رواية فارس بلا مأوى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء محمد رفعت
_ تبدو حالته المزاجية اليوم سيئة للغاية، فمنذ مجيئه إلي الشركة وهو يصب كم غضبه العارم علي كل من يقابله.
تقف ماجي السكرتيرة أمامه كالفرخ المبلول تتلقي إهانته اللاذعه في صمت، وجسدها يرتجف بخوف، يصيح بها:
_ ومن غير ما أقولك وأأكد عليكي المفروض تبقي عارفة شغلك كويس لإما تاخدي ورقك وتروحي تدوري علي حد غيري ولو لاقيتي أصلاً حد يشغلك بعد ما يعرف إنك مهملة.
كانت علي وشك أن تبكي، فتفوهت بخوف:
_ آسفه ياسليم بيه، أول وآخر مرة ساعتك.
صاح بها محذراً:
_ الغلطة عندي بفوره ، فخدي بالك لأن المرة الجاية مفيهاش كلام.
حركت رأسها وعينيها مليئة بالدموع:
_ تحت أمرك ياباشا، عن أذن حضرتك.
وقبل تحركها أوقفها بصراخ مدوي:
_ أقفي عندك أنا مقولتلكيش تتحركي من مكانك.
دلف صلاح علي صراخ صديقه قائلاً:
_ أي يا باشا، صوتك الموظفين كلها سمعاه.
حدقه سليم بتحذير فرفع صلاح كفيه ثم وضع إحداهما علي فمه إشاره لصمته.
أشار لسكرتيرته بإزدراء:
_ بره، ومشوفش وشك غير لما تصلحي العك ده كله.
أومأت له:
_ أمرك يا سليم بيه.
وغادرت المكتب بخطي واثبه كأنها خرجت من الجحيم لتوها.
تقدم صلاح ليجلس أمام مكتب الآخر وقال بهدوء:
_ ممكن من غير عصبيه تقولي في أي مخليك في الحالة دي؟.
أطلق زفرة كألسنة النيران من أنف تنين ثائر، أمسك ب كرة مطاطية أخذ يضغط عليها بقبضته ليهدأ من روعه:
_ فارس القناوي لسه عايش.
حرك الآخر رأسه بعدم فهم، حيث لم يعلم شيئاً عن هذا الأمر:
_ مش فاهم.
أعاد كلماته مرة أخري في ذهنه حتي أستنتج ما يقصده، فأردف:
_ أوعي تكون....
أكمل سليم مجيباً:
_ أيوه، والغبي الي كان رجالتي هناك مكلفينه بالمهمة بدل ما يقتلو قتل واحد تاني كان بيدافع عنه، الواد الي خد الضربه بين الحيا والموت وفارس لسه مكتوب له عمر جديد والغبي التالت حطوه في حبس إنفرادي وبيتحقق معاه.
أخذ صلاح ينظر إليه بغضب في صمت، مما أثار حنق الآخر وقال بحديه:
_ مالك بتبص لي كده ليه؟، ما أنت كنت عارف إن ناوي أتخلص منه.
تنهد بتأفف وقال:
_ بس أنت طلبت ده من رافع إبن عمه وهم أحرار مع بعض، وتعالي هنا نفسي أفهم هتستفاد أي إنك تقتله، زينب وكتبت كتابك عليها وكلها أيام علي فرحكو وهتاخدها وتسافرو، فأي لازمتها تقتل واحد هيتحكم عليه مؤبد ولو أفترضنا وحصلت معجزة وخرج مش هيقدر يعمل حاجه غير إنه هيدور علي حقه الضايع وياخد بتاره من الي دخله السجن وهيبقي آخر همه إنه يفكر في بنت عمه.
صمت ليفكر قليلاً وأنحني بجذعه قليلاً للأمام، تناول مقصلة سيجاره وأخرج واحدة من الصندوق الخشبي ليضعها في الفتحة ، ثم تفوه وكأنه يتحدث إلي نفسه وعينيه يسودها ظلام مرعب :
_ طول ماهو عايش، هي مش هتقدر تنساه.
ضغط بأنامله علي المقصلة بقوة فتطايرت مقدمة السيجار.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ عاد للتو من عمله ليجد الصمت يسود أرجاء المنزل، ألقي بمتعلقاته علي أقرب طاولة، بحث عنها في الردهة والمطبخ فلم يجدها، ذهب إلي غرفة النوم فرآها تغط في النوم علي التخت وبجوارها ألبوم الصور الفوتوغرافية الخاص بهما يجمع ذكرياتهما معاً منذ الطفولة، و بيدها صورة قد ألتقطها لهما أحدأصدقائهما علي الشاطئ يرتدي ثياب البحر وجذعه عارياً وهي متعلقه علي ظهره متشبثه حول عنقه بساعديها وتضحك من قلبها إلي عدسة الكاميرا.
جلس علي طرف الفراش وأغلق الألبوم فوضعه جانباً، أخذ يتأملها وهي نائمة، وقعت عينيه علي آثار عنفه علي عنقها وشفتيها وزراعيها العاريين، أطبق علي شفتيه بألم و وخز أخترق قلبه، لم يتوقع يوماً ما بأنه سيحدث هذا بينهما في يوم من الأيام، فهي عشق طفولته وشبابه، الوحيدة التي أمتلكت قلبه منذ الصغر، شريكة دربه وحياته.
دنا منها بأنفاسه، أشتاق لرائحة عطر جسدها، يستنشقها وكأنها زهرة عطرة بداخل بستان، تحركت مقلتيها أسفل جفنيها المغلقين حينما شعرت بشئ قريب منها يتحرك بجوارها، فصور لها عقلها الباطن في أحلامها هذا العلي يلقي بها فوق التخت ويقترب منها وعلي وجهه إبتسامة شيطانية، وحين أعتلاها وثبت ساعديها بجوارها لينقض عليها أطلقت صرخة.
أستيقظت بفزع أثار خوف زوجها ليبتعد قليلاً عنها، نظرت له في صمت ونهضت بجذعها لتعتدل في جلستها:
_ أنت جيت أمتي؟.
أجاب بإقتضاب وهو ينهض يخلع ثيابه:
_ لسه جاي.
نهضت وأقتربت منه لتساعده في خلع قميصه:
_ أحضرلك الغدا؟.
أبعد يديها عنه وقال:
_ مش جعان.
وألقي بثيابه بإهمال علي التخت وأرتدي ثياباً أخري قطنية، أخذت ما ألقاه وقامت بتعليقه علي المشجب، بداخلها يحترق من معاملته الجافه لها، تقدمت منه مرة أخري تعترض طريقه إلي المرحاض، تفوهت بصوت يخرج من حلقها بصعوبة:
_ ممكن، نقعد نتكلم شويه.
أبتلعت لعابها وأكملت:
_ مع بعض.
أرتفعت زواية فمه بإبتسامة ساخره، وقال بتهكم:
_ أخيراً ناويتي تحكي الحقيقة؟.
رفعت وجهها لترمقه بإمتعاض وعينان منتفخة من كثرة البكاء:
_ أنا معلمتش حاجة عشان أعترف بيها، كل الي حصل حكيته لك، بعترف أني كنت غلطانه وقتها، أعتبره طيش وتهور بس موصلش زي ما أنت فهمت.
صاح بصوت مخيف جعلها أنتفضت ولكن مازالت تقف في مكانها:
_ ما الي عملتيه ده ملهوش غير مفهوم واحد إنك خاينة.
صرخت بإستنكار وصوت علي وشك البكاء:
_ لاء مش خاينة، والدليل إن مراتك دلوقت، ولو كنت خاينة كان زماني سبتك من زمان وبقيت مراته هو.
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي أثارت حفيزة غيرته القاتلة، وفي غضون ثوان كانت خصلاتها في قبضته ينهرها بقسوة:
_ قولتيلي كنتي هتبقي مرات مين؟.
أخذت تتلوي وتحاول تخليص خصلاتها من قبضته، تجيب بصراخ متألمة:
_آه، أنا بقولك مثل بس.
قرب وجهها من وجهه الغاضب:
_ وأنتي فاكراني أقدر أنسي الي عملتيه!، ولا إنك خلتيني واقف أدامه زي المغفل بعرفكو علي بعض، أتاريكو كنتو معرفة وحب وغرام وأنا العبيط المختوم علي قفاه.
مازالت تتلوي في قبضته وتصيح ببكاء:
_ كنت خايفة، والله كنت خايفة.
تركها بعنف فوقعت علي الأرض أسفل قدميه فأكملت:
_ كنت خايفة منك، عارفة إنك بتغير بجنون ولو حكيتلك حاجة ساعتها ممكن تعمل مصيبة، كان كل همي هو أنت، مكنتش عايزاك تتأذي بسببي.
تحدث وهو ينظر إليها بإزدراء عكس الشفقة التي بداخله نحوها وهي في تلك الحالة المزرية:
_ متقلقيش يا هانم، أنا سايبه براحته علي الآخر لحد ما يجيلي برجله عندي، لأن الي زيه عارف تمامهم كويس، هو الي هيحدد مصيره بإيديه.
رفعت رأسها بتوتر وخوف تسائلت:
_ هتقتله ؟.
هبط علي عقبيه وأمسك بطرف ذقنها مبتسماً ب شر:
_ مش أنا الي يزفر إيديه بدم واحد قذر زيه، بس قادر أخليه يتمني الموت هو ونصيبه، ومالك بتسألي وقلقانه كده، خايفه عليه للدرجدي!.
هزت رأسها بالنفي:
_ والله أبداً، أنا خايفه عليك أنت، مش عايزه تودي نفسك في داهيه بسبب واحد زيه.
نهض وهو يجذبها من عضدها ليقفا معاً وقال:
_ أنتي ملكيش دعوة بأي حاجة، خليكي في نفسك، لأن زي ماقولتلك قبل كده هاتشوفي أيام جحيم ، أكرم الحنين الي مبيستحملش عليكي الهوا ده تنسيه خالص، لأن الي معاكي دلوقت يبقي عملك الأسود وأنتي صاحية وكابوسك وأنتي نايمة.
فاض بها الكيل، يكفيها ضعف وإستسلام له أرادت التكفير عن خطأها لكنه تمادي مما أرهقها لدرجة لا تحتمل.
جذبت زراعها من يده وأبتعدت عدة خطوات للوراء، وأرتسمت القوة فتفوهت بتهديد:
_ كفايه بقي ذل وإهانة لحد كده، أنا سبب سكوتي لعمايلك معايا قولت يمكن ده هيشفي غليلك وهتسامحني، لكن ده هيخليك تتمادي في معاملتك ليا زي الجارية الي عماله تتهان ويداس عليها فده عمري ما هسكت عليه أبداً.
قوتها وتهديدها الصريح له أثار بداخله وحش خرج لتوه، يقترب منها في وضع هجوم قائلاً:
_ ناويه تعملي أي يا ندي هانم؟،ها؟، هاتجيبي لي أهلك عشان يعرفه قذارة بنتهم؟.
وبدلاً من هروبها من أمامه تقدمت منه وهبطت علي وجنته بصفعة أفرغت فيها كل ما بداخلها من ألم صارخة :
_ أخرس بقي.
ياليتها ما أقترفت ما فعلته للتو، صفعتها تلك سبرت أغواره ليصبح كالعاصفة التي تقتلع كل ما يقابلها وتدمره، في خطوة واحدة كانت بين يديه يدفعها نحو التخت ليلقيها فوقه وهبط فوقها لم يري أمامه، ينهال عليها بالسباب والشتائم القذرة وضرب بالأيدي علي كل أنحاء جسدها وكأنها إحدي المجرمين لديه في المخفر.
_ ليكي عين وبتمدي أيدك عليا يا بنت ال.......، أنا هوريكي الذل والإهانة علي حق يا و........ يا بنت ال.........، ورحمة أبويا لأخليكي متحصليش حتي جارية ولا....... من الي هعمله فيكي دلوقت.
تصرخ وتقاومه بكل قوتها الضعيفه لتزيحه من فوقها، لكن كيف لغزال صغير قدرة علي مقاومة ليث شرس منقضاً عليه بكل قوته.
_ بكرهك يا أكرم، بكرهك.
كلمات تصرخ بها لعله يستيقظ من حالتة الثائره تلك، لكنها أتت بنتيجة عكسيه، فكانت تثير غضبه وعنفه أكثر، فعندما نجحت بالإفلات من أسفله جذبها من ثوبها القطني وقام بتمزيقه حتي أصبحت بثيابها الداخلية فقط وآثار كفيه علي كل أنش في جسدها، فلم يكتفِ بذلك بل أراد سحق روحها فقال من بين أسنانه:
_أنا هخليكي تكرهيني علي حق وأنتي بتتعاملي زي الجارية الو.......
شرع في ممارسة عنفه و إعادة الليلة السابقة عليها بأكثر ضراوة و وحشية وكأنها عاهرة أسفله وليست زوجته.
تصرخ ببكاء وبضعف، تشعر بمرارة في حلقها كالعلقم وهو يمارس قسوته غير مبالي لشحوب وجهها والبرودة التي أجتاحت جميع خلاياها، بدأ جسدها يرتجف بين يديه، يتصبب العرق فوق جبهتها، تغلق عينيها بل تعتصرهما من شدة الألم، فقالت بصوت خافت وهي تشعر بأن روحها ستغادرها لو أستمر دقيقة أخري:
_ ط..ل..ق..ن..ي.
أغلقت جفونها غائبة عن الوعي، وعند إدراكه ما حدث أنتفض من فوقها، أتسعت عينيه بفزع عندما رأي دماءها التي بدأت بالإنسدال من أسفلها، فهنا أفاق من غضبه الذي كان يعميه صارخاً بإسمها يحاول إيقاظها بالتربيت علي وجنتيها، لكن لا محالة، فلم تستيقظ بل والنزيف قد أزداد أكثر.
فما عليه سوي أرتدي ثيابه بأقصي سرعة لديه، و تناول إسدال الصلاه خاصتها وحاول أن يلبسها إياه، فحملها علي زراعيه وغادر بها علي أقرب مشفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تقف جليلة لدي بائع الخضار، تعبئ حبات البطاطس في كيس بلاستيكي ثم مدت يدها به للبائع قائلة:
_ خد يا عم نچاح أوزنلي أربعه كيلو بطاطس.
فقال لها البائع وهو يضع الكيس فوق الميزان:
_ ماتخليهم خمسة بالعشرة چنيه يا أم زكريا.
_ ماشي زي بعضه.
ألتفتت سيدة بجوارها إليها بعد سماع صوتها، فقالت بسرور:
_ أم زكريا!، عاش من شافك يا وليه مالك مختفيه بجي لك فترة، محدش شافك عاد.
_ معلش يا أم فاروق الدنيا تلاهي.
أقتربت منها السيدة مرة أخري وقالت بمكر وفضول:
_ ألا جوليلي ياختي، هي مين الي كانت ويا الشيخ واصف ومعاود بيها علي داركو، أصل كنا سهرانين ليلتها أني والحاچ قدام الدار، حتي مرماش علينا السلام زي كل مرة.
زفرت جليلة بتأفف من فضول تلك المرأه فأجابت لتتجنب إلحاحها:
_ دي بت غلبانة إسمها قمر ملهاش مطرح يتاويها فچابها علينا.
عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
_ قمر! ، لتكون بت خايت عبدالحق الله يرحمه، أصل مارته الحربايه الي إسمها نفيسه طردتها قدامنا في العزا كلتنا، والبت يا حبة عيني مجدرتش تفتح خشمها وهملت الدار.
تستمع جليلة إليها بإهتمام فكانت لاتعلم من تكون سوي إنها فتاة لجأت إلي زوجها فقط، فسألت السيدة:
_ متوكده يا أم فاروق إنها بت خايت عبد الحق؟.
أجابت السيدة بثقة و زهو:
_ أيوه متوكده، ده أني عمري ما أنسي شكلها عاد، أصلها منتقبة ويوم العزا كانت رافعة النقاب، والبت تبارك الخالق وشها كيف إسمها، قمر منور، أني لولا الولاه فاروق قاري فاتحة بت عمه لكنت خدتها ليه، أدب وچمال وليها ورث أمها في الدار الي عايشه فيها مرات خالها وبيجولو، عنديها فلوس في البنك هتستلمها تو ماتم السن القانوني، ما تاخديها لزكريا ولدك أوللشيخ بكر.
رمقتها جليلة بإمتعاض وبدون أن تجيب عليها، تناولت ما قامت بشراءه وتركتها، عادت إلي منزلها لتلحق بزوجها قبل أن يذهب إلي المسجد.
عقبت أم فاروق بعد ذهابها:
_ اللاه، مالها الوليه ما بتردش عليا وخدت في وشها وهملتني، أني جولتلها أي يزعلها إكده؟، وأني مالي تزعل ولا تتفلج.
وبعد معرفة أم فاروق بهوية الضيفة لدي الشيخ واصف أخذت تخبر كل من تقابلها من النسوة حتي وصل الخبر إلي نفيسة من إحدي جارتها التي قامت بلومها علي ما فعلته بإبنة شقيقة زوجها اليتيمة، فيجب أن تتقي الله في معاملتها ولا تنسي أن لديها بنات مثلها.
عادت نفيسة إلي المنزل و ينبعث من أذنيها الدخان أثر النيران المندلعة بداخلها، ركضت علي شقيقها النائم علي الأريكة في غرفة قمر، أخذت تلكزه بقوة:
_ جوم يا عامر، لساتك نايم من الصبح، جوم شوف المصيبة الي هاتحط فوج روسنا وأنت نايم لي في العسل.
أستيقظ بفزع، وتلفت من حوله بخوف وبدون وعي ظل يردد:
_ مين، فين، أني معملتش حاچة دي خايتي نفيسة.
لوت شفتيها بتهكم وقالت:
_ جوم يا خايب الرجا، أني خايتك.
عاد إلي وعيه وقال:
_ نفيسة!، في أي عماله تبرطمي ومافهمش منك حاچة واصل.
جلست أمامه وهي تضرب علي فخذيها بعويل: _ شوفت الي كنت خايفه منيه حوصل، البت قمر الي تتشك في جلبها، أتاريها لچأت للشيخ واصف وهو خادها حداه في بيته، و زمانها جالتله علي كل حاچة وفضحيتنا بجت بچلاچل.
سألها بأعين متسعة من الصدمة:
_ أنتي متوكده يا خايتي؟ .
أجابت وهي تنهض:
_ ده البلد كليتها ملهمش غير سيرتين زينب بت خميس القناوي والمحروقة قمر.
حك عامر ذقنه يفكر:
_ طب والعمل دلوق؟ .
_ تجوم وتغير خلچاتك وتيچي معاي نروح نچيبها من عنديهم.
_ أنتي أتچننتي يا نفيسه!، وأفرضي خابرت الشيخ واصف بالي كنا عنسويه فيها، هيبجي موجفنا أي قدامه يا واكله ناسك!.
_ تعال معاي أنت بس وأني هجولك تسوي أي.
أستمع الصغير إلي حديثهم فأطلق ساقيه للريح، ذهب إلي المسجد باحثاً عن بكر فلم يجده، وأخبره إحدهم إنه في المتجر الصغير خاصته، فذهب إليه مسرعاً، وفي طريقه أخذ يناديه:
_ يا شيخ بكر، ياشيخ بكر.
كان بكر يقف مع إحد زبائنه يضع له ما أشتراه منه في حقيبة والآخر يعطيه المال، أنتبه لصياح الصغير ومناداته له، شعر بإنقباضة في قلبه، وعند وقوف عمر أمامه يلتقط أنفاسه.
_ مالك يا عمر بتچري ليه إكده؟.
أجاب عليه وهو يمسك بيده:
_ أجفل الكشك و عاود علي داركو بسرعة قبل ما أمي وخالي يوصلو هناك.
عقد مابين حاجبيه وسأله مصتنعاً عدم الفهم :
_ و أيه الي هايچيبهم عندينا؟.
أجاب الصغير:
_ تعال معاي وأني هجولك علي كل حاچة في الطريج، المهم تلحج قمر قبل ما ياخدوها من عندكو.
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي داخل منزل الشيخ واصف، وصلت جليلة للتو تركت ما بيدها في المطبخ وذهبت تبحث عن زوجها، فوجدته في غرفة نومهما يتلو بعض الآيات، وقفت أمامه و ملامحها تنذره بشئ ما.
_ صدق الله العظيم.
رفع وجهه إليها وسألها:
_ خير يا چليلة؟.
جلست بجواره و ردت بتهكم:
_ خير!، ومنين عيچي لنا الخير طول ما عتسوي الي في دماغك من غير ماتاخد رأيي عاد.
تنهد واصف وأخذ يستغفر ربه في نفسه ثم قال لها:
_ وحدي الله يا أم زكريا، و جولي علي طول الي ريداه من غير لف ولا دوران.
لوحت بيديها وتشدقت :
_ لا إله إلاالله يا سيدنا الشيخ، يبجي يا راچل البت يطلع ليها أهل وبيت وفلوس وراح تچيبها لي تعيش ويانا، جال أي ملهاش متوي وخايف عليها من كلاب السكك.
كظم غضبه من أسلوب زوجته الساخر فهو يعلمها جيداً، فقال بهدوء:
_ فهميني بس عرفتي أي عنها والي جال لك فهمك أي بالظبط؟.
_ عرفت وخلاص، المهم تاخدها وترچعها لمرات خالها هي أولي بيها، إحنا ما ناجصين مصايب عاد.
أعتدل واصف وحدجها بتجهم وبحزم قال:
_ أني خابر كل حاچة عنيها، والبت ما هتخرچ بره داري واصل كيف ما وعدتها، و جفلي عاد علي الموضوع أحسن لك، بدل ما تلاجيني جلبت عليكي وأنتي خابراني زين.
نهضت و ردت بنزق:
_ بجي إكده يا حچ!، حتة عيلة ملناش صالح بيها تخليك تزعج فيا بالمنظر دي!.
كاد يجيب عليها بوجه ممتعض فأوقفته طرقات فاطمة علي الباب:
_ يابا، يابا، في ناس واجفين بره بيجوله عايزين يجابلوك.
جاء لها رد والدها من الداخل:
_ ضيفيهم يا فاطمه لحد ما أچي لهم.
عقبت جليلة قائلة:
_ ياتري مين الي چم دول، يا خوفي ليكونو تبع البت السهتانه دي.
رمقها بإمتعاض وقال قبل أن يذهب:
_ ربنا يهديكي يا چليلة.
خرج إليهما، فوجد نفيسه تقف تبكي وشقيقها يربت عليها ويقول:
_ أستهدي بالله يا خايتي، وكفاياكي عويل.
أجابت بتصنع متقن وهي تبكي:
_ أهدي كيف وأني معرفاش حاچة عنيها، أني جلبي هيجف من خوفي عليها، ياتري أنتي فين ياقمر.
وقف أمامهم واصف وألقي عليهم السلام:
_ السلام عليكم، خير يا چماعة؟.
لكزت نفيسة شقيقها ليجيب بتمثيل بارع:
_ أني عامر ودي أختي نفيسة مارت عبدالحق الله يرحمه.
ردد واصف:
_ الله يرحمه.
_ إحنا چايين لك لأچل بت خايته الي ملهاش غيرنا بعد خالها، وخايتي عتموت عليها من وجت ما هملت البيت، خايفه ليكون چرالها حاچة، دي بتعبرها كيف بناتها وأكتر ده غير إنها أمانه حداها لحد ماتسلمها لعريسها.
أندفع باب المنزل و ولج منه بكر بعد ان طلب من عمر إنتظاره في المسجد، وقف ليعقب علي حديث هذا الديوث:
_ عريسها الراچل الي قد چدها وعايزين تبيعوها ليه وتجبضو التمن!.
حدجه والده بنظره تحذيريه ليصمت وقال:
_ شوف يا أستاذ عامر أني خابر بكل حاچة وبالي كنت عتسويه في البُنيه، ولولا إنك چوه داري كنت خليت أهل البلد يعرفو قد أي إنك راچل ناجص وجليل الرباية وخالها لو كان عايش كان شرب من دمك.
تفوهت نفيسة بتصنع:
_ وأنت صدجتها يا شيخ واصف!، كيف تصدج عيلة وتكدب أخوي وتتهمه بالباطل؟.
لم يتمالك بكر نفسه فلقد فاض به بعدما علم أدق التفاصيل من الصغير:
_ كفاياكي تمثيل يا أم عمر، لولا إنك حرمه كان ليا حديت تاني وياكي، ما عرفش كيف بيچيلك نوم وأنتي عتظلمي فيها، ده يا ويل الي يچي علي الولايا مابالك دي يتيمة، أحسن لك تاخدي أخوكي وتمشو من أهنه بكرامتكو.
تدخل عامر بغضب مصتنع:
_ عاچبك الي بيجولو ولدك يا شيخنا؟.
قال واصف:
_ إبني بيتحدت لدلوق بإحترام فياريت تسوه كيف ما جالكو أكرم لكو.
أظهرت نفيسة وجهها الآخر الحقيقي فصاحت:
_ وأني ما مشياش من أهنه غير وبت خايت چوزي معاي، ياقمر بت ياقمر.
قالتها وذهبت تبحث في الغرف، أوقفتها فاطمه التي تتابع في صمت قبل أن تفتح باب غرفتها:
_ چري أي يا وليه، ما تخلي عندك دم أنت والنطع الي چيباه وياكي، ولو مغورتوش من أهنه هتدلي علي القسم وهاخبرهم عن الي كان عيسويه أخوكي في قمر والبطحة الي علي دماغه تشهد.
جفت الدماء في عروق عامر وأنبلج علي ملامحه الخوف:
_ يلا بينا يا أم عمر وكفايانا لحد إكده.
قالت بإصرار:
_ رايد مني أمشي كيف وهنجول لخطيبها أي.
رمقتها فاطمة بإزدراء قائلة:
_ شوف الوليه لساتها عتكدب.
أبتلع بكر لعابه وعزم علي قراره الذي أتخذه منذ قليل:
_ أبجي جولي له يدور علي عروسه تانيه لأن قمر متنفعلوش.
سألته بسخريه تتوسط خصرها بيديها:
_ وأي الي خلاها متنفعلوش يا شيخ بكر؟.
نظر إلي والده الذي فهم ما سيتفوه به الآن فأومأ له بالموافقة، فقال:
_ لأني خطيبها وبالليل هاعقد عليها يعني هتبجي مارتي.
أتسعت عينيها وغرت فاهها، فقال عامر:
_ كيف وميتي حوصل دي.
أنفتح باب الغرفة وخرجت مرتدية غطاء وجهها قائلة والحياء ينبلج في صوتها:
_ أيوه الي بيجول له الشيخ بكر صوح، هو، هو يبجي خطيبي.
وأختلست نظره نحوه لتجد الإبتسامة والفرحة تعلو وجهه، بينما فاطمة غمزت لها في صمت.
قال واصف:
_ أديكو سمعتو صاحبة الشأن، في حاچة تاني رايدين تجولوها؟.
_ يلا بينا يا أخوي.
قالتها نفيسة وهي ترمق قمر بنظرة نارية وحقد دفين، وذهبت هي وشقيقها يجرجران أذيال خيبتهم.
وقبل أن تخطو قدميها إلي الخارج أوقفها بكر قائلاً:
_ ويكون في علمك قمر ليها حق في الدار ما عتهملهوشي واصل، وليها راچل بعد إكده تتحدتو وياه.
وكان يشير نحوه يحدجها بتحدي ، فصاحت نفيسة بغضب:
_ يلا من أهنه يا عامر، بدل ما أصور جتيل.
وبعد مغادرتهما خرجت جليلة بعدما أستمعت لكل ما حدث:
_ أي الي بيحوصل ده يا بكر، وأي الي جولته للوليه دي؟.
أجاب بحزم:
_ كيف ما سمعتي يا أمي، أني هاتچوز قمر علي سنة الله ورسوله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_ يجلس في الرواق منكس الرأس، يشعر بخزي وكراهية شديدة لذاته كيف تسول له نفسه ما فعله بها، كيف ترك العنان لغضبه اللعين حتي أحرق روحها إلي هذه الدرجة! .
ظل يلقي وابل من اللعنات علي نفسه ونعته بأقذر الصفات لاسيما بعدما أخبره منذ قليل الطبيب بفعلته الشنعاء قائلاً له:
_ أنا عندي ليك خبرين واحد خير والتاني يعني، الحمدلله لحقنا المدام وبقت بخير وعلقنا لها محاليل، بس الخبر الي مش حلو إننا مقدرناش ننقذ الجنين للأسف حصلها إجهاض.
ضرب قبضته في الحائط بقوة وبداخله يتمزق، أردف الطبيب حديثه وهو يحدجه بتوتر مما سيخبره إياه:
_ كنت عايز أبلغ حضرتك إن الي حصل للمدام ده نتيجة إعتداء جسدي عنيف وغير النزيف والتهتك الي حصلها ده غير الإجهاض، جسمها مليان كدمات و زي ما حضرتك عارف ده لازم يتكتب في تقرير ويتعمل محضر بيه.
لم يجيب عليه بكلمة بل تركه وسار يتخبط يميناً ويساراً لم يري أمامه، حتي قابل مقاعد للجلوس وهبط بجسده علي إحداها، فقام بمهاتفة والدها ليخبره بوجودها بالمشفي وفي غضون نصف ساعة قد أتي والدها مهرولاً وتتبعه زوجته وعلي وجوههما الخوف، تسائل والدها:
_ بنتي مالها يا أكرم أي الي حصلها؟.
رفع رأسه و وجهه محتقن بالدماء آثر بكاءه:
_ ندي بخير يا عمي، هي تعبت شويه ولاقيتها بتنزف جبتها جري علي هنا والحمدلله لحقو النزيف وبقت كويسه.
شهقت والدتها ولطمت علي صدرها:
_ نزيف!، هي فين؟.
_ مش بيدخلو حد غير لما تفوء.
رمقته حماته بشك فقلبها يخبرها إنه سبب ما حدث لإبنتها فقالت بنبرة حادة:
_ أنت عملت في بنتي أي يا أكرم؟.
وبخها زوجها قائلاً:
_ هو ده وقته يا أم ندي، مش شايفه الراجل شكله عامل إزاي، هيكون عملها أي ده بيحبها وبيخاف عليها من الهوا.
زادت كلمات حماه نيرانه التي تأكله من الداخل، ود لو صرخ بهما وأعترف بذنبه، أراد أن يخبر والدها بإن من أحب أبنتك هو من آذاها وكان سيودي بحياتها، لكن كيف هذا، وبأي حديث سيتفوه.
جاءت إليهم الممرضة:
_ أكرم بيه، مدام ندي فاءت ممكن تدخل تطمن عليها.
سبقه والديها إليها ولم يتجرأ علي الذهاب لرؤيتها برفقتهم، يشعر بالعار من حاله.
دلفت والدتها بللهفة:
_ حبيبتي يابنتي أنتي كويسه؟.
وأخذت تفحصها لتنصدم بما تراه آثار عنف علي وجهها، فسألتها بقلق:
_ هو الي عمل فيكي كده؟.
أومأت لها بالنفي تخشي من ما ستفعله والدتها لو علمت بما حدث، تفوهت بوهن:
_ أنا كنت نازله أشتري طلبات وقعت علي السلم.
صاحت والدتها:
_ سلم أي يابنتي الي يخرشم وشك بالمنظر ده!،قوليلي يا ندا أنا أمك من أمتي وأنتي بتخبي عليا!.
قال والدها:
_ يا وليه سيبي البت ترتاح حرام عليكي.
زجرته زوجته ليصمت قائلة:
_ أسكت أنت متعرفش حاجة، مرة تقولي يا ماما إنهم مسافرين الساحل أسبوع وفجاءة ترجع تاني يوم ويسيبها هي وبنته وميسألش، ده غير حكاية قعدها من شغلها، ويوم ما نزلت تقولي رايحه تقابل صاحبتها ألاقي جوزها يقولي إنها معاه وهيسيب البنت عندنا كام يوم، ومن وقتها موبايلها مقفول ولو أتصلت عليه ميردش وأخرتها ألاقي بنتي مرمية في المستشفي بالمنظر ده، أي يا حج قول لأي عيل صغير كل ده هيقولك إن فيه مصيبة ولا مصايب مابينهم وأدي النتيجة.
أشارت نحو إبنتها، فأشاحت ندي وجهها جانباً وقالت قبل أن تري دموعها التي تجمعت في عينيها للتو:
_ معلش يا ماما ممكن تسيبوني لوحدي، أنا تعبانه ومش قادرة أتكلم.
وفي نفس التوقيت دلف الطبيب قائلاً:
_ حمدالله علي السلامة يا مدام ندي، حاسة بأي دلوقتي؟.
أومأت له:
_ الحمدلله يا دكتور.
أدرك إنها لا تريد أن تتحدث أمام والديها، فقال لأبيها:
_ معلش يا فندم أستأذنكو تسيبوها تستريح شويه.
فقال والد ندي:
_ يالا يا حاجة.
فقالت الأخري:
_ إحنا قاعدين بره يا حبيبتي لو محتاجة حاجة نادي عليا.
تنهد الطبيب وقال:
_ أطمني يا حاجة، كلها ساعات وتروح وأدينا معاها كل شويه بنطمن عليها.
وقبل أن تغادر أستدارت إلي الطبيب لتسأله:
_ هي حصلها أي يا دكتور؟.
رمقت ندي الطبيب بتحذير فقال بحيادية:
_ كان عندها نزيف والحمدلله وقفناه و زي ما أنتي شايفاها بقت كويسه.
حدجته بنظرة غير مقتنعة فقلبها يخبرها بأن الأمر أكبر من ذلك.
وبعد مغادرة والديها، جذب الطبيب وجلس بجوار التخت وقال:
_ أنا متفهم ومقدر موقفك، بس أنا جيت عشان واجبي لازم أقولك إن الحالة الي جيتي فيها كانت خطر علي حياتك والحمدلله قدرنا ننقذك بس مقدرناش ننقذ الجنين.
أتسعت عينيها وسألت بصدمة:
_ جنين؟.
_ حضرتك كنتي حامل وبسبب الإعتداء العنيف الي حصل لحضرتك محصلش نصيب، ده غير الكدمات الي لقيناها في كل حته في جسمك وإحنا بنعملك فحص، وأنا من حكم خبرتي الي فهمته شكل الفاعل زوج حضرتك، فلو حبيتي نكتب تقرير بكل ده ونقدم بيه بلاغ أنا تحت أمرك.
باغتها بطلب لم تتوقعه، فبرغم ماتشعر به من صدمات متتالية الأولي أكرم ومافعله بها والأخري إنها كانت تحمل جنيناً في أحشائها ولم تكن تعلم بسبب إنشغالها الأيام المنصرمة في المصائب التي وقعت عليها، وآخر صدمة تلقتها للتو هي أن تشكو زوجها ولدي من الشرطة!، فسوف تكون فضيحة لزوجها تتكاثر الأقوال عليها، وغير ذلك ماذا ستخبر والديها عندما يسألونها عن سبب فعلة زوجها هذه!.
أنسدلت من عينها عبرة،وبداخلها يخبرها بأن كل ما يحدث معها ليس سوي عقاب فعليها أن تتقبله بصدر رحب، وقررت أن تبتعد عنه ولو هذه الفترة عليها أن تفكر فيما سيأتي، لو أستمرت حياتها هكذا معه ستكون نهايتها لا محاله.
أنتبهت لصوت الطبيب الذي أنتشلها من بؤرة أفكارها:
_ قولتي أي يا مدام ندي؟.
تنهدت ومسحت عينها فأجابت:
_ لاء يا دكتور، مفيش داعي لبلاغات دي أمور عائلية وهنحلها مع بعض.
أخبرها الطبيب مرة أخري ظناً منه إنها تخشي سلطة زوجها، فقال:
_ حضرتك لو خايفة يستغل سلطته ونفوذه و.......
قاطعته بضيق قائلة:
_ أطمن يا دكتور، جوزي مش من النوع ده، كل الحكاية إن مش عايزة شوشرة ولا فضايح، فياريت تقفل علي الموضوع ده.
هز رأسه بتفهم وقال:
_ الي تشوفيه حضرتك.
ذهب الطبيب وأخبره علي إنفراد بأنها رفضت بتقديم التقرير إلي الشرطة مما زاده ألماً وشعور بالذنب يأكله من الداخل، فهل بعد كل ما فعله بها تخاف عليه!.
وبعد مرور عدة ساعات وإعطاء الطبيب إذن بخروجها من المشفي، قامت والدتها بمساعدتها بالنهوض ومساندتها وكذلك والدها، فكان أكرم واقفاً ليطمأن عليها بدون أن يتجرأ ويذهب إليها، يقف كالطفل المذنب ينظر لها بندم شديد، وحين تلاقت عينيها برماديتيه رمقته بنظرة عتاب كانت كقذيفة من اللهب أحرقته.
غادرت المشفي بعدما أخبرته والدتها أنها ستأخذها لديهم لرعايتها، دلفت إلي سيارة أبيها وما زال ينظر إليها بأسف، تتوسلها عينيه بأن تسامحه لكنها بادلته بأخري مليئة بالإنكسار وعدم الثقة والأمان له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــ
_ تطلي شفتيها بالأحمر الناري ثم أبتسمت لإنعكاس صورتها في المرآه:
_ الله عليكي يابت يا مورو، مزه من يومك، وربنا لأجننك يا علي وأخليك تنسي البومة الي إسمها ندي وتشيلها من دماغك خالص.
ولجت والدتها ترمقها بدهشة وتعجب:
_ بت يا مروة واقفة أدام المراية وعمالة تكلمي نفسك زي المجانين؟.
أستدارت إليها بتوتر وقالت:
_ لاء مفيش، كنت بحط ميك أب عشان خارجة.
_ و ده أي المشوار المفاجئ ده ياقلب أمك؟.
جلست علي طرف التخت ترتدي الحذاء الجديد التي أشترته في الصباح:
_ ده، ده فرح واحد صاحبتنا معانا في الشركة، نسيت أقولك عليه.
تنهدت والدتها وقالت:
_ قعدي أتنطط لي في كل حته وأحضري أفراح أصحابك، وأنتي عماله كل ماحد يتقدملك ترفضيه بحجج ملهاش أي لازمة.
زفرت بتأفف:
_ يوه بقي، مش هنخلص من الموال بتاع كل يوم ده، وبعدين هاتيلي واحد عليه القيمه من الي أتقدمه لي، إن كان إبن عمي الي لابس نضاره كعب كوباية وعنده لدغه في السين، ولا عماد فيشة إبن عم مجدي الكهربائي الي يوم ماجه يصلحلنا السخان عمل قفله في الشقه كلها، ولا إسلام إبن أمه الي مبيدخلش الحمام غير ما يستأذنها، تحبي أكر لك بقيت اللسته السوده؟.
تنهدت والدتها بسأم وذهبت لتجلس بجوارها، فقالت:
_ يابنتي يا حبيبتي أنا عمري ما هرميكي لأي حد، بس مش عايزاكي تقفلي بابك من غير ماتدي للي أدامك فرصه تعرفيه ويعرفك، يعني العريس الي جايبه ليكي جوز خالتك قالي إنه مهندس وراجل محترم مبيسبش فرض وماسك منصب كويس في الشركة ، عنده 32 سنة وأهله متوفين ملهوش غير أخت واحدة ومتجوزة وعايشة مع جوزها بره.
_ طالما فيه كل المميزات دي مخدهوش لبنته نرمين ليه إلا إذا عارف حاجة وحب يلزق ليا، ما أنا عارفه أختك وجوزها بيحبولنا الخير زي عينيهم.
قالتها بتهكم فأجابت والدتها:
_ عشان نرمين فيه واحد متكلم عليها يبقي زميلها في الجامعة وجوز خالتك أداله كلمة لما عرف إنهم بيحبو بعض والواد هيموت عليها ده غير إنه مقتدر.
نظرت إلي الفراغ تتمتم بصوت غير مسموع:
_ نرمين تتجوز الي بتحبه، وندي شرحه، وأنا الي بنت البطة السوده الي مكتوب عليا أحب واحد بيجري ورا واحده بتديلو بالجذمة و عاملة من كرامته خيشه بتمسح بيها الأرض وهو ولا علي باله، فاكرني مصدقه حكاية إنتقامه منها ويخرب لها حياتها.
لكزتها والدتها في كتفها:
_ أنتي يابت مش بكلمك سرحتي في أي؟ .
نهضت لترتدي حجابها القصير والذي يشبه القلنصوه لكنه مزخرف وله شكل فني:
_ كنت بفكر في حاجة مهمة، ياتري ألبس أنهي شنطة الكاشمير ولا الهاڤان.
لم تتحمل والدتها عدم مبالاتها في الحديث معها، فقامت وضربتها علي كتفها بحنق:
_ تصدقي بالله إنك بت معندكيش دم شوف أنا بكلمك بقولك أي وأنتي تقوليلي الشنطة، ماشي يا مروة، وجزاء ليكي هخلي أبوكي يكلم جوز خالتك يحدد مع العريس ميعاد ويجي يزورنا وهتقعدي معاه تشوفيه ويشوفك ورجلك فوق رقبتك، بنات آخر زمن.
ألقت والدتها قرارها الحازم وتركتها، فأطلقت الأخري زفرة بضيق تهز في ساقها بقوة عليها أن تواجه علي وتطلب منه المجيئ لطلب يدها فكفاها توبيخاً من أبويها في كل مرة ترفض فيها عريساً.
أمسكت بهاتفها لترسل له رسالة عبر تطبيق الدردشة الشهير
(أنا جهزت يلا مستنياك أول ماتقرب كلمني ).
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف ده يابتي، مهما إن كان أنتي عروسة ومن حقك نعملك فرح، هو مش دلوق لأچل ظروف وفاة خالك الله يرحمه، إحنا هنكتفي بكتب الكتاب.
قالها الشيخ واصف، فقالت قمر:
_ الله يخليك يا عمي عارفة وخابره أنه من حقكو تفرحو بولدكو بكر وإنها أول فرحة، لكن أني معوزاش حاچة كفاية واجفتكو معاي وچميلكو الي فوج راسي.
تدخل بكر الذي دلف للتو من باب الغرفة:
_ چميل أي الي بتتحدتي عنه دي، چوازي منك ده مش چدعنه ولا موجف شهامة، أني جبل ما خالك يتوفي وفي نيتي أچي أتجدملك، والي مأخرني كنت محتاچ شوية وجت أسوي أموري، ولما القدر چابك لحد عندي جولت هو ده الوجت المناسب.
تهربت بعينيها بخجل وحمدت ربها بإنها ترتدي غطاء وجهها حتي لايري حُمرة وجنتيها الشديدة.
ولجت فاطمة إليهم وقالت:
_ أبا، الشيخ صفوت المأذون چه بره ومعاه عم طِلب وعم چمال.
خفق قلب قمر وكذلك بكر، رمقها رغماً عنه بفرحة لم يستطع إخفاؤها، فها هو قريب من اللحظة التي تمناها.
قال الشيخ واصف لإبنته:
_ خدي قمر يا فاطمة و أعطيها الحاچة الي بكر چابهلها.
ذهبت قمر مع فاطمة وعند دخولهم إلي غرفة الأخري:
_ تعالي يا عروسة وشوفي عريسك چايب لك أي.
رفعت قمر غطاء وجهها لتري فاطمة وهي تخرج من الحقيبة ثوب في منتهي الروعة والجمال من الدانتيل الأبيض وأسفله بطانة من الحرير، يزينه لؤلؤ ويتوسط خصره حزام رفيع من الفصوص الفضية التي تشبه الألماس، ومع الثوب نقاب من الحرير الأبيض ذو لمعة طفيفة وقفازات يد بيضاء يتوسطها من ظهر اليد زهرة صغيرة مطرزة باللون الأبيض أيضاً.
_ أخوي بعد ما چماعتك غارو من أهنه، راح أتدلي علي المركز وچابهم لك وچه.
فيروزتيها تتابع بفرحة وسعادة مهما تحدثت عنها لم تكفيها آلاف الكلمات، فأخيراً أبتسمت لها الحياة وفتحت لها زراعيها لتعانقها وتربت عليها بحنان، رزقها الله بخير الرجال كما كانت تدعو دائماً في صلواتها بأن الله يرزقها بالزوج الصالح الذي يؤخذ بيديها إلي جنات الفردوس.
وبكر هو جنتها علي الأرض، ظفرت به بعد معاناة وقساوة فما أسعد قلبها في تلك اللحظة.
أرتدت الثوب وملحقاته و وقفت كالملاك الأبيض، ترمقها فاطمة بإنبهار:
_ يا ماشاء الله عليكي، إكده أخوي عيخليها كتب كتاب ودخله.
نظرت قمر لأسفل بخجل فقهقهت فاطمة:
_ يلا بجي أطلعلهم، شوي وهنلاجي أبوي عينادم علينا.
_ يا فاطمة.
_ شوفتي أهه، كنت لساتني بجولك.
خرجت لتجد بكر يقف ينتظرها علي أحر من الجمر، وعندما رآها كان في حالة لايرثي لها، قلبه يود القفز من بين ضلوعه، أخذ يردد:
_ تبارك الله فيما خلق.
وظل يردد بعض الأدعية والأذكار.
بدأت مراسم عقد القران وكان الشيخ واصف وكيلها فليس لديها أقارب رجال، فوالدها كان وحيداً.
تمت المراسم في أجواء من الفرح والسرور، عانقت فاطمة شقيقها وألقت مباركتها له، و عانقت قمر أيضاً:
_ ألف مبروك يا مرات أخوي.
_ الله يبارك فيكي يا فاطمة، وعجبالك مع الإنسان الي يستاهلك ويحافظ عليكي.
أومأت لها فاطمة بشبه إبتسامة، فربت بكر علي شقيقته وقال بعدما أدرك نظرة الحزن التي تخبأها:
_ ماهو لازماً هيحط البطة في عينيه.
لكزته بمزاح في كتفه:
_ مبحبش الإسم دي، إياك تجولو تاني.
قهقه ثلاثتهم، تحت نظرات جليلة التي ألتزمت موقف المتفرج من بعيد فهي غير راضية عن هذه الزيجة، حيث عللت لزوجها عندما علمت بقرار ولدها بأنها تريده أن يتزوج من فتاة ذات حسب ونسب تتباهي بها أمام أهل البلدة، فكان رد زوجها إن قمر هي الفتاة المناسبة التي طالما تمناها لولده فهي ذات خلق ودين، يكفيه تلك الصفات الحميدة.
وبعد مغادرة المأذون والرجال دلفت فاطمة و والديها إلي إحدي الغرف ليتركو العروسين علي راحتهم حتي يتحدثا بأريحية.
أشار بكر لها بالجلوس:
_ واجفة حداكي ليه يا عروسة تعالي أجعدي.
سارت بإستحياء وجلست علي الأريكة الخشبية، أقترب منها وجلس بجوارها، يخفي توتره وخجله أيضاً، لكن عليه أن يستجمع شجاعته، تزحزح مقترباً منها قائلاً:
_ ممكن أرفعلك النقاب؟.
أومأت له تنظر بخجل لأسفل:
_ الي تشوفه يا سي بكر.
زادت نبرتها الرقيقة توتره، مد يديه وقلبه يخفق بقوة، رفع نقابها بتأني حتي أنكشف وجهها الذي لم يفرق عن البدر المنير.
_ بسم الله ماشاء الله، ربنا يبارك لي فيكي يا قمري.
تخضنت وجنتيها أكثر بالدماء من شدة الخجل:
_ تسلملي ياسي بكر.
أخرج من جيب بنطاله علبة صغيرة وقام بفتحها، تحتوي علي خاتمين، خاتم من الذهب وآخر من الفضة، أمسك بالخاتم الذهبي ومد كفه لها:
_ أعطيني يدك.
بتردد وخجل بدأت بخلع قفاز يدها اليمني، فقال:
_ لع يدك الشمال، أنتي بجيتي مارتي اليمين ده للمخطوبين.
رفعت وجهها إليه وإبتسمت فيروزتيها فأذابت قلبه و سلبت عقله، أعطته يدها اليسري، فأمسكها بحنان وحذر كأنه يمسك ألماسه يخشي أن يخدشها، وضع الخاتم في بنصرها، ورفع كفها نحو شفتيه وقبله، أنتفضت من ملامسة شفتيه ليدها، سحبتها وكادت تبكي من فرط الخجل.
ضحك وقال:
_ ألف مبروك يا عروسة.
ردت عليه بهمس يكاد يسمعه:
_ الله يبارك فيك يا سي بكر.
_ معلش بجي، دي حاچة بسيطة، أنتي تستاهلي ألماس وياقوت وأكتر من إكده، بس أختارت الدبلة دي حاچة مؤقته وليلة زفافنا هچبلك شبكتك كاملة.
صمتت ولم تعرف بماذا تتفوه، فأردف:
_ مش ناوية تلبسيني الدبلة ياقمري؟.
قالها وهو يمد يده بالعلبة إليها، فها هو يناديها مرة أخري بإسمها وينهيه بياء الملكية خاصته، يجعلها كالفراشة التي تحلق في بستان أجمل الأزهار علي وجه الأرض.
_ أمرك يا سي بكر.
أمسك بطرف ذقنها ونظر في فيروزتيها وقال:
_ الأمر لله وحده، أولاً أني بطلب منك مبأمركيش عاد، ثانياً جوليلي بكر من غير أي ألقاب، ده لسه قدامنا كتير عجبال مانتعودو علي بعض ولا أي؟.
_ الي تشوفو يا س....
قاطعها بإبتسامة:
_ جولت أي؟.
_ الي تشوفو يا بكر.
_ أيوه إكده الله يبارك فيكي، يلا بجي لبسيني الدبلة.
أخذت الخاتم و وضعته في بنصره وقبل أن تبعد يدها أمسك بها وحاصرها بين كفيه ورفعها نحو شفتيه يُقبلها مرة أخري:
_ ربنا مايحرمني منك واصل.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
🌷يتبع🌷
•تابع الفصل التالي "رواية فارس بلا مأوى" اضغط على اسم الرواية