رواية ورقة التين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم داليا الكومي

 رواية ورقة التين الفصل الثالث عشر 13 - بقلم داليا الكومي


 " فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ "

اعداد الحساء الساخن في يوم بارد من أحب الأشياء لقلبها خاصة حساء اليقطين الشتوي الذي ساهم كثيرًا في تحسن ربى.. أرض منذر أرض الخير من خيرها لا ينبت إلا الطيب واليقطين الشتوي هذه السنة صح كثيرًا ومع أول ثمرة عملاقة يحضرها لها منذر من الأرض علمت أن فيها دواءً لربى.. تعجب الكثيرون ومنهم غندور من قرار منذر السابق بزراعته لأول مرة لكن هناك دائمًا حكمة لا يعلمها إلا الله فاليقطين الآن غذاء ودواء واستشفاء.. وعلى الرغم من غثيانها الدائم والذي لا تعرف سببه لكن اعداد اليقطين بالخصوص سواء كان حلوًا أو حادقًا لا يسبب لها الغثيان..

- امممم أريد صينية القرع بالبشاميل كالتي أعددتيها بالأمس..

كان مهند هو المتسلل لمطبخها هذه المرة يتبعه عاصم..

صحيح لم يهبها الله أطفالًا حتى اليوم لكن مهند وعاصم يمنحان الحياة للمنزل بصخبهما وشقاوتهما وبساطتهما.. لا تعقيد لا شر لا خبث.. فقط بساطة وتلقائية تضاد الخبث من حولهم في الخارج والشر القابع في نفوس البعض..

كيف علما عنها وهي تخفيها في المبرد؟؟

وشهقت بارتياع.. - هل أجهزتما على الصينية بكاملها؟؟ كنت أحفظها مبردة لليوم..

وتبادل مهند وعاصم النظرات وقال عاصم بخجل.. - ليس كلها يتبقى القليل فقط.. الصينية كانت لذيذة وأريد أن تتذوقها ربى لذلك حضرنا لنطلب منكِ اعداد المزيد..

فابتسمت بحنان.. - لأجل عيون ربى سأعد المزيد.. اليقطين يقويها ويجعلها تسترد عافيتها سريعًا وأنتما أيها العفريتان إياكما من المساس بالصينية الجديدة هل تسمعان ؟؟

وتعانق الصبيان بسرور وكأنهما انتصرا في معركة حربية وأمام نظراتها المصدومة فتحا المبرد وتناولا بقايا الصينية التي كانت تحفظها مغطاة ولا تعلم مصيرها الحالي وانطلقا لخارج المطبخ يهللان..

- إذًا المتبقي من القديمة من نصيبنا..

                                                    **

الشر لا حدود له وخاصة حينما يصاحبه غل يغذيه وينميه لينمو فيكون بحجم سواد ليل الكرة الأرضية كاملًا..

ربما قبل فقدانه لعينه كان سينسحب تاركًا خصمه للجثة التي يعتني بها فمنظرها المقرف لن يبارح مخيلته مهما عاش وحتى جعله ينسى شكلها الأصلي لكن فقدانه لعينه جعله كذئب جائع خاصة وأنه لا يستطيع حتى الخروج لعلاجها والألم الصارخ يجعله مجنونًا بالكامل وفقط يصرخ ويصرخ..

وصرخ مخلوف هو الآخر بانهيار.. - اصمت أيها اللعين سوف تلم علينا الناس..

الوضع كما هو منذ أيام لا تغيير.. حبيس منزله يخدم مجرمين عتيدي الاجرام ويخفيهما ويعاملونه باحتقار ودونية بل ويحتلان منزله..

من الأساس منزله محتل منذ أسابيع برجال الحقير يزيد ليته فقد حياته لا فقط عينه ليتخلص من هذا الوضع والأسوء أنه حتى لم يستفيد منه ماديًا ولو بجنية بل هو من يصرف عليهم ليعلفهم كالثيران منذ أسابيع..

لم يعد يحتمل فصرخ بانهيار جعل زكريا يخنقه حتى جحظت عيماه وتدلى لسانه وشهق يبحث عن الهواء ثم تركه فجأة ليقول بلهجة مرعبة.. - كلمة واحدة تنطقها ولن أتركك في المرة القادمة.. أنت على قيد الحياة لأنك تفيدنا لو فقدت هذه الميزة ستكون جنيت على نفسك.. ابحث فورًا عن أي مسكن قوي للألم..

وعلق معلوف برعب.. - لم يعد لدي.. هل أذهب لشراء واحدا من الصيدلية ؟؟

وصرخ زكريا بتهديد.. - بالطبع لا هل نحن حمقى ؟؟ في أحسن الظروف إن لم تشي بنا عامدًا ستفر أو سيشتبه بك لأنك عديم الفائدة..

اللعنة لن يسمحا له بالخروج لكن هناك أمل.. مخزونه الغذائي سينفذ قريبًا وسيسمحان له بالخروج إن عاجلًا أو آجلًا لإعادة التعبئة.. ربما يتحمل الحقير الألم وحتى فقدان عين لكنه لن يتحمل الجوع وستكون فرصته حينها..

                                                    **

لم يكن حلمًا ".. "

شهقت بارتياع حينما علمت ما يقصده.. كان يناولها دفترها الخاص ويقول لم يكن حلمًا.. لقد قرأ ما خطه كفها المهتز ذاك اليوم.. واحمر وجهها بشدة وعجزت عن التنفس.. وقبض على ذقنها بأصابعه المشتعلة بالحرارة ليقول بصوت هامس.. - لم يكن حلمًا.. أستطيع قولها اليوم وأنتِ على ذمتي رسميًا وأتمنى أن نعيد كل الحلم بكل ما فيه وبتفاصيل أكثر حميمية وجموحًا..

وارتعدت بشدة مما جعله يكمل.. - أحدثكِ عن رغبتي لا عما سأفعله.. ما زلت عند وعدي ربى لن ألمسكِ إلا برغبتك ولن أتمم زواجنا إلا بذهابكِ للمأذون..

كان يجاهد نفسه للخروج وخرج.. كانت تعلم أنه في أكثر لحظات حياته إثارة من تعبيرات وجهه ومع هذا خرج مغلقًا الباب خلفه ككل يوم بعدما يطمئن عليها.. يمنحها فترة نقاهة حقيقية ويدللها لتنال كل الراحة لكن!!َ

الأفكار المتصارعة لا تترك لها فرصة لا للراحة ولا للتشافي..

لا تستطيع تحميل منذر الذنب فهو ضحية مثلها تمامًا.. وعلى الرغم من هذا يقف صامدًا حاملًا للجميع على كتفيه على الرغم من جروح ظهره الغائرة وألم قلبه الدائم فكيف تلومه ثم الوضع المزري الذي ورطتهم فيه يجعلها تفكر جديًا في الاختفاء لكن توابع اختفائها الأول لم تدفع ثمنها بمفردها بل دفعها الجميع مما يجعلها تعيد التفكير في كل شيء لكن تظل الفكرة المسيطرة عليها " هي كانت وبالا على هذا المنزل الهادئ" لو عاد الزمن هل كانت ستغامر وتأتي ؟؟

" عش ما شئت فإنك ميتٌ وأحبب من شئت، فإنك مفارقه.. "

- صباحكِ خير ورضا من الرحمن..

رفعت رأسها بحنين.. هذا الرجل هو سندها الحقيقي لولاه لما كانت هنا اليوم..

السند ليس بالضرورة أن يكون بدم الولادة لكنه سند بدم الحب.. عم قدري أحب عمتها فأحب كل من على شاكلتها وحماه بحياته..

وحاولت النهوض من فراشها لكنه أعادها برفق.. - ارتاحي يا ابنتي..

وعادت لمكانها ترتقب بلهفة ..

كانت أول مواجهة بينهما منذ الحادث .. هل سيؤنبها على هجوم الحيوان يزيد على المنزل ؟؟ هي السبب..  لو كانت صارحتهم منذ البداية ربما ما كانوا استقبلوها وتعرضوا لكل هذا.. وغمغمت بحزن لتعفيه من الحرج.. - اعتذر عمي عن كل ما سببته لكم من مشاكل لو كنت أعلم ان كل هذا سيحدث لما كنت طرقت هذا الباب.. لكنه لم يبدى عليه الاعجاب من قريب أو من بعيد لكلامها وأنبها حقًا لكن لسبب مختلف.. - هذا الكلام يدل على أنكِ لم تعرفي عائلة أبو الحسن حق المعرفة على الرغم من عشرتكِ لنا.. عائلة أبو الحسن لا تترك لحمها في الشارع يا ابنتي وتدافع عن لحمها ومالها وعرضها بكل ما أوتيت من قوة مهما أن كانت النتائج ومها أن كانت العواقب حتى لو بدمائها.. أنا لم أحضر للحديث في أمر منتهي أنتِ لحمنا وسندافع عنكِ وعن عاصم حتى آخر نفس أنا حضرت اليوم لأشرح لكِ سبب موافقتي على عقد الزواج.. أنا لم أخن ثقتكِ في يا ابنتي ولم أكن وكيلًا عنكِ فيما لا ترغبين لأقهركِ لكن كان هذا الحل الأمثل في تلك الظروف.. كنتِ في غيبوبة لفترة لا يعلمها إلا الله ومنذر جامح ولم يكن يستطع أحدنا إيقافه وكان تقربه منكِ بدون صفة شرعية سيسيء إليكِ وربما يجعل أحدهم يطمع فيكِ وأنتِ لا حول لكِ ولا قوة " في قلوبهم مرض " لهذا فقط وافقت ليكون منذر زوجكِ شرعيًا ثم كانت هناك قرارات مصيرية خاصة بعلاجكِ كانت تحتاج ولي أمركِ لاتخاذها.. صدقني ربى كل ما فعلته كان لأجلكِ أنتِ وحدكِ  لا لأجله وما جعلني أحسم أمري هو معرفتي بمدى تقوى منذر حتى ولو كان جامحًا عنيدًا غيورًا .. هو ولدي وأنا أكثر من يفهمه لولا أني أعلم أنه لن يجبركِ على ما لا تريدينه لأن هذا يخالف الشرع الذي أقسم على احترامه ما كنت وافقت ثم أنا هنا خارج الباب بالمرصاد له حال لعب بذيله..

هل تقبله لفعلته ؟؟ زوجة منذر؟؟  كان حلمًا والآن أصبح حقيقة بجرة قلم.. وابتسمت رغمًا عنها.. وعلقت تلقائيًا.. - أنا حقًا أفوضك أمري فلم يكن لي والد غيرك ولا ألومك أبدًا على ما فعلته..

وتنهد بارتياح.. - الحمد لله لا تعلمي كم رفعتِ من أثقال عن كاهلي وما زلت عند وعدي لن يجبركِ منذر على ما لا تريدينه.. وقتما تقررين الأصلح لكِ سيكون دعمي الكامل لقراركِ أيًا كان حتى وإن خالف هذا ما أريده أو ما يريده منذر..

الحمد لله.. على الرغم من اقتناعه بصوب قراره لكن رؤيته لربى لا تلومه جعلته يتنفس أخيرًا.. أحيانًا تجبرنا الظروف على اتخاذ قرارات مصيرية تخص الغير وبالتالي نتحمل عواقبها كاملة حال تسببنا بظلم العباد حتى ولو كانت بحسن نية لكن النتيجة تظل واحدة ونهض ليؤكد بحسم.. - أنتِ ابنة هذا المنزل يا ربى مثلكِ مثل مهند ومنذر لا فضل لنا عليكِ.. حينما قررت الزواج من زينب تزوجتها بكل مشاكلها وبكل مسؤوليتها وبقيت لأكمل مشوارها لحكمة لا يعلمها إلا الله.. ارتاحي وركزي على تمام تعافيكِ ولا تفكري في القرار الآن..

كان ومازال عم قدري هو السند والدعم حتى لمنذر نفسه يساند الجميع كالوتد ويصلح من أخطائهم جميعًا على الرغم من حزنه الدفين لكن الحب النادر الذي حظي به جعله ما هو عليه الآن.. " السند " ومنذر على الرغم من عصبيته نسخة مصغرة من والده فهل ستكون زينبه التي ستخلد في قلبه إلى الأبد ؟؟

حضور عم قدري لغرفتها حضر في الوقت المناسب ليضاد أفكارها التشاؤمية ويمنحها الثقة في حبهم اللا مشروط.. حب رباني بدون أسباب أو تبرير.. كما وضع الله حبهم في قلبها وضع حبها في قلوبهم ..

" كن فيكون " هكذا هو لب الأمر..

واستجمعت قوتها لتنهض من فراشها.. الأيام تمر بطيئة حقًا لكن تمر اليوم يختلف عن الأمس اليوم استطاعت احكام قبضتها على الفرشاة في تقدم جديد اكتسبته فيما يخص الحركات الدقيقة التي كانت فقدت مهارتها مع المرض الطويل..

لماذا مازال يراها منذر جميلة ؟؟ دهشة حقيقية كانت تهزها بالكامل.. شكلها أقرب للمسوخ كما صورها يزيد فوزنها انخفض كثيرًا وباتت هزيلة حقًا وفقدت بشرتها نضارتها وأصبحت جافة أما شعرها فحتى النصف الذي لم يحلق أصبح مقصفًا جافًا وفقد نعومته والجزء المحلوق نمى ليصبح قصيرا كشعر الرجال خشنًا جدًا ربما سيتحسن مع الوقت لكن وضعها الحالي مزري بمعنى الكلمة لكنها لا تهتم طالما عاصم بخير وأمان..

كان يذهب لمدرسته يوميًا بصحبة منذر الذي استغل فرصة هرب يزيد وانشغاله بالفوضى الحادثة والتهائه عنهم بالرغبة في الهرب وذهب لمدرسته القديمة وتحصل على ملفه بالكامل بلطافة ووسامته جعلت المديرة تعطيه الملف من فوره بفقط شهادة ميلاده التي تثبت أن والدته من عائلة تيجان.. ودبت الغيرة في أحشائها مع أن المديرة تقارب الستين لكنها شعرت بغيرة حارقة رغمًا عنها..

- ما شاء الله عروستنا اليوم أفضل كثيرًا..

كانت فوزية تحمل صينية الفطور وتضعها لجوارها..

فغمغمت بحزن.. - عروسة ؟

- عروسة وسيدة العرائس.. بدر منور في سمائه..

الناس في أفعالها مذاهب وطوائف.. طائفة تنتهج الهدم كوالدها وأمثاله وطائفة كل غرضها الفساد فوجب عليهم حد الحرابة أمثال يزيد وأعوانه وطائفة تتبنى البناء كالتي تعرفت عليها هنا، لا أحد هنا إلا وقلبه ناصع البياض فالخبيث ينبذ ولا يعمر له سن هنا.. الحياة بقدر ما تأخذ منا تعطينا وبقدر ما تحرمنا تمنحنا المهم أن نستشعر الحكمة في المنح وفي الشجب..

- فوزية.. قصي لي شعري..

وشهقت فوزية بحسرة.. - خسارة ربى.. شعركِ كان رائعًا..

- قولتيها بنفسكِ.. " كان " من الحماقة البكاء على اللبن المسكوب لو قصصته سيكون متساويًا وأفضل شكلًا من المسخ الذي أنا عليه الآن وسينمو من جديد على أساس جيد.. أو على أساس واحد على الأقل..

- لا أحد يراكِ مسخًا يا ربى جميعنا نراكِ نفس ربى القديمة فأعيننا لم تتغير ولم يصيبها المرض.. هل تعلمين منذ أن كنتِ في المستشفى وطلبوا من منذر حلاقة شعركِ بالكامل لكنه رفض وأصر على حلاقة الجزء المطلوب للعملية فقط فشعركِ هذا حريتك الشخصية وقرار حلاقته يجب أن يكون قراركِ أنتِ..

- في الماضي قررت حلاقته لأتخفى كالصبيان بعيدًا عن الأذى حتى فتح لي الله باب الجنة ولم أضطر لفعل هذا الأمر الذي كان سيحزنني كثيرًا أما اليوم فقرار حلاقته اتخذه لتصحيح الأمر يا فوزية وعن اقتناع تام.. ما بنى على باطل فهو باطل لذلك يجب علي قص شعري بالكامل لينمو صحيحًا مجددًا وهذا ما أفعله في كل حياتي.. هدم الماضي الأليم لبناء المستقبل.. طالما مازال بداخلنا تعلق ببقايا الماضي السقيم فلن ننجو..

وهزت فوزية كتفيها باستسلام.. - طالما تصرين.. لكني لم أفعلها من قبل وأنا غير مسؤولة عن النتيجة.. وابتسمت بتشجيع..

- ستكون أفضل بأي حال من وضعي الحالي.. هيا لم يعد كما كان لنبكي عليه ربما سينمو مجددًا أفضل مما كان صدقيني.. هاكِ المقص..

بسم الله توكلت على الله..

كان القص من أسهل ما يكون مع أنها المرة الأولى التي تقص فيها شعرًا..

في البداية قصت الجزء الطويل المتبقي ثم استخدمت المقص لتثير عاصفة من عدم التساوي بين الشعيرات مما أعطاها حجمًا وكانت النتيجة مقبولة وابتسمت فوزية بفخر.. - انتهيت..

قرارها بعدم التطلع في المرآة حتى تنتهي فوزية كان في محله.. شكلها الجديد أفضل كثيرًا ربما تشبه الصبيان لكنها لم تعد مسخًا على الأقل والخيوط الجراحية تدارت بالشعيرات النامية.. وكما تسترد صحتها ببطء سينمو شعرها أيضًا حتى ولو ببطء العبرة بالنهايات كحال كل الدنيا والصبر فضيلة لا ينالها إلا ذو حظ عظيم..

 وفجأة صرخ چوچو.. - فزو مقص.. وانطلق يهلل لخارج الغرفة

                                                       **

 (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)

الإنسان ضعيف بطبعه ولديه ميل للغواية وقابلية للإغراء فالشيطان دائمًا بالمرصاد ويقف على باب جنتك لا يستطيع دخولها فيقف مذمومًا مدحورًا لكنه ببساطة يستطيع اخراجك منها لتكون مثله.. والشيطان عدو لنا منذ أن خلق الله آدم وحواء واستطاع غوايتهما حتى استترا بورقة التين لتداري عوارتهما.. الأهم من الخطيئة الندم عليها والتوبة منها وهذا فقط هو ما يجعلنا نستحق فرصة أخرى..

موسم التين انتهى فبأي ورقة ستتستر الآن ؟

هنا وجدت ورقة التين التي دارت عورتها وسترت عوارها لكن الشيطان لن يتركها لتنعم فالحرب لم ولن تنتهي حتى تزول الأرض ومن عليها وتقوم الساعة..

لأول مرة منذ وعكتها الصحية تغادر المنزل.. كانت قد وضعت حجابها لتداري هيئتها الجديدة وخرجت لاستنشاق الهواء في حديقة المنزل وحاولت فوزية مرافقتها لكنها رفضت.. كانت تريد التفكير وحيدة وبلا أي مؤثرات وتستمع بنسيم بارد وقطرات من ماء تسقط على استحياء فلا هي أمطار تغسل الكون بشدتها ولا هي تتوقف ويسود الجفاف..

وشاهدته وتخشبت من الصدمة.. كان منحنيًا على الأرض منهمكًا في عملًا ما ولم ينتبه إليها فترددت كثيرًا.. هل تعود أدراجها أم تنتهزها فرصة للحديث معه.. منذ أن تحدثا من يومين لم يقرب بابها كما وعدها.. يحميها من خلف الحواجز التي وضعها ليحفظ لها حريتها واستقلاليتها.. وكأنه شعر بها فهتف بحماس.. - غندور ارفعني أنا وهي.. الثمرة رائعة وكبيرة..

كان يعتقدها غندور ويعول عليه لمساعدته فيما يفعله ليتها بها قوة لترفعه كما يطلب فتنعم بقربه والحجة " تساعده " وتنحنحت بحرج فترك ثمرة اليقطين العملاقة التي كان يتعلق بها ونهض على الفور يستدير بلهفة.. عرفها من صوت تنفسها ونحنحتها وعلم أنها هي.. وهتف بسعادة حقيقية.. - مرحبًا..

- مرحبًا..

كان صوتها بالكاد مسموعًا لكنه سمعه.. - أنا لست غندور.. ليتني أستطيع مساعدتك..

لم يكن يستطيع إخفاء سعادته ولا يريد اخفائها.. ومع أنه كان يشعر بقلق بالغ لخروجها بمفردها من المنزل والحيوان يزيد مازال طليقًا لكن سعادته برؤيتها تسير وتتحرك وتتفاعل وتتحدث جعلته يتغاضى عن قلقه ثم أنها في المحيط  على كل حال ولم تبتعد كثيرًا ويتناول كفها الرقيق بين يديه ليقول بحنان بالغ.. - هذا من حسن حظي..

واحمر وجهها بخجل.. من الجيد بعد كل ما حدث استعادة لحظات الاثارة كاملة واستعادة لحظات المشاعر الابتدائية بكل عنفوانها.. من الجيد أن المرارة متنحية أمام جبل المشاعر الهيجاء فلم يترك لها مكان.. وقادها لمقعد الياسمين.. حقًا لم تكن الرائحة فواحة لأن الأزهار لا تطرح في الشتاء لكن الدفء لا يزول حتى من الهواء البارد فهو دفء " الحب " وسألها برقة.. - كيف حالكِ ؟؟

بماذا تجيب؟؟ في أحسن حال " محمية ومطمئنة " أم مجروحة ؟؟ هل هي جاحدة ناكرة لتحاسبه ؟؟ لكن على الرغم من كل شيء بعض الألم لا يزول وينقش في الأعماق مهما رددنا لأنفسنا عن المبررات والتعويضات لكن هكذا خلق الإنسان " طماعًا " خاصة فيما يتعلق بالمشاعر و " العشق " يريد كل شيء ولا يقبل بالحب منقوصًا.. وأفكارها انطبعت على وجهها فضربت قبضة ألم قلبه بعنف.. التبرير.. الآن وجب عليه تبرير أفعاله لتزول المرارة حتى وإن زال معها خيط العشق المتبقي طرفها فهذا جزاء أفعاله.. - ربى.. أنا لم أكن يومًا شخصًا عاطفيًا لعينًا لطالما كان عقلي هو رأس مالي حتى أتيت أنتِ لحياتي فانقلبت الموازين وأصبح هذا التغيير مصدر خطر لي وهذا ما جعلني ألجأ لخطبة برلنتي.. الغرض كان الهرب من مشاعري الجياشة وتحولي لشخص عاطفي.. العاطفية تعرقل وتعوق عن التقدم.. أو هكذا كنت أفكر وقتها لكن هذا كان من الخارج فقط أما من داخلي اشتريت الخاتم لأجلكِ ولم أكن أرى سواكِ لم أكن أعاقبكِ على خطايا هارون، مطلقًا كنت أعاقبكِ لأني أحببتكَ فتحولت لأصبح هذا العاطفي الذي لم أكن أستطيع التعامل معه وهارون كان الحجة فقط.. أنا لم أتوقف مطلقًا في حياتي للتفكير في الانتقام أو حتى في الكراهية.. الكراهية كانت وقتية واندفنت مع دفن الغالية وتركته لرب العالمين ليقتص منه.. كنت أبحث عن حجة لعدم حبك وكان هو الحجة لكني لم أفلح في عدم حبكِ وكل ما فعلته كان التسبب في الظلم الحارق لكلانا.. أنا ظلمت نفسي أولًا صدقيني..

واقشعر جسدها بعنف.. يعترف بحبه وبندمه في كلمات مهيبة تجعلها تريد النسيان والصفح والبدء من جديد.. هي أضعف من المقاومة حقًا لكن ليت الأمر ينتهي هنا..

يزيد لن يتوقف حتى وإن لم يعد يريدها لقد أصبح مطلوبًا للعدالة بسبب منذر وخسر عينه بسبب چوچو..

في الماضي كانت وحيدة وكل ما لها كان عاصم اليوم لها عصبة وصحبة وعائلة وحتى حيوانات أليفة.. حياة متكاملة حلمت بها في أحلام يقظتها وتحققت.. منزل رائع ممتلئ بالخيرات وزوج وسيم يحبها بجنون حقيقي يجعله يتصرف بقساوة أحيانًا لكن الأهم أنها تحبه فعلًا على الرغم من كل عيوبه.. فعيوبه في الحقيقة ما هي إلا مميزات العشق الحقيقي" الجنون والجموح والغيرة "..

وشعر بارتعادها فخلع سترته ولفها حولها بحنان.. واعتذر.. - ربما تكون محملة بالغبار من محاولة نزع اليقطينة لكني ارتديتها للتو..

مازال يرى نفسه أقل منها على الرغم من كل شيء.. على الرغم من معرفته أن حياة القصور كانت مجرد ستار وأنها لم تعرف معني الرخاء والحماية والسعادة سوى هنا.. هنا الجنة صدقني وهل يشعر الإنسان سوى بالسعادة في الجنة ؟؟

رائحتك هي نعيمي ومأواي.. ولفت السترة عليها جيدًا في محاولة للتعبير عن مكنون صدرها.. الكلمات تقف عاجزة أحيانًا عن التوصيل لكن معهما دائمًا " لغة الجسد أفلحت ".. ووضع ذراعه حولها بحماية..  ولسوء حظها انسل حجابها من على رأسها ليكشف هيئتها الجديدة فأعادته بأصابع مرتعبة ووجه ممتقع.. سوف يكتشف قصها لشعرها ويراها قبيحة جدًا.. كانت تتمنى تأجيل رؤيته لها حتى ينمو قليلًا على الأقل.. لكن لدهشتها لم يبدي عليه أي دهشة وكأنه يعلم بل بأصابع حازمة أعاد حجابها لرأسها قائلا بصرامة.. - المرة القادمة استخدمي الدبابيس لا أريد لهذا أن يتكرر  مجددًا..

كان حقًا يغار ؟؟ يغار عليها بهيئتها تلك ؟؟ كانت لا تستوعب هذا مطلقًا وعلى الرغم من اقتناعها بصحة تلك الخطوة لكن كانت ستكون مناسبة أمام الجميع إلا أمامه هو بالخصوص.. كانت ستموت لو لم تسأله وهل كنت تعلم ؟؟

فسألته وهي تخفض عينيها أرضًا.. وأجابها بنفس الغضب.. - علمت من چوچو.. ثم أكمل بعصبية.. - شعركِ قصير كان أو طويل لا يحق لأي أحد رؤيته سواي ماذا لو مر أحدهم وشاهدكِ ؟؟ لن أخجل من عنف غيرتي ربى .. الغيرة تؤلم وأنا رجل حامي الدماء وما لي يكون لي وحدي ولا يحق لأحدهم رؤية شعره واحدة من شعركِ ومن يتجرأ على هذا أفقع له عينيه ..

وهل الغيرة تحزن منذر ؟؟ الغيرة والحب متلازمان لا غيرة بدون حب ولا حب بدون غيرة .. وانتبهت.. چوچو أخبره عن شعرها ؟؟ خطير هذا الطائر..

چوچو الخطير؟؟!! لم يفشل هذا الكائن في إسعادها منذ أن استعادت حيويتها.. كانت تبتسم مع أنها تشعر بالخجل وتتخيل كيف يمكن أن يكون أخبره؟؟ لكن في الواقع هي ما كانت لتبتسم مثلما تفعل الآن لو شاهدت رد فعل مختلف من منذر كالصدمة مثلًا من هيئتها لن تقول القرف لكن حتى الصدمة لم يبديها وكأنها لم تتغير البتة، غيرته تطمئنها وتبثها الأمان والحب وهذا ما يجعلها تبتسم وتستمع بعطاياه اللامحدودة ك چوچو مثلًا.. " سواي " وعلى الرغم من كل شيء ينسبها لنفسه كملكية خاصة به وهذا يجنها كليًا..

ماذا يفعل ؟؟ ببساطة يجعلها تسبح على بحر من المشاعر مضطربة الأمواج.. صحيح السباحة فيه خطيرة للغاية لكنها مغامرة ممتعة لا تريد تفويتها حتى وإن كلفها حياتها.. هكذا هي علاقتها بمنذر.. " طوفان "..

وبهذا القدر اكتفت وانتهى الكلام أي كلام سيقال بعد ما قيل؟؟

وساد الصمت بعض الوقت، كان مازال يضمها بذراعه وتستمع لدقات قلبه الثائرة وربما كانت دقات قلبها هي لا تعلم بالتحديد حتى قطعه نحنحة غندور قائلًا بحرج.. - فوزية تريد اليقطينة من أجل اعداد الطعام..

ونهض منذر ليساعد غندور في خلعها من تربتها.. كانت متشبثة بشدة متشعبة الجذور لكنها كانت صحيحة تمامًا وزاهية الألوان.. كانت سعيدة على الرغم من أنها تجهز للطهو لكنها كانت سعيدة.. وربت عليها غندور بنهم.. - ستكونين أشهى صينية عزيزتي.. حقًا وجب الضحك.. كانت تضحك بصفاء وهذا أحضر الدموع لعينيه فقال بتأكيد بعد انصراف غندور حاملًا كنزه الثمين.. - لن أبكي هاتين العيني مطلقًا بعد اليوم.. هذا وعدي لكِ يا ربى وأنا لا أخلف وعدًا..

- أعلم هذا..

كنت تؤكد على أنها تعلم أنه لا يخلف وعدًا لكن بكائها قد يكون غير منوط به.. للبكاء أسباب عدة منذر وقد يكون البكاء من شدة " العشق ".. هل ظهر الشك على وجهها مع أنها تؤكد  كلامه لأنها وجدته يقول..         - الجميع نصحني بعدم زراعة اليقطين في الحديقة لأنه لا يصح لا في جونا ولا في تربتنا لكني أصريت.. لم يكن عنادًا بقدر ما كان ذلك إيمانًا بمقدرتي على النجاح واليوم عجزت عن اقتلاع اليقطينة من حجمها وقوتها وقوة جذورها.. اليقطينة التي لاموني لزراعتها ساعدت في شفائكِ بعد إرادة الله عز وجل طبعًا فزراعتها كانت لغرض يجهلوه ويعلمه الله وقوتها اللاحقة استمدتها من قوة إيماني وعزمي ورغبتي في النجاح.. لا يأس مع الحياة طالما نؤمن برب يسير هذا الكون ويسمع قلوبنا ويعلم ما فيها فما علينا إلا الدعاء واليقين في الاجابة.. المعجزة التي أعادتكِ لي سالمة ستكون هي نفس المعجزة التي ستجعلكِ تسامحيني يومًا.. سأعمل لآخر يوم في عمري لتنمو ثقتكِ في مجددًا لتصل لحجم أكبر من جذور اليقطينة التي آمن الجميع بفشل زراعتها وكانوا مخطئين.. لو تعلمين أقصى أمنياتي اليوم هو أن تكوني زوجتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى لكني أعطيت وعدًا وقسمًا وحتى لا أستطيع تقبيلكِ لأن هذا ما حرمته على نفسي حتى تحلليله لي أنتِ..

كانت متشبعة مكتفية منتشيه وخرست وعجزت عن الكلام.. - مع أن هذا يعذبني ويجعلني أكاد أجن وخاصة بوجودكِ في قربي بهذا الشكل لكن لن أطلب منكِ أي شيء حتى تستعدي ثقتكِ الكاملة في..

الثقة خيط صنع من حرير رقيق جدًا وناعم جدًا ولو قطع لا يوصل مجددًا لكن!!

في حالتهم الثقة لم تكن متوفرة من البداية ليقطع خيطها الآن.. هو لم يمنحها ثقته ثم سحبها بعدها أما هي فأعطتها له منذ اللحظة الأولى ولم تسحبها حتى بعد ما حدث وهذا هو الفارق بينهما.. وفجأة لمح سيارة فارهة تدخل من بوابة المنزل الأمامية.. سيارة يعرفها جيدًا فلا يملك مثلها في القرية سواه وهبط منها الدكتور شادي بنفسه فامتقع وجهه بشدة وشحب لونه.. لا قدرة له لمنافسة هذا الأنيق المثقف المتعلم الثري.. من هو لينافسه من الأساس؟؟

وعاد لينظر لربى بالطبع لم تتعرف عليه فكيف ستفعل وهي كانت في دنيا غير هذه الدنيا لكنها الآن عادت لطبيعتها نسبيًا والمقارنة ليست في صالحه بتاتًا ولسوء حظه كانت في أشد درجات جمالها.. جميلة ضعيفة وهشة.. الرحمة يا رب العالمين وشاهد والده يرحب به ويقوده لداخل المنزل وأصبح لا يعلم ما عليه فعله لأول مرة في حياته ..

                                                    **

{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ}

" الشيطان يدخل للإنسان من نقاط ضعفه.. فلكل منا شيطانه الخاص يجلس متربصًا منتظرًا فرصته "..

شيطانها لا يهدأ ولا يكف عن الوسوسة بل وأصبح صديقها ويخططان سويًا ولا تعلم من منهما المخطط الرئيسي لكل ما فعلته أو ستفعله..

من يتحالف مع الشيطان يسلم له عمره بالكامل ليكون تلميذًا مطيعًا له ..

لقد اتخذت قرارها بالفعل ولم يعد هناك بديل للتنفيذ.. كانت تجمع ثيابها بهستيرية وتضع كل ما تطاله يديها بلا تمييز..

الحياة تحت هذه الظروف لا تجوز.. هذا لم يكن طموحها يومًا.. فاليوم حتى الطعام الرديء أصبح بحساب ويعيشون في منزل معدم بل وتعامل فيه كما البهائم.. واختمرت الفكرة في رأسها سترك المنزل للأبد.. هذا لم يكن مكانها ولم تكن حياتها من البداية.. ستتجه للقاهرة وستشق طريقها هناك وستصبح نجمة سينمائية.. هذا أقل ما تستحقه وستكون ثرية ومشهورة وستنبذ كل عالمها القديم.. طموحها لا حدود له وأصبح يتخطى المزارع اللئيم عديم النظر ذاك الذي فضل تلك الفتاة الغبية حتى وهي طريحة الفراش وقعيدة.. منذر منذ البداية لم يكن سوى خطوة في سبيل تحقيق حلمها الأكبر وفشلت في تلك الخطوة فقط لذلك لن تقف لتبكي عليه.. ستتجاوزه وستنطلق لما هو أبعد وأهم.. مع أول خيوط الفجر ستكون في الحافلة المتجهه للقاهرة لتبدأ حياتها الجديدة وتنال الشهرة والثراء مهما أن كان الثمن ومهما قدمت من تنازلت فالغاية تبرر الوسيلة وغايتها الثراء وفقط الثراء.. وزين لها الشيطان عملها فكانت من الخاسرين..

•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية

تعليقات