رواية عطر الخيانة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم داليا الكومي
لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا ..
لا يمكن أن يحدث هذا ..
أن يكون الحاج مبارك شاهدًا على الزواج الذي لا يريده شيء وأن يعلن الاشهار والدخلة من الدوار شيئًا اخرًا..
وليس فقط لأنه لا يريد الارتباط بآريام في العلن لشخصها ولأخلاقها التي يعلمها جيدًا لكن يكفي ما ستفعله هيلين حينما تعلم .. ربما تحرمه من إياد وتسجنه بتهمة تعدد الزوجات ..
لكن هنا تكمن المعضلة فوالده لم يرد تصغيره أمام الناس مع أنه كان يستطيع لذلك لن يفعلها هو ويصغره ويرفض قراره ..
كان يعلم أن ما فعله والده يقصد به عقابه وتحداه أن يرفض أمام الناس ما قرره وكان يضعه في اختيار صعب وقرار اصعب ..
فهو تحداه أن يكسر كلامه عندما اعلن عن الاشهار من الصعيد وهو يعلم أن تلك لم تكن رغبته مطلقًا وإلا لما كان عقد القران سرًا ..
الأمور تزداد تعقيدًا وآريام لن تصمد كثيرًا .. إن كانت تحملت عقد القران لأجل اشقائها فماذا سيجعلها تتحمل السفر والبهدلة ..؟؟
ثم بالتأكيد هناك والدين لها لم يأتي ذكرهما مطلقًا .. ثم السفر سيمنعه من الاختلاء بها واعطائها حبوب منع الحمل التي تستخدم في حالة الطوارئ الا اذا ابتاعها فورًا وحاول ايجاد طريقة لإعطائها اياها .. اخر ما يريده هو وجود طفل منها فحتى ولو كانت عذراء كما تأكد بنفسه لكن العذرية لا تعني أنها أول مرة لها .. هناك طرق للعلاقة تحافظ على العذرية وهناك طرق شاذة لا تتطرق لها من الأساس لذلك منع الحمل كان واجبًا بكل الطرق والأهم التخلص من ذلك الخاتم البغيض الذي يذكره بماضيها ..
الأصعب حتى من ذنبه الكبير هو معرفته بأن زوجته تتربح من جسدها ..
غلطة غير محسوبة العواقب تبعها استسلامه لشيطان رجيم قلبا كل حياته
وكل ما يفعله الآن هو الركض بدون توقف لإيقاف توابع الزلزال الذي سببه بنفسه ..
ووجد أشقاء آريام يتبادلون النظرات بعد تصريح والده .. ولمح بطرف عينه جرح آريام يطبع القليل من الدماء علي كم فستانها ..
وتوتر كل الوضع حتى بات على وشك الانفجار .. يبدو أن الجرح بحاجة لتدخل سريع منه وإلا تلوث أو ربما يحتاج للمزيد من الغرز ..
اين ذكائك يا غسان الذي كنت تفتخر به دائمًا ..؟؟
هيا جد حلًا سريعًا ..
عدم رفض سامي الفوري للسفر عند سماعه لاقتراح والده والتصريح بذلك صراحةً يمنحه بعض الأمل في احتمالية موافقته واقناع والديه ..
وبدأت الأمور تترتب في عقله قليلًا .. السفر يحتاج لملابس لآريام ولأسرتها والحاج يصر على السفر اليوم .. انها مازالت الثانية عشر والنصف ظهرًا يعني أمامه حوالي ثمان ساعات للترتيب ومن الجيد أنه رتب الأمر مع فاروق ليضمن صمته ..
فعلًا .." لا تؤجل عمل اليوم للغد " .. حكمة ادرك مغزاها جيدًا اليوم ..
ويبدو جليًا أن فاروق وأم قاسم قررا الصمت وهذا أيضًا يمنحه الوقت ..
كله في صفه ما عادا آريام نفسها .. لولا الملامة لكانت صرخت وصرحت
ولحسن حظه سمع والده يقول:
- سأذهب لصلاة الظهر في المسجد القريب وبعدها سأذهب لصلاة العصر في الحسين ولا تشغل بالك بتوصيلي يا غسان ككل مرة،، فقط اهتم بعروسك وأهلها وتجهزوا للسفر وعثمان سيكون معي,, لقد تركته في السيارة في الأسفل وسيوصلني .. على كل حال سأعود في حوالي السادسة وسنرحل بعدها للنجع..
شكرًا يا حاج قسمًا بالله أنت تفهم في الأصول وقبل يده باحترام وقاده للباب
وفور غلقه للباب علم أن عليه الحرب ووحيدًا ..
**
الطريق لتحقيق ما يريده مفروشًا بالشوك وعليه أن يخطو فوقه..
وليصل الى ما يريده عليه التحمل والجلد ..
واخر ما يريده هو أن يخسر حب عمره وهو يلهث في هذا الطريق ولكن الغاء المجلس العرفي كان أكبر خطوة قام بها من أجل البشرية ..
من أجل عائلته ومن أجل ابنائه .. بالتأكيد سيترك مكانه يومًا ما وربما يعود أحدهم بنسخة شاملة لجده ..
يعود فتعود أيام العبيد والتفرقة بين العبد والسيد .. تعود تلك الايام .. للحكم بالحديد والنار ..
زواجه من امرأة اخرى بمثابة عقاب له على الغائه المجلس والبديل استخدام سلطته كشيخ للنجع ويلغي القرار وبهذا يكون اعاد هو عهد الاستبداد بنفسه والقرار الفردي الذي لا يقبل المناقشة لا القرار الجماعي الذي اجتمع عليه كل عجائز النجع بقيادة العجوز مندور ..
وإما أن يقبل الزواج أو يعيد المجلس لا بديل ..
والألم الذي يشعر به بعد مواجهته المريرة مع زبيدة لا يوصف .. أنه يتألم لألمها اكثر من تألمه لفقدانها.. كان يعيش من أجل حمايتها وتدليلها واليوم وبيده تسبب في حرق قلبها ..
وكانت محقة تمامًا في كل ما فعلته ..
لو كانت تصرفت غير ذلك لكن شك في مقدار حبها له وغيرتها عليه وحينما اراد اجبارها بتهديدها بالأطفال تركتهم ورحلت ..
كل المؤشرات تشير لمقدار حبها البالغ له لدرجة وصلت لحبها لأبنائها وأه يا زبيدة لو تعلمين ..
أنا زاهدًا في أي امرأة سواكِ ولا اريد سوى حضنكِ ..
يااارب
والحل؟؟
لا يوجد أمامه سوى استخدام سلطته ورفض القرار وسيتم التضحية بفالح وأطفاله في مقابل عودة المجلس لكن هل لو فعلها ستغفر له زبيدة؟؟
انها لم تنتظر التنفيذ .. فمجرد الفكرة ذبحتها ورحلت تنزف بمفردها وحتى ولو تراجع فلن تسامح أو تغفر ..
هو خسرها سواء تزوج أم لا ..
كان يجب عليه الكذب عليها لكسب الوقت لكنه اقسم مع قسم الزواج على الوفاء والوفاء يعني عدم الكذب وإلا بطل الزواج ..
اعلمي يا زبيدة أن اجباري على لمس امرأة غيرك هو الجحيم بعينه لكن بعض الرجال خلقت لتعاني وقدري أن اكون منهم ..
وجلس على الانقاض يسترجع حديثهما ويحبس دموعه..
( هل ستخرب بيتك لتعمر بيت عقربة ..؟؟)
زواجه الثاني خرابًا ليس للبيت فقط بل لقلبه اولًا ..
والتضحية بزبيدة أكبر من احتماله ومسح دمعة فرت على الرغم من صرامته في منعهم من الظهور .. حياه بدون زبيدة لا تستحق أن يعيش فيها ..
**
الشعر الذي ابيض والوجه الذي حفرت فيه التجاعيد أنفاقًا لم يكونا بلا ثمن فالخبرة التي تكتسب بالعمر لا تكتسب بالشهادات والمناصب ..
على الرغم من تفاجئه بوضع غريب لم يمر بمثله من قبل لكنه تمكن بحنكة من ترتيب الأمر ..
كان يعلم أنه بفرض اتمام الزواج على غسان في الصعيد يجعله ذلك في فوضى كبيرة واحراج مع أهل زوجته لتغيير خططهم عنوة وبدون سابق انذار لكن هذا لمصلحة ولده في الأخير .. وسيشكره لاحقًا ..
الحق أحق أن يتبع .. والأمور الخاطئة التي لا يقبلها عقل يجب أن تصحح فورًا ولو بالقوة ..
لكنه على قدر استطاعته حاول التخفيف من وقع الامر عليهم ومن الفوضى واثناء انسحابه المتعمد أمر فاروق بإيجاد حافلة كبيرة تستوعب أقرباء العروس وجيرانها ممن سيرغبون في الحضور .. وباتصالات هاتفيه رتب مع زيدان تفاصيل الحدث الهام الذي سيجري غدًا ..
وغادر للحسين تاركًا لغسان أخذ زمام الامور ..
من أصعب اللحظات واقساها تلك التي يضطر فيها للحديث مع سامي وهو منكس الرأس لكن ظهور والده عقد الأمور بدرجة كبيرة..
عقدها لدرجة انه لا يعلم كيف سيبدأ الحديث معه من الأساس لكن الحيرة التي كان عليها هو الاخر فرضت عليه الحديث معه ..
وكان شقيقاها الاخرين لا يقلان في الحيرة والغضب لكنهما ارتاحا بتوكيل سامي للحديث وللقرار ولكل شيء ..
وانزاح حمل كبير عن كاهله حينما بدأ سامي الكلام بانزعاج:
.. - هذا لم يكن اتفاقنا
سبحان الله بدلًا من أن يطير سامى سعادةً بهذا النسب يبدو مهمومًا باعلان والده .. من الواضح أنه كان يريد نفس ما يريده هو ..
زواج لفترة مؤقتة لحفظ ماء الوجع ومنع الفضيحة ومن ثم الانفصال لكن ترتيب الحاج مبارك يهدم كل خططهم من الأساس ..
- هذا أفضل صدقني .. لم امتلك الشجاعة من قبل للاعتذار لكن بعد أن أصبحت آريام زوجتي شرعًا بدأت في امتلاك بعض الشجاعة .. أنا اقدر موقفك تمامًا.. وـــــــ
قاطعه سامى بعنف:
- اخرس .. فقط اخرس ولا تحاول حتى الاعتذار.. ما فعلته كان خسيسًا بكل المقاييس ومهما فعلت لن تستطيع تقدير وضعي بصورة صحيحة إلا حينما توضع في نفس مكاني وصدقني ستجرب هذا وقريبًا جدًا ..
واغمض عينيه بألم .. يكفي هذا يا سامي ارجوك .. وسمعه يكمل:
- من يتق الله يجعل له مخرجًا .. والله ارسل والدك لأجل والدي الرجل الطيب الذي لم يؤذي أحدًا في حياته .. ارسله ليجعله لا يضع رأسه في الطين بسبب فتاة طائشة .. لو كان الأمر بيدي لكنت اخذتها الآن وانهيت هذا الأمر لكني اعلم أن هذا لن يكون رأي أبي أو أمي ..
ــــــ - اتفقنا اذًا .. لكن اولًا ارغب في شراء بعض الملابس لكم ولا آريام
قاطعه سامي بغضب عاتي:
- لن نتفق مطلقًا أياك أن تعتقد هذا ووفر ملابسك وأموالك لنفسك أنا كفيل بعائلتي ونستطيع الظهور بمظهر لائق أمام عائلتك ولولا أني شعرت أن والدك رجل محترم ولا يشبهك ما كنت وافقت على السفر مطلقًا مهما أن كانت العوائق أما بخصوص آريام فتستطيع سؤالها بنفسك عن احتياجاتها ففي الفترة الأخيرة اصبحت اعجز عن فهمها .. وعلى كل حال مهما أن كان رفضي وكراهيتي لكل الوضع لكن الحقيقة التي لا استطيع نكرانها انها اصبحت زوجتك فرتبا أموركما سويًا..
اه يا سامي .. أنا لست هكذا على الاطلاق اقسم لك .. أنا لطالما كنت رجل حر ولا اعلم ماذا اصابني لكن اقسم لك سأصلح كل الوضع ويكفي أنى سأتزوج شقيقتك الفلتانة ..
لكن كلماته لم تغادر جوفه .. الحديث عن أفعال آريام الان وأخلاقها لن يزيده سوى المًا وتقطيعًا في كرامته وكبريائه بعدما أصبحت له رسميًا ..
ومع احتقار سامي الدائم له بدأ يقدر فعل والده .. العجوز أصلح كثيرًا من جريمته .. الزفاف العلني في الصعيد تعويضًا ليس هينًا لآريام واشهار أمام الجميع .. الحاج كان معه حق .. غسان الهلالي لا يتزوج هكذا ابدًا مهما أن كانت العروس ..
- سأتولى أمر أبي وأمي وليقدرني الله على الكذب واختلاق حكاية يصدقاها فلن اغامر واتسبب بقتل والدى بسبب رعونة تلك ال** ..
وكان دور غسان ليقاطعه بحزم:
- توقف .. من الآن وصاعدًا لا اسمح لأي شخص حتى ولو كان شقيقها باهانتها .. من هذه اللحظة هي السيدة آريام الهلالي ولو كنت لا تعلم من أنا ففقط استعمل الانترنت وابحث عني وعن عائلتي وستعلم .. أنا لا انكر مقدار جريمتي ولا مقدار خطئها لكن عفا الله عما سلف طالما نوينا الاصلاح ..
وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ .. صدق الله العظيم
وأمام حدته صمت سامي .. فخيار قتله قد ولي وقته واختار وضع يده في يده حتى ولو كانت ملوثة بدماء شقيقته ..
**
لا يوجد سوى معتصم لينجده ..
اقامة معتصم في القاهرة لفترات تمنحه مميزات لا يملكها هو وبالتأكيد زوجته الأنيقة ستعلم كيف تكسو آريام بسرعة أما أشقائها ووالديها فعلى سامى الاهتمام بهذا الأمر كما اتفقا ..
.. - معتصم .. أنا اريد مساعدتك بصورة عاجلة
هل تجرؤ على التعدد يا رجل ..؟؟ -أولًا مبارك يا عريس لكن هكذا فجأة..
وزوجتك؟؟ الزواج باثنتين جحيم متحرك ..
قاطعه غسان بضيق:
- معتصم ارجوك أنا بحاجة ماسة للمساعدة ..
الأمر يبدو جدي .. هذا لا يبدو عريسًا على الاطلاق .. وتحولت نبرته للاهتمام..
كيف استطيع مساعدتك؟؟ -
- اريد من زوجتك مساعدتي في تجهيز العروس من مجاميعه كما يقولون وفي خلال بضعة ساعات فقط .. أنا اعلم أنها مهمة مستحيلة لكن اعتقد القاهرة بها محال فاخرة تغطي كافة الاحتياجات وخصوصًا فستان عرس محتشم يناسب زفاف في منزل في النجع وملابس منزل وداخلية وملابس خروج وعبائات سوداء وأحذية ..
كل شيء معتصم ..اريد كل هذا في خلال اربعة خمسة ساعات يا معتصم ولا اعلم كيف لذلك لجئت اليك ..
صديقه يبدو في ورطة كبيرة ولا وقت للاستفسار..
- من حسن حظك أن زوجتي وشقيقتي تتوجدان حاليًا بالفعل في مجمع تجاري راقي واثنتان أفضل من واحدة بالتأكيد ستنجزان الكثير في نصف الوقت
.. - الحمد لله لا اعلم كيف اشكرك معتصم
وتنحنح معتصم بإحراج .. غسان يبدو مشوشًا حتى أنه يتوقع أن تنجح شيرويت في تلك المهمة الانتحارية بدون أن تكون رأتها من قبل وحتى أنه لم يخبره عن قياساتها,, كيف سيسأله عن خصوصيات زوجته ومقاسها وهكذا..
- لكن هناك معلومات ضرورية ستحتاجانها بالتأكيد ..
- معتصم الاعتماد مفتوح لا تقلق بشأن الدفع فقط ارسل لي الفواتير ..
هل ورطته جعلته غبيًا أم ماذا ..؟؟
- توقف عن قول السخافات أنا اعني المقاسات .. لا تجعلني افسر أكثر من ذلك ..
أوه بالفعل .. كيف ستجهزها شيرويت وهي لم ترها من قبل ..؟
في الواقع مقاسها يبدو أكبر من مقاسات هيلين بمقاس ومقاس قدمها أصغر بكثير.. كانت قدمها الصغيرة تختفي في حذاء هيلين الواسع وتتعثر في الكعب مما يعني أنها لم ترتديه من قبل في مفارقة عجيبة فهيلين فارعة الطول ترتدي كعبًا يجعلها تناهزه طولًا وربما تزيد وآريام القصيرة التي لا يتجاوز طولها المائة وستين سنتيمتر بأي حال لا ترتديه ..
وعلى الرغم من كل ما بها لكن الافصاح عن مقاس زوجته لصديقه يسبب له الحرج والغضب فقال بضيق:
.. - سأرسل لك التفاصيل في رساله ومررها لزوجتك
.. جيد جدًا .. إلي اللقاء لأرتب الامر -
واغلق معتصم الخط ليمنحه فرصة لارسال الرسالة
وكان الحل الامثل لمعرفة مقاس حذائها بالتحديد هو أن يطلب من أم قاسم احضار حذائها القديم الذي بدا واضحًا أنه اصلح عدة مرات ..
وكتب " المقاس اربعين تقريبًا أو ما يعادل أربعة عشر .. الطول ما بين مائة خمس وخمسون سنتيمتر ويقل عن المائة وستون خمرية اللون مقاس الحذاء سبعة وثلاثين .. رقيقة الملامح لذلك يناسبها أبسط الاشياء الغير معقدة "
وارسل رسالته واتجه وهو يبلع ريقه لينتهي من الشق الأصعب ألا وهو الحديث مع آريام واعطائها الحبوب التي طلبها بالهاتف من الصيدلية القريبة ..
واقناعها بكل الترتيبات وو ..
مهام مستحيلة وهو يعلم لكن حينما يتعلق الأمر بالستر فكليهما عارٍ من ستره ويجب عليهما التستر سويًا لاخفاء العار والعري عن عيون الناس ..
هكذا يقول المنطق الذي فرضه الوضع الحالي ..
**
ضحكت شيرويت بخبث وهي تمرر رسالة معتصم لليال ..
- انتبهي ليال للملابس الداخلية .. علينا تجهيز عروس ..
وردت ليال بنفس السخرية:
- للأسف غسان أخطئ الهدف .. لم يجد سوانا نحن .. كلتانا لم تتجهز للعرس.. اراهنكِ أنكِ لم تشتري ملابس الدانتيل تلك للآن ..
واحمرت شيرويت:
- بل اشتريتها يا عزيزتي ..
- مسكين راضي .. فأنا ارتدي عند النوم منامة ميكي موس ..
- إذًا اعتقد أنى سأهتم بعروستين لا عروس واحدة ..
- هل تعلمين يا شيرويت ..؟؟ لطالما افتقدت وجود أم في حياتي .. صحيح رحمها الله كانت متواجدة لكنها أبدًا لم تنصحنا بما يفيد .. أنا لا اقول ذلك لأني ناقمة عليها لا سمح الله لكنها كانت فعلًا مسكينة .. قضت حياتها في الحرب من أجل النفوذ حتى أنها لم تجد وقتًا للاستمتاع بهذا النفوذ ولا بأطفالها.. اتعشم أن نتلافى كل هذه الأخطاء في تربيتنا لأولادنا ..
- الحديث عن الماضي ليال دائمًا أمرًا غير محمود إلا اذا كان للعظة وهذا ما احاول فعله بالفعل مع ريان ومع حمزة .. اهذب افكارهم وانزع عنهم القبلية والتعصب والقسوة .. آه ليال هذا ليس وقت حديثًا عميقًا كهذا .. غسان يحترق..
- لا شيرويت بل هو وقته .. ربما مشكلة غالب وزبيدة تتعلق بغياب دور الأم في حياتها وستكون مشكلتي أيضًا .. نحن لم نتعلم كيف نتعامل مع أزواجنا وبالتالي توجد فجوة بيننا وبين أزواجنا بالنسبة لي ولزبيدة أما أنتِ ومعتصم فاعتقد انكما تجاوزتما تلك المرحلة ..
- حبيبتي ,, لا تتعللي بذلك .. غالب وراضي رجال حقيقين ويستطيعون تعليم زوجاتهما ما يريدون لكن لا مانع من بعض الدلال من طرفكما .. أنتِ بنفس قياسات زوجة غسان تقريبًا.. اتجهي أنتِ لشراء فستان الزفاف بمستلزماته واتركي لي امر الاهتمام بالملابس الداخلية المثيرة لكِ وللعروس ولا مانع لي بالمرة .. ثم سنتقابل بعد ساعة في التوكيل الشهير بالأسفل ونحاول في خلال ساعة اخرى جمع باقي مستلزمات العروس التي تليق بحرم غسان الهلالي .. سنجلب لها خزانة كاملة وما ناسبها كان خيرًا وما لم يناسبها تستطيع تبديله لاحقًا ,, علينا الانتهاء في
أقرب وقت فبعدها سيكون علينا ارسال المشتريات لغسان ثم السفر للنجع لدعم زبيدة..
وانطلقتا بسعادة ..
التسوق في حد ذاته متعة للنساء حتى ولو كانوا يتسوقون لغيرهن..
**
واستيقظت أخيرًا .. نامت بعمق وكأنها لم تنم منذ شهور ..
ولدهشتها وجدت نور مازال مستغرقًا في النوم ..
ولم تستطع أن تتمالك نفسها فقبلته بلطف واستيقظ عند شعوره بقبلتها علي جبينه وابتسم ..
- حبيبي ..
وحملته قرب قلبها .. آه يا نور لأجل طبعة جسدك هذه في الفراش تحملت طبعة الخيانة في قلبي .
الخيانة حفرت هنا بالداخل لكن قربك مني يخفف الكثير ..
وبعدما غيرت حفاضه وأطعمته الرضعة التي اعدتها شعرت بالجوع ..
- تعالى نور لنبحث عن شيء يصلح للأكل ..
وفتحت الباب .. لتصدم صدمة عمرها .. أمام الباب كان ياسين يجلس على مقعده المتحرك بصمت ..
- ياسين .. ماذا تفعل ..؟؟
- انتظركما حتى تستيقظان ..
شهقت بعجب:
- لماذا ..؟؟ ومنذ متى ..؟؟
- منذ أن طردتيني من الغرفة لتنامي ..
- هذا غير معقول وغير مقبول .. صحتك مازالت ضعيفة .. ثم كيف سمحت لك أمي بهذا ..؟؟
- ترجتها أن تسمح لي فسمحت ..
آه يا ياسين أنت تستغل حب الجميع لصالحك .. هذا لم يكن طبعك يومًا .. ماذا فعلت بك تلك الأخرى ..؟؟ ابدلتك تمامًا ..
واصدر نور صوتًا جعله يتساءل ..
- هل تحملين الطفل ..؟؟ اعنى نور ..
- نعم .. هل ترغب في حمله قليلًا ..؟؟
وصمت والسكوت علامة الرضا فوضعت نور في حجره ولاحظت أنه تردد قليلًا في البداية لكنه اطبق عليه بعدها بلطف .. وكان يبدو مترددًا في ضمه لصدره ..
- ضمه يا ياسين .. نور لطيف جدًا ويحب الاحتضان ..
وضمه أخيرًا وكانت لحظة مهيبة جلبت الدموع لعينيها على الفور .. لحظة ذكرتها بنفسها في أول مرة ضمت فيها نور ..
نور كان حلمًا صعب المنال وتحقق أخيرًا لكن تحقق بدم ونار وألم ..
ثم وبدون مقدمات فعلها المشاكس الصغير وتقيأ على كتف ياسين الذي شعر بسائل يغمره فجفل ..
- شيماء ما هذا ...؟؟
التقطته شيماء ومسحت فمه بمنديل ويى تبتسم:
- الرضع يتقيؤون عادة بعد الرضاعة ..
هتف بفزع:
- ماذا ..؟؟ هل يفعلها دائمًا ..؟؟
- تقريبًا بعد كل رضعة ..
- الا تشعرين بالقرف ..؟؟
- الأم لا تشعر بالقرف من طفلها يا ياسين و.. ..
وبترت جملتها .. هل ستصدق كذبتها ..؟؟ لكنها لم تكن تكذب .. لا ذنب لها أن الله وضع محبته في قلبها وكأنها انجبته حتى أنها باتت تعتقد أنها حملت فيه فعلًا ..
وشعر ياسين بما تمر به .. وشعر بأنها ستنفجر وسيفقدها مجددًا..
- حسنًا هيا عزيزتي .. اعطي الطفل لأمي وساعديني على ىتغيير ملابسي ..
كان دورها لتصيح:
- ماذا ..؟؟
- القيء يملئني حبيبتي اريد تغيير كل ملابسي ..
آه يا ياسين ماذا تفعل ..؟؟
أنت تدخلني دائرة الخطر ولا اعلكم كيف سأخطو خارجها ..؟؟
لو رفضت الآن سيشك .. كيف ترفض مساعدته وهو على هذا الوضع ولا يجوز التعلل بنور وترك والدته أو الخادمة ليساعداه وهي زوجته ..
الرحمة يا إلهي ..
وكرجل الي ناولت نور لجدته وعادت لدفع ياسين لداخل غرفته ..
**
كانت تستند بضعف لظهر الفراش مغمضة العينين شاحبة الوجه ..
التجربة رهيبة لن ينكر هذا .. الاغتصاب حتى ولو كانت المغتصبة متزوجة لسنوات وسنوات هو قتل مباشر فما بالك اذا كانت عذراء وكل ما قابلته من قبل ربما لم يتعدى التحرشات الخارجية ..؟؟
هو اجرم لا خلاف في هذا لكن بجريمته أصبحت هي زوجة غسان الهلالي .. نعم هو المتسبب في هذا لكنها لم تخرج خاسرة بالكامل فعلى الأقل صبح لعهرها ثمن وباهظ كما كانت تتمنى ..
في يوم قريب وعدته بمنحها جسدها واتفقا عليى اليوم والساعة وصعدت معه لشقته وسمحت له بتقبيلها ثم تراجعت ..
ربما لم تسرق السوار كما اعتقد لكنها سرقت شيئًا أخرًا لا يعلم ما هو .. سلامه الداخلي ربما ..
وأكثر ما يؤلمه هو عدم قدرته على التحدث مع إياد .. لأكثر من أربعة وعشرين ساعة وهو لا يعلم عنه أي شيء وهذا يقتله .. اغلاقه لهاتفه كان هروبًا من نفسه .. كيف سيكون قدوة لطفله وهو مجرد خنزير ..
كل أمنيته أن يتمكن من تصحيح الوضع ليستطيع الحديث مع إياد ..
ورؤيته لآريام على هذا الوضع تعزز من قراره ..
إذًا اسمها آريام حقًا ولم تكن تكذب .. كما أنها لم تكن تكذب حينما قالت انها لم تفعل ذلك من قبل.. ليته تركها لحالها حينما قالت له " اتركني بحالي "..
هو شخصيًا لا يجد تبريرًا لفعلته الدنيئة .. الحقيقة الواضحة الوحيدة والتي لا تحتمل الشك هي أن آريام رافقته لإيجاد دليل براءتها وهذا أمرًا لم تكذب حياله..
واقترب أكثر ولم تشعر به.. حتى أنها لم تكن تشعر بتلون كم فستانها من الجرح ..
ولم تشعر به وهو يتجه للخزانة ليبحث عن شيء يناسبها لترتديه فتتخلص من الفستان وترتدي ما يسمح له بتفحص الجرح وابدال ضمادته ..
ووجد ضالته ..
والتقط منامة قطنية من الخزانة وعاد للفراش واقترب منها وهى مازالت لا تشعر حتى أنه بدأ في الشعور بالقلق .. ربما هي فاقدة للوعي مثلًا ..؟؟
وعدم شعورها بوجوده لم يترك له الخيار فهزها برفق وانتفضت برعب لا يناسب هزته ..
كانت ترتعد حرفيًا لدرجة أن الفراش كان كله يرتعد مما اضطره للتعليق بضيق:
- اهدئي آريام .. أنا لن أؤذيك مجددًا ..
لكنها لم تهدأ وواصلت الارتعاد:
- ماذا تفعل هنا ..؟؟ وأين أشقائي ..؟؟
- أشقائك غادرو لمنزلكم ليستعدوا للسفر للصعيد وأنا هنا لأتفحص جرحك ..
صرخت برعب:
- اتركني بحالي لا اريد رؤيتك ..
كانت تشعر بسخونة وتصلب في ذراعها الجريح وكانت بالفعل تحتاج للمساعدة لكن ليس منه علي أي حال..
- آريام ارجوكِ .. اقسم لكِ لن اؤذيكِ أنا فقط ارغب بالاطمئنان على جرحكِ ..
كان يمد يده في اتجاهها فتكورت علي نفسها برعب ..
وواصلت الصراخ:
- اين أم قاسم .. ؟؟على الرغم من قسوة أم قاسم واحتقارها لها لكنها تشعر بالأمان في وجودها ..
- ريام اسمعيني .. حاليًا لا يوجد سوانا في المنزل .. أم قاسم توجهت لشقتها لانتظار الحافلة التي تحضر طفلها من المركز التأهيلي وفاروق ذهب لترتيب أمر نقل أقربائكِ وجيرانكِ للنجع وأشقائكِ ذهبوا لمنزلكم لإخبار والديكِ والترتيب للسفر وجرحكِ يحتاج للتدخل الفوري وإلا ستأذين نفسكِ وبشدة.. يكفي ما فعلتيه لنفسك حتى الآن..
وبكل كراهية الدنيا نظرت إليه :
- ما فعلته لنفسي ..؟؟ صحيح أنت خنزير مغتصـــ ..
قاطعها بعنف:
- لن اجادلك الآن .. أنا لست في حالة تسمح لي بالجدال ولا بالدفاع عن نفسي.. كلانا أخطأ وحان وقت دفع الثمن .. أنا تزوجت فتاة التقطتها من الشارع وأنتِ تزوجتِ زواج لم تكني حتى لترينه في أحلامكِ .. فمن الخاسر في الحقيقة..؟؟
صحيح أنكِ اغتصبتِ في الطريق لذلك لكن اعترفي بالحقيقة لنفسكِ لترتاحي قليلًا وتقللي من حسرتك ِ.. أنتِ كنتِ ستسلمين لي أو لغيري,, كانت فقط مسألة وقت والدليل هذا ..
واشار لها بعنف عاتي بالخاتم الذ كان ملقيًا على الأرض عند قدميها ثم فتح نافذة الغرفة وطوحه خارجًا ..
واستعاد جزءً من سيطرته علي نفسه..
- على كل حال الثمن المدفوع للآن لم يعادل حتى ربع ما اقترفناه لكن ما نفعله هو محاولة لحماية الآخرين من الفضيحة والعار .. تحملي آريام حتى تمر الدخلة بسلام وبعدها سيكون لدينا متسعًا من الوقت لكراهية أحدنا الآخر بحرية.. والآن دعيني اتفحص جرحكِ ..
وحينما لم يجد أي استجابة زفر بتوتر والتقط ذراعها فزادت حالة تكورها وارتعادها ..
مجددًا آريام تجبريني لاستخدام القوة المفرطة لفرض رأيي .. لماذا لا تسمعين الكلام ..؟؟ وبحركة عنيفة فتح سحاب فستانها وجذبه بقوة لأسفل متجاهلًا مقاومتها الضعيفة ونظرات الرعب والكراهية على وجهها وركز بصره على الجرح .. كان ينزف من بين الغرز التي كانت متسعة ولم يعد ممكنًا عمل غرز الحاقية لتيبس حواف الجرح ..
جرح لا يخيطه طبيب مبتدأ بهذا الشكل لا أكبر جراح تجميل في العالم وسيترك ندبة كبيرة مكانه بالتأكيد لكن نظرًا لحاله بالأمس فالخياطة بوضعها الحالي تعتبر انجازًا رائعًا ..
الحل الوحيد المتاح أمامه الآن هو وضع لصقة طبية تضم الجرح بشدة لكن يجب على آريام عدم تحريك ذراعها لمدة لا تقل عن خمسة أيام .. وبلطف اهتم بالجرح محاولًا عدم التأثر بدموعها التي بللت قفازيه المعقمين ..
وحينما انتهى كانت بالفعل تشعر بتحسن طفيف وخف الضغط والسخونة التي كانت تصيبها بالجنون لكن مازال كل ذراعها يؤلمها وبشدة تجعلها لا تستطيع التوقف عن البكاء ..
ثم ساعدها على ارتداء المنامة محاولًا عدم كشف المزيد من جسدها أثناء ذلك..
والجزء الأصعب عليه حقنها بإبرة قوية مسكنة للألم في العضل .. يا إلهي ..
كيف سيخبرها ذلك ..؟
لكن الألم المرتسم على وجهها والذي اصبح يغطي حتى على الكراهية جعله يعد الابرة بثبات وحينما شاهدتها زادت ارتعادتها ..
المسكينة تخشى الابر ..
- آريام هذه ابرة مسكنة ستخفف الوجع ..
- لا اريد اتركني بحالي ..
لكنه لم يمنحها الفرصة لإكمال جملتها وقلبها بقوة حرص خلالها على عدم التحميل على ذراعها المصابة وكشف جزء من سروال المنامة وحقنها على الرغم من اعتراضها ..
ومن رعبها صاحت :
- هل حقنتني بمادة منومة لتغتصبني مجددًا ..؟؟
يا الله .. ما تقوله قاسيًا جدًا على نفسه ..
انظر ماذا فعلت بحالك يا غسان ..؟؟
وحان وقت الغضب .. إن تركها ستؤنبه لما لا نهاية وتنسى أصلها ..
- أنا لن المسكِ مجددًا مهما حدث .. لمسكِ كان أكبر غلطة فعلتها في حياتي وسأدفع ثمنها لسنوات طويلة قادمة .. لا تعيشي دور الضحية .. أنا حقنتكِ بإبرة مسكنة لتخفيف الألم .. لا تخلطي بين حياتي الشخصية وبين أخلاق مهنتي كطبيب .. ربما ستنامين عندما يهدأ الألم وهذا أمر طبيعي وانزعي من دماغكِ أي أفكار مجنونة قد تراودكِ ..
وحتى ولو اردتكِ فأنتِ أصبحتِ زوجتي شرعًا وهذا لا يسمى اغتصابًا لكني لن المسكِ مجددًا آريام .. زواجنا كان تصحيح غلطة ولا يجب أن نزيد الطين بلة ..
ثم اخرج الحبة من غلافها وناولها لها ..
- تناولي هذه .. انها حبة لمنع الحمل .. لا نريد عقبات غير محمودة لفعلتنا ..
وبحركة عنيفة اختطفت الحبة من يده وابتلعتها فورًا وشربت خلفها قنينة الماء بالكامل في تعبير صريح عن رفضها للحمل منه..
- أن يكون لي طفل من حقير مثلك هو الجحيم بعينه .. كراهيتي للارتباط بك تفوق كراهيتك وحقدي أضعاف مضاعفة لحقدك ..
وانتهى الحديث عند هذا الحد ..
لكن جذور الكراهية نبتت واستفحلت .. التوبة لا تكفي إذا ما كانت فقط بسبب الخوف من الفضيحة ..
الذنب لا يولد سوى كراهية وبغضاء ولا يكفي الندم لمحو تلك الذنوب..
لكن وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ..
•تابع الفصل التالي "رواية عطر الخيانة" اضغط على اسم الرواية