوبي الخاصة ..
- ذنوبك الخاصة كانت بوابة ذنوبي أنا ريام فالكل شريف حتى تأتى يالعاهرة  ويوضع في اختبار حقيقي للشرف وفي مقدرته للحفاظ عليه فأدم خرج من الجنة بسبب  حواء ,,, وللتذكير مصائرنا تشابكت منذ اللحظة الأولى التي ركبتِ فيها سيارتي بإرادتكِ الحرة فلا يحق لكِ الاعتراض الآن.. دعي الموج يحملنا ليرسينا أينما اراد فهذا اسلم وضع,, مقاومته الآن ستزيد من غرقنا  ..

بالمناسبة كيف حال ذراعكِ؟؟

اشاحت بوجهها ولم تجيب ..

- اذًا اتوقع أنها شفيت تمامًا ..

وابتسمت ابتسامة صفراء:

- شفيت وتركت ندبة تذكرني دائمًا انني فضلت الموت على الزواج بك فتذكر أنت أيضًا هذا .. وحواء لم توسوس لادم ليأكل من الشجرة بل الشيطان فعل  واغوى كليهما في نفس الوقت وبنفس الدرجة,, يبدو أن اقامتك في الغرب جعلتك تنسى ديننا بالكامل ..

- وهرة الشوارع ظهر لها أنياب .. حقًا اريام أنا متعب واريد النوم ربما لاحقًا سأستمتع بإسماعكِ ما يليق بكِ ففي الواقع تاريخكِ مشرف لكن اليوم لا اعذريني ..

ووجدته يبدأ في خلع ملابسه فصرخت بانهيار :

- توقف ماذا تفعل ؟؟؟

- آريام .. أنا فقط اريد النوم .. انزعي من عقلكِ أي أفكار حمقاء قد تراوده ولا أحد ينام بملابسه..

 - يوجد في المنزل عشرات الغرف اختر أيًا منهم وابدأ بها ..

- للأسف لن استطيع حفاظًا على المظاهر,, ستتحملين نومي هنا وفى الفراش وأنتِ لديكِ الاريكة استعمليها أو حتى افترشي الأرضية لا يهمني لكن لا اريد أن اراكِ تلمسين الفراش طالما أنا فيه..

وبحركة متعجرفة القى بوسادة وغطاء على الأرض امعانًا في ذلها .. كان يجبرها على النوم أرضًا كالكلبة التي تنام عند أقدام سيدها في رسالة صريحة لها لتعي حقيقة وضعها جيدًا ..

(( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ** طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ))

الأشجار التي نبتت من قبل وطيبت اقامتها تحولت الآن لشجرة الزقوم مع عودته التي كانت تحمل لفحات من جهنم تحرقها وسيجعل اقامتها معه كدعوة مفتوحة لقضاء وقت في جهنم ..

                                     **

بعد  كل هذا الحب يا هبة تشكين في حبي لكِ..؟؟!!

لا يوجد رجل علي وجه الأرض احب امرأة كما فعلت أنا ..

انظر للجانب الايجابي يا أدهم .. غضبها يعنى غيرتها وغيرتها تعني الحب فاستمتع بذلك ..

وانقضت الساعات وهو يجلس أمام الباب يحدث نفسه حتى كاد يجن .. أكثر ما كان يخشاه أن تؤذي نفسها بأي شكل وحينما فشل في جعلها تجيب أو تفتح الباب أو حتى تجيب على رسائله على هاتفها خطرت له فكرة فانسحب بهدوء واتجه للغرفة المجاورة  لجناحهما وهو يدعو أن تكون هبة قد تركت باب التراس  مفتوحًا ..

ووبرشاقة فهد اعتلى حافة تراس الغرفة المجاورة ليقفز بداخل تراس الجناح ولسوء حظه وجد باب التراس مغلقًا من الداخل ..

أه يا هبة وضعتِ كل الحواجز بيننا ..

أقصى أمانيه الآن أن يواجه عينيها لتعلم أنه بريء وأن  نساء الكون مجتمعات لا يساوين شعرة من شعرها الذهبي الناعم  ..

وبيأس نظر للحديقة الممتدة أمامه .. كل  ما يملك لا يساوى ثانية واحدة من راحة البال وفجأة لمح  النافذة الجانبية مفتوحة والستائر تهتز لخارجها ..

مغامرة غير محسوبة العواقب لكن إما أن يفلح ويدخل لها عرينها ويشرح لها ما حدث أو تفشل ويسقط في  الحديقة لكن البديل كان أن يثير فضيحة في القصر ويظل يطرق الباب أو يحضر نجار لفتحه ويحرجها ..

وكمحاولة أخيرة اخرج هاتفه وارسل لها رسالة كتب فيها..

 " فشلت في جعلكِ تفتحين الباب لتسمعيني لكنى سأصل إليكِ حتى عن طريق النافذة وإن سقطت وكسرت رقبتى فاعلمي أن حياتي كانت دليل براءتي "..

وتوكل على الله واعتلي السور مجددًا .. المسافة للنافذة تقارب المتر وعليه القفز في الهواء ومن ثم يتعلق في الحافة وبعدها يدفع جسده للداخل  وتمنى أن تكون هبة نائمة ولا تفزع من اقتحامه للغرفة إن فلح ..

ونطق الشهادتين واستعد للقفز ووقف على السور وملأ صدره بالهواء لكنه فوجىء بهبة تخرج مفزوعة من النافذة وهي تصيح بانهيار ..

 "  أدهم لا  "..

ومع صراخها الملتاع وصدمة رؤية عينيها المنتفختين المحمرتين اختل توزانه فتأرجح في الهواء ثم سقط وسمعت صوت ارتطام جسد بالأرض ..

                                         **

-  ورطتني ..؟؟ معتوه حقًا ..

وغضبها الآن غطى على أي شعور اخر .. أهوج أحمق منذ اللحظة التي عرفته فيها والآن مختل أيضًا .. وحالة ملابسها تعطي المجال للكثير من التخيل فصرخت بتحذير وهي تلف نفسها بغطاء الفراش:

- انطق فورًا .. هل اغتصبتني ..؟؟

فابتسم بخبث:

- لم يكن اغتصاب حبيبتي كانت دخلتنا ..

ولم يكد ينتهي من جملته حتى حملت سلمى منفضة سجائر ثقيلة والقتها في اتجاهه لتمر بجوار رأسه  مباشرة وتجرح اذنه في طريق مرورها..

أوف هذا كان وشيكًا ..

المجنونة كادت تحطم رأسه  وركض بسرعة  في  اتجاهها  ليمنعها من  المزيد  من العنف  لكنه خطى بقدمه العارية على جزء من المصباح المحطم لينغرز في قدمه  بقوة جعلته يصرخ ويتوقف عن المتابعة ويسب  سباب خارج ثم يجلس على طرف الفراش وينزع الجزء من قدمه الذي أصبح ينزف بغزارة..

- أنت اغبى شخص على وجه الأرض  .. سأقتلك صدقني ..

وتعلقت في رقبته بعنف وهي تصرخ  وتطلق صيحة الحرب  ..

سلمى كادت تخرج عن السيطرة فعليًا واصبحت  تقاتل كنمرة شرسة لذلك  بحركة حاسمة ادارها لتواجهه  وكبل يديها بقوة ..

- سلمى اهدئي ارجوكِ .. أنا لم المسك ولن المسك إلا حينما تكونين زوجتي وتقولين لي بدلع ..  " حسام المسني " لذلك اهدئي قليلًا ..

-  اهدء ..؟؟ هل أنت مجنون ؟؟ لقد تصرفت برعونة وحماقة ودمرت سمعتي ..

- سمعتكِ في الصون حبيبتي لا أحد علم عن هذا الأمر سوانا .. وفقط  بضعة ساعات وسيأتي المأذون ومعه كل عائلتكِ .. مسافة الطريق حبيبتي وستكونين لي شرعًا ..

وتلفتت حولها بغضب ثم سألته وهي تكز على أسنانها ..

- مسافة الطريق ؟؟!! أين  نحن اذًا ..؟؟

- في شالية املكه في الفيوم ..

- ماذا .. الفيوم ؟؟

وصرخت مجددًا :

- أحمق .. أين حقيبتي ..؟؟

- هناك على طاولة الزينة ..

دفعته عنها بقوة والتقطت حقيبتها واخرجت منها هاتفها النقال:

- كم رقم شرطة النجدة ..؟؟

- شرطة النجدة ؟؟ لماذا حبيبتي ..؟

- لأبلغ عنك بالطبع .. مكانك السجن أو الأدق مستشفى الأمراض العقلية .. كم الرقم اجبني على الفور  ..؟

 - مائة اثنان وعشرون لكن أنتِ تمزحين بالتأكيد ..

- امزح ..؟؟ لا بالتاكيد لا امزح يا حسام سأبلغ عنك السلطات ولن  اهدء حتى اراك خلف القضبان لباقي عمرك  نظير فعلتك الخرقاء تلك ..

الاصرار كان يبدو عليها وستنفذ تهديدها .. لا هو ليس تهديدًا ..

أنها فعلًا تعني كل حرف نطقته وأمام عينيه المذهولتين اتصلت بالنجدة وحينما سمعت صوت محدثها هتفت بغضب: 
-  النجدة أنا مخطوفة في مكان ما  ..

واخفت عنه رد محدثها الذي سألها باندهاش:

- اذًا لما يبدو على صوتكِ الغضب لا الخوف ..؟ ومن أين تحصلت على الهاتف ..؟

بدأت البلاغ بطريقة خاطئة اثارت شك محدثها فعادت لتقول بغيظ:

- اعني أنا محتجزة في شاليه في الفيوم رغمًا عن ارادتي واريد الابلاغ عن من فعل ذلك ..

- حسنا سيدتي اعطينا العنوان  وسنرسل قوة لأجلكِ ..

والتفتت لحسام لتسأله عن العنوان فسمعت صوت محدثها يقول بتهديد:

- إن كانت مزحة ستعاقبين بتهمة البلاغ الكاذب صدقيني .. لا يبدو أنكِ مخطوفة مطلقًا ..

معه كل الحق .. المخطوفة تسأل الخاطف عن عنوانه لتبلغ عنه .. من يصدق هذا الهراء ؟؟

- سأحملك  كامل المسؤلية عما حدث  لي إن لم ترسل لي قوة علي  الفور ..

وواغلقت الخط ..

- حسنًا سلمى ارتد كامل حجابكِ على الفور طالما سيكون لدينا صحبة وخرج يركض من الغرفة..

حسنًا حسنًا يا سلمى,, سيخفي أي اثر للخطف ويكفي أنه حينما ابلغ والدتها كي لا تقلق عليها وطلب منها الحضور باكرًا انبته بلطف واخبرته انها ستحضر من النجمة .. أي انها ستكون لصفه حتى ولو تلقي صفعتين على الماشي في الطريق بغرض تهذيبه..

وعلي الرغم من ضوء النهار الذي بدأ يتسرب للكون اشعل أضواء الاحتفالات حول الشاليه التي كان من المفترض أن يشعلها بعد المغرب لتظهر واضحة لكن لا يهم طالما ستحقق المراد وتشهر الزواج وستكون الشرطة شهودًا عليه  .. 

ثم أخرج فستان الزفاف وحلته السوداء من مخبئهما ووضعهما على أريكة الصالون وعلى عجل ضمد جرح قدمه وارتدي قميص قطني وسروال قصير من الجينز وجلس ينتظر وصول النجدة..

                                 **

آه ..

تأوهت بشدة وهي تنهض من على الأرض التي قضت عليها ليلتها ..

لا حق لكِ في الاعتراض آريام .. الغرفة المغلقة على اهانتكِ تحميكِ من احتقار العيان في الخارج ومهما فعل غسان فهو عذاب مؤقت وسينتهي يومًا ما وبالتأكيد هو..  " تكفير ذنوب " ..

وراقبته وهو يغط في النوم .. كان ينام ملئ جفنيه كأنه بلا هموم أو خطايا ..

كيف يستغرق في النوم بهذه الصورة العميقة ألا ضمير له ليؤنبه ..؟؟

وطوت فرشتها المهينة ووضعتها على طرف الاريكة ودخلت الحمام لتغسل وجهها وتتوضأ لصلاة الفجر ..

الشروق اتى سريعًا ليطوي ليلة كاملة من ليالي سجنها في معتقله ..

وبعد الصلاة ارتدت ملابسها وخرجت للإشراف على الفطور كما كانت تفعل في غيابه .. من الجيد أن  تشعر أنها لها فائدة غير تحمل العذاب ..

اقسى جملة ذبحتها تلك التي قالها غسان عن اقتناع ..

 " الكل شريف حتى تأتي العاهرة " ..

هي أغوته بالفعل .. ركبت سيارته واغوته ليقيم علاقة معها .. دافعت عن حواء باستماتة أمامه وحملت الذنب بالتساوي لادم وحواء لكن في واقعهما الوضع لم يكن هكذا وهي تعلم وهو يعلم ..

لو تتمكن من محو بضعة شهور من حياتها .. لو فقط تملك الة للزمن تعيدها لبراءتها ..؟؟!!

كم تتغير القناعات والمتطلبات وفقًا للنضوج .. شهور قصيرة اعطتها خبرة ونضوج سنوات ..

ربما لم تخسر بالكامل فتلك التجربة القاسية غيرتها وصقلتها والأكيد أنها ستخرج منها أفضل بكثير ..

آريام الجديدة وإن كانت استحقت الاحتقار في وقت ما لكن الجديدة ستحارب لتمحو اثر القديمة,, الفرصة الثانية ستخلق فقط أذا ما استفادت من الدرس ووقعت عيناها صدفة أثناء جلوسها في المجلس على مقال لكاتبة تسمى تالا الجباس في جريدة شهيرة .. المقال كان وكأنه كتب لها .. كان يبث التفاؤل في كل مكان ويحفز على تحسين الحياة والاستفادة من الأخطاء بل وتحويلها لتكون حافزًا على النجاح وعلي الحياة ..

السقوط هو بداية الطريق للنجاح عندما نتعرقل في خطايانا ونسقط بسببها فنعرفها ونراها واضحة أمام أعيننا ونراقبها عن كثب من الأسفل حيث سقطنا .. وفي تلك اللحظة ستعلم أنك تمر عبر عنق الزجاجة وإما تتكيف فتعبر أو تصر على الخطأ فتنتفخ بذنوبك وتعلق قبل المرور ..

( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ..

انتهى الأمر بوعد رباني ..

شكرًا لكِ يا كاتبة المقال وليس هذا فقط .. كاتبة المقال ذكرت في النهاية أنها مستعدة للاستماع والفضفضة ووضعت رابط صفحة شخصية لها على الفيس بوك .. ليتنى استطيع التواصل معها..

 لكن غسان منع عنها كل وسائل التواصل مع العالم الخارجي ولتعترف لنفسها هذا أفضل كثيرًا وحماها من شر العالم وخبثه وليس هذا فقط بل أن والديها اصبحا ينظران لغسان على أنه البطل المغوار قوى الشكيمة الذي حجمها وجعلها تخاف منه وتقر في منزله ولا يصدر عنها صوت ..                  - صباح الخير يا ابنتي .. ألم يستيقظ زوجكِ بعد ؟؟

- صباح النور خالتي .. لا هو ما زال نائمًا ..

- حبيبتي .. أنتِ كنتِ تشغلين وقتكِ أثناء غيابه بالمساعدة في المنزل لكن الآن لا داعي زوجكِ سيشغل كل وقتكِ .. اذهبي للبقاء معه ..

- لا أنا سعيدة بالمساعدة وبأن يكون لي دور معكم ..

- هذا منزلكِ عزيزتي ولكِ مطلق الحرية في فعل ما تشائين وقتما تشائين..

- سأضع الفطير على المائدة أنه ساخن وشهى للغاية ..

- حسنًا بعدما تضعينه اذهبي لإيقاظ غسان ليفطر معنا .. سعادة الدنيا تتحقق حينما اجمع ولداي وزوجتيهما وأطفالهما على مائدة واحدة ..

ماذا ..؟؟

أنا اذهب لإيقاظه ..؟؟

اختاري لي عمل آخر يا خاله إلا ايقاظه ..

لكن المنطق يحتم عليها هي فعل هذا .. من غيرها سيدخل غرفة زوجها ويوقظه من نومه ..؟

في الواقع هي لا تعلم ماذا سيكون رد فعله على ايقاظها له لكن تلك السيدة الرائعة تستحق منحها لحظات السعادة التي تنشدها بجمع اسرتها حولها ..

وتشجعت وصعدت للغرفة مجددًا ووجدته مازال يغط في النوم العميق نفسه وكأنه من أهل الكهف ولم يوقظه الضجة التي افتعلتها بجواره لتقلق منامه.. وتنحنحت وهي تغالب بحة صوتها لتنطق اسمه .. انها المرة الأولى التي تناديه فيها ..

-  دكتورغسان ..

لكن صوتها خرج هزيلًا غير مسموع فاقتربت أكثر وهي تعيد النداء لكن لا مجيب ..

هذا ميت أم ماذا ..؟؟

لا أمل في استيقاظه بهذه الطريقة اللطيفة فاقتربت من الفراش أكثر وأكثر ومالت نحوه واعادت النداء بصوت أعلى ..

لا هذا كثير لا أمل مطلقًا,, لذلك تجرأت ومدت يدها وهزته في كتفه بقوة مع اعادتها للنداء وتخشبت من الرعب حينما تحرك وفتح عينيه أخيرًا ..

وبحركة مفاجئة نهض من الفراش وجذبها بقوة غاشمة طرحتها على الفراش في المكان الذي كان يحتله منذ ثوان خلت وهجم عليها يلوي ذراعها بعنف وهو يديرها ويجعل وجهها لأسفل ويضع كل ثقله عليها ..

- ماذا تريدين يا غبية .. الم احذرك من الاقتراب من الفراش وأنا فيه ..؟؟

كانت ترتعد من الخوف وتتألم بشدة مما يفعله بها .. ذراعها يكاد ينخلع من مفصله فتأوهت وهي تجيبه ..

- والدتك طلبت مني ايقاظك لتناول الفطور معهم ..

 - حقًا وأنتِ ..؟؟ متى شاهدتِ والدتي ..؟؟

متى استيقظتِ ونزلتِ لأسفل ..؟؟

- أنا استيقظ مع الفجر اصلي ثم اذهب لمساعدتهم في اعداد الفطور ..

تركها وقفز للخلف وهو يقهقه بسخرية ..

- تساعدين في العمل حقًا ..؟؟ كنت اعتقد أنكِ ستنامين لبعد العصر وتطلبين منهم خدمتكِ ..

نهضت وتجنبت اجابته ..

كان يعيد شعره الطويل لمكانه بعدما غطى جبهته ..

- احذرك من لمسي مجددًا آريام,, إن فعلتيها مرة أخرى ستتحملين كامل المسؤولية وقتها ..

وتركها تحاول فهم مغزى تهديده ودخل للحمام ..

                                        **

- الفطور جاهز حبيبتي ..

صرخت بقهر ..

احتياجها لشرب الشاي في الصباح يفوق رغبتها في قتله ..

في الواقع لن تستطع قتله إذا ما ضربتها نوبة صداع نصفي بسبب عدم شربها للشاي ..

وجلست على الطاولة التي اعدها في الحديقة على مضض ..

كانت عامرة بكل المأكولات الشهية والمخبوزات التي من الواضح أنه جلبها من مخبز فاخر واعاد تسخينها في المايكروويف لتتصدر رائحتها الشهية المشهد ..

لم ينسى وضع شيء على طاولة الفطور .. الشاي, القهوة, العصائر, الإجبان, المخبوزات, المربى والعسل والزبدة .. كل شيء كان يضاهى فطور إفخم الفنادق مع إدوات المائدة الفضية والشموع ..

وانتبهت .. الشاليه يقع مباشرة على بحيرة قارون والطاولة موضوعة في ركن مظلل لا تصله الشمس ويكشف كل الحديقة والبحيرة ..

الحديقة كانت في الخلف ويطل عليها صالون الشاليه في مشهد خلاب من الداخل أيضًا ..

 وأصبحت في حيرة من أمرها ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل لكنها كانت بحاجة للفطور في الواقع لابد لها من تناول الفطور أثناء انتظارها للنجدة وهذا اسلم حل أن تسترد تركيزها وقوتها حتى وصولهم ..

فجلست وبدأت في الأكل وحينما وقف حسام أمامها ليصب لها الشاي في فنجانها وتعمد لمس كفها ضربته بمرفقها في معدته بعنف جعله يتأوه ..

- حسنًا حسنًا افطري بسلام لن اكررها ..

وجلس ليتناول فطوره هو الآخر ..

هل تسبه أم تستمتع بالفطور ..؟؟

ونظرت لساعتها بتململ ..

أي نجدة تلك التي تتأخر عن نجدة المخطوف لساعات ..؟؟

وفجأة سمعت صوت جرس الباب فنهضت على الفور لفتحه واستقبال النجدة لكن لدهشتها عائلتها كانوا هم الحضور وبادرتها والدتها بحضن دافئ وهي توجه نظرات تأنيب لحسام وفور دخولهم سمعت صوت سارينة سيارة الشرطة ودخول القوات في اثر عائلتها وتساءل أحد المرافقين للقوة.. - أين  الفتاة المخطوفة ..؟؟

فتملصت من حضن والدتها لتجيب :

- أنا ..

- ومن الخاطف ..؟؟

 - هو ..

وقيم الشرطي الأمر .. فطور حميمي وانوار احتفالات والشخص الذي اشارت إليه كان بجرح كبير في اذنه ويربط قدمه ويعرج وأثار عضتها واضحة تمامًا على ذراعه فعاد ليسألها باستخفاف ..

- أنا اسأل عن الخاطف ..؟؟ هل أنتِ أكيدة من أنه ليس المخطوف ..؟؟

                                          **

- ماذا ..؟؟ طلقها ؟؟ هذا تخطيط جهنمي ..

- نعم شيرويت هذا ما علمته اليوم ..

لقد الحت عليه ليطلقها منذ اليوم الأول لسجنه هذا ما علمته اليوم .. هي مطلقة منذ عدة شهور ولا تحتاج لتنتظر اعدامه لتتزوج مجددًا ..

- وغالب يعلم هذا الكلام ..؟؟

- بالتأكيد ..

- وماذا ستفعلين ستتركينه لها هكذا .. لقد تمكنت من فالح كالطاعون وتركته بعدما نحلت وبره وتحولت لغالب وأنتِ ستنسحبين ببساطة هكذا ..

- أنا لا ادخل حرب خاسرة ,, عدتها انتهت ولو تزوجها غالب فعلًا لن التفت إليه بفعلته يكون محى اخر خيط للحب من قلبي ..

 - أنتِ مخطئة يا زبيدة ,, غالب يعشقكِ وبضعفكِ واستسلامكِ تمكنيها من الربح ..

- اتمنى من الله أن يتذوق سمها بكامل قوته ليعلم .. وكنت اتوقع أن تكوني أنتِ اكثر الداعمين لي..

- أنا في ظهركِ تمامًا عزيزتي لكن هذا لا يعنى أن يعجبني استسلامكِ ببساطة هكذا .. هي خططت بحرفية عالية .. لم تنتظر الاعدام واقنعته بالطلاق لا اعلم كيف ولا ماذا اخبرته لكنه طلقها برضاه وأكملت تخطيطها لنيل غالب  .. أنا لا اخبركِ بالموافقة على الزواج الثاني والرضوخ,, لا زبيدة هذه ليست أنا بالمرة من تفعل ذلك انما اطالبكِ بالحرب لأجل غالب..  شني عليها الحرب وافضحيها .. امنعي هذا الزواج من أساسه بكل الطرق ..

- حقًا لا يستحق العناء يا شيرويت .. حينما قرر الزواج بأخرى نسف كل خيط يربطني به .. لقد تركته منذ شهور ولم يغير قراره على الرغم من البعاد فمن استغنى نحن عنه اغنى ..

تماسكها زائف بزيف كل حياتها معه ..

النار كانت تتآكلها بعنف .. سيتزوجها بالفعل ..؟؟

بسهولة هكذا سيضحي بها .. لليوم لم تطلب الطلاق رسميًا لكن آن الاوان .. - يجب أن يطلقني اليوم وليتهنى بها ولينعم بسمها ..

                                         **

- انتهت عدة هدى يا غالب .. ماذا ستفعل ..؟؟ هي سترحل غدًا للقاهرة إن لم تتزوج ..

 - حسنًا عمي فلتزوجها لماهر ولدك ووقتها لن تغادر النجع ..

- لا يا غالب ماهر لم يتزوج من قبل وسيكون زواجه الأول من بنت بنوت لكن أنت تزوجت سيدة بنات النجع وهذا سيكون زواجك الثاني ثم أنت السبب فتحمل نتيجة أفعالك ..

زبيدة .. مهجة القلب .. شهور غيابها شققت روحه .. افتقدها لدرجة جعلته على استعداد ليضحى بكل شيء .. فليهدم النجع بكل ما فيه ولن يبالي ..

- لا عمي لن اتزوجها حسمت أمري ..

وابتسم الحاج مندور بخبث:

- حسنًا,, هذا جيد جدًا لكن اجمع الرجال في المجلس في الليل واعلن هذا أمام الجميع .. استخدم سلطتك كشيخ للنجع واعلن رفضك للزواج وعودة المجلس العرفي كما كان بكل سلطاته المطلقة.. من الآن لليل احسم امرك بصورة نهائية إما الزواج أو عودة المجلس وهذا قرار العشيرة مجتمعة يا غالب .. اتركك لتقرر وأنا اعلم أنك ستختار صالح زبيدة وصالح النجع وستعيد المجلس كما كان تمامًا ..

                                            **

- لن  اسامحكِ على فعلتكِ مهما حييت ..

واغمضت عينيها بألم .. اذًا شيماء اكتشفت الحقيقة وحان وقت الحساب ..

الكلام الآن قد يجعل شيماء تسامح  وسيشفع لها طيب النوايا بالتأكيد.. -  شيماء اسمعيني .. حكمي قلبكِ لا عقلكِ .. أنا اعلم أنكِ ارتبطتي بنور واصبحتِ والدته الحقيقية فاجبيني بصراحة لماذا تلوميني على التضحية بكِ لأجل ولدي وأنتِ ضحيتِ بكل حياتكِ لأجل ولدكِ ..؟؟ أنتِ تعلمين في  قرارة نفسكِ أني كنت محقة فيما فعلته وحينما يكون الحب هو المحرك الأساسي لأفعالنا مهما بدت فجة وجب السماح فلا سوء نية كان متعمدًا ..

أنا ربيتكِ شيماء منذ أن  كانت ضفائركِ  تنساب على كتفيكِ .. ربيتكِ على يدى واخترتكِ كنة لى حتى من قبل أن يختاركِ ياسين لأني احببتكِ كابنة لي وفجأة وجدتكِ أنتِ وياسين تضيعان من بين يدي فكان لزامًا علي التدخل حتى لو تحملت اللوم لاحقًا لكن النتيجة تستحق .. الله وحده  يمنح الحياة ويسحبها ممن يريد لكنه الهمني لأفعل ما فعلت لحكمة لا يعلمها إلا هو وإن كنت اظن أنها لأجل الفرصة الثانية ..

ياسين اخطىء وكما اخبرتك من قبل أنا كنت قاطعته  بسبب ما فعله لكن حادثته غيرتني وغيرتكِ ووهبتنا نور الذي اسميته أنتِ بنفسك ..

ولولا اني اعلم مقدار حبكِ لولدي ومقدار عشقه لكِ لما كنت  خضت هذا الأمر  من البداية .. خسارة يا شيماء أن  ينتهي حبكما بسبب نزوة .. دعي النور يتسلل للظلام فيمحيه .. اعتبري أن ما  فات لم يكن وابدئي من جديد..

صدقيني حبيبتي من لها قلب كقلبكِ لن تتألم مطلقًا من يصدر الحب لا يجني سوى الحب .. ياسين نادم حتى ولو لم يعترف بلسانه .. عماه أكبر دليل .. الذنب بداخله يشكل حاجز من الظلام لا يريد عبوره ولا يمتلك القدرة على الاعتذار,, لا لأنه يتكبر انما لأنه يعتقد أن ذنبه أكبر من طلب السماح وهذا دليل لا يقبل الشك على حبه لكِ حتى وإن اعتقدتِ غير ذلك .. أنا افهمه جيدًا ومجددًا سأقارن وضعه بنور .. أنتِ اكثر من تفهم احتياجات نور ويفهمك هو.. الأمومة هي سحر اسود لا يفك مطلقًا ويجعلنا نفعل أكثر الأشياء غرابة ..

 - وشيماء الزوجة المجروحة التي غدرها زوجها وطلقها بدون أي تبرير لا حساب لها في هذا السحر الأسود ..؟؟ 

- للأسف دوري ينتهي هنا يا شيماء ولا استطيع افادتكِ في هذا الأمر.. أنا وضعتكما على أول الطريق والباقي عليكما تخطيته بمفردكما .. إما أن ينتصر الحب أو يخسر في معركته الأخيرة وهذا سيكون نتاج لما سبق وقدمه ياسين من قبل .. أنه عنق الزجاجة الآن ما وصلتم إليه,, إما عبرتم منه  كعائلة أو عبر منه فرد فرد بمفرده ,,الوقت وحده  سيحدد من سيعبر وكيف سيعبر ومجددا أؤكد لكِ أنا لست نادمة علي ما فعلت ولو عاد الزمن للوراء سأفعل ما فعلته بكل تأكيد ,, ربما كسبت حقدكِ لكن كسبت معه استعادة حياتكِ وحياته وحياة نور .. قدر الأم التضحية لأجل رؤية ابنائها بخير وسعادة حتى ولو لم يقدروا لها صنيعها ..

                                          **

وصول القوات كان من أكثر المشاهد الهزلية التي ربما مرت عليها في كل حياتها فحسام كان كالكتكوت الغريق لكن لحسن حظه تدخلت والدتها لتقول بلطافة ..

- عذرًا سيدي الضابط .. تلك كانت مفاجأة لسلمى .. حضرنا لزفافها بدون أن تعلم والمأذون  في الطريق حالًا .. حسام خطيبها السابق واراد مفاجأتها بزفاف صادم كيلا تتراجع وهي فهمت الأمر بصورة خاطئة ..

وكشرت سلمى عن أنيابها بغضب .. 

 - أمي ماذا تقولين ..؟؟ لصف من تنحازين ..؟؟

وعاد  الشرطى ليدير عينيه في الوجوه وسأل سلمى ..

- سيدتي ,, هل تلك والدتكِ حقًا ..؟؟ وهؤلاء عائلتكِ ..؟؟

-  نعم سيدي ..؟؟

- وهذا يكون خطيبكِ ..؟؟

- لا سيدي هو خطفني من القاهرة ..؟؟

- وبعلم والدتك ..؟؟

وصمتت لا اجابة ..

- هل تعرفينه اذًا ..؟؟

- نعم سيدي ..

- هل كان خطيبكِ يومًا ما ..؟؟

- نعم لكن ..

وقاطعها الشرطي بغضب ..

- هل تمزحين مع السلطات ..؟؟

ووضع حسام يده علي كتفه وهو يهدئه ..

 - سأشرح  لك كل شيء سيدي ..

وتخشبت سلمى في المكان .. تآمر الكل عليها لتوريطها حتى الشرطي لا يصدقها وفي الواقع معه حق ..

من منظر حسام الذي يدل على تعرضه هو للاعتداء لا هي ,, من انوار الاحتفالات,, وشهقت بغضب وهى تشاهد فستان الزفاف والحلة السوداء ..

لعبها الخسيس ببراعة لتوريطها ..

وبحسرة شاهدت حسام وهو يودع قوات الشرطة المغادرة بابتسامة ويستعطفهم كيلا يتهموها بتهمة البلاغ الكاذب ..

- المأذون في الطريق حبيبتي .. سنقرأ الفاتحة الآن .. بسم الله الرحمن الرحيم ...

وصرخت بقهر وهي ترى الكفوف ترتفع وهمهمات تدوي بجوارها من الجميع تدل على الاتفاق وقراءة الفاتحة ولا يوجد أمامها بديل ..

"حسنًا يا حسام سترى الجنون الأصلي فقط اصبر وسترى .."

•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية

تعليقات