رواية ورقة التين الفصل الخامس عشر 15 - بقلم داليا الكومي
الحياة قد تكون أحلى من العسل للبعض وقد تكون أمر من العلقم عند البعض الآخر، وهذا يتوقف على مقدار الرضا الداخلي واستشعار نعم الله في كل ما يحيط بنا فهناك دائمًا نعم خفية فحتى النفس الذي نتنفسه نعمة .. " وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا "،
فهنيئًا لشارب العسل على صبره وحمده..
الشك دائمًا يكون له سبب وجيه وفي حالتها كان له مئات الأسباب لتتراجع لكنها تجاهلتها لأنها تجلس في سيارته الفارهة وكأنها سيدة مدللة كما تمنت دائمًا ليصطحبها لبيت المغتربات الذي خالف فكرتها عن بيوت المغتربات التقليدية التي كانت تراها في بنها .. لم يكن بناية متهالكة ولها مديرة تجلس في الأسفل لتأمر وتنهي وتفرض شروطًا صارمة على بنات البيت تتعلق بالخروج وبالملابس بل كان مجرد شقة في بناية فاخرة في أحد المجمعات السكنية عالية الفخامة والترف شهيرة الاسم ولها دعاية متواصلة على شاشة التلفازكمسكن ل " الصفوة وعلية القوم" .. ستنعم بالفخامة ومجانًا فهو لم يطلب منها قرشًا واحدًا بل وعدها بغرفة مستقلة تقيم فيها كيف تشاء حتى تدبر أمورها وتجد عمل مع وعد بالتوصية لها عند بعض زملائه من رجال الأعمال وعلى حسب قوله " أنا مدير أعمال فنانة شهيرة لا استطيع ذكر اسمها " ياله من حظ ناري أن تقع فيه بسهولة كانت مصية ومحقة وهذا يغطي على أي شك ينتابها .. أنا لا أريد توصية عند رجال أعمال أنا أريد أن أصبح فنانة مثلها لكنها لن تطلب كل شيء دفعة واحدة فلتصبر حتى الصباح على الأقل ثم تبدأ في التدلل عليه .. أما الصالون حيث تجلس فحكاية بمفرده، فهو يحتوي على ما لذ وطاب من مأكولات وحلويات غريبة الشكل والمنظر .. بل وتوجد خادمة أسيوية ترتدي المئزر الأبيض حول وسطها وفستان أسود قصير تقوم بالخدمة عن طيب خاطر وبابتسامة تشعرك وكأنك صاحب الكان لا مجرد ضيف .. وكأنها في حلم وليس في حقيقة ..
هل تتحقق الأحلام سريعًا هكذا ..؟؟ هل حياتها ستكون أحلى من العسل بدءً من اليوم ؟؟
- اعتني ببرلنتي جيدًا سيدة تماضر فهي ضيفة عزيزة لي ..
كان مشهور يحدث تلك السيدة التي قدمها لها على أنها مديرة " بيت المغتربات " وكانت السيدة ترمقها بنظرات مريبة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها لكن التعب والبرد كان قد بلغا أشدهما معًا فابتلعت الشيكولاتة الساخنة التي قدمتها لها الخادمة مع قطع الجاتوعلى ثلاث دفعات غير عابئة بحرارتها لتدفع الدفء في عروقها الذي ربما كان سببه " الخوف " لا البرد وقاومت الدوار الذي احتلها لكنها فشلت في الصمود طويلًا وغرقت في سبات عميق كان بداية لسقوطها الحقيقي في مستنقع الرذيلة..
وتساءلت تماضر بامتعاض ..- أين وجدتها ؟؟ يبدو أنها من الأرياف ولا تليق بزبائننا..
- معكِ كل الحق تماضر لكنها أيضًا عذراء وأنا أكيد من هذا وهذا له ثمن كبير ويغطي على مظهرها المقرف.. هيا للعمل فالمخدر لن يدوم طويلًا..
وظهر رجل عار الصدر على مدخل الصالون وحملها بين ذراعيه وهدده مشهور ..- إياك من المساس بعذريتها وإلا اقتلعت عينيك .. لدي العديد من الزبائن تدفع بغباء في مقابل الحصول على هذا الغشاء فقط جردها من ملابسها وقوما بتصويرها في أوضاع مخلة لتكون عبدة لنا بالكامل .. انتظر الصور والفيديوهات على أحر من الجمر..
**
الأخبار الجيدة تنتشر سريعًا حتى بسرعة أكبر من أخبار الفواجع فالناس أصبحت بحاجة للفرح وبحاجة للطمئنينة وبحاجة لنشر الطاقة الإيجابية بدلًا من السلبية المحبطة..
أخبار القبض على يزيد وشرذمته وصلتها حتى قبل أن يعود منذر ليرتاح بالها وتطمئن .. وربتت على رأس چوچو بلطافة .. كم هو لطيف هذا الطائر بصوته المحبب .. هدية غالية من منذر حقق بها أحد أحلامها والحقيقة لم يكن حلمها وحدها بل كان حلما لعاصم أيضًا .. من هو منذر بالتحديد ..؟؟ هل هو جني المصباح الذي يحقق كل الأمنيات ..؟؟ لا هو لا يكون جني المصباح إنما هو رجل من صلب رجل رجل حقيقي يعلم معنى كلمة الرجولة ويعلم كيف يسعد ويحمي من يحب مهما كلفه الأمر..
وانتظرته في الأسفل بلهفة وحتى مهند وعاصم تخشبا واستكانا على عكس حالهما المعهود ليسود الهدوء ولم يقطعه صوت عم قدري وهو يقرأ القرآن بل زاد من حالة السكينة لدي الجميع.. اليوم مختلف .. فوزية لديها خبر سعيد سيسعد الجميع ومنذر سيأتي حاملًا بخبر النصر ليحكي التفاصيل وهدوء اليوم وحلاوته كانا يزيدان من شعورها بالسكينة هي الأخرى..
وهذا يجعلها تفكر في وضع منذر ووضعها.. النتيجة أنها لا تحمل له سوى الحب مهما حاولت التفكير فيما فعله لها..
هل حقًا استطاعت النسيان والسماح ؟؟ أم لم تحمل الضغينة منذ البداية وهذا هو الأرجح..
ما قدمه لها منذ البداية يغفر له أي شيء حتى الشك.. لن تكون جاحدة ناكرة للجميل وتحاسبه على غيرته فالغيرة قاتلة ولو كانت تمكنت من قتل برلنتي لكانت قتلتها حينما كتب اسمها على دبلته ليحملها في إصبعه أينما ذهب .. هي تختلف عن الأمس واليوم يختلف عن الأمس ..
إلقاء القبض على يزيد يزيح حملًا ثقيلًا من على كتفيها ويجعلها تفكر براحة وحرية أكبر وبدون الشعور بأنها أنانية ترغب في سعادتها على حسابهم .. توقيفه وعقابه يخلصها من هذا العبء الثقيل ويمنحها أملًا .. أملًا بسعادة قادمة تفتح ذراعيها لها وتزيح كل هموم وأحمال الماضي الأليمة التي ما كانت لتمحى لو لم تكن هنا.. " في جنته " ..
كل أملها الآن أن تكون زوجته فقط لا تريد إكمال تعليمها ولا تريد مغادرة هذه الأرض .. تحقيق الحلم الحقيقي هو تحقيق الشعور بالأمان وقد كان ولن يزحزها شيء عن هذه الأرض حتى ولو كان دراسة الطب..
كان يسابق الريح لينقل إليها الخبر .. الآن أوفيت بوعدي وخلصتكِ من ورطتكِ .. الآن أنتِ حرة وتباطىء في خطواته وهو يردد لنفسه " حتى مني " ثم منح نفسه أملًا .. لا لم تنتهي ورطتها بعد فهو لم يتحصل على عقد البيع الذي وقعه الخسيس خاله .. خاله الذي حمله طويلًا التسبب في وفاة والدته حمله الآن كل ما حدث لربى ليصبح حقده عليه لا يوصف .. لقد أساء لكل من يحب وتسبب في أذيتهم بصورة لا تغتفر .. كيف كان يسمى " بني آدم " ؟
بكل ما يحمله من خسة .. كيف فرط في لحمه هكذا ؟؟ لكن على الرغم من كل ما يشعر به نحوه لم تعد ربى ولا عاصم ينتميان إليه .. ربى وعاصم ينتميان لهنا بكل ما فيهما من ذرات .. ينتميان إليه وحده ولا يمتان لهارون تيجان بأي صلة .. هو كان عدوهما الأخطر على الاطلاق.. هما ينتميان لهنا منذ البداية منذ أن انتمت زينب تيجان للمكان لتغرس جذر نقي من عائلة تيجان حملته معها يوم فرارها جذر نمى وترعرع مع الوقت.. هنا جذر نقي لعائلة تيجان يعود إليه عاصم وربى ويثبت أقدامها في الأرض مهما حاول هارون زحزحتها بخسته ..
وسمع الزغاريد تنطلق من المنزل مع اقترابه منه مع غندور .. مازالت فوزية تشيع البهجة والسرور ومع أنه شعر بالقليل من الإحباط لانه كان يريد أن يكون أول من يخبر ربى بالخبر لكن جو السعادة المنبعث من المنزل غطى حتى على شعوره ذاك .. المهم أن يكونوا في سعادة وأمان حتى ولم يكن هو المتسبب في تلك الحالة..
وكان اللقاء .. لأول مرة في حياتها تلقي ربى بنفسها بين ذراعيه .. يالله ما أروع هذا الشعور .. حقًا لم يكن شعورًا بالاثارة أو التفكير في مشاعر جنسية كمان كان يشعر سابقًا كلما اقترب منها كان كل ما شعر به هو فرحتها وشعورها بالأمان بين ذراعيه .. كانت تسترد عافيتها بسرعة وكذلك شعورها بالأمان .. لقد نجح في هذا .. وفجأة علق چوچو " فيزو حامل " ..
**
كل شيء اليوم مختلف حتى لمة العشاء .. تحضيرالعشاء كان عملًا رجوليًا بامتياز تكاتف رجال المنزل الخمسة لتحضيره لتدليل السيدتين اللتان كانتا بحاجة للراحة والدلال وعلقت فوزية بمرح..- انظري ربى خمسة يقومون بعملنا أنا وأنتِ ولا يستطيعون إتمامه كما ينبغي .. لولا صينية قرع عسلي الشهية التي نجت من أيدي الغزاة بمعجزة كانت المائدة ستكون جرداء..
وضحك مهند وعاصم بإحراج .. كانا يعلمان أنها تقصدهما .. ولولا الأحداث المشتعلة في الساعات الأخيرة ما كانت نجت الصينية وظلت كما هي في البراد..
وعلق منذر بخبث ..- الاجهاز على صينية بمفردهما لا يعد شيئًا فوزية بجانب نومهما كأهل الكهف والمنزل يشتعل بحرب ضروس .. وازداد احراج الصبيان .. الجميع علق على نومهما يومها كأهل الكهف حقًا والمثير للدهشة أنهما حتى لم يتقلبا في فراشهما بل استيقظا بالالحاح صبيحة اليوم التالي كعادتهما ..
هل وجبت المقارنة الآن ؟؟ حينما كانت تحبس عاصم في غرفته لتلم له بواقي طعام السكارى إن وجدت واليوم حيث يعيش بصحة وحرية وسعادة، محميًا مرفهًا وسعيدًا والدماء تنعكس على وجنتيه اللتان شحبتا طويلًا من الجوع والمرض والخوف..
بين حالها وهي مهددة من رجل قذر سينتهك كرامتها وجسدها وحريتها ويشرد شقيقها الوحيد وبين الطريقة التي تعامل بها هنا على أنها قطعة مجوهرات ثمينة تحفظ بعناية من الجميع كبيرهم وصغيرهم حتى من فوزية وغندور كلًا باختلاف وضعه ونظرته لها .. بين بيت عشش فيه القرف في كل أركانه وبين بيت عشش فيه الحب في كل أركانه .. هل وجبت المقارنة ؟؟ أم أنها لا تجوز من الأساس فكيف تقارن الجنة بالجحيم والنقاء بالقذارة والشهامة بالخسة والنذالة ؟؟ بين طعم أحلى من العسل وطعم أمر من العلقم ؟؟
وتمنت لو تحتضنه الآن .. لقد جعلها تحتضن الجنة بكاملها بين ذراعيها وهو حارس هذه الجنة.. لولاه!!
ومع أن الطعام كان مجرد طعام من المنزل كبواقي فطير الصباح معاد تسخينه وعسل وبيض وجبن لكن كان له طعم الجنة التي تحتضنها .. كان يجتمعون حول العشاء بأريحية وسعادة وغندور يطعم فوزية في فمها بلطافة كبيرة وهي تتدلل قائلة .." يكفي غندور أشعر بالغثيان " ..
للسعادة طعم .. طعم يغطي على أي مرارة سابقة ويمحيها كأنها لم تكن .. طعم أحلى من العسل حقًا مع أن عسله من منحله ونحله يتغذى على مروجه الممتدة لكن طعم سعادتها حتى أحلى منه.. كانت سعادة فوزية تعطيها سعادة إضافية .. سعادة الفرد تتوقف على سعادة من حوله ويستمدها منه .. اللهم اسعد كل من حولي وامنحهم راحة البال.. هذا كان شعورها وشعرت بأنها تغبط فوزية على سعادتها لا تحسدها..
وفي نفس اللحظة التي كانت تنظر هي إليهما نظر منذر أيضًا في " رسالة خفية " ألا يمكن أن نكون مثلهما ونطعم السعادة تلك ؟؟
وعاد بنظره إليها، كانت تحمل صحن عسل .. لا فوزية أنا لم اختر المش أنا اخترت العسل لكني كنت أخشى شدة حلاوته ولم أكن أخشى لدغات النحل كما اتهمتيني .. أنا لم اعتد على كل هذه الحلاوة من قبل.. ونظر إليها منذر نظرة ذات مغزى فهمتهما فورًا فاحمر وجهها خجلًا وارتعشت يداها وانسكب صحن العسل على ملابسها بدلًا من صحن القرع الذي كانت تنوي تحليته بالعسل النقي لتزداد حلاوة اليوم أضعافًا مضاعفة فاعتذرت وانسحبت لتبدل ملابسها ولحقها منذر دون أن تلاحظ لكن رنين هاتفه بإلحاح عطله عن متابعتها ونظر بقلق للهاتف .. كان المتصل عاطف .. ربما يحمل أخبارًا سيئة عن المجرمين هل فروا ؟؟ كل شيء وارد..
وبادره عاطف بالكلام فورًا ..- منذر .. هل سمعت شيئًا عن برلنتي ؟؟ حمدون يكاد يجن أخبرني أنها تركت المنزل ولا يستطيع العثور عليها منذ الصباح وفكر أنك ربما تكون سمعت أو رأيت شيئًا يقود إليها..
الصدمة.. صحيح هي أجرمت في حق ربى وفي حقه وفي حق الأعراف والتقاليد والمباديء وحتى في حق دينها لكنه لا يتمنى لها أي شر فحسابها عند الله وحده .. من الصعب معرفة أن فتاة اختفت وأهلها لا يعرفون طريقة حتى ولو كانت برلنتي نفسها .. حقًا شعر بصدمة وبالاشفاق عليهم وبالقلق عليها لما قد تواجهه من مصير أسوء من الموت.. مهما فعلت كان هناك معرفة امتدت لسنوات وعيش وملح لم يخنه هو بل هم من خانوه ومع هذا شعر بالقلق وهتف ..- لا عاطف أنا لا أعلم شيئًا عن هذا الأمر .. لكن اخبر حمدون أني سأبحث عنها..
حقًا لم يتوقع هذا لكن لا شيء يثير الدهشة فيه .. منذر كله رجولة ونخوة ..- هل تعلم كنت مترددًا في الاتصال بك بعد كل ما فعلوه لك لكنك حقًا مثالًا للنخوة .. فقط اتصلت لأن حمدون كان على وشك الموت بسكتة، اختفاء ابنته حادث جلل جعلني أحاول طلب المساعدة منك مهما أن كان رأيي الشخصي في أفعالهم الدنئية ..
- معك حق عاطف لا أحد يستحق هكذا عقاب حتى برلنتي أو عائلتها اختفاء فتاة مصيبة وسنكون كلنا عونًا لحمدون حتى تظهر سالمة ومن بعدها لا أريد سماع حتى اسمائهم .. سأهتم ببرلنتي وسلامتها وأمنها..
وهتف عاطف بعدم تصديق ..- حقًا ستفعل ؟؟ عقلي يعجز عن استيعاب الأمر لكن لا شيء مستبعد حينما يتعلق الأمر بأخلاقك .. على كل حال حمدون يرجو أن تكون قصدت بابك لأنها مازالت تحمل شيئًا نحوك وطلب مني مساعدتك..
- سأفعل عاطف وسأخرج حالًا للبحث عنها .. لا لأنها تهتم لي لكن لأنها فتاة في ورطة .. أنا لن أعود إلا وبرلنتي في يدي إن شاء الله..
والتفت على صوت صادرًا من خلفه.. لسوء حظه خرجت ربى من غرفتها مع جملته الأخيرة وامتفع وجهها..
يالله ماذا ستعتقد ؟؟
- حسنًا عاطف سأغلق حاليًا وسأبقيك على اطلاع إذا ما جد جديد..
يالها من نار حارقة اشتعلت في كل جسدها.. نار الغيرة كتبت عليها وستحيا بها للأبد هذا قدرها منذر مازال يبحث عن برلنتي هناك شيء مازال في قلبه من أجلها ربما غضب منها لبعض الوقت لما فعلته بها لكن هل أصبح الآن على استعداد للمغفرة وهي تقف عائقًا بينهما بعقد زواج لم يتم من الأساس وفقط حرره لأنه شهم ورجلًا لا مثيل له في النخوة والرجولة؟؟
هذه المرة لن تهرب ستقف بشجاعة وستخبره بقرارها سترحل لمكان مجهول لا يعرفها فيه أحدهم ستبدأ من جديد وستحاول اجترار مراتها بمفردها المعروف الأخير الذي ستطلبه منه أن يهتم لعاصم لا يمكن أن تأخذه معها للمجهول ستترجاه للاهتمام به حتى تصبح هي قادرة على هذا سترفض كل عروضه فهو ليس مدينًا لها بأي شيء بل هي المدينة له بكل شيء..
وبحركة غاضبة خلعت ملابسها الملوثة بالعسل وألقتهم أرضًا واكتشفت حتى أن ملابسها الداخلية هي الأخرى ملوثة فخلتعهم أيضًا ثم حضرت دموع العجز والقهر لعينيها لماذا خلعت ملابسها هنا؟؟ كان من الأفضل فعل هذا في الحمام مع اصطحاب غيرهم لتبدلهم بهم، لكن الغيرة تفقدها التصرف السليم من الآن وتجعلها تتصرف بغباء وفجآة فتح الباب ليدخل منه منذر الذي شهق بصدمة من منظرها قبل أن يدفع چوچو القابع على كتفه بقوة لخارج الغرفة ويغلق الباب بالمفتاح من الداخل ثم ينزع شرشف الفراش بعنف ويلفها فيه..
**
" فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " ..
من أصعب الاختبارات التي خاضها في حياته .. لم يكن هنا ينكث بمجرد قسم .. كان الفيصل
" كتاب الله " الذي أقسم عليه لذلك لم تكن حتى رغبته التي اشتعلت بصورة لم يختبرها من قبل لها أهمية أمام هذا القسم العظيم .. لن يكون من الملعونين حتى ولو كان يحترق بالشوق والرغبة وباللهفة ..
ووجد نفسه ينزع شرشف الفراش ويلفها فيها بقوة ويضمها إليه رغمَا عن ذلك ربما ليدفئها وربما ليدفيء نفسه لكنها شعرت برغبته فانتفضت ودفعته عنها صارخة بانهيار..- لا تلمسني ..
من الأسلم حقًا ما فعلته .. ربما هو مقيد بميثاق غليظ لكن الشيطان له أساليبه الملتوية ولن يقبل حتى بمجرد الوقوع في دائرة الشك ومراودة نفسه .. وقبل بكل سهولة ابتعادها وصرخ هو الآخر لكن بعذاب ..- ربى انظري هنا .. خلع دبلته ووضعها أمام عينيها لتكتشف أن اسمها هو المكتوب بالداخل ..- لم يحتضن إصبعي اسمها يومًا .. حينما عدت للصائغ في اليوم التالي أبدلت دبلتي واشتريت خاتمكِ..
كانت تنظر بعدم تصديق .. وهدأ قليلًا ليكمل ..- لا أعلم مقدار ما سمعتِ ولا ماذا فهمتِ من محادثتي مع عاطف‘‘ ذنبي الوحيد أن أخلاقي لم تسمح لي بالوقوف مكتوف الأيدي أمام رجل استنجد بي في ورطته حتى ولو كان هذا الرجل هو حمدون وحتى ولو كانت ابنته هي عقربة سامة كبرلنتي لكن لا أحد يستحق هكذا مصير في الدنيا طالما هناك حساب في الآخرة..
برلنتي اختفت منذ الصباح وفشلوا في الوصول إليها وحمدون طلب مساعدتي في العثور عليها هل كنت أستطيع الرفض؟؟
" لن أعود إلا وبرلنتي في يدي ".. هذا ما سمعته بالتحديد .. منذر لا يكذب أبدًا وهو ليس مضطر ليفعل .. مشاعرها كانت ثائرة حائرة مضطربة ترتجف بردًا ربما لكن ليس غضبًا على الأقل لكن كيف تشعر بالبرد وبالحرارة في آن واحد وشعر منذر برجفتها لابد وأن ينتهي هذا الحوار الآن وللأبد حتى ولو كانت تشعر بالبرد فهي قد ترتكب أي حماقة تحرق قلبه من جديد..- يقولون الرجل كلمة وأنا هذا الرجل .. حينما وعدت برلنتي بالزواج كنت أهرب من مشاعري وكنت أعتقد أنكِ تكرهيني بسبب كل ما فعلته لكِ لكن في النهاية كنت قد تورطت ووعدت فتاة بالزواج ولم يكن لها ذنب وكان علي تحمل نتائج أفعالي حتى لو كنت أموت في الثانية ألف مرة كلما نظرت إليكِ .. حتى ولو عذبت نفسي بزواج يجفف روحي لكني كنت أعذب نفسي حتى أنساكِ ..
وهمست .. - أكرهك ؟؟
- هكذا اعتقدت ربى، أنا عاملتكِ كوحش وأنتِ كنتِ رقيقة للغاية كفراشة زاهية الألوان اقتربت من اللهب ظنًا منها أنها ستنال الدفء فطالها فقط ألم الحريق ..
وابتسم بخبث ..- أعتقد من فورة الغضب تلك أنني كنت مخطئًا في ظني هذا .. تلك كانت فورة غيرة ..
واحمر وجهها خجلًا فرفعه بأصابع رقيقة للغاية لتواجه عينيه ..- هذا ما أدركته في الليلة التي دخلت فيها لغرفتكِ وأنتِ نائمة وأخذتكِ بين ذراعي .. أدركت لحظتها أن ما بيينا لم يكن حبًا عاديًا لذلك لم نكتشفه بسهولة بل كان العشق الذي يؤلم كثيرًا قبل أن نتمتع بحلاوته هكذا دائمًا وصف التاريخ العشاق بالمعذبين في الأرض .. أدركت أننا خلقنا لنتحد سويًا مهما أن كانت العواقب ومهما أن تألم البعض وقتيًا بسبب هذا .. أدركت اني أظلمها أكثر بالزواج منها وأنا لا أطيق حتى النظر في وجهها وقلبي وجسدي وعقلي وكل حواسي معلقة بكِ أنتِ..
ويومها قررت أن تكوني لي لكن يظل هناك فتاة وكرامتها وكرامة أهلها على المحك فقبلت بحضورها ذاك اليوم حتى أجد الفرصة المناسبة وأخبرها بطريقة لا تجرح كرامتها .. كنت على استعداد لتحمل كل اللوم حتى تخرج من الخطبة بأقل الخسائر فأنا كنت المذنب الوحيد .. هل تعتقدين أنها لو لم تكن أكيدة من عشقي لكِ ورغبتي في تركها كانت ستلجأ لتلك الوسيلة الحقيرة لتشويه سمعتكِ؟؟ حربها لم تكن نظيفة بالمرة وهذا هو الفارق بينكما أنت فقط أفسدتي حذائها أما هي فحاولت افساد سمعتكِ وافساد كل حياتكِ ..
وازداد الاحمرار ..- ألم أخبركِ أني قرأت الدفتر .. كل كلمة كتبتيها كانت كسوط حارق ألهب قلبي.. بحثي عنها الآن سيكون لأسباب إنسانية بحتة أولًا ولسبب في نفسي ثانيًا فحمدون يظن أنها لجئت إلي وأنا لا أريد أي صلة تربطني بها حتى ولو بالخطأ لا أريد أن يقرن اسمي لجوار اسمها لأي سبب .. سامحيني حبيبتي على البحث عنها لكن أولًا هناك شيء يجب علي فعله ..
**
حتى ولو كان مجرد طائر لكنه شاهد جسدها العاري..
كان يصرخ بعصبية وهو يطارده في أرجاء المنزل صارخًا بعصبية.. - تعالى هنا سأذبحك
والطائر المسكين يختبىء منه في الأركان برعب..
لم يكن أحد يعلم سبب هجوم منذر على چوچو ولا سبب عصبيته الشديدة لكن منظر چوچو المرتعب وعلى الرغم من أنه كان من أكثر المناظر كوميدية إلا أنه حقًا أثار تعاطفهم خاصة حينما اختبىء تحت مقعد قدري وكأنه يعلم أنه الوحيد القادر على إيقاف منذر ..
- خيرًا إن شاء الله ماذا هناك ؟؟ لماذا تريده ؟؟
وهتف منذر بغضب ..- اخرجه لي سأذبحه وهتف چوچو بيأس ..- منذر يحبك .." كلمة السر التي لطالما أفلحت " لكنها لم تفلح الآن لأنه قال بنفس الغضب ..- سأذبحه ..
- لماذا ..؟؟ ماذا فعل ؟؟
- لقــــــ .. لقد ..
وارتبك من شدة الغضب ماذا يخبرهم ؟؟
وقال والده بصرامة ..- دعك منه الآن البلدة ليلها أصبح نهارًا من المشاعل في أيادي الرجال وأنت تجلس في المنزل لتطارد طائر مسكين لا حول له ولا قوة .. ألم تسمع بما حدث أم ماذا؟؟ بالتأكيد لم تسمع عن اختفاء ابنة حمدون وعن كون الرجل على حافة الجنون من القلق والخوف وإلا ما كنت هنا تطارد طائر كالمجنون.. اخرج للبحث عن الفتاة مع الرجال بلا تقاعس واخبرني بالنتيجة ..
" لا حول له ولا قوة " أنا المسكين الذي لا حول لي ولا قوة أما هو فجبار ويتمتع بامتيازات لا أتمتع أنا بها .. اللعنة !! هل يغار من طائر ؟؟ أوه وهناك الجرو أيضًا الذي كبر وأصبح كلبًا يقف لها كحارس أمين ..
ولعن بغضب ثم هتف بحنق ..- حسنًا والدي سأخرج للبحث مع الرجال .. وهدد چوچو الذي كان لا يزال مختبئًا .. - لكني سأعود قريبًا انتظرني ..
ونظر إليه غندور بشماتة متسائلًا بفضول..- ماذا فعلت أيها الموكوس؟؟
وأجابه چوچو من مخبئه ..- كل زفت..
**
" لن نستطيع فعل شيء قبل مرور أربع وعشرين ساعة فربما تكون رحلت برغبتها وهذا هو القانون "
أربع وعشرون ساعة ؟؟!! ياله من قانون عقيم .. بعد مرور أربع وعشرون ساعة تكون طمست كل الأدلة وخفتت ذاكرة من رآها صدفة أو سمع شيئًا يخصها ومسحت ذاكرة الكاميرات التي ربما صورت شيئًا.. بعد أربع وعشرون ساعة لا شيء يكون كما كان منذ الأمس ولا حتى يشبهه فيوم جديد يعني انتهاء اليوم القديم بكل ما فيه من حلو أو مر ليبدأ آخر بمفاجأته وأحداثه.. كل شيء يتغيرمن يوم ليوم والأمل في العثور على المفقود يتضآل .. لكنهم لن يتوانون .. إن كانت الشرطة تتخاذل متمسكة بقانون عقيم فهم لن يفعلوا وتكاتف الجميع حتى من ألقوا البيض على سيارتهم أثناء الرحيل اشتركوا في البحث..
المصاب جلل وعند المصائب تظهر المعادن الحقيقية للناس .. لا مكان للأحقاد أمام شخص ينهار من الألم والخوف والقلق .. أمام أم تصرخ بصورة تقطع القلب وأمام شقيق يهيل التراب على رأسه..
حقًا الليل أصبح نهارًا .. لم يتركوا شبرًا في البلدة ولا في بنها إلا وبحثوا فيه عنها..
جابوا المستشفيات العامة والخاصة وأقسام الشرطة وسألوا الجميع حاملين صورتها حتى وصلوا لموقف سيارات النقل الخاص الذي يقل من بنها لجميع الأقاليم مع خيوط الصباح الأولى التي لونت الليل بضوئها الخافت معلنة عن صباح جديد..
كانت المرة الثانية التي يلجئون فيها إليه لكن لربما سمع أو شاهد أحدهم شيئًا .. شخص ربما لم يكن متواجدًا في المساء السابق حين حضروا.. أي معلومة صغيرة قد تفيد .. في المرة الأولى لم يتوصلوا لشيء لكن الأمل في العثور على أي معلومة ولو صغيرة ومع حضور سائق حافلة صغيرة للتو من منزله ليستلم مناوبة الصباح كعادته وجده الرجال يصيح قائلًا ..- أنا دائمًا أعمل في الصباح الباكر وبالأمس كانت تلك الفتاة هنا وكانت على عجلة من أمرها .. أنا أتذكرها جيدًا لم تستطع الصبر حتى يكتمل العدد في السيارة وكان يبدو عليها التوتر وكانت تلتفت حولها وكأنها تنتظر أحدهم بقيت داخل السيارة لمدة خمس دقائق فقط ثم هبطت واستوقفت سيارة أجرة كانت تمر في الموقف وسمعتها تقول " محطة القطار " ..
**
الليلة التي قضاها في الحجز غذت حقده ليصل لأعلى مرتبة .. سيدفعون الثمن وغاليًا ..
وصرخ بعصبية ..- ألا تعلمون من أنا ؟؟ أريد الاتصال بالمحامي الخاص بي ..
لكن لا حياة لمن تنادي وتجاهله الجميع وهتف أحدهم بخشونة ..- اصمت يا متهم ولا تفتح فمك وإلا كسرت أسنانك..
الحياة علمته الكثير .. لذلك هتف بلهجة أقل تعاليًا ..- أرجوكم اعطوني هاتفي لأقوم باتصال واحد ومن سيحضره لي سأعطيه خمسة ألاف جنية .. أنا رجل الأعمال الشهير يزيد أبو الخير..
وللرشوة دائمًا مكانة في نفوس البغضاء .. وتهافت البعض للتنفيذ وتحصل أخيرًا على هاتفه واتصل بالمحامي ليخبره عن ورطته بكل تفاصيلها واستمع المحامي بتأن قبل أن يقول بلوم ..
- سيد يزيد لماذا لم تستشيرني منذ البداية ؟؟ على كل حال لدي فكرة سنصر على أقوال واحدة أنت اقتحمت المنزل لتأخذ أملاكك ولم تكن تعلم عن زواجها وسنقدم عقد البيع الذي اخبرتني عنه والاحتمالية كبيرة أن تخرج بكفالة طالما لم يكن هناك وفيات لكن أين هذا العقد ؟؟
- العقد في خزانة مكتبي .. افسخ الخزانة بأمر مني واحضره..
- حسنًا سأفعل وسأكون عندك في غضون ساعتين لكن لا تتحدث مع أي شخص أو تدلي بأقوالك حتى حضوري ..
**
صرخة مروعة انطلقت من أعماق قلبها حينما استيقظت في الصباح التالي عارية ملقاة على فراش ورجلًا عاريًا بالكامل ينام لقربها .. الرعب الذي شعرت به لا يمكن وصفه وواصلت الصراخ بانهيار مما دعى الرجل العاري لضربها بقسوة حتى تصمت .. كانت تتلقى اللكمات والصفعات فتزيد في الصراخ وتشوه وجهها بالكامل وهجم الرجل على عنقها ليخنقها فتصمت للأبد وبدأت بالفعل تناضل لاستنشاق الهواء لكن فتح الباب عنوة ودخلت منه السيدة التي تسمى تماضر وأمرته بتركها فتركها فورًا وأخذت برلنتي تسعل بشدة وهي عاجزة حتى عن الصراخ من حالة الاختناق الشديدة التي وصلت إليها .. وألقت تماضر في وجهها مجموعة من الصور الفوتوغرافية لها هي وهذا الرجل في أوضاع مشينة وعرايا بالكامل وقالت بتهديد .. - واصلي الصراخ وسيرى الجميع صوركِ تلك ..
وأشارت تماضر للرجل بالانصراف فانصرف على الفور .. وقالت وهي تتأمل جسدها العاري بشهوة .. - كنت أتساءل لماذا أحضركِ مشهور لهنا فأنتِ مقرفة ومقززة، لكنه كان بعيد النظر فتحت الملابس الرثة يوجد جسد جميل شهي وطالما دخلتِ لهنا بقدميكِ فستصبحين عبدة لي بالكامل " دخول الحمام ليس مثل الخروج منه " لا أحد أجبركِ على الدخول من الباب أليس كذلك ؟؟ كاميرات المراقبة في المجمع السكني سجلت دخولكِ مع مشهور طواعية فلن تستطيعي ادعاء الاختطاف أو ما شابه .. أنت فوق السن القانوني غاليتي وهذا كان اختياركِ وعليكِ تحمل النتائج أيًا كانت وحتى أنا إذا رغبت بكِ فستنصاعين لأوامري.. بالإضافة للصور يوجد مقاطع فيديو مصورة ولدينا هويتكِ وبها كل المعلومات عنكِ وعن عائلتكِ ونستطيع ارسالها لهم ولكل قريتكِ في غضون ساعة واحدة.. حياتكِ السابقة أيًا كانت انتهت، من اليوم أنتِ عاهرة رسميًا بفيديوهات وصور توثق موافقتكِ على هذا حتى لو خرجتِ من هذا الباب .. العقل يقول طالما ستكونين عاهرة فلتستفيدي من الوضع .. كوني عاهرة ثرية جدًا وكوني ثروة كبيرة ومكانة في المجتمع من عملكِ معنا بدلًا من أن تكوني عاهرة متسولة يبصق عليها الجميع وتموت جوعًا فتدفن في مكب النفايات..
والصفقة الغير موثقة رسميًا أعلنت من يومها .. طالما ستكون ثرية لا يهم الكيفية..
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية