رواية ورقة التين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل الرابع عشر 14 - بقلم داليا الكومي


إضافة بعض القطرات من ماء الزهر لماء الشرب يجعل الطعم رائعًا منعشًا هكذا هي الصحبة الحلوة في حياتنا تجعل طعم الحياة أروع وأكثر بهجة وأمنًا..

حينما تحين لحظة الاختبار الحقيقية  النتيجة أحيانًا تكون صادمة لأنها تظهر حقيقتك .. من أنت حقًا بلا أي زيف أو محاولة للتجمل .. هل أنت ذاك المثالي الذي تدعي أم أنت مجرد منافق آخر في الدرك الأسفل من النار ؟؟

والآن يمر بأصعب اختبار في حياته.. عليه أن يسمح للطبيب الوسيم الذي يعلم جيدًا مدى اعجابه بربى بفحصها ولمسها والتقرب منها..

هل ستعجب به ربى ؟؟ هل يستطيع منعها من مقابلته ؟؟ هل سيكون أنانيًا لعينًا ويحرمها من فرصة التشافي الكاملة على يد طبيب ماهر؟؟ وهل من حقه حجبها عن الناس ؟؟

يحجبها أساسًا بأي صفة ؟؟ هي لم توافق بعد على الزواج ليحكم عليها بالانتماء له وحده..

لكنه لا يملك الشجاعة الكافية ليعرض عليها الاختيار بينه وبين الطبيب.. ربما يكون الطبيب يملك كل شيء لا يملكه هو لكنه لا يحبها كما يحبها هو ولن يفعل مهما مر الوقت..

الحب .. الحب هو المحرك الرئيسي لي يا ربى ولن أفعل أي شيء سوى حبكِ لذلك تمسك بكتفيها ليقول بحنان بالغ ..- ربى كان حلمكِ دخول كلية الطب وأنا أخبركِ الآن أنه بامكانكِ تحقيق حلمكِ هذا حتى ولو على حساب قلبي أنا شخصيًا .. أنا سألت في الجامعات الخاصة وتأكدت من أنكِ تستطيعي التقديم في أيًا منها وأنا سأمول تعليمكِ  وأحميكِ من هذا الحيوان المتحرش حتى تتخرجي فلا تحملي الهم.. أنا أحبكِ ربى لدرجة تجعلني أتخلى عن أي شيء في سبيل سعادتكِ حتى عن حبي وعن أرضي..

                                                      **

هل من الممكن أن تتحق الأحلام يومًا ؟؟ هل هذا واردًا في قاموسها الشخصي..

لطالما تحملت من الهم ما لم يتحمله بشر .. كانت تتحمل سوء خلق والدها وتنفذ كل طلباته كي لا يغضب فتفقد حتى أقل القليل الذي كان يقدمها لها ولعاصم وكي لا يصرخ عليهما وربما يطردهما في الشارع فتصبح عارية المأوى والروح.. تحملت خدمة السكارى ولاعبي القمار على أمل تحصيل فتاتًا  من طاولاتهم يصلح للأكل ربما يسد جوع عاصم الذي كان يشتد خاصة في الليل..

تحملت ألم الغيرة الحارق وشاهدت خطبة حبيبها بعينيها وكتب عليها حتى عدم إظهار كسرة قلبها .. تحملت العمل كخادمة حتى ولو لم يصرح لها بأنه تكون من أجل توفير مأوى آمن لعاصم تحملت ولم تعترض أو تشتكي صبرت وقاومت وناضلت للبقاء على قيد الحياة وعلى قيد الأمان واليوم يتغير كل هذا ؟؟ لا هي ليست من  أؤلئك المحظوظون.. هناك شيء رهيب سيحدث وستستيقظ عليه كعادتها لتفاجىء بالحقيقة المرة.. لا هذا لا يحدث.. لا منذر يصرح بحبه ولا حتى يعرض عليها تحقيق حلمها الكبير .. هي تحلم .. هي مازالت في غيبوبتها لكن حتى أحلامها لم تكن رائعة في السابق أحلامها كانت دائمًا " كوابيس " ..

لكن منذر مازال يتحدث وتسمعه وهو يهزها بلطف..- من اليوم أنتِ سيدة قراركِ .. اختاري الأنسب لكِ بدون أي ضغوط أو خوف واعلمي أن هنا سيظل منزلكِ ومأوائكِ مهما أن كان قراركِ وأن عاصم مسؤوليتي حتى أوصله لبر الأمان .. لا أريد أي شيء سوى سعادتكِ وأمانكِ..

قالها وانسحب واختفى في الغيط .. لن يتجرأ على حضور المواجهة .. من اليوم أنتِ حرة يا ربى.. حرة حتى مني حتى ولو بكيت بدلًا من الدموع دماء..

كانت لا تزال تقف مبهوتة عاجزة عن التصديق منفصلة عن الواقع حتى شعرت بفوزية تجذبها للعودة لداخل المنزل قائلة..- هيا ربى حضر الطبيب لفحصكِ..

منذ أن استردت وعيها وهي لم ترى الطبيب فقط الممرضة التي تحضر وتعاينها ثم تعطي تقرير مفصلًا له .. هي ليست بحاجة لطبيب هي بحاجة للانفراد بنفسها للتفكير فيما يقوله منذر.. لأول مرة تراه ضعيفًا هكذا فاقدًا الثقة في نفسه.. الحيرة لا تكمن فقط في صعوبة الاختيار بل الأكثر حيرة  قبولها للبقاء هنا وتعريضهم للخطر مجددًا .. صحيح في الماضي كانت الجامعة هي حلمها لكن اليوم حلمها يختلف .. حلمها فقط البقاء لجوار منذر وفي حضنه..

- ربي .. هيا لماذا أنت متخشبة هكذا ؟؟

وهزت رأسها بفهم.. حسنًا فوزية ..لكن الطبيب أتى في وقت غير مناسب البتة..

وحينما وصلت كان الطبيب يرتشف قهوته ونهض من فوره قائلًا بإعجاب..- ما شاء الله مريضتنا تحسنت كثيرًا.. العملية التي أجريتها لكِ تمت بنجاح.. كانت من أصعب العمليات لأن النزيف كان من الممكن أن يتسبب في مضاعفات خطيرة والعملية نفسها كان من الممكن أن تتتسبب في مضاعفات أخطر.. الحمد لله..

- شكرًا لك.. كيف يمكنني شكرك لاهتمامك ولحضورك بنفسك..

يا الله هل هذا صوتها ؟؟ كان.. كان مثل تغريد طائر نادر.. صوتها يماثلها جمالًا.. لم يستطع منع نفسه من الحضور مع أنه يعلم بزواجها لكن حتى سيتخذ حجة للحديث معها .. حجة الاعتذار مثلًا عن صدم والده لها.. وظهر الندم فورًا على ملامحه حينما تذكر هذا .. تشكره وهما السبب ؟؟

فقال بنبرة اعتذار واضحة ..- لا تشكريني أبدًا هذا وجبي وأقل ما كان يمكن تقديمه للتكفير عن ذنبنا..

- ذنبكم ؟؟ كيف لا أفهم..

وعلق عم قدري بتفسير ..- الدكتور شادي يكون ابن صديقي رمزي الذي صدمكِ بسيارته..

وعادت إليها زكريات هذا اليوم كاملة دفعة واحدة لكن بصورة غير مرتبة وكأنها لعبة بازل تحتاج للترتيب ما فعله الخسيس شاكر موقف منذر فرارها رغبتها في الانتحار صور ومشاهد تمر وتمر وتعجز عن ترتيبها بالصورة الصحيحة .. للآن لم تتوقف للتفكير في الحادث  وكل ما كانت تفكر فيه هو الهجوم على المنزل وتغير منذر الواضح وفجأة تذكرت كل ما حدث بكلمة.. كانت تحاول استجماع الصور المنقوصة وجمعها معًا ليكتمل المشهد ولكن تركيزها قطع بحضور منذر من هروبه القصير.. كان متجهم الوجه حزين.. وعلق الدكتور شادي ..- أريد فحصها إذا سمحتم لي..

وارتفعت الدماء لرأسه.. سيفحصها يعني سيلمسها حتى ولو كطبيب.. لماذا عاد ليحضر الفحص ؟؟ ألم يكن تجنبه للوضع أسلم وأكثر راحة.. هل سيعود ذاك العصبي الغبي ويسبب لها الضرر.. لكن الغيرة قاتلة تجفف العروق وتجعل الحامض الكاوي يسير فيها بدلًا من الدماء.. وشعر عم قدري بالصراع الدائر داخل ولده وحاول تلطيف الجو قائلًا ..- ما حدث كان قضاءً وقدرًا لا تحملا الهم وربى وحدها لها الحق في منحك إذن الكشف..

وتعلق نظر منذر بربى هل ستسمح له ؟؟ لكنها لم تكن تقف باتزان كانت تترنح و تضع أصابعها في حركة متوترة على رأسها وتهزها.. يا الله هي لا تبدو بخير أبدًا.. ربما على الطبيب فحصها أيًا كان ما يشعر به.. وشعر بها ترتجف كورقة مكسينة في مهب الريح.. فحملها بين ذراعيه وأرقدها على الأريكة وهتف بذعر..     - ربى هل أنتِ بخير ؟؟

وسمح للطبيب بالاقتراب فتحسس نبضها بأصابعه وأخرج جهاز قياس ضغط الدم الزئبقي من حقيبته وشبكه في ذراعها قائلًا ..- هل تشعرين بدوار ؟؟

لا لا هزت رأسها لم يكن دوار بالمعني المعروف أرادت الشرح كانت تشعر بصدمة وكأن مطرقة ضربتها ثم شعرت بعدها بحيرة بالغة وخوف دفين وكان أحدهم يطاردها وحينما حملها منذر عاد لها الأمان.. لقد تسببت في القلق للجميع وعليها طمئنتهم.. لذلك كانت تهم بقول شيء آخر مفاده أنها بخير لكن فجأة عادت ذكريات ذاك اليوم الكئيب لها لكن مرتبة هذه المرة ودون تشويش حتى لحظة فقدانها للرغبة في الحياة ونيتها في الانتحار لكن أيضًا ألم الخوف عاد إليها أضعافًا مضاعفة  وعلمت سبب الخوف الذي تشعر به الآن..

كل ما يحدث هي السبب فيه هي " شؤم ".. ودون أن تعي هتفت بعذاب.. - يومها وجدت رجال يزيد مع مخلوف صديقك من القرية وكانوا يحاولون اللحاق بي فقررت الانتحار لكن السيارة صدمتني قبل أن ألقي نفسي في الترعة..

                                                              **

نخسر كثيرًا حينما نسمح للغضب في التحكم فينا.. الغضب نار والوضوء يطفيها لذلك فور توصيله للطبيب حتى سيارته شرع في الوضوء فماء الوضوء يطفيء ناره المتوهجة بلهب الغضب..

لو تصرف بعصبيه الآن سيخسر كل شيء حتى عنصر المفاجأة..

الحقير مخلوف لا يعلم أنه كشف وهذا يمنحهم تميزًا ولن يخسره بتهوره.. كان يكاد يجن من اختفاء المجرم وكأنه فص ملح وذاب في قرية صغيرة كقريتهم وكان يستبعد تمامًا تواطيء أحد من القرية فهو يعرفهم جيدًا لكن ذكر مخلوف أعطى للأمر الكثير من المنطقية .. فمن غيره  " دنيء " ويفعلها ؟؟ لا أحد.. الإجابة حقًا لا أحد غيره..

وكانوا من الحكمة أن تداركوا الأمر وعلقوا فقط على رغبتها في الانتحار وضرورة المتابعة مع الطبيب النفسي أمام شادي الذي لم يجعله هذا يشعر بتحسن كبير فالنتيجة والده من صدمها وتسبب لها في الحالة الصحية الصعبة تلك حتى ولو كانت فكرة الانتحار راودتها وأصابه هذا بحسرة.. وحقًا لا يبدو عليها الآن أنها بحاجة لطبيب نفسي.. تحسنت بشكل كبير كان يستنكر تصرف زوجها حينما رفض خضوعها للجلسات والآن علم السبب " هو علاجها "..

تلك الفتاة الملائكية كانت حزينة حينما عاينها في بداية الأمر.. حزينة حتى في غيبوبتها لكن هذا لا يبدو عليها الآن اليوم متوردة ومتفتحة كزهرة تغري الجميع بقطفها لكنه يعلم أنها زهرة رجل آخر لذلك وجب عليه الرحيل قبل أن يتعلق بها أكثر..

ماذا يفعل هنا من الأساس ؟؟

يجب أن يرحل الآن كان هذا  أيضًا كل تفكير العائلة بعد ما قالته ربى فمن ناحية لا يريدون الخوض في سيرتها أمامه بذكر تصرفات الحيوان يزيد ورغبته فيها ومن ناحية لا يريدون أن يفهم تورط مخلوف فيفسد عليهم الأمر بطريقة أو بأخرى حتى ولو بدون قصد..

من حسن حظهم أنهم محاطون بأشخاص سليمة الفطرة وأنقياء يعتمد عليهم وقت الشدة وينامون باطمئنان في وسطهم آمنين على أنفسهم وأموالهم بمجرد التفكير في قربهم والقلة القليلة أمثال عائلة حمدون ومخلوف لا تعبر سوى عن نفسها والحمد لله أن المتورط في إخفاء يزيد لم يكن أحدًا آخرًا بخلاف مخلوف فالعيب لا يعد عيبًا من أهله..

وعاد منذر من رحلة وضوئه أكثر هدوئًا لكن أكثر غضبًا أيضًا .. التفكير السليم يحتاج للهدوء والأخذ بالثأر يحتاج للغضب  لذلك وجب الهدوء ليكون الأخذ بالثأر بطريقة مشروعة..

المهم فالأهم.. كانت ربى مازالت ترتعد لذلك قادها لغرفتها برقة..- ربى أنتِ زوجتي شرعيًا ولا يستطيع أي مخلوق لمس طرف ثوبكِ طالما أنا على قيد الحياة..

وكأنك تطمئني هكذا ؟؟ أنا لا أخشى على نفسي منذر أنا أخاف عليك أنت وعاصم فأنتما أحب شخصان لي في هذه الدنيا وأدفع عمري راضية في سبيل ألا يصيبكما مكروه..

وشعر بما تعانيه وبخوفها لذلك ضمها برفق وهمس في أذنيها ..- أعدكِ ربى سأعود بخير..

وارتجفت بشدة..- لا تذهب أرجوك.. دعه يهرب ربما ينسانا..

وأبعدها قليلًا لينظر في عينيها..- ربى مازالت استعادة الأحداث لديكِ بطيئة نوعا مًا وتأتي تباعًا.. يوم هجومه علينا هجم چوچو عليه وفقأ عينه هل تعتقدين أنه سيمرر الأمر مرور الكرام ؟؟ حتى ولو لم يستطع لمسكِ سيؤذيكِ بطرق عدة منها إيذاء من تحبين.. لا أستطيع تركه لكن لدي خطة.. لن أتصرف بتهور وغضب فأفسد الأمر ثقي بي هل تستطعين ؟؟

                                                      **   

تمت المهمة بنجاح.. كانت تشعر بالحرية أخيرًا والقطار ينطلق لوجهته.. فقط نصف ساعة نفصلها عن الشهرة والمجد.. مع كل مبنى أو شجرة تمر عبر النافذة أثناء مراقبتها للطريق كانت تشعر بحرية أكبر حتى توقف القطار في محطة رمسيس وترجلت منه بثقة .. لأول مرة تكون في القاهرة بمفردها.. وراجعت خطتها.. ستختار أفخم مقهي في حي راق من هؤلاء الذين يقصدهم النجوم وستلجأ إليه ليكتشفها أحدهم .. كانت قد بحثت سابقًا على الانترنت وحددت أحدهم " مقهى الفور سيزونز" لطالما شاهدت النجوم يقصدونه في الصور..

الأمور تسير بصورة جيدة لكن الوقت مازال باكرًا والنجوم لا يستيقظون باكرًا أبدًا.. كيف ستقضي كل هذا الوقت في المقهى حتى يحين الوقت؟؟

كان الأمر البديهي أن تقضي مزيدًا من الوقت في التسكع في المنطقة المحيطة بالمحطة..

وبدأت تشعر بالجوع والارهاق والتعب والبرودة الشديدة.. لن تستطيع التفريط في أي قرش مما تملك حاليًا حتى لشراء طعام لتتمكن من دخول " الفور سيزونز" لذلك تحملت  بشق الأنفس حتى العصر فكل ثروتها ستكون ثمن  بيع دبلة منذر فهو لم يستردها منها ولا تذكرتها فوزية مع الخاتم أثناء مطالبتها لها به ولم يتذكرها والداها حتى فرت تحملها.. وتسكعت وتسكعت وبعدما باعت الدبلة بثمن معقول جدًا بدأت تفكر في الخطوة القادمة.. إلى الشهرة والمجد..

وبعد عدة دقائق كانت في سيارة أجرة تحملها لوجهتها المنشودة..

                                                           **

أنت فقط تحصد ما زرعته.. لو كان قدم السبت كما يقولون لكان وجد الأحد لم يسأل عليه نفر من القرية على الرغم من غيبته  لأيام لم يظهر فيها طرفه وحتى لم يهتم بأرضه لأنه لم يبادر يومًا بالسؤال على أحدهم.. دائمًا كان مصدرًا للإزعاج فقط وكانوا يتقبلونه على مضض لكن حينما حانت لحظة الحسم علم عن قيمته الحقيقية لديهم " لا شيء البتة " لذلك حينما نظر اليوم من النافذة انقبض قلبه داخل صدره..

الحركة حول منزله ومع أنها تبدو عادية لكنه يشعر بالقلق.. من النادر تجمع أهل القرية كما يفعلون الآن بدون مناسبة كعيد أو زفاف أو عزاء..

هل كشف أمره ؟؟ ستكون القاضية..

 عاش  فقيرًا ثم محتجزًا في منزله  وسيتعفن فقيرًا ثم محتجزًا في زنزانة لنهاية عمره..

ونظر من النافذة بقلق بالغ .. صحيح يبدو عليهم الهدوء لكن تجمعهم بثير قلقه.. هل يتشكك بزيادة  لأنه مذنب؟؟ " اللي على رأسه بطحة " كما يقولون .. ربما فرصته الوحيدة هي ادعاء احتلال منزله بالقوة لكنه عليه المبادرة بفضحهما .. من الجيد أنهما لا يشعران بما يحدث في الخارج فالهدوء يعم المكان ويتجمع الرجال بدون أي ضجة أو ضوضاء فقط يتزايد عددهم ويسيرون في صف واحد وكأنهم يشيعون جنازة.. هل مات أحدًا من القرية وهو لا يعلم أم سيكون هو النعش الذي سوف يشيعونه ؟؟

حرص يزيد وزكريا البالغ في الاختفاء يجعلهما لا يقتربان من النوافذ وهدوء الرجال في الخارج لا يثير في نفسيهما أي ريبة لذلك الآن هي فرصته الوحيدة سينتظر حتى يذهب أحد الرجلين إلى المرحاض ويغافل الآخر ويفتح الباب ويركض بكل قوته صارخًا " النجدة يا قوم " ربما يخيل عليهم الأمر ففي النهاية تلك فرصته الوحيدة فوقته يتناقص..

                                                             **

" ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " 

كيف يستطيع الملحد العيش وهو لا يقتنع بوجود رب يدعوه وقت الشدة ويطمئن بوجوده وقت الخوف ؟؟ الحمد لله على نعمة الإيمان التي تجعلنا نطمئن بوجود خالق أعظم نلجأ إليه فلا يخذلنا..

كان لديها الكثير من الوقت خلال فترة  نقاهتها للتفكير.. المحن التي لا تقتلنا تصقلنا ونخرج منها بتفكير أعمق وأكثر قدرة على الفهم.. وهذا بان أثره عليها حقًا حاليًا فحتى الخوف الشديد الذي شعرت به مع معرفتها لاحتمالية تواجد يزيد في منزل مخلوف أو معرفته بمكانه على الأقل تلاشى حينما اطمئنت بذكر الله وهذا جعلها تحمد الله على هذا الشعور الذي يعطيه لنا  الإيمان والتوكل على الله حق توكله ..

التوكل على الله ثم الثقة في منذر مفتاحا الفرج .. هو طلب منها الثقة فيه وهي تفعل .. من فتح منزله لهما بدون مقابل على الرغم مما يسببه وجودهما من ألم له ويحميهما بحياته ليخيف حتى الفرعون يزيد سيكون قادرًا على حماية نفسه..

والأهم هنا تعلمت أشياء جديدة عليها كليًا كالجار للجار كأنه من دمه والمؤمن للمؤمن " كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ "  ومصطلحات لم تكن في قاموسها من قبل  ك " النخوة والتعاون والعطاء " ..

منذ أن تركها منذر وذهب ليعد العدة وهي تفكر وتفكر من حسن حظها أنه كان يتحدث طوال الوقت أمام بابها لتعلم أنه يفكر ويخطط كما وعدها وأنه لن يلقي بنفسه للتهلكة وأنه من الجيد الثقة في شخصًا ما وحينما تردد اسم عاطف على مسامعها علقت فوزية بتوضيح ..- عاطف صديق منذر منذ الطفولة لم يفترقا يومًا وكان أحد الشاهدين على عقد زواجكما هو وغندور..

لا تقلقي ربى منذر سيستعين بالمخلصين والحق معه.. عاطف مصدرًا للثقة..

بالطبع هو كذلك لقد وثق في منذر وشهد على عقد زواج لم يكن موجودًا من الأساس لثقته فيه

كل من تعامل مع منذر منحه شيكًا على بياض لأنه يستحق الثقة ولم يخذل من وثق فيه يومًا..

وأكملت الاستماع ..- هل خرج أحدهم من المنزل ؟؟ كان منذر يسأل محدثه وبالطبع لم تستطيع سماع الإجابة وأكمل منذر ..- الرجال يحيطون منزل مخلوف من كل جانب ومع أنه مختفي منذ عدة أيام لكن أنوار منزله مضاءة مما يعني أنه بالداخل وربما لن يكون بمفرده وأنا أبلغت الشرطة التي سوف تهاجم شريطة أن ترى يزيد .. لن يهاجموا منزل مخلوف دون سبب..  

لم تستطيع سماع ما يقوله عاطف لكن إجابة منذر كانت شافية .. - سأخرجه لهم بنفسي..

                                                             **

ورغمًا عنها شعرت بالغثيان.. على الرغم من ثقتها في منذر لكن ابيض وجهها وشعرت بدوار شديد ورغبة عارمة في القيء.. ستتماسك كي لا تقلق ربى لكن يبدو أنها مريضة للغاية ووضعت يدها على فمها في حركة لا حظتها ربى جيدًا لكنها هرعت للخارج لتمنع منذر من جنونه ثم تهتم بفوزية لاحقًا لكن للأسف حركتها البطيئة لم تسعفها وكان منذر قد اختفي فحاولت اللحاق به لأسفل تتبعها فوزية لكن لدي وصولهما وجدت منذر وغندور يركبان شاحنة منذر وينطلقان كالصاروخ وسمعت جلبة بسيطة خلفها فالتفتت لتجد فوزية خرت أرضًا فاقدة للوعي..

" فوزية .. هل أنتِ بخير؟؟ " وحضر مهند وعاصم على الفور.. وراقبتهما منذ اللحظة الأولى كانا يقفان بلا حراك لأول مرة في حياتهما بدون الكثير من الصخب ربما لإدراكهما لخطورة الأمر وساعداها في رفعها للأريكة في التراس وكان عم قدري يردد.." اللهم الطف بنا فيما جرت به المقادير " ..

وركض ليحضر قارورة عطر وفتحها أمام أنفها ففتحت عينيها فجأة وصرخت بامعتاض ومالت لتتقيأ وهي تعتذر من الجميع بإحراج..

وبعدما هدأت حاولت النهوض لإصلاح الفوضى التي أحدثتها منعها عم قدري قائلًا بحسم لا يقبل الجدل..     - أنا أنظفها بنفسي.. ارتاحي يا ابنتي..

لكنها صرخت برفض قاطع وحاولت النهوض لكن الدوار تمكن منها فأجلستها ربى برفق قائلة..- هذا دورنا لرد جميلكِ فوزية ارتاحي حبيبتي.. أنا سأنظف..

لكن عم قدري لم يمنح إحداهما أي فرصة ففي لحظات كان يجمع البساط  الملوث ويلقيه في حوض شرب الحيوانات ويفتح عليه الماء ويطلب من مهند سكب مسحوق الغسيل عليه..

- والحيوانات ؟

- الحيوانات لا تشرب في الليل لا تخف مهند لن يصيبهم مكروه سأكون أفرغت الحوض قبل الصباح بكثير.. أنا ألهي نفسي عن التفكير فيما يحدث حاليًا..

وحاولت ربى طمئنة فوزية..- لا تخافي سيكونا بخير.. غثيانها من الخوف بلا شك..

وفجأة شعرت فوزية بخاطرة عجيبة .. هل حقًا من الممكن حدوث هذا وبعد كل هذا الوقت .. أحداث الشهر الأخير لم تجعلها تتوقف للتفكير .. لقد فوتت دورتها الشهرية منذ أكثر من شهرين ومع غثيانها فلربما تكون أخيرًا ستصبح أمًا .. الله اللطيف يجبر خواطرهم دائمًا وفي هذا الوقت بالتحديد ليمنحهم الأمل..

المولود الجديد سيكون هبة الله لهم جميعًا وبشرى الخير .. وتمسكت بكفي ربى قائلة بعدم تصديق..- ربى أنا حامل..

دائمًا ارتبطت الزراعة بالخير فطرح الأرض هو مصدر الخير للبشر فمنه يقتاتون وعليه ترعى الحيوانات لتأكل من العشب والكلأ وتتغيير الفصول فتتغير المحاصيل ولكل فصل رائحة تدل على محصوله وفصل الشتاء رائحته رائحة المطر الممتزج بتراب الأرض والمعطر بعطر أشجار البرتقال حيث تجمع أوراقها ليصنع منها ماء الزهر ..

أوراق التين سترتها وأوراق البرتقال الفواحة لطفت الجو بشذاها العطر .. حديقة منذر جنة مصغرة صنعها بحب ومن يعطي الحب لا يجد سوى الحب .. كان قلبها معلقا بما يحدث في الخارج لكن الأمل الذي بثته فوزية فيها جعلها تشعر بقشعريرة .. فكرة قدوم طفل واليوم بالخصوص تحمل في طياتها رسالة..

كانت مخطئة حينما ظنت أن الحب مؤلمًا ومخيفًا..

الحب شربة من خروع تأخذها على الرغم من مرارتها لأنك تعلم فوائدها .. الحب يغسل الماضي ربما بالكثير من الألم لكنه يغسله لتعود بريئًا كما طفل فوزية واشتاقت لحمل طفل منذر وكان قرارها قاطعًا سترفض عرضه .. الأمان في جنته لا يعادله أمان والبقاء بقربه منتهى الأحلام .. الأحلام تتغير وحلمها الآن البقاء في جنته للأبد..

                                                         **

نظراته وحدها تجعلها تشعر بصواب قرارها .. كان يراقبها منذ ساعات بلا ملل لكن لا يبدو عليه أنه من المشاهير .. نظراته كانت تجربة لما سيكون فإن راقبها بإعجاب هكذا فسيفعل غيره ممن سيحملوها للشهرة والمجد لكن أين هم لماذا لم يظهروا حتى الآن ؟؟ ورطتها تتزايد ..

- هاكِ الشيك .. حانت النهاية وانتهت أحلامها قبل أن تبدأ والبلاهة السابقة تحولت لرعب ..

كانت تشعر برعب بالغ الليل حل سريعًا ولم تتمكن من الوصول لأي شيء ولا تعلم حتى أين ستبيت ليلتها وكانت على وشك البكاء والنادل يطالبها بالمغادرة " حان موعد الاغلاق "..

 اللعنة!!..

مهما عاشت من عمر لم تكن تتخيل أسعار هذا المطعم الخرافية فبعدما طلبت وجبتها وقضت معظم اليوم تنتظر حضور النجوم ولم يحضر أحد قررت المغادرة أخيرًا وهمت بالحساب لتكتشف الفاجعة .. بالطبع ما تبقى معها من أموال مع ثمن الدبلة لم تكفيا  للدفع وضحكت بصوت عال كالمخابيل " لقد ورطت نفسها في مصيبة وضحكتها جعلت النادل يحضر من فوره ليطالبها بالحساب فمنظرها كان مثيرًا للريبة بملابسها الغير مألوفة في مجتمع الفورسيزونز وحقيبة سفرها البالية التي تحتوي على باقي قطعها التي تماثل ما ترتديه..

‎واقترب منها الرجل الذي يراقبها وهتف بلين.. - اسمحي لي بمساعدتك أشعر أنكِ في ورطة حدثي يخبرني بهذا..

ولم تتمالك نفسها وانهارت في البكاء.. - لا  تبكي آنستي كيف يمكنني مساعدتكِ؟؟

‎وهتفت بلهفة... - وهل تستطيع؟؟

‎وعاد النادل ليقول بتأفف ..- هي ترفض المغادرة مشهور بك..

‎واطمئنت قليلًا يبدو أنه شخصية شهيرة هنا فأشار إليه قائلًا.. - أنا أحل الأمر .. شهير هنا يعني ثريًا .. من يستطيع القدوم هنا ليكون " شهيرًا " إلا إذا كان ثريًا وجدًا..

‎وهدأت برلنتي بنسبة كبيرة مع وصولها لهذه النتيجة..

‎وقال مشهور بصراحة.. - ما مشكلتكِ هل نفذت أموالكِ ؟؟

‎وهزت رأسها وقالت تغالب دموعها.. - نفذت أموالي ولا مكان أبيت فيه

‎أنا ضائعة وغريبة عن العاصمة..

- في خدمتك جميلتي .. ضع حسابها على حسابي..

وشكرته محاولة أن تبدي رقةً وضعفًا ..- شكرًا لك .. لقد ساعدتني في الجزء الأسهل ويتبقى الأصعب .. أين سأبيت ليلتي حتى أعود لمنزلي ؟؟

‎وابتسم الذئب ليبدو كالحمل .. - هناك بيت مغتربات جيد دعيني اصطحبك إليه..

                                                           ** 

وعلى الباغي تدور الدوائر..

أنت كاذب لعين..

وتوقف الزمن..

 منذر ينعته بالكذب ولم يعد هناك مجالًا للتراجع فالعدو خلفه والشرطة أمامه..

عودة لدقائق سابقة..

ها قد واتته الفرصة التي ينتظرها .. كان طوال الأيام الماضية يتسآل من أشد خطورة يزيد أم زكريا والإجابة محسومة بالتأكيد .. يزيد يستأجر زكريا كماكينة للقتل بالإضافة يزيد أصبح أعورًا متألمًا مصابًا بالحمى  لهذا فخطورته تتضآل لذلك حينما ذهب زكريا الدموي للمرحاض انتهزها فرصة وفتح باب منزله ليركض للخارج صارخًا بكل عزمه " النجدة " هناك قاتلين يحتلان منزلي ويحتجزاني بالقوة .. لكن لسوء حظه ظهر منذر الذي لم يكن يراه من بين الحشود يتبعه رجال الشرطة وكان يصرخ بغضب ..- أنت كاذب لعين ..

ثم يكمل ..- أنت على علاقة برجال يزيد أبو الخير منذ البداية .. أنت شوهدت معهما يوم حادث زوجتي ..

ومع اعترلفه أحاط رجال الشرطة بمنزله في لحظات لم يعدوا بحاجة لمنذر فاعتراف مخلوف واضح ووضع أحدهم الأغلال في معصميه واقتحموا المنزل من فورهم ليخرجوا بزوج من القتلة في مشهد مهيب وتنفس منذر الصعداء .. الحمد لله ..

لكن يزيد كان يصرخ " إياك أن تعتقد أنها النهاية .. سأخرج ببساطة أنت لا تعرف من أنا وسأنتقم وسترى وجهي الآخر تذكر هذا..

وحملت سيارات الشرطة المعتدين ومعهم مخلوف .. صحيح شعر براحة نسبية لكن مازال قلقه قائمًا .. سيخرج منها أبو الخير إن عاجلا أو آجلا ويهدد بالانتقام .. لكن كل ما يهمه أن يأخذ انتقامه منه هو وتظل ربى محمية آمنة مطمئنة..

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات