رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء محمد رفعت

 رواية فارس بلا مأوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء محمد رفعت


_ يقود سيارته ويستمع إلي إحدي الأغاني بإستمتاع ويردد معها،  توقف أمام متجر لبيع الورود وأشتري باقة كبيرة من الچوري الأحمر،  وأنطلق مرة أخري حتي توقف أمام محل لبيع الحلويات والشيكولاتة فأشتري قالب حلوي كبير وأوصي البائع بكتابة عبارة المعايدة بإسمها، فهذا اليوم عيد مولدها كان علي علم به من بطاقتها الشخصية،  وأراد أن يفاجئها بإحتفال صغير. 
وقبل أن يذهب إلي المنزل ذهب إلي متجر المجوهرات و أشتري لها سلسلة من الذهب الأبيض يتوسطها دلايه من الماس علي شكل قلب.

وصل أخيراً أمام البناء ويحمل الباقة والقالب والبسمة لا تفارقه،  متشوق لرؤية وجهها عندما يُهديها هديته ويهنئها بعيد مولدها. 
لكن تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن،  لم تتم فرحته،  فحين خرج من المصعد وجد باب شقته مفتوحاً ومكان المفتاح مكسوراً أو مهشماً تماماً.

تسمر في مكانه يدرك ما قد حدث،  فجاء في ذهنه أمر آخر، يخشي أن هناك لصوص أقتحمو المنزل وقامو بأذيتها، دلف وألقي ما بيديه وأخذ ينادي عليها والخوف يتملك قلبه:  
_ سمية،  سمية.

لا إجابة 
ركض في كل الأرجاء باحثاً عنها،  لاحظ أول شئ أن المنزل مرتب وليس به آثار إعتداء،  قام بمهاتفة حارس العقار الذي أجاب عليه وأخبره إنه لايعلم شيئاً فاليوم غادر مبكراً وأتي بدلاً منه شقيقه الأصغر فأوصله به وكانت أجابته أيضاً إنه لايعلم شيئاً فلربما غادرت المبني وهو كان في المرحاض. 
زفر بغضب عارم يردد الكثير من اللعنات،  جلس علي الأريكة ليفكر كيف سيبحث عنها،  فأنتبه إلي ورقة أعلي الطاولة فوقها قطعة ديكور خزفية،  جذب الورقة ليجدها رسالة قد تركتها له قبل أن تهرب،  فكان محتواها كالآتي: 

_أولاً حبيت أتشكرك علي حسن معاملتلك ليا وكرمك معاي ده غير إنك أنقذتني من الشيطان صاحبك، عشان إكده هملتلك چواب لأچل أطمنك علي أني بخير، ماريداش تكون زعلت مني بسبب أني كسرتلك الكالون وهربت، جعدتي وياك ملهاش لازمة بعد ما لاجيتو زينب وصاحبك كتب عليها، ماتستغربش أني عرفت من اللاب توب بتاعك الي نسيته في أوضتك والي عرفت منيه كيف أكسر كالون الباب المصفح ، وبعتذر مرة تانية أني فتحته من غير علمك وشوفت رسالة علي الماسنچر كان بعتهالك المخفي سليم بيأكد عليك تستناه ويا المأذون في القصر، ربنا ينچي زينب منيه ومايلحج يتهني ويدوسه جطر يهرس چتته حتت وبدل ما يدخل دنيا يدخل چهنم وبئس المصير، معلش بجي متزعلش من كلامي عليه أصلي مغلولة منيه جوي جوي ولد الفرطوش من الي سواه فيه.
وجبل ما انهي كلامي عايزة أجولك إن أحلي أيام جضتها حداك بس يا خسارة أني مابحبش الحبسة و معرفاش ليه مكنتش عايز تهملني.
وفي الختام أتمني لك كل خير وربنا يتوب عليك من شغلك مع سليم وتشتغل ويا ناس أنضف وأحسن لأنك چدع وچواك طيب وزين.
يلا كفاية إكده الجلم شكله عيشطب ومفيش غيره.
آه صح نسيت أجولك بلاش تدور عليا لأنك ماهتلاجنيش واصل ولا عند أبوي ولا خالة أمي الي في سوهاچ.
سلام يا صلاح بيه، جصدي يا صلاح وبس.

_ ظل يقرأ الرسالة أكثر من مرة ف تارة يضحك من كلماتها وتارة يعتريه الغضب كلما يتذكر إنها هربت.
نهض وترك الرسالة في مكانها علي الطاولة، أخذ يفكر كيف سيبحث عنها وأين يجدها، وعندما عجز عن التفكير أمسك بباقة الورود وألقاها بكل قوته علي الأرض و قام بدهسها،  غادر منزله وهبط إلي الحارس وطلب منه إحضار النجار لتصليح الباب،  بينما هو أستقل سيارته ليتجول في الشوارع لعله يجدها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــ 

_ و ها قد جاء يوم ترحيل فارس إلي النيابة العامة،  فمازال محاميه الجديد يبحث عن أي ثغرة أو شاهد يشهد في صالحه لكن لا جدوي وكأن الأبواب موصدة بأقفال يستحيل فتحها.

تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ،  فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية،  فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات،  بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.

_ آه يابا... آه يابا 
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة 
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار 
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار 
آه يابا...  آه يابا

يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية،  فصاح فيمن يُغني:  
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو،  مش ناجصين ولوله وعويل عاد.

صمت الذي يغني وقال له بتهكم:  
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.

حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:  
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي!  .

أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري  يصيح فيهما:  
_ چري أي منك ليه؟  ،  جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.

أجاب الشخص الأول:  
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.

_ واه!  ، ما خُلصنا  يا جنيدي،   وخليك في حالك.

عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر،  فوقف بجواره وقال:  
_ أنت يا أبو عمو،  شايفك عتبحلج من الشُباك  و واجف أكتر من ساعة،  شكل حكايتك واعرة جوي.

ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد،  فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين،  شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.

تنهد وأستدار له قائلاً  بسخرية: 
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة،  أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.

تعجب الآخر وقال:  
_ واه يا أبوي!  ،  تاچر مخدرات مرة واحدة!  ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك،  صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي  .

أرتفعت شفتيه بسأم وقال: 
_ مليش في الدخان.

رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال: 
_ عچيبة،  ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.

أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:  
_ مبحبش السچاير.

لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة: 
_ مجولتليش إسمك أي؟.

زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب: 
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ.....

قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة: 
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.

جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته: 
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف: 
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.

_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.

رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه: 
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.

ضحك الآخر قائلاً: 
_  الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.

نظر له منتظراً فأردف: 
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما تكن مصادفة من القدر فاليوم الذي رحل فيه فارس عن النجع هو ذاته يوم زفافها،  تجلس في غرفتها ومن حولها فريق من الفتيات جلبهن سليم إليها من أكبر مراكز التجميل حتي يزينن عروسه، فكانت في عالم آخر لم تشعر بما يحدث معها ومن حولها،  عينيها ثابتة نحو الفراغ كالموتي،  إحساسها كان كالذي يعدونه لتنفيذ حكم الأعدام وليس إلي حفل زفافها. 
وفي الخارج تطلق نوارة الزغاريد تحمل مع النسوة صواني الطعام ويعطونها إلي رجال رافع ليذهبوا بها إلي داخل السرادق المنصوبة أمام المنزل حيث يتجمع رجال أهل النجع ويأكلون الفتة واللحم ويباركون لرافع ويهنئونه هو وسليم العريس الذي يقف بكل هيبته ومن خلفه يقف أربعه من رجال حراسته،  يرتدي حُلته السوداء وفوقها عباءة سوداء مطرزة أطرافها بشريط ذهبي،  أهداه رافع إياه وأخبره بإرتدائها فهذه عادات وتقاليد أسرتهم. 
تعالت الأغاني من السماعات المنتشرة في كل مكان، أغاني من الفلكلور الصعيدي وبعض من أغاني المهرجانات يصاحبها أصوات زغاريد وتهليلات النساء.
وهناك فروع المصابيح الملونة تتخلل جميع الشوارع والحواري.

أقترب سليم من أذن رافع :  
_ أي الأخبار يا رافع،  وقفت الرجالة علي مداخل ومخارج النجع زي ما قولتلك؟.

أجاب الآخر:  
_ حوصل يا عريس،  أطمن مفيش دبانه تجدر تخرچ ولا تدخل من غير ماتمر علي الرچالة، إلا جولي محدش شافلك جرايب ولا معارف چم يباركولك، ولا أنت ما عزمتش حد منيهم؟.

أرتسم إبتسامة مصتنعة قائلاً: 
_ عايزني أعزم رجال أعمال وصفوة المجتمع في فرح جوه نجع في الصعيد الجواني!.

حدجه رافع بإمتعاض وسخط: 
_ مش أد المجام ولا أي عاد!.

_ لاء يا رافع الحكاية مش كده، أنا كنت ناوي نعمل الفرح في القاهرة في أكبر وأرقي الفنادق، وأنت  و والدك أصريته نعمل الفرح عندكو في النجع والناس الي أعرفها مبتروحش أفراح في شوارع وشوادر، وكلها ساعتين وهاخد أختك وهنمشي عشان مسافرين.

_ ما كان علي يدك الي حوصل، هروبها جلب الدنيا وخلي الي يسوي وميسواش يتحدت ويچيب في سيرتها فلازماً كنا نعملو الفرح أهنه ويحضرو كل كلب منيهم، خلي خشمهم يتكتم، وأديك شايف جاعدين علي الأكل نازلين فيه كيف المنشار بالسم الهاري علي چتتهم.

ضحك سليم من حديث رافع ومدي كراهيته لمن حوله.
وجاء إحدي رجال رافع ليخبره بأنهم أنتهو من تزين العروس، فقال رافع لسليم: 
_ عن أذنك يا عريس هاروح أچيب لك عروستك.

تعالت الزغاريد وموسيقي المزمار فبدأت مراسم الزفاف، وقف رافع أمامها يبتسم قائلاً: 
_ أعطيني يدك يا عروسة لأچل أزفك لعريسك.

رمقته بإزدراء في صمت، و وضعت يدها علي ساعده، دنا من أذنها وقال: 
_ أفردي خلجتك كل الناس عتبحلج فيكي، كفياهم حديت عنك.

أجابت بوجه متجهم: 
_ لو ماعچبكش خلجتي أنت والبيه بتاعك يبجي تفضو كل حاچة وكل واحد يروح لحاله.

لكزها بمرفقه في كتفها: 
_ طب لمي لسانك بدل ما ألمك، أستحليتي الفضايح والچورس، وحياة أبوكي ما هعديلك الي سويتيه ده، أبجي أستلجي وعدك.

وقفت في مكانها ورمقته وبداخلها يتأكلها الخوف من ما قاله لها: 
_ تجصد أي بالحديت دي؟.

كان يبتسم إلي المعازيم، فقال لها: 
_ كل حاچة هاتعرفيها في وجتها.

_ ألف مبروك يا عروسة.
قالها سليم التي لم تنتبه لوقوفه أمامها، يبتسم لها لكنها تري إبتسامته ليست سوي تعبير يدل إنه يخبرها بإنها أخيراً وقعت بين يديه و دلفت إلي عرينه التي لم تخرج منه أبداً.
لكزها رافع في خصرها يدفعها نحو سليم: 
_ واجفة ليه إكده، ما تمسكي بيد عريسك.

أطلقت النساء الزغاريد وتهليلات المباركة، وقف رافع أمام العروسين وأخرج سلاحه ورفعه لأعلي وأطلق الأعيرة النارية في الهواء ليتبعه رجاله ورجال سليم بالإطلاق أيضاً.

ذهبت الفتيات والنساء إلي زينب يباركن لها و تقوم نوارة بنثر ذرات الملح في الهواء وتردد ذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وعبارات تحصين من الأعين الحاسدة.

أقترب خميس من إبنته وشبه إبتسامه علي وجهه، أحتضنها بحنان: 
_ ألف مبروك يابتي، ربنا يسعدك ويهنيكي، خدي بالك من نفسك ومن چوزك الي يجولك عليه سويه تكسبي راحة بالك.

حاولت منع عينيها من البكاء، فقالت له: 
_ هاتوحشني يابا جوي.
وأرتمت علي صدره، فربت عليها: 
_ لاء يا جلب أبوكي، ماتبكيش الله يرضي عليكي.
جاء صوت والدتها من خلف أبيها: 
_ حقك عليا يابتي، سامحينا أنا وأبوكي، أديكي كيف ما أنتي شايفة مكنش بيدنا حاچة، كل الي طلباه منكي أنك تحاولي تتعايشي مع چوزك وأتجي شره.

أومأت لها زينب وهي تشعر بالخزي من أهلها، يلقون بها إلي الهلاك ويطلبون منها أن تتحمل فكيف هذا!.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ

_توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة  بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف  فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.

وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال: 
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.

لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية،  يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.

صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ: 
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.

قتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل: 
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.

أجاب الآخر و هو يحمل منه سلاحاً نارياً: 
_ عفارم عليكم يا رچالة.

ورحل جميعهم علي الفور، و أستغل السجناء تلك الفرصة الذهبية وهرب كل منهم بعد أن تخلصو من أصفادهم.
بينما كان فارس يتجادل مع جنيدي:
_ أنت أتچننت عايزني أهروب وأثبت عليا التهمة؟.

قال الآخر ساخراً: 
_ ما تفتح مخك الي كيف الحچر الصوان، التهمة كيف الخلچات أنت لابسها وماهتجدر تخرچ منها لأن هو ده الجانون،  روح أتاوي لك في مُطرح لأن الحكومة عتطلج دبابيرها علينا في كل مكان وما عيهدلهومش بال غير بعد ما يجبضو علينا كلاتنا.

كان يفكر في كلماته،  ورأي أن لديه حق فذهابه إلي النيابة لإستكمال التحقيق ومنها إلي المحكمة والقاضي لم يرأف به و سيحكم عليه بالقضاء في السجن لمدة قد تصل لخمس وعشرون عاماً يفقد فيها شبابه و آماله،  فعليه بالهروب والبحث عن دليل براءته لاسيما الذي حدث معه في الزنزانة أكد له من وراء دخوله إلي السجن.

وأخيراً وافق علي الهروب فقال:  
_ والكلابشات كيف نخلصو منيها؟  .

أشار له جنيدي نحو الأمين المسجي علي الأرض وغارقاً في دمائه،  فهو من يحمل مفاتيح الأصفاد،  ألتقط فارس المفاتيح و حاول إدخال إحدهم ونجح في فتح الأصفاد. 
أبتسم جنيدي وهو يزفر بحرية قائلاً  :  
_ يلا بينا علي أجرب مزلجان للجطر،  هنتسطحو علي الي رايح نواحي بلاد بحري ونتدلي علي مصر،  وهناك أرض الله واسعه. 

ذهب كليهما بعد ركض مسافة ميل وأكثر حتي وجدوا مزلقان يبدو مهجوراً، وظلا ينتظران قدوم القطار المتجه إلي محافظات الدلتا، ونجحا بالقفز إليه والصعود إلي سطحه وتمدد كل منهما فوقه، ولأنهما علي معرفة أن الرحلة ستستغرق أكثر من ثماني ساعات، فأستسلم جنيدي للنوم بينما فارس ظل يحدق في السماء، يتأمل النجوم التي تذكره بمعشوقته وتمني لو يراها لو لدقيقة واحدة.
ــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــ 
_ حضر للتو عائلة الشيخ واصف ليهنئون ويباركون، فبكر كان يمسك بيد زوجته وقام بتهنئة إبنه خاله وسليم وأيضاً زكريا وبعدها عاد إلي منزله متجنباً الظهور فالشعور بالذنب يلازمه حتي الآن،  لايجعله يشعر بأي فرحة،  فأصبح منعزلاً ومنطوياً علي ذاته يتجنب النوم الذي ينقلب إلي كابوس حتي بدأت الهالات السوداء تحاوط عينيه.

عانقت جليلة إبنة أخيها وباركت لها،  والأخري تردد عليهم المباركة بلا روح،  حتي جاءت إليها فاطمة وعانقتها بقوة تواسيها فقالت لها بدون أن يسمعها أحد سواهما: 
_ متزعليش مني أني مش هباركلك زيهم،  لأني حاسة بيكي وبالنار الي چواكي،  كل الي أجولهولك ربنا معاكي ويقويكي ويعينك.

ردت زينب بألم:  
_ مجدراش يا فاطمة أتحمل،  عايزة أهچ من أهنه وأرمي نفسي قدام الجطر أو عربية، عندي أموت أهون من أني أبجي معاه.

_ أعقلي يا زينب،  عمر ما كان الموت راحه وخصوصاً الإنتحار، ماتعلميش أي الي چاي يمكن تيچي من عند ربنا و يخلصك منيه.

_ الي كيف دي مابيموتش ولا يچراله حاچة غير لما يخلص علي الي حواليه الأول.

ضحكت فاطمة رغماً عنها وربتت عليها:  
_ معلش يا حبيبتي، هو مادام متمسك بيكي جوي إكده يبجي بيحبك فأنتي أستغلي حبه ده وطلعي عينيه،  خليه هو الي ينتحر.

إبتسمت زينب بتهكم وقالت:  
_ بيحبني!  ،  ده متچوزني تخليص حق وإنتجام،  وعلشان جولت عليه لاء فكيف واحدة ترفضه،  والله أعلم ناوي لي علي أي عاد.

كان يرقص بالعصا مع سليم حتي فكاد يفوز لكن فاز الآخر عليه في آخر لحظة،  فهلل الرجال:  
_ الله عليك يا سليم بيه.

إبتسم رافع له بتصنع وقال:  
_ ماشاء الله عليك ياچوز أختي، حتي قوي في التحطيب.

جاء من وراءه صلاح الذي وصل للتو:  
_ سليم بيه دايس في كل حاجة.

وذهب ليعانق سليم وأردف:  
_ ألف مبروك يا عريس.

_ عارف لو مكنتش جيت مش هقولك كنت هاعمل معاك أي.

ضحك صلاح وقال:  
_ هو أنا أقدر!  ، أنا أول ما خلصت الجلسة روحت غيرت وسافرت علي هنا يادوب لسه واصل.

كان رافع ينظر نحو شقيقته بل للتي تقف معاها فقال لهما:  
_ أستأذنكو خمس دجايج وراچع لكو تاني.

لاحظت فاطمة إقتراب رافع نحوهما،  فقالت لزينب:  
_ لما أروح أسلم علي مرات خالي وراچعه لك بعدين.

سارت نحو المنزل حيث تتجمع النساء لتبتعد عنه،  وقبل أن تدلف وجدت يد تجذبها إلي مكان مظلم خلف المنزل،  دفعها نحو الحائط وقال بتهكم:  
_ بتهوربي مني إياك.

رمقته بسخط وقالت:  
_ عايز مني أي،  ما تروح توجف مع مارتك بدل ما تشوفك واجف معاي وتسوي معاك مصيبة.

أندفع نحوها حتي كاد يلتصق بها وتفوه بأنفاسه:  
_محدش يجدر يسوي معاي حاچة،  لأن الي يوجف في طريجي بفعصه كيف الصرصار.

دفعته في صدره وأبتعدت قليلاً وهي تهم بالركض:  
_ محروج من الدكتور جوي إكده،  إكمنه أحسن منك وخايف لأحبه،  وأني كمان بجولك محدش يجدر يسوي معاي حاچة ومبخافش غير من الي خلجني. 
وقبل أن تخطو قدمها خطوة واحدة جذبها وألقي بها نحو كومة قش،  فوقعت عليها،  رمقته بقوة مصتنعة وأخفت ماتشعر به من خوف منه،  كلما يقترب منها تتزحزح بجسدها إلي الخلف،  هبط أمامها علي ركبتيه وأمسك بقدميها يمنعها عن التحرك. 
_ بعد عني يا رافع لأصرخ وأفضحك قدام أهل البلد. 
لم يهتم لتهديدها فأعتلاها وأمسك بيدها،  ينظر لها وعينيه برغم الظلام المحاوط لهما ويتخلله بصيص من نور الأضواء الملونة التي تنعكس علي وجهها،  رأت لمعة في عينيه تعلمها جيداً. 
تفوه بنبرة عشق دفين يكنه لها ويحترق به كل يوم:  
_ محدش بيحبك ولا هيحبك قدي،  أنتي ليا أني،  مفيش مخلوج يجدر يلمسك غيري،  سمعاني يا فاطمة. 
من صدمتها ألجم لسانها ولم تستطع الرد،  فلم يتحمل قربها المهلك له أكثر من ذلك،  هبط بشفتيه علي خاصتها بشوق جارف،  يقبلها بكل قوة،  يحاوطها بجسده فلم تقدر علي التحرك بتاً. 
ظل هكذا لوقت لم يشعر به ولم يشعر أيضاً بالتي تقف بعيداً تراه بأعين تبكي من القهر وهي تري خيانته لها بعينيها.

ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــ 
_ أقتربت الساعة علي منتصف الليل وبدأ المعازيم بالرحيل إلي ديارهم،  ودعت زينب أحبائها وتعجبت بإنصراف فاطمة دون أن تودعها. 
تقدم رافع نحو سليم وقال له بصوت منخفض:  
_ عايزك دجيجة چوه الدار.

حدجه سليم بإمتعاض وقال:  
_ و ده وقته يا رافع،  المفروض يا دوب نمشي دلوقت عشان الطيارة قولت للكابتن ينزل في أقرب مطار من هنا.

_ إكده ولا إكده هتضطر تتأخر شوي.

زفر سليم بضيق فأشار له:  
_ يلا يا اخويا أدامي لما نشوف أخرتها.

_ وبداخل غرفة الضيوف،  دلف كليهما،  فقال سليم:  
_ أدينا بقينا لوحدينا كنت عايز تقولي أي؟.

جلس رافع علي الأريكة وأسند يديه علي العصا:  
_ ممكن الي هجولو دي معيچبكش لكن لازم يوحصل بأي طريجة،  طبعاً كيف ما جولتلك إن هروب زينب خلي سيرتها علي كل لسان و ده يبجي في وشي أني وأبوي.

تنهد سليم بنفاذ صبر وقال:  
_ ما خلاص أتجوزنا يا رافع ومحدش هيقدر ينطق بكلمة في حقها  والي يتكلم أقطعله لسانه أو أبعته لرجالتي وهم هيقومو معاه بالواجب.

دك رافع بالعصا في الأرض وقال:
_ ده في عرفك أنت يا چوز أختي،  لكن في عرفنا بيبجي الأمر غير إكده.

_ يعني عايزني أعملك أي مش فاهمك.

حدجه بإصرار وحزم فقال:  
_ تدخل عليها بلدي. 
ــــــــــــــــــــــــــــ،

•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية

تعليقات