رواية ورقة التين الفصل الثاني عشر 12 - بقلم داليا الكومي
العشق مراتب ومنازل اسماها هذا الذي يكون مجردًا من أي غرض.. الحب لأجل الحب فقط.. الحب من أجل الحماية والتدليل.. عشق الروح حالة لا يصل إليها إلا القلة الذين اكتووا بالحب الحقيقي وعلم عليهم.. الذين اختبروا مرارة الفقد أو اقتربوا منه..
كاد يتقيأ في الغرفة من منظرها المقرف.. كانت أشبه بهيكل عظمي مخيف مقرف لا جمال ولا روح ولا إثارة ولا أي شيء.. وجمجمتها فقدت نصف شعرها لينمو ويصبح مثل الشوك ولم يعد الشعر الناري الذي أفقده صوابه .. كلها أصبحت هزيلة نتنة .. مجرد كومة عظام متكومة على فراش ويخرج منها خراطيم من كل مكان والغرفة معبقة برائحة المطهرات والأدوية.. على ماذا يكاد يقتل نفسه هذا الاحمق ؟؟ لو هو في مكانه لكان ألقاها في الشارع منذ اللحظة الأولى لا حارب لأجلها بضراوة ستفقده حياته..
وكرر بقرف أكبر.. - سأتقيأ.. لو كنت مكانك لكنت ألقيتها للكلاب منذ زمن.. سأرحل الآن واشبع بها تلك العفنة المثيرة للغثيان وتعفن معها للأبد.. أنت حتى لا تستحق القتل.. القتل رحمة بك سأتركك لترى تلك المقرفة التي تتبرز على نفسها كل يوم..
ماذا يقول هذا اللعين ؟؟
حقًا لا يعلم أيهما أشد ألمًا وتمزيقا لأحشائه اقتحام حيوان لغرفة زوجته طمعًا فيها أم تعليقه الحيواني على حالتها ؟؟
في الحالتين ألمًا ينغز صدره أحدهم يضربه في رجولته والآخر يضربه في قلبه..
لا تصدقيه حبيبتي أنتِ أجمل فتاة في الكون..
سيحميها ليس فقط من الأذى الجسدي لكن حتى من الأذى النفسي.. سيحملها على كفي الراحة للأبد مدللة سعيدة راضية.. هذا واجبه وهذا ما أقسم عليه.. من رحمة الله علينا أنه يراك هكذا لكن أراك ملكة جمال الكون لا توجد فتاة في جمالك ولن تكون كان يريد الركض لسد أذنيها كي لا تستمع لكن الغضب الذي أحدثه حديثه القذر جعله يفور وينطلق أدرنالين الغضب في عروقه ليجعل منه خارًقا غير قابل للهزيمة.. ورغمًا عن كل الرجال المحيطين به انطلق كالمدفع ليتعلق في رقبة الحيوان يزيد ويضغط عليها بكل قوته حتى جحظت عيناه وهو يقول بهستيرية.. - أنت هو القذر اللعين..
وهوى أحد الرجال بسلاحه على مؤخرة رأس منذر فاختل توازنه من شدة الضربة وسقط أرضًا يصرخ قائلًا.. - سأنزع أعينكم من أماكنها..
وفجأة ومن حيث لا يدري هجم چوچو على يزيد وضربه بمنقاره بكل قوته في عينه التي انفجرت وسالت منها دماء غزيرة وأصبح يصرخ بهستيرية هو الآخر وانقلب الموقف من النقيض للنقيض وارتبك الرجال مع صرخات يزيد وتشتت انتباههم حينما حاولوا مطاردة چوچو الذي خرج من الغرفة ليطير في العراء صارخًا.. " لصوص مواشي"..
سبحان مغير الأحوال من حال لحال.. من لحظات كان غندور يقرأ الشهادتين ويتحسر على حريم المنزل الذين سيتم انتهاكهما من بعدهما " زوجته وزوجة منذر" ولم يكن يدعي سوى بالستر وفي اللحظة التي تليها لم يعد هناك عصبة فأحد الرجال خر أرضًا يولول على عينه التي فقئت وتصفت وخرج اثنان بسرعة الصاروخ يطاردان الطائر الذي كان يصرخ بطريقة ستفضحهم.. لقد حملوهما هو ومنذر ليقتلوهما في الداخل بعد إذلالهما والآن كانت تلك غلطة عمرهم..
صاحب الحق يموت واقفًا يا أوغاد.. وشحن العزم طاقته من جديد سينهض وسيقف جنبًا بجنب منذر حتى ولو بمفردهما..
ومهما دبر البشر وخطط ورتب يأتي الترتيب الإلهي من سابع سماء ليكون هو الخلاص.. الجيران الذين أكلهم القلق على جارهم لم يتأخروا في الحضور وحينما شاهدوا المواشي التي تفر هاربة من محيط المنزل أيقنوا الأمر..
" الجار في خطر " وكل الاحتمالات موجودة كلصوص المواشي مثلًا أو أي خطر آخر يهدد سلام تلك العائلة التي كانت بمثابة سندًا للجميع على مر العصور.. ولم يعد التجمع من جار أو اثنين بل اتحد الجميع على قلب رجل واحد فالاتحاد قوة.. لن يهزم اللصوص أصحاب الحق والحق تلزمه القوة لتحميه..
وبتناغم مدهش تفرقوا لفريقين أحدهم كان شغله الشاغل حماية مواشي منذر الفارة والحفاظ عليها وتهدئتها لأجله والفريق الآخر حشد نفسه لمواجهة الدخلاء أيًا كانت نيتهم وأيًا كانت قوته الجسدية والعددية وأيًا كان تسليحهم.. وتأكدوا من أنهم لصوص مواشي حينما طار في العراء طائر يصرخ " لصوص مواشي " وعلى الرغم من دهشتهم من وجود چوچو الغير مألوف بالنسبة إليهم..
والصدفة الأعظم كانت في قطع التيار فجأة لتكون السيادة لأصحاب الأرض وأصحاب المنزل..
كان منذر يحمد الله أن عاصم ومهند لم يستيقظا على أصوات الحرب التي أيقظت حتى الأموات في قبورهم فلم يظهر لهم آثر حتى هذه اللحظة على الرغم من كل الضجيج وحينما قطع التيار الكهربائي ليسود الظلام الدامس المكان متزامنًا مع هجوم چوچو على الحيوان القذر علم أنها فرصته للنصر..
وبآخر نفس لديه نهض ليقاوم لكن لصدمته صرخت ربى قائلة.. " منذر" وانقلب الحال للنقيض للمرة الثانية..
**
لأسابيع وهي تقاوم كسرة قلبها وألمها.. تحاول وضع الحواجز بينها وبين كل من تحب لأنها عجزت عن احتمال الألم فاختارت الانسحاب من الحياة وتركها بالكامل.. كانت تشعر بكل ما يحدث حولها وتتذكر كل كلمة قيلت حتى الصوت الغريب الذي كان يردد لجوارها باستمرار بأن منذر يحبها علمت عنه وشعرت ببعض الراحة مع كلماته المفهومة بصعوبة بسبب صوته الغريب.. صحيح هي كانت لا ترى لكنها كانت تشعر وتسمع وتفهم.. في البداية لم تكن تفهم ما تسمعه ثم بدأت في الفهم قليلًا حتى جاء يوم خلع فيها قلبها قلقًا بسبب جملة غريبة سمعتها ومن بعدها أصبحت تفهم بالكامل كل ما يدور حولها وتحاول كسر حاجزها بنفسها..
أرادت فقط رؤية وجه منذر ولو لمرة لتعلم مدى صدق كلماته ورؤية وجه عاصم ولو لمرة لتشكره لا على دعمه لها لكن على حبه .. لكنها لن تنكر كانت تستمد الدعم من حضن عاصم الذي لم يكن يحرمها منه ومن ثرثرته معها وكانها هناك لأجله تستمع.. كان يبقيها على اطلاع على آخر الأخبار ويقضي معظم وقته معها تاركا حتى اللهو مع مهند لأجلها..
لأسابيع تخلت عن دورها في المسؤولية وألقتها على غيرها لكنها كانت أكيدة من أن مسؤوليتها تلك بخير وصحة بل وأفضل حالًا مما كانت هي تتولاها " عاصم بخير " وهذا هو الأهم..
وظلت تداري ألمها وتتخفى في هيئة الجنين الاختيارية حتى عاد لها ألمًا أكبر من ألم منذر القاسي.. ألم يسبب الرعب والخوف الشديد على كل من تحب..ألم يجبرها على النهوض فلم يعد التخفي اختياري ولم تعد تستطيع التنصل من مسؤوليتها الآن فالصوت المقيت هذا يهدد كل من تحب وعليها النهوض فورًا لأجلهم.. لا يهم غضبها من منذر وكسرة قلبها.. الآن المهم أن يظل الجميع بخير حتى ولو اضطرت للسماح والنسيان.. في هذا المكان لا يوجد سوى أحبائها الذين تفديهم بحياتها.. يكون منذر بخير أولًا وبعدها فلتحاسبه أو حتى لا تفعل المهم أن يظل بخير.. وفتحت عينيها لتكتشف أنها الآن أيضًا ترى لا تسمع فقط وعقلها عاد للعمل بنفس سرعة قراره في عدم العمل وعلمت خطورة الوضع وحاولت النهوض لكنها لم تستطع فجسدها لم يكن به أي قوة ولا أي تحكم وفجأة انقطع التيار الكهربائي ليمنع عنها حتى الرؤية وخفق قلبها بعنف.. الظلام يعني المجهول يعني الخوف يعني ربما فقدان حبيب أو غالي فصرخت باسمه لا تلقائيًا..
ومع صرختها سمعت صرخة أخرى جعلتها تطمئن قليلًا.. صراخ يزيد من الألم كان يشفى القليل من غليلها مع أنها لا تعلم ما به وفجأة شعرت بنفسها تضم لجسد.. جسد عرفته من رائحته ومن تكوينه جسد جعلها تشعر بالأمان وتشعر بالطمأنينة.. جسد لم تفتقده فعليًا فكان ملاذها الآمن يوميًا وشعر منذر بيزيد يغادر الغرفة مع رجاله متسترين بالظلام موقنون من هزيمتهم لكن المهزوم الخسيس قد يفعل أي شيء حتى أذية طفل صغير.. لذلك تركها على مضض وهو يصرخ .. - سأعود حالًا زوجتي الحبيبة .. وجعلها تتحسس خاتمها العقيقي بكفها الآخر قبل أن يختفي من الغرفة بكل طاقته المتبقية..
كان يركض لحماية الباقين وسبقه غندور لذلك واطمئن وحمد الله‘‘ غرفة الصبين ما زالت مغلقة الباب ففتحه بسرعة ليجدهما عبر ضوء القمر المتسلل من النافذة نائمين كملاكين صغيرين في كامل أريحتهما فتنفس الصعداء ولحق بغندور الذي كان يطارد الرجال الفارين في الظلام ولدهشته وجد جمع غفير من الرجال ذوي الوجوه المحببة يحملون المشاعل ويقتحمون مزرعته فشعر بالرهبة.. ياله من منظر لو عاش ألف عام ما كان يتوقعه..
جيرانه شعروا بمحنته وحاجته إليهم حتى بدون أن يستغيث ومع أن مواشيه لم تخطر بباله لكنه كاد يبكي حينما شاهد البعض يقود المواشي الفارة بحرص بالغ ويدخلهم لحظيرتهم بأمان وهرع الباقين ليلتفوا حوله أما الشباب منهم فانطلقوا مع غندور لمطاردة المعتدين .. والحمد لله للمرة التي لا يعلم عددها لكن والده كان بخير وحمله بعض الرجال وأجلسوه في تراس المنزل وهو يردد الآيات القرآنية بلا انقطاع ..
أثناء رحيل عائلة حمدون ألقوهم بالبيض الفاسد وأثناء محنة عائلة أبو الحسن تركوا أسرتهم الدافئة قبيل الفجر وتجمعوا لنجدته ولحماية عائلته وأمواله وحتى بدون أن يطلب وللمرة الثانية في خلال أقل من أسبوع يتكافون لحمايته وللدفاع عن ماله وأرضه وعرضه لذلك وجب عليه شكرهم بكل ما يملك من قوة ومن عزم حتى ولو اضطر للتأخير عن ربى بعض الوقت..
الله أكبر الله أكبر.. وتسلل صوت آذان الفجر عبر مكبرات الصوت من المسجد القريب وبطرف عينه شاهد فوزية تركض لداخل المنزل وعلم أنها ستكون لجوار ربى ولن تكون بمفردها في الظلام فهدأ قليلًا .. ستدعمها حتى ذهابه إليها .. الاعتداء الغاشم الذي ترك أثره على جرحه النازف لم يمر مرور الكرام فجرحه فتح من جديد وعاد للنزيف لكنه ظل صامدًا واقفًا على قدميه رافعًا رأسه وظل يقاوم حتى انتصر ومرت العاصفة بسلام.. أولئك المخلصون لم يتركوا له مجال للعمل وأعادوا كل شيء لحاله حتى أعادوا التيار الكهربائي وأغلقوا الحظيرة مجددًا وحمل أحدهم إيجي سباركي الذي كان رخو الجسد فشعر بغصة رهيبة في حلقه .. هذا الجرو فردًا من العائلة وخسارته كبيرة تترك مرارة الفقدان كاملة.. ماذا سيقول لربى؟؟ لم استطع حماية جروكِ ؟؟ وكاد يبكي بصوت مسموع وفجأة أصدر إيجي سباركي حشرجة بسيطة وفتح عينيه وقفز من أيدي الرجل ليتمسح في قدميه مع هتاف الرجل الذي كان يحمله..- الجرو كان مخدرًا فقط..
**
خلق الإنسان ليعمل وليسعى وليعبد..
لهذا خلقنا الله لكن في المقابل خُلق مسموع الصوت وصوته يصل للسماء بدون أي حواجز فقط اطلب من الرحمن ما تشاء يحققه لك حتى ولو آجلًا وإن لم يتحقق لحكمه يكون هذا هو الخير والخلاصة اطلب المستحيل من رب العباد فعلى قدر المطلوب منه يكون الطلب ..
( ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ ) .. الثقة بالله هي أول طريق تحقيق المستحيل..
بعد هذه المجنة تغير الجميع وصقلوا من الداخل .. وترسخت قناعاتهم وثبت إيمانهم..
حتى إيجي سباركي بخير وكبر فجأة وأصبح كلبًا لا جروًا بين يوم وليلة واستلم الحراسة عن حق وكأن الدرس الذي أخذه كان كافيًا ليزيد من خبرته .. التجربة كانت رهيبة وخرجوا منها جميعًا أفضل حالًا صحيح الحيوان يزيد فر لكنه لم يعد مصدر خطر بعدما شهد عليه المئات في مخفر الشرطة .. الجميع أقر بأنه المعتدي.. شاهدوه وجها لوجه أو لم يفعلوا لكنه شهدوا عليه تأمينًا على كلام من شهد منهم فالشاهد برؤيته أمينًا يصدق .. باللإضافة لاعتراف موثق من ثلاثة من رجال أحكم الرجال قبضتهم عليهم ليعترفوا عن محرضهم الأساسي وعن غرضهم من الاعتداء.. وانتشر الخبر في الصحف المحلية.. ولم يذكر منذر أبدًا العقد الملعون ولم يلمح عنه حتى في التحقيقات فالسكوت عن الباطل يميته والعقد كان وأصبح باطلًا قانونًا فلما الحديث عنه؟؟ ويتبقى فقط همسة ليكون باطلًا تامًا وشرعيًا .. فقط تنطقها ربى بلسانها.. " زوجتكِ نفسي"..
للآن لم يراها رغم مرور ثمان وأربعين ساعة على الحادث لكنه قضاهم في مخفر الشرطة وفي النيابة لتوثيق الأمر والخروج بصيغة قانونية تحمي ربى من شر المعتدي الأثيم .. كان يريد قطع عرق وتسييح دم كما يقولون ولم يكن ليهدأ قبل أن يطمئن لإدانته الكاملة وخروجه بلائحة من التهم أقلها التحريض على القتل .. حتى جرحه التئم بصورة مدهشة واستطاع الاستغناء عن جبيرته بعد تعهده للأطباء بالراحة التامة لمدة شهر..
وحاول أن يكون في أبهى حلة لينال إعجابها .. هذا سيكون بمثابة اللقاء الأول .. اليوم بداية جديدة حبيبتي .. هل ستعجبين بي ؟؟ هل أنا وسيم كفاية لتحبيني ؟؟
وتعطر جيدًا بعدما استحم وحلق ذقنه استعدادًا للقائها .. لو فقط تلمس وجنته بأصابعها الرقيقة ؟؟!! كان يطمئن عليها من والده ومن فوزية في كل لحظة لكنه آجل لقائها حتى يكون مستعدًا .. علم منهم أنها أصبحت واعية تمامًا وتنهض بنفسها من فراشها صحيح لا تأكل كثيرًا لكنها تقاوم وهذا يكفيه ..بل وسمع صوتها من بعيد وهي تغرد كالعصفورة الصغيرة باسم عاصم ..
اللقاء المنتظر..
وفتح الباب بكل لهفة.. كانت تجلس على المقعد بجوار النافذة وعاصم راكعًا تحت قدميها ويضع رأسه الصغير في حجرها وهي تملس على رأسه و چوچو يقف على كتفها ويعبث بمنقاره في شعرها الناري وكأن اللون يستفزه وهي مستسلمة تمامًا ولا تقاومه .. ورغمًا عنه صرخ بچوچو من شدة خوفه عليها وعلى جرح رأسها ..- چوچو غادر الغرفة حالًا..
لكن چوچو لم يستجيب لأمره وقال ..- كل زفت..
رغم كل ما حدث‘‘ آخر ما كانت تتوقعه أن تضحك خاصة مع لقائهما الأول وبعد كل ما كان .. حقًا ضحكت على ما قاله صديقها چوچو .. صحيح كانت صداقة لمدة ثمان وأربعين ساعة من طرفها لكن من الواضح أن چوچو يعرفها جيدًا ويقول " ربى " .. ويعرف منذر جيدًا ويقول له " كل زفت " .. حتى الطائر استفزه منذر بعصبيته..
وابتسم منذر لابتسامتها التي تضىء الكون كله.. شكرًا چوچو لقد كسرت رهبة اللقاء الأول .. كان يشعر أنه مراهق في موعده الأول ولا يعلم كيف يتصرف وجاء چوچو رحمة من رب العالمين ليساعده فشكرًا حقًا.. لولا ما قاله لكانت قابلته بعبوس يستحقه بل وربما كانت طردته من غرفتها .." غرفتهما " ..
وعلى الرغم من سن عاصم الصغير لكنه فهم .. فحمل چوچو الذي كان يقاوم بشدة كي لا يترك الغرفة ويحاول التملص من قبضة عاصم الصغيرة لكن عاصم انتصر عليه وانصرف وأغلق الباب خلفه .. كان يعلم بفطنته أنه هناك أحاديث يجب أن تقال ولا يجب عليه ولا على چوچو الاستماع إليها فحمله وهو يحاول التملص من قبضته وغادر ليكمل حربه معه في مكان آخر ..
ومن فوره ركع في نفس المكان الذي كان يحتله عاصم منذ ثوان وتمسك بكفيها الباردين بقوة بكفين ملتهبين من شدة لهفته وإثارته .. وشعر بملمس الخاتم تحت ضغطه .. إشارة جيدة جدًا عدم تخليها عنه وفور لمسه له شعر بموجة من الدفء تسري في جسده كله وبالتالي في جسدها أيضًا .. وقال بصوت متهدج.. - أحضرته من يومها لأجلكِ أنتِ .. لأني أحببتكِ منذ أن وقعت عيناي عليكِ للمرة الأولى..
وانتبهت لوضعها وحاولت استحضار غضبها فجذبت كفيها بقوة ضعيفة هي كانت كل قوتها لكنه لم يسمح لها .. وأكمل بنفس الصوت..- لن أفلتكِ مجددًا حبيبتي.. لوميني قدر ما شئتِ لكن لا تبتعدي عني أنا لا أقوى على الحياة بدونكِ..
ونهض ليحتويها بين ذراعيه وترك كفيها للحظات كانت كافية لاستخدامها لتداري نفسها .. هناك أشياء كثيرة تغيرت خلال الشهر الماضي أشياء خارجية في مظهرها الخارجي وأشياء داخلية علمت على الجميع ليس هي بمفردها من تغيرت داخليًا.. أشياء علمت عنها في عزلتها وأشياء علمت عنها من بعد عودتها .. كزواجهما مثلًا .. فكرة الزواج نفسها فكرة غريبة تتركها مبهوتة ومصدومة كليًا ورفعت كفها لا تلقائيًا لمحل شعرها المحلوق لتداريه.. فشعر بما تحاول فعله ومنعها بقوة " أنت جزء مني وهل يختشي الجزء من الكل ؟؟ "
لكن حركته الفجائية سببت الألم الشديد له ولجرحه الذي كان يشعر وكأنه كتلة نار فتأوة بخفوت جعلها تهتف بذعر ..- هل أنت مصاب ؟؟
وأخيرًا سمع صوتها .. مصاب أو لا .. لا يهم المهم أنكِ بخير .. لكن ذعرها يقتله فقال بلهفة ..- أنا بخير المهم أنتِ .. كيف حالكِ جبيبتي ؟؟
السؤال الأصعب على الإطلاق .. فخفضت عينيها أرضًا لكنها عادت وأجبرت على النظر في عينيه مجددًا .. قال بحب وحنان ..- ربى أنتِ زوجتي أمام الله .. لقد عقدت قراننا رسميًا والقسيمة موجودة .. فعلت هذا دون سؤالكِ لأني أعلم أنكِ تحبيني كما أحبكِ.. قد أكون غبيًا متهورًا عنيدًا متسرعًا وبي كل الصفات السئية لكني أحبكِ بجنون وهذا فقط ما قد يشفع لي يومًا .. سأنتظر العمر كله كي تسامحيني لن أطلب السماح الآن أنا فقط أطلب منكِ مهلة لإثبات حبي لكِ .. لا تغلقي بابكِ في وجهي قبل منحي فرصة أخرى .. أعلم أني لا أستحقها لكن الحب جعلني مجنونًا فهل على المجنون حرج ؟؟
عقلها المسكين يصارع قلبها الأكثر ضعفًا .. لهجة منذر المتعالية تغيرت تمامًا لأول مرة تراه في موقف الضعف يتذلل .. حتى حينما طلبها في المرة الأولى لم يكن يخيرها بل كان يأمرها ويخبرها ما سيفعله واليوم منذر مختلف كليًا وهذا يربكها .. المحنة التي مرت بها عصفت بكل قسوة متبقية لديها فلم تكن قاسية بطبعها بل قسوة أجبرت على التصرف بها وانهارت مع غلافها الانعزالي الذي اختارت وضع نفسها بداخله حينما تعرض أحبائها للخطر.. هي كائن لا يعلم سوى الحب ولا يمنح سوى الحب ولم يرد سوى الحب..
كان يتحدث بألم نابع من القلب ..- يومًا في الماضي القريب أقسمت على حمايتكِ وتدليلكِ .. كان هذا يوم أن أصبحتِ لي أمام الله".. هذه كانت نيتي لكن ليشهد الله على ما أقوله .. مع أن كل أمنيتي في الحياة أن تكوني زوجتي حقًا " لكن إن قررتِ غير هذا فسأظل أقف حارسًا أمينًا على بابكِ .. لقد سجلت نصف المنزل باسمكِ والنصف الآخر باسم مهند .. نحن ضيوفكِ من الآن .. كل ما أطلبه منك وقتًا للتفكير ومنحي فرصة للتكفير ..
ونهض مقاومًا رغبة عارمة في البقاء .. - سأظل خلف هذا الباب حتى آخر نفس وحتى إن لم ترغبي في حمايتي .. حينما تكوني مستعدة سنذهب للشيخ فتحي وستخبريه إما برغبتكِ في الطلاق أو برغبتكِ في البقاء زوجة لي .. وحتى هذا الحين أنا لا أملك إلا الدعاء لتحدث المعجزة التي أتمناها..
**
كل يوم يتورط أكثر .. كان فقط يخفي قاتل مأجور واليوم يخفي أكثر خلق الله شرًا..
يزيد أبو الخير مع أزمته الأخيرة وظهرت كل فضائحه وكما يقولون " العجل وقع" فأصبحت سكاكينه كثيرة.. مع بدء التحقيقات وانخراط اسمه القذر فيها وتوالت التهم وتوالت الاعترافات .. والجميع يبحث عنه حتى رجال العصابات وهو محتجز لديه في منزله هو .. المجرم يحتجزه في منزله الخاص فلا يستطيع التنفس ..
آه لو علم أهل القرية عن كل بلاويه .. بعد فراره من منزل منذر قاده زكريا لمنزله الأقرب .. بالطبع فأين كان سيختفي والقرية كلها تبحث عنه .. وبعدما كان يخفي بلوة واحدة أصبح يخفي بلوتين وتحت التهديد بالقتل.. لقد كان دائمًا فاشلًا في كل شيء وحتى فشل في الفرار من القرية في الوقت المناسب وسيدفع هو الثمن كاملًا .. وعمل بقهر ليعد طعام الغداء للمجرمين .. رقبته ستكون في حبل المشنقة قريبًا جدًا جدًا..
**
" آه لو شاهدتِ كيف دافع منذر عنكِ .. بطل من يومه حماه الله .."
حقًا بطلًا يا فوزية.. وهل أحبه من فراغ ؟؟ أنه رجل حقيقي تتمناه أي أنثى..
أحبه على الرغم من الألم .. أحبه وأرغب في قولها علانية .. أحبه ومن شدة رجولته منحني الخيار ..
الخيار الأصعب على الإطلاق .. كانت تعلم أنه صادق في كل حرف فعلى الرغم من عيوب منذر التي باتت تحفظها لكنه سيحفظ الوعد وسينفذ لها كل ما تريد وسيحميها مهما أن كان قرارها ..
وتساءلت كثيرًا .. هل تملك القوة لرفضه ؟؟ هل المرارة ستتغلب وستعجز عن مسامحته ؟؟ هل الحياة القصيرة التي نحياها تحتمل تركنا للغل ليسود ؟؟
منذر لم يكن يحمل الغل ولا الكراهية ولا حتى الرغبة في الانتقام لكن مجرد سماحه لظل الماضي الأسود بالسيادة دمر حياتهم وكادت العائلة بالكامل تمحى من على وجه الأرض .. لكنه أدرك مؤخرًا: شر هارون لم يطل منذر ووالدته ووالده وشقيقه فقط ..
شر والدهما حتى كاد يسحقها ويسحق عاصم .. كان أنانيًا خبيثًا ولم يكن يفكر سوى في نفسه وشره لم يكن له حدود وللأسف منذر هو من يدفع كل الثمن للمرة الثانية .. فهل هذا من العدل ؟؟
إصراره على كتابة نصف المنزل باسمها كان ليؤكد لها أنها صاحبة المكان وأنها ليست ضيفة أو غريبة لكن بأي حق تقبل أمواله ؟؟ حاولت الرفض لكنه أصر وحتى عمها قدري أصر وهذا يجعلها تشعر بدونية وخجل رهيب من كنيتها..
لقد قابلوا الشر بالحب والخبث بالطيب.. وعلى نفس قدر غضبها من منذر على نفس قدر حبها ورغبتها في السماح..
وتأكيدا على حبه لم يطرق بابها لأسبوع وكانت تعلم أنه يجلس خلف الباب يستمع لخطواتها ولمراحل تعافيها.. اليوم فقط استطاعت النهوض الكامل بمفردها ولم تعد ساقيها رخوتين .. اليوم فقط تمكنت من بلع طعام الفطور بدون الاضطرار لخفقه واليوم فقط خرجت من غرفتها لتجد منذر يجلس أرضًا أمام الباب يحدث چوچو..
آخر ما كانت تتوقعه رؤيته هكذا ورؤية السعادة الحقيقية في عينيه لدي رؤيتها تخرج من الغرفة .. شتان ما بين منذر الذي ترك غرفته لأجلها ومازال يراها جميلة على الرغم من كل قبحها الحالي وبين خنزير باعها والدها له وكان فقط يريد جسدها لقد سمعت كل ما قاله وفهمته والحمد لله أن رآها هكذا هذا كان من لطف الله.. منذر عشق روحها بطريقة تجعله لا يرى قبحها وضعفها وشعرها البشع وهذا يشفع له الكثير لكنها أصبحت تخاف من السعادة.. لن تتعشم مجددًا في السعادة فآخر عشم دمر كل العائلة ويكفي أن هذا الحقير مازال طليقًا ولن يترك منذر بخير.. هل من الأمان لهم بقائها هنا ؟؟ التجربة كانت قاسية دموية وفقط خرجوا منها برحمة من رب العالمين لكن لا أحد يعلم لو تكررت ماذا ستكون العواقب ؟؟
كل الجراح تشفى بالوقت وجرح كتفه تعافى يتبقى فقط جرح قلبها ليكون التعافي كاملًا.. لم يكن يعلم ما يجول في خاطرها من قلق لكنه كان أكيدًا من أن أمانه من أمانها وسعادته من سعادتها ومن مجرد رؤيتها..
وابتسم بسعادة حقيقية وأحكم قبضته على چوچو وقدمها لها قائلًا بحب..- هدية بسيطة رجاء اقبليها مني..
وردد چوچو .." چوچو هدية " وسألته بخجل ..- من أين علمت ؟؟
سؤال غبي بالطبع من عاصم لكنه أجابها ..- عاصم اخبرني..
وحضر عاصم على السيرة .. كان يركض بحبور يتبعه مهند ..- ربى ربى لقد خرجت من غرفتكِ.. واحتضنها بقوة.. ومن قوته كادت تسقط أرضًا فمازالت لا تمتلك القوة لكن منذر سندها بحزم..
كانت نواياه صريحة " سأسندكما للأبد "..
الحياة ليست دائمًا سوداء هناك ألوان أخرى تمر وستمر علينا طالما صبرنا وانتظرنا .. مراحل وتقلبات .. فبعد الليل الحالك يأتي نور النهار..
الحياة الآن تعدها بألوان أخرى تبهج العين .. من فترة قريبة لم تكن تملك أي ممتلكات خاصة واليوم لها قلادة وخاتم سحريان تستمد منهما القوة والدعم..
من فترة قصيرة كان عاصم كل ما تملك والآن أصبح لها عائلة مخلصة بها كل ما تتمنى أب وشقيق وشقيقة وشقيق آخر و و زوج ..
وفتح منذر الستائر لتدخل أشعة الشمس وقادها برقة للتراس وأجلسها بحنان.. - فوزية.. اليوم سنتناول الطعام هنا..
كان يحاول كسر الحاجز ويحرص في نفس الوقت على تعافيها وبأريحية..
أمس مر بكل مرارته واليوم أتى بمفاجأته وغدًا الله وحده يعلم ماذا سيخبئه لهم.
•تابع الفصل التالي "رواية ورقة التين " اضغط على اسم الرواية