رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور سيف

 رواية خلف أسوار الجليد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نور سيف

أول فضيحة بعد الارتباط الرسمي لم تأتِ من ليلى ولا من الصحافة ولا حتى من مجلس الإدارة
جاءت من طنط فاطمة نفسها😂

فى اليوم التالى كان آدم جالسًا في قاعة الاجتماع الكبرى
أمامَه شاشة تعرض أرقام الربع المالي الأخير

وعلى يمينه حمدي الشرقاوي يشرح شيئًا مملًا عن المصروفات التشغيلية

وعلى يساره أنور الصياد يشرب القهوة في صمت هادئ
وفي آخر الطاولة جلست نيفين الصياد تراجع بعض الأوراق بعينيها الحادتين

كل شيء كان رسميًا ومثاليًا كما تحب الشركات الكبيرة أن تتظاهر

حتى اهتز هاتف آدم فوق الطاولة

نظر إلى الشاشة سريعًا

طنط فاطمة

أغلق الشاشة فورًا
لكن الهاتف اهتز مرة ثانية
ثم مرة ثالثة
ثم وصلته رسالة صوتية

تنفس ببطء
إلا أن الكارثة الحقيقية كانت أن الهاتف كان موصولًا بالبلوتوث الخاص بقاعة الاجتماع منذ الليلة السابقة حين استخدمه سيف في عرض تقديمي

وفي اللحظة التي فتح فيها الرسالة

انطلق صوت الست فاطمة في القاعة كلها واضحًا نقيًا مجلجلًا كأنه بيان رسمي من الأمم المتحدة

يا آدم يا ابني صباح الخير يا حبيب ماما التانية

بقولك كُل الساندوتش اللي هتوصل مع نور ومتشفطش قهوة على معدة فاضية عشان الحموضة

وقول لنيفين حبيبتي البصارة اللي وعدتها بيها جاهزة بس تيجي بدري عشان السخن غير البايت
وسلّملي على عم أنور الراجل المحترم
وآه
متنساش تجيب نور بدري النهارده عشان عندنا بتنجان مخلل ميتفوتش

ساد الصمت

صمت كامل مطبق كأن المبنى كله حبس أنفاسه دفعة واحدة

رفع حمدي الشرقاوي رأسه ببطء عن الأوراق وكأنه يشك أنه سمع هلوسة

أما أنور فوضع كوب القهوة على الطاولة ثم انحنى للأمام وانفجر ضاحكًا ضحكة رجّت القاعة

ونيفين نفسها أغلقت عينيها لثانية ثم قالت بهدوء بارد لم يخفِ طرفًا من التسلية

أظن أن الست فاطمة تملك أسلوبًا إداريًا أكثر فعالية من بعض الحاضرين هنا

أما آدم فمرر يده على وجهه ببطء
ثم أغلق الرسالة
ثم قال بنبرة ميتة تمامًا

نكمّل الاجتماع

لكن أنور كان قد انتهى منه الأمر تمامًا
ظل يضحك وهو يقول

يا ابني دي مش حماة
دي جهاز إنذار

وفي شقة الدقي كانت نور لا تعرف شيئًا عن الكارثة الصوتية التي ضربت مجلس الإدارة في الصميم

كانت تقف أمام المرآة تحاول أن تربط شعرها للمرة الثالثة لأن يديها لا تزالان ترتجفان كلما تذكرت أنها

مخطوبة رسميًا ومعترفًا بها من أمه ومن الدنيا ومن جروب العيلة ومن أم كريم ومن سكان العمارة جميعًا

دخلت أمها الغرفة وهي تحمل علبة صغيرة

خدي دي

نظرت نور إليها
إيه ده

قالت أمها ببساطة
فطار لآدم
عملتله ساندوتشات جبنة قديمة وطماطم وزيتون
وحطيت له قرصين طعمية عشان الفيتامينات وبعت له رساله ياكلهم

حدقت نور في العلبة ثم في أمها
ماما
إنتِ بعتاله رسالة الساعة كام

ردت أمها وهي تعدّل طرحتها
سبعة إلا عشرة تقريبًا
ليه

أغمضت نور عينيها
يارب استر

قالت أمها بريبة
في إيه

قالت نور وهي تمسك العلبة
مفيش
حاسة بس إن في بني آدم هيقتلني النهارده بسببك

خرجت من البيت وهي تحاول ألا تضحك وألا تقلق في الوقت نفسه

لكنها ما إن وصلت إلى الشركة حتى فهمت أن هناك شيئًا مختلفًا في الجو

سمية كانت تقف عند الاستقبال وشفتاها ترتعشان من محاولة كتم الضحك

كريم واقف بجانبها واضعًا يده على فمه كأنه يحاول دفن جريمة

وعم رضا من بعيد يهز كتفيه بقوة وهو يكتب على هاتفه بحماس

أول ما وقعت أعينهم عليها انفجر كريم

أقسم بالله أنا بموت من الساعة سبعة الصبح

تجمدت نور في مكانها
ليه
في إيه

قالت سمية وهي تمسح دموع الضحك
مامتك عملت فتح عكة في مجلس الإدارة

اتسعت عينا نور
عملت إيه

قال كريم وهو يكاد يختنق
بعتت فويس نوت لآدم والبلوتوث كان شغال على سماعات القاعة
القسم المالي كله عرف إن عندكم بتنجان مخلل

وضعت نور يدها على فمها

ثم على جبهتها

ثم أغمضت عينيها وقالت بيأس عظيم
أنا ههاجر
والله ههاجر
إيطاليا مثلاً
الوفد الإيطالي كان لطيف

قال عم رضا من بعيد وهو يرفع هاتفه
وقد تم توثيق الواقعة صوتيًا في المجموعة لو حبيتي تسمعي

صرخت نور
عم رضا امسحه فورًا

لكنها لم تكمل
لأن باب المصعد انفتح

وخرج آدم

كان يرتدي بدلة زرقاء داكنة وقميصًا أبيض وربطة عنق رمادية
وجهه هادئ كعادته

لكن في عينيه فيها بقايا فضيحة صوتية لم تُهضم بعد

التقت عيناه بعينيها

ثم نظر إلى العلبة التي بيدها

ثم قال ببرود ظاهري يخفي تحتَه أشياء كثيرة

صباح الخير يا آنسة نور

ردت وهي تحاول ألا تضحك
صباح الخير يا أستاذ آدم

تقدم خطوة
ثم أضاف بصوت منخفض لا يسمعه سواها

لو الست فاطمة ناوية تدخل مجلس الإدارة رسميًا
لازم نخصص لها كرسي من دلوقتي

عضّت نور على شفتها حتى لا تنفجر
وقالت بنفس الانخفاض

أنا آسفة
والله ما كنت أعرف

قال وهو ينظر إلى العلبة مرة أخرى

والساندوتشات دي
جزء من الخطة الإدارية

قالت بسرعة
دي فطار
ماما قالت عشانك

أخذ العلبة من يدها في صمت
ثم قال وهو يستدير

قولي لمامتك إن البلوتوث اتقفش
لكن الساندوتشات نجت

ومشى

وقفت نور مكانها ثانيتين
ثم التفتت إلى كريم وقالت

هو ده كان بيهزر
صح

قال كريم وهو يضع يده على قلبه
يا بنتي أنا لو مت دلوقتي أدفنوني وأنا مطمن
الراجل بيهزر كمان

في الحادية عشرة عقد آدم اجتماعًا عامًا صغيرًا مع فريق العمل المباشر

كانت نور حاضرة وسيف وكريم وسمية وعدد من مديري الأقسام

وقف آدم أمام الجميع وقال بصوت مهني واضح

بما إن ارتباطي بالآنسة نور بقى رسمي
فمن بداية الأسبوع الجاي هيتم تعديل الهيكل الإداري بحيث الآنسة نور ما تبقاش تابعة ليا مباشرة في أي ملف

هتنتقل لإدارة تطوير تجارب الوفود الدولية تحت إشراف الأستاذ سيف

وده منصب جديد بمهام أوسع وصلاحيات أعلى وبدل مالي أعلى
والقرار سببه واضح
حماية الشغل وحماية اسمها واسم الشركة في نفس الوقت

ثم نظر إلى نور مباشرة أمام الجميع وأكمل

والقرار اتناقش معاها قبل الإعلان عنه

رفعت نور عينيها إليه
وفهمت الرسالة على الفور

هو يتعلم

هذه المرة لم يُفاجئها بإيميل
ولم يقرر وحده ثم يطلب منها الطاعة

تكلم معها فعلًا قبل الاجتماع بخمس دقائق في مكتبه
شرح لها كل شيء
وسألها هل يناسبها
وترك لها الحق في الرفض

قالت في تلك الدقائق القليلة إنها موافقة
لكنها الآن شعرت بشيء أكبر من الموافقة
شعرت أنه يمسك بيدها بطريقة صحيحة هذه المرة
لا يجرّها
ولا يدفعها
بل يرافقها

انتهى الاجتماع وسط موافقات عامة وبعض الوجوه المتحفظة الصامتة

أما حمدي الشرقاوي الذي كان حاضرًا فخرج من القاعة بوجه رجل أُفسد عليه اليوم للمرة الثانية

بعد الاجتماع دخلت نور مكتب آدم دون طرق كما صارت تفعل أحيانًا
رفع رأسه من الأوراق وقال

أهلاً بالمخالفة الإدارية

قالت وهي تغلق الباب خلفها
أنا جاية أقول لك حاجة

أشار إلى الكرسي
اتفضلي

جلست ثم نظرت إليه باهتمام
أولًا
القرار حلو
وثانيًا
شكرًا إنك اتكلمت معايا قبل الاجتماع

أراح ظهره على الكرسي وابتسم ابتسامة صغيرة

أنا باخد كورسات مكثفة في عدم الغباء

قالت بجدية مصطنعة
واضح
في تقدم ملحوظ
لسه بدري على الامتياز لكن ماشي

نظر إليها لثوان ثم قال

أنا فعلًا كنت محتاج أتعلم يا نور
ومش بس عشانك
عشان نفسي كمان

سكتت لحظة
ثم قالت بخبث
طب والساندوتشات عجبتك

رفع العلبة الفارغة من جانب المكتب

خلصت من ساعة

اتسعت عيناها
كلها

أومأ
حتى الطعمية
وقبل ما تسألي
انتى وطنط فاطمه
مافيش حموضة 😂

ضحكت
ثم مالت للأمام قليلًا وقالت

بما إنك كده بقيت رسمي في العيلة
ماما بتسأل إذا كنت بتحب البامية

أغلق عينيه لثانية كمن يسلّم سلاحه للقدر
ثم قال

أنا بدأت اقلقك إن جوازنا هيكون مرهون بخضار الأسبوع

في نفس اليوم وعند السادسة مساءً كانت المفاجأة التالية تنتظر الجميع

وصلت نور وآدم إلى شقة الدقي بعد يوم عمل طويل
وكانا يخططان أصلًا لشرب الشاي مع الست فاطمة ثم الانصراف سريعًا قبل أن يبدأ عمر في أسئلته المستفزة عن العربية والمهر والشبكة

لكن ما إن فتحا الباب حتى توقفا في مكانهما

في المطبخ

تقف نيفين الصياد

مرتفعة القامة

مرتدية قميصًا أبيض بسيطًا وبنطلونًا بيج
وشعرها مربوط للخلف

وأمامها حلة كبيرة
وفي يدها ملعقة خشبية

وبجانبها الست فاطمة
تلبس مريلتها المزهرة
وتقول بحماس

أهو كده يا ست نيفين
سيبي البصل ياخد لونه الأول
وبعدين نزلي عليه الفول
مش كله مرة واحدة عشان ميتكتلش

وقف آدم عند الباب كأنه يرى والدته في نسخة بديلة من الحياة
أما نور فوضعت يدها على فمها تكتم شهقة ضحك

التفتت نيفين إليهما وقالت ببرود كأنها لا ترى شيئًا غريبًا في الموقف

اتأخرتوا
البصارة كانت ناقصاها ربع ساعة وتبرد

قالت الست فاطمة بفخر
شوفتِ
قلتلك الست دي بتفهم
إيدها خفيفة والله

همس آدم إلى نور
أنا شاكك إني داخل البيت الغلط

ردت وهي تكاد تنفجر ضحكًا
وأنا شاكّة إن أمك اتخطفت واتبدلت

دخل عمر من الصالة وهو يحمل كيس خبز وقال بملل
آه أهلاً

الوضع الطبيعي دلوقتي إن طنط نيفين بتيجي الساعة خمسة وتتكلم مع ماما عن التقلية والمشاوي
إنتوا اللي متأخرين

نظر آدم إلى أخيها
ثم إلى أمه
ثم إلى الست فاطمة
ثم قال

هو أنا فقدت السيطرة على الأحداث ولا إيه

قالت نيفين وهي تذوق شيئًا من الملعقة
آدم
روّق
الناس اتعزمت عندنا
من الطبيعي أرد العزومة
ثم إن بصراحة
أنا افتقدت المطابخ الحقيقية

قالت الست فاطمة وهي تضع يدها على ذراعها
خلي بالك بس من الملح يا حبيبتي
إنتِ إيدك خفيفة أوي فيه

حدق آدم في الكلمة
حبيبتي

ثم التفت إلى نور وهمس
أمي بقت حبيبتي

قالت نور وهي تبتسم باتساع
ومامتك علمت ماما تقول كينوا بدل برغل
كله بيدفع ثمنًا

جلس الجميع على السفرة بعد قليل
البصارة كانت ممتازة
والدقة حاضرة
والخبز ساخن
والحديث أكثر دفئًا مما كان يتخيل أي شخص قبل أسابيع

نيفين كانت تروي موقفًا قديمًا من طفولة آدم

كيف كان يهرب من المدرسة لأنه يكره الحصة الرياضية
وكيف كان يختبئ خلف شجرة ليمون في العزبة ويقرأ مجلات جغرافيا بدلًا من لعب الكرة

قالت نور وهي تضحك
يعني من زمان وهو غريب

قالت نيفين بجدية خفيفة
جدا
كان طفلًا محترمًا لكن عصبي وعنيد
ولو حد خد لعبة من إيده كان يعمل مجلس حرب

قال عمر وهو يأكل بسرعة
ده لسه بيعمل
أنا طلبت منه ألف بالعربية رفض وقاللي لما تكبر
يعني هو بخيل من وهو صغير

قال آدم بجمود مصطنع
أنا موجود على السفرة يا عمر

رد عمر فورًا
وأنا برضه موجود
عايز ألفة

ضحك الجميع
حتى نيفين ضحكت بصوت واضح هذه المرة

ضحكة جعلت آدم ينظر إليها لحظة أطول مما ينبغي
كان قد نسي كيف يبدو وجه أمه حين تضحك من قلبها

بعد العشاء خرج آدم ونور إلى البلكونة القديمة الصغيرة التي شهدت نصف تحولات حياتهما
وقفا جنبًا إلى جنب والشارع تحتهم يلمع بضوء خافت

قالت نور وهي تنظر إلى داخل الشقة
أنا لسه مش مصدقة اللي بيحصل
أمك وماما بيتخانقوا على كمية التوم في البصارة

قال آدم وهو يراقب المشهد من خلال الزجاج
أنا لو حكيت لنفسي من شهرين بالمشهد ده كانت هتضحك في وشي

التفتت إليه
مبسوط

أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه ببطء
مبسوط بطريقة تخوفني أحيانًا

قالت بهدوء
بتخاف من السعادة

نظر إليها طويلًا
أيوه
عشان لما الواحد بيخسر بعد ما يبقى سعيد بيبقى الوجع أضعاف
وأنا لسه بتعلم إن الخوف مش لازم يسوقني

اقتربت منه خطوة
خاف براحتك
بس متبعدش
دي كل الحكاية

رفع يده ببطء ولمس طرف أصابعها
أنا بحاول

قالت بنعومة
وأنا معاك

سكت لحظة ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة
نظر إليها قبل أن يفتحها وكأن الأمر أهم عنده من أي صفقة وقّعها في حياته

فتحت نور عينيها بدهشة
إيه ده

قال
مش شبكة
متقلقيش
لسه ماما وطنط فاطمة معملوش ميزانية الحرب

فتح العلبة

في داخلها كانت هناك سلسلة رقيقة من الفضة تتدلى منها نجمة صغيرة جدًا
مصنوعة ببساطة شديدة
لكن في قلبها حجر عسلي اللون يلمع تحت الضوء

شهقت نور
دي حلوة أوي

قال بصوت خافت
اسمها عند الجوهرجى نجمة الشمال

بس بالنسبالي هي سهيل
أول مرة حسيت إني عايز أبص للسما تاني كانت في الصحرا وإنتِ بتشرحي للناس عن النجوم
فقلت
لو في حاجة أديهالك تبقى حاجة شبه اللحظة دي

ارتجفت شفتاها قليلًا
آدم

قال
ممكن ألبسهالك

استدارت بصمت ورفعت شعرها
اقترب منها
ومرت أصابعه عند رقبتها وهو يغلق السلسلة
اللحظة كانت صغيرة جدًا
لكن جسدها كله انتبه لها دفعة واحدة
لحرارة أنفاسه القريبة
ولرعشة يديه الخفيفة التي يحاول إخفاءها

ما إن انتهى حتى التفتت نحوه ببطء
كانت المسافة بينهما أقل من نفس واحد

قالت وهي تنظر إلى عينيه مباشرة
إنت متوتر

رد بابتسامة هامسة
أنا من ساعة ما شوفتك وأنا متوتر

ضحكت بخفوت
حلو الصدق ده

ظل يحدق فيها ثانية
اثنتين
ثلاثًا

ثم قال بصوت أخفض
لو قلتلك إني نفسي أعمل حاجة من ساعة ما خرجنا من المطبخ
هتخافي

رفعت حاجبها
على حسب
هتعمل إيه

قال وهو يقترب قليلًا
هطلب إذن الأول
عشان أنا اتعلمت

شهقت ضاحكة
يا سلام
الرجل بيتطور فعلاً

ابتسم
ممكن احضنك

سكتت لجزء من ثانية
ثم احمر وجهها حتى أذنيها وقالت
إنت بتسأل السؤال ده كده عادي

قال
مش عايز أخضك
ولا أسبقك
ولا أعمل حاجة بعدها ترجعي تقوليلي شوفتي
الجبل رجع همجي

ضحكت رغما عنها
ثم قالت بصوت منخفض جدًا
ماشي بس خلى بالك احنا
فى البلكونة
والعمارة عندنا عندها نظر ستة على ستة

تحولت ابتسامته إلى شيء أعمق وأرق
ثم اقترب ببطء شديد وحضنها
وطبع قبلة خفيفة على خدها الأيسر

قبلة قصيرة جدًا
لكن أثرها امتد من خدها إلى قلبها إلى ركبتيها التي شعرت فجأة أنها لم تعد تقوم بوظيفتها الطبيعية

أغمضت عينيها للحظة
ولما فتحتهما وجدته لا يزال قريبًا جدًا
ينظر إليها كأنه يستوعب هو نفسه ما حدث

قالت وهي تلهث بخفة
أنا حاسة إن العمارة كلها سمعت صوت قلبي

قال
وأنا حاسس إن قلبي سبقني بخطوتين

وكان من الممكن أن تزداد اللحظة دفئًا أكثر
لو لم ينفتح باب البلكونة فجأة وتدخل الست فاطمة وهي تحمل طبق طعمية ساخنة

يا ولاد
مين عايز

توقفت

نظرت إليهما

نظرت إلى المسافة التي لا تحتاج عالم صواريخ ليفهم معناها

ثم قالت بهدوء مصطنع لا يخفف شيئًا
أها
أنا شكلي جيت في وقت الأذكار

اختنقت نور
أما آدم فاعتدل فورًا كطالب ضبطه الناظر في فناء المدرسة

قالت الست فاطمة وهي تضع الطبق على الكرسي
خدوا الطعمية
عشان الرومانسية على معدة فاضية آخرها وجع قلب

ثم همست لنور وهي تمر من جانبها
خدتي بالك
كان لازم أقولك تحطي روج أهدى شوية

صرخت نور هامسة
ماماااا

وفي الداخل كان عمر قد وصل إلى ذروة وقاحته اليومية
أخرج هاتفه وكتب في مجموعة عملية تذويب الجليد

تم رصد أول بوسة قانونية على البلكونة
الوضع مستقر والمعنويات مرتفعة

رد كريم فورًا
بالصور أو لم تحدث

رد عمر
أنا أخو العروسة مش مصور يا أستاذ

ردت سمية
الواد ده مشروع صحفي فاشل

وردة فعل عم رضا كانت أكثر نضجًا
الحمد لله
الدنيا ماشية عدل

في طريق عودته إلى التجمع كان آدم يقود سيارته وهو لا يزال يلمس بطرف إصبعه ذلك المكان الوهمي في الهواء حيث كان خد نور قبل دقائق
ابتسم لنفسه للمرة العاشرة منذ خرج من الدقي

رن هاتفه
كانت أمه

فتح المكالمة وقال
مساء الخير يا ماما

جاءه صوتها أكثر دفئًا مما اعتاد
مساء النور
وصلت

أيوه

سكتت لحظة ثم قالت
آدم

أيوه

أنا نسيت أقولك حاجة
البنت دي بتحبك بصدق
وده باين في كل حاجة
في طريقتها معاك
في خوفها عليك
في إنها مبتحاولش تغيرك بالعافية
خلي بالك منها

قبض على المقود برفق
حاضر يا ماما

ثم أضافت نيفين بنفس الجدية
وطنط فاطمة قالتلي أقولك البصارة اللي خدتها معاك متسخنهاش في الميكروويف

أغمض عينيه وضحك
أيوه
أيوه يا ماما

وفي شقة الدقي كانت نور مستلقية على سريرها تنظر إلى النجمة الصغيرة عند رقبتها
تمرر أصابعها عليها وتبتسم وحدها في الظلام

دخلت أمها دون أن تطرق كعادتها
جلست على طرف السرير وقالت
بصي يا بنتي

رفعت نور عينيها إليها
أيوه يا ماما

قالت أمها وهي تحاول أن تبدو عادية وفشلت
هو
يعني
حلو
وطريقته حلوة
وعينيه وهو باصصلك كانوا واضحين أوي
أنا ارتحتله قوي

ثم أضافت بسرعة
بس ده ميمنعش إني لو زعلك هكسر رجله

ضحكت نور ومدت يدها لأمها
تعالي هنا

احتضنتها أمها وربتت على شعرها
نامي يا حبيبتي
عشان باين عليكِ طايرة من السعادة

وأهو بكرة تصحي تنزلي الشغل وتكتشفي إن الحب محتاج أعصاب

بعد أن نام الجميع بقيت مجموعة عملية تذويب الجليد مستيقظة كعادتها
وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل غيّر كريم اسم الجروب

من
عملية تذويب الجليد

إلى
اللجنة العليا لتجهيز العريس

رد آدم بعد دقيقة واحدة فقط رغم أنه لم يشارك في الجروب منذ اكتشف وجوده

أي حد يضيفني هنا تانى أنا همشيه من الشركة

انفجر الجروب كله بالضحك
وردت نور برسالة واحدة

متخفش
إنت كفاية عليك الواقع

أما آخر رسالة تلك الليلة فجاءت من عم رضا الذي لخص كل ما حدث بطريقته البسيطة الحاسمة

الحمد لله
القهوة بقت بسكر
وأم الجليد أكلت بصارة
والبوسة تمت قانوني
إحنا ماشيين صح

أغلقت نور الهاتف وهي تضحك في الوسادة
ثم فتحت المحادثة الخاصة بآدم

وجدت منه رسالة وصلت منذ دقائق

نامت نجمة سهيل ولا لسه

عضت على شفتها من فرط ابتسامتها ثم كتبت

لسه
كل ما أغمض عيني ألاقيها بتلمع

جاء ردّه سريعًا

نامي يا نوري
عشان بكرة عندك شغل
وعندي أنا مهمة أصعب

سألته
إيه هي

كتب

إقناع طنط فاطمة إني مش هاكل بامية غصب

ضحكت بصوت مسموع في هدوء الليل
ثم كتبت

لا دي مستحيلة
ربنا معاك

أرسلت الرسالة
وضمت الوسادة إلى صدرها
وأغمضت عينيها على ابتسامة ناعمة وقلب مليء بدفء حقيقي

وفي مكان ما من القاهرة
كان رجل ظن نفسه مات منذ سنوات
يبتسم في العتمة لأن امرأة من الدقي علمته أن الجليد لا يذوب فقط بالشمس
بل أحيانًا
بصوت أم يقول كُل الساندوتش عشان الحموضة

•تابع الفصل التالي "رواية خلف أسوار الجليد" اضغط على اسم الرواية

تعليقات